eKtab
EN ع
فلسفة الأخلاق بين أرسطو ومسكوية
اقرأ عينة مجانية

فلسفة الأخلاق بين أرسطو ومسكوية

بقلم د. ناجي التكريتي

صفحة 1

تقديم

وددت أن أكتب كتاباً في الفلسفة المقارنة بين أرسطو (384 ق.م – 321 ق.م) ومسكوية (320 – 421هـ)، وجدت أن الفيلسوفين يلتقيان في الفلسفة الأخلاقية، أن لم أقل أن مكسوية قد تأثر كثيراً بفلسفة أرسطو الأخلاقية، إضافة إلى ما احتذته ووعاه من تعاليم الدين الإسلامي، أكثر من هذا، فاستطيع التأكيد أن مسكوية، ما أن يستوعب الفكر ة الفلسفية أو يؤمن بها ويتبناها، حتى يخضعها للتعاليم الإسلامية، قبل أن يستعملها وتفوق من صميم إبداعاته الفكرية.

كل دارس للفلسفة، يعلم علم اليقين، إن الاتجاه نحو الاهتمام بالدراسات الأخلاقية، في الفلسفة اليونانية، قد بدأ على يد الفيلسوف فيتاغورس، المهم في هذا الشأن أن الذي خلف الدراسات الطبيعية وراء ظهره، واتجه اتجاهاً كلياً لدراسة أخلاق الإنسان والاهتمام في شؤونه، هو الفيلسوف سقراط.

أما الفيلسوفان اللذان أرسيا قواعد دراسة الأخلاق في الفكر الفلسفي، هما الفيلسوفان الكبيران: أفلاطون وأرسطو.

اتجه أفلاطون اتجاهاً كلياً إلى الكتابات الأخلاقية، حتى تجاوز عدد كتبه على ست وثلاثين محاورة، الكتاب الوحيد الذي كتبه أفلاطون في الفلسفة الطبيعية، هو كتاب (طيماوس)، مع العلم أن هذا الكتاب يعد ضعيفاً في دراسة الفلسفة الطبيعية، على الرغم من أن أفلاطون حتى في هذا الكتاب قد نحا منحى أخلاقياً.

كتاب أرسطو المشهور في الفلسفة الأخلاقية، هو كتاب (الأخلاق إلى نيقوماخوس) أو (الأخلاق النيموماخية) كتاب أرسطو هذا كتاب شامل وواسع وعميق في شؤون الدراسات الأخلاقية، لقد أثر هذا الكتاب في المدارس اليونانية المتأخرة، ثم تجاوز أثره إلى الفلاسفة المسيحيين والفلاسفة الإسلاميين في العصور الوسطية، أنه في الحقيقة إلى الآن يعد مرجعاً في الفلسفة الأخلاقية، يعتمد عليه الدارسون والأكاديميون.

أما كتاب مسكوية (تهذيب الأخلاق) فيعد أهم كتبه التي كتبها في الفلسفة الأخلاقية، لقد كان لكتاب مسكوية هذا أثر جميل في الدراسات الأخلاقية الإسلامية، لقد تناوله الباحثون في الدرس، كما أولاه الفلاسفة عناية خاصة، وأخذوا منه وتأثروا به، أنه في الحقيقة ما زال حتى الآن يُشعر القارئ بالحيوية والجد في مجال المواضيع التي تناولها الفيلسوف.

لا شك أن مسكوية قد تأثر بمن سبقه من أفكار الفلاسفة واقتبس من آرائهم، واستعمل مقولاتهم، أنه قد تأثر بكتاب (الأخلاق النيقومافية) لأرسطو، كما أنه قد تأثر بكتاب (تهذيب الأخلاق) ليحيى بن عدي التكريتي، وكتاب (الطب الروحاني) للرازي، وكتاب (دفع الأحزان) للكندي.. وغيرهم.

أرسطو نفسه، ما هو إلا صدى لكتابات أستاذه أفلاطون الأخلاقية، لو أراد الباحث أن يحلل أفكار أرسطو جزء بعد جزءـ لاكتشف أن آراء أرسطو الأخلاقية مستقاة من فلسفة أفلاطون، على أنها كتبت بأسلوب أرسطو العالم المنطقي المدقق.

إن هذا في رأيي شيء طبيعي، في كل حقل من حقول المعرفة، توجد مقولة فلسفية، تذهب في الرأي إلى أنه لا يوجد شيء من لا شيء، بل كل شيء يعتمد على شيء سبقه، وأنه اعتمد أو أنه من ثمر ذلك الشيء.

لو تتبعنا فلسفة أي فيلسوف، أو فكر أي مفكر، أو علم أي عالم، أو أدب أي أديب، أو فن أي فنان، لوجدنا أنه قد اعتمد على من سبقه من المبدعين، في الحقل الذي يكتب فيه، الأهمية تكمن هنا، في مقدار الإبداع الشخصي الذي يضيفه الفيلسوف إلى من سبقه في الحقل الذي ولجه نفسه.

لا شك أن فلسفتي أفلاطون وأرسطو قد أثرتا في الفكر الإنساني جنباً إلى جنب، حتى عرفت المدارس التي تأثرت بأفلاطون أو تبعث تعاليمه بالمدارس الأكاديمية.

أما الفلاسفة الذين تأثروا بفلسفة أرسطو فقد عرفوا بالمشائين.

يقال أن أرسطو، بعد ما جرى لسقراط خاف على نفسه، فكان يدرس طلابه وهو يتمشى، حتى عرف إتباعه بالمشائين، الفلاسفة المسلمون، شأنهم شأن الآخرين قد درسوا كتب أرسطو، وتأثروا بمنطقه وبكتابه على الأخلاق.

لقد أحب العرب أرسطو واحترموا أفكاره، وتشبعوا بفلسفته، حتى أطلقوا عليه مصطلح (المعلم الأول) كونه رائداًَ كبيراً في المنطق والسياسة والأخلاق والبلاغة والشعر.

أرسطو في الحقيقة، هو الذي اتجه في الكتابة الفلسفية اتجاهاً علمياً دقيقاً، أنه بعبارة أخرى طبق نظرية سقراط بإنزال الفلسفة من السماء عملياً، أي أنه وضع النظريات في الأخلاق والسياسة والمنطق والفن، إذ كان أفلاطون قد سبقه في ذلك، غير أن أسلوب أفلاطون الكتابي لا هو بالشعر ولا هو بالنثر، بل أن أفلاطون كتب فلسفته التي عبر بها عن فكر سقراط بطريقة الحوار، للوصول إلى الحقيقة.

لا شك أن أرسطو نظر إلى الإنسان نظرة موضوعية، فقال: إن الإنسان حيوان ناطق أو أن الإنسان مدني بالطبع، أنه في الوقت بشر بالعدالة، وأن تكون الحرية نصيب الفرد والجماعة على السواء، أما عن علاقة الحاكم بالمحكوم، فإنه أوصى الملك أن يرعى أبناء شعبه، كما يرعى رب العائلة أفراد عائلته، وأن يهتم بهم كاهتمام الطبيب بمرضاه.

يرى أرسطو أن نتعامل مع الإنسان كإنسان، كما هو عليه حاله، لا كما نريده أن يكون، إن الإنسان حيوان عاقل، وهو ليس كامل التكوين، بل أن ديدنة السعي نحو الكمال، يكفي الإنسان فخراً أنه كائن اجتماعي وعضو في المجتمع الإنساني، ومن خلال التعاون بين بني الإنسان يكون التقدم والازدهار.

لم يقترب أرسطو من السياسة عملياً، ولا اكتوى بنارها.

إنه اعتقد أن الاشتراك في السياسة عملياً تشغل الفيلسوف عن أداء عمله الأصلي الذي أوقف حياته من أجله.

مع ذلك لقي من عنت السياسيين والحاسدين، من خلال الصراع بين أثينا ومقدونيا، ولاسيما بعد وفاة تلميذه الأسكندر.

تجمع المصادر أن أرسطو كان رجلاً فاضلاً في سيرته، حتى قبل أن يكتب كتابه (علم الأخلاق) مع ذلك فإن أرسطو يرى أن على المرء إلا يكتفي بالعلم المجرد ليكون فاضلاً، كما أن الفضيلة ليست كلمة يطلقها الإنسان، بل أن الفضيلة ممارسة ومران.

صفحة 2

نسب إلى أرسطو ثلاثة كتب في الأخلاق:

1) علم الأخلاق الكبير.

2) علم الأخلاق إلى أويديم.

3) علم الأخلاق إلى نيقوماخوس.

لا شك أن هذه الكتب الثلاثة مذكورة في كثير من المصادر العربية القديمة، على أن كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس أو الأخلاق النيقوماخية، هو المعول عليه، لأن نسبته قد صحت إلى مؤلفه أرسطو، ترجم هذا الكتاب إلى اللغة الإنجليزية بروفسور روسي أستاذ الفلسفة بجامعة أكسفورد بانجلترا.

أما في اللغة العربية، فتوجد ترجمتان لكتاب الأخلاق النيقوماخيه:

الأول: ترجمة حنين بن إسحق وحققه الدكتور عبدالرحمن بدوي بعنوان (علم الأخلاق).

الثاني: مترجم إلى اللغة الفرنسية عن الأصل اليوناني، ترجمة بارتلمي سانتهلي أستاذ الفلسفة بكلية دي فرانس كولبح، وترجمه إلى العربية الأستاذ أحمد لطفي مدير دار الكتب المصرية بعنوان (علم الأخلاق إلى نيقوماخوس).

وهكذا أقول أن الأخلاق عند أرسطو ما يسعى الإنسان إلى تطبيقه على أرض الواقع، ليست الفضيلة بما تكتسبه من علم، بل أن الأساس في هذا المقام، هو عمل كل ما هو حسن وجميل، وتحقيق الخير في حياتنا، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

يبدو لي أن أرسطو لا يستطيع التخلص من أثر أستاذه أفلاطون الذي كان يقول أن الناس أشرار بالطبع، أرسطو نفسه يذهب هذا المذهب، على أنه يوجب على الفيلسوف أن ينتشل البشر من شرورهم، وإلا يبقيهم في قعر الرذيلة، على الفيلسوف أن يرتفع بهم ويرفعهم إلى نعيم الفضيلة.

يذكرني رأي أرسطو هذا بنظرية المثل الأفلاطونية، أو التي يعرف بنظرية الكهف، التي هي أساس فلسفة أفلاطون في نظريته المعروفة بالجدل الصاعد والجدل النازل، خلاصة النظرية أن الناس كانوا يقعدون في كهف مظلم، والفيلسوف هو الذي يخرجهم إلى دائرة الضوء.

علم الأخلاق إذن من هذا المنطلق نافع للناس كأي علم آخر، ربما أن فائدته أكثر نفعاً للإنسان، مادام الأمر معقوداً بسلوك الإنسان اليومي على مستوى الفرد والجماعة معاً، إذا كان عوام الناس لا يأبهون لقراءة كتاب في علم الأخلاق، على أن رسالة الفيلسوف أن يرشدهم إلى سواء السبيل، مادام الإنسان يتقلب في حياته بين الضار والنافع واللذة والألم، والفضيلة والرذيلة.

هدف علم الأخلاق إذن التجربة العملية، بالغور في أعماق الإنسان، واكتشاف أسراره ونواياه، والإحاطة بما يكنه غيره، والأخذ بيده إلى طريق السلامة في الالتزام بالفضائل عملياً، والابتعاد عن كل ما هو شائين ومرذول.

علم الأخلاق النظري من دون تطبيق على أرض الواقع، يبقى مجرد نظريات مرصوفة على الورق، مهما تكن النصائح النظرية للإنسان، من غير ممارسة فعلية في الحياة ليست بذات فائدة، علينا ألا ننسى أن الإنسان تحركه عوامل داخلية، حسية وإطماع ذاتية وحب التملك قد تدفعه إلى مخالفة النصائح والنواهي، وربما تؤدي به إلى التمرد والعصيان.

أنه من المعروف إن الإنسان شرير بطبعه، أنه ما زال يذكر حياة الغاب، وكيف كان يتمتع بكامل الحرية، التي لا يحدها قانون ولا يقلدها عرف، الإنسان إذن تهمه تحقيق مصلحته واكتمال سعادته، من هنا يجب النفاذ إلى أعماق الإنسان، لاستئصال عنصر الشر أو تخفيفه، وإفهامه أن اندفاعه وسط الجماعة، يؤدي به إلى الشقاء ولا يحقق له السعادة.

ذلك أن اندفاع الإنسان قوي إلى درجة قد يخالف كل الأعراف المتوارثة، والقوانين المدنية والشرائع السماوية، مادام الإنسان يمتلك الإرادة الطبيعية الخاصة به، التي قد نقص العقل ذاته، كما قد تتمرد على روح الجماعة المحيطة أو ما يعرف بالضمير العام.

إن الإنسان يشعر أنه رهن قوة داخلية، تتغلب في كثير من الأحوال على ما هو متعارف عليه من أخلاق ومثل عليا، أن خير العلاج هنا توجيه الإنسان ذاتياً، من أجل أن يتجه نحو كل ما هو خير والابتعاد عن كل ما هو شر، بعد ذلك يأتي دور العدل في تقييم نشاط الإنسان لكي يحظى بالجزاء أو ينال العقاب.

إن مسيرة الإنسان كلها موكولة بين الانسجام أو التصادم بين ما يمتلك من إرادة حرة مكنونة في أعماقه، توجهه بقوة ولا تريد التنازل والخنوع، وبين القوانين الأخلاقية التي فرضها عليه المجتمع، وأوجب عليه طاعتها والتقيد ببنودها وتعليماتها.

إن الإنسان حين يعقل ذاته، ويتأمل ما هو عليه من انفعال واندفاع، وبين ما تجلبه له القوانين المرعية من خيرات سوف يتأمل المنافع التي يجنيها، ولا يستهين بالخيرات التي يمكن أن يحصل عليها من جراء مواقفه وانسجامه مع ما هو مشرع بصالحه، أنه لا شك يرجع ما يعود عليه من الخير، على اندفاع حريته الذاتية، التي قد لا تجلب له غير الأثم والندم على مستوى الهمين الداخلي، والأذى والنظرة الدونية من أفراد المجتمع.

وهكذا نرى أن علم الأخلاق في الوقت الذي يدبر شؤونه ضمن الفرد وإيقاظه للابتعاد عن كل ما هو شرير ومؤذي، فإنه ينظم حياة الجماعة البشرية من حيث حسن التآلف والعيش في مجتمع منسجم عادل لا ظلم فيه ولا إجحاف، أكثر من هذا فإن علم الأخلاق يرتفع بالإنسان من حياته البهيمية إلى الوعي الاجتماعي، بعد هذا فإن علم الأخلاق يرسم الطريق إلى ما هو أعلى من ذلك وأصفى، إلى حيث الحياة الروحية التي تقود إلى السعادة والتوصل إلى الله.

لا شك أن القانون الأخلاقي المنبعث من باطن النفس، وفق ما يراه الإنسان خيراً وعدلاً، إن القانون الذي يفرض عليه من الخارج قد يتغير بتغير ظروف الزمان والمكان، أن القانون المدني قد يشرعه حاكم مستبد، يهمه مصلحته الذاتية قبل أن يرعى مصالح الجمهور.

إن القوة المتأتية من خارج ذاتها، قد لا تقيم الشخص ولا تؤدي الغاية المبتغاة، إن القانون المدني قد يسجن الإنسان أو يبعده عن بلده، لكنه قد يغيره نحو حالة أحسن من ذي قبل، إن العقاب قد يحد من تطرف الإنسان غير أنه لا يقضي على عنصر الشر المتأصل في الأعماق، إذا لا يكون الاقتناع ذاتياً برضى وارتياح.

إن الإنسان حين تكون له قناعة كاملة بالقانون الأخلاقي، تنقاد نفسه إلى كل ما هو جميل، ولا يفعل إلا الفعل الجميل الذي يحقق له السعادة، ويعود بالخير على المجتمع.

وهكذا فإن فضل علم الأخلاق على الإنسان، أنه يرشده إلى مواطن الخير والشر في أعماقه، أكثر من هذا، فإنه يشير إليه بوجوب الالتزام بالفضيلة والابتعاد عن الرذيلة، بالقدر الذي يجعل الإنسان أنه يفعل ذلك سلباً وإيجاباً، بدراية ومعرفة وإدراك.

لا شك أن أول فيلسوف يوناني وقف كتاباته كلها للأخلاق هو أفلاطون، إنه واصل رأي أستاذه سقراط، في أن الطبيعة واحدة في كل مكان، إن الإنسان وحده هذا المخلوق العجيب، المتغير في آن لآخر، العميق الغور، يستحق الدراسة والاهتمام. أرسطو ألمع تلاميذ أفلاطون، وإذا خالفه في بعض الأمور العارضة، فإن في الجوهر مسار في الأخلاق على نهج أستاذه أفلاطون.

استطيع القول أن أفلاطون نفسه، بنى فلسفته الأخلاقية كلها على مقولة أستاذه سقراط: (أعرف نفسك)، إن معرفة الأشياء إذن تبدأ حين يعرف الإنسان قدر نفسه، علينا إذن أن نكون يقظي العقل، ونحكم على أنفسنا بأنفسنا، بما فيها من خير وشر، كيفية تغليب عامل الخير على الشر، بغض النظر عما يصيبه من عقاب أو ثواب، المهم أولاً هو أن يعرف أن في أعماقه يتنازع عنصران حيواني وإنساني، وعليه أن يخضع الجانب الحيواني للقوة الإنسانية، بالتهذيب والممارسة والتمرين، حتى تتحقق إنسانيته بالكامل.

أفلاطون يلح على إخضاع النفس للعقل، لأن العقل في رأيه سلطان عادل، إن أفلاطون يرى أن تزكية النفس لا تكون بالمال ولا بالجاه، بل إن جمالها يكون بتنمية الفضيلة فيها، إن الفضيلة إذن في نظر أفلاطون أكبر خير يناله الإنسان.

إن الإنسان الفاضل الذي يسلك في الحياة وفقاً لتوجيه العقل، إن العقل سلاح الفيلسوف الذي يرشد به الإشارة.

إن الإنسان إذا سار في طريق الشرف الذي اقتنع به ورسمه لنفسه، لا يخشى ظلم كل ظالم، ولا يهاب حتى الموت الذي قد يأتيه على يد ظالم، أو ربما في سوح القتال، المهم أنه اقتنع بالسير في طريق الفضيلة بغض النظر عما تعود عليه من نفع أم ضرر.

وإن من الطرائف التي يرويها أفلاطون عن أستاذه سقراط، هي أن على الإنسان أن يفعل الخير وأن يبتعد عن فعل الشر، يفعل الخير للأصدقاء والأعداء معاً، وأن يتجنب فعل الشر للأعداء، حين سأله أفلاطون عن مرامي هذه الحكمة التي ساروا فيها بين الأصدقاء والأعداء.

وعلل سقراط ذلك أن من واجبنا أن نحب الأصدقاء ونرعاهم ونقدم الخير لهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً لأنهم أصدقاء الأعداء لنفعهم، إذ ربما نكسبهم من جراء هذا النفع، وقد نحولهم إلى أصدقاء، أو في الأقل نثمن شرهم، أما إذا اقترفنا الشر مع الأعداء، فإننا سنزيدهم عداوة، وسيتضاعف حقدهم عن ذي قبل.

يذهب سقراط أكثر من ذلك، فيقول إن الإنسان الذي يفعل الخير يشعر بالقوة والثقة بالنفس، أكثر من الذي يحقد ويقترف الشر، فإنه يثبت روحاً ضعيفة متهاوية تعوذها الصلابة والثقة والشرف.

أفلاطون لم يكن مغالياً بالتمسك بالفضيلة إلى حرمان الإنسان من التنعم باللذة، غير أنه يوصي الاعتدال مخافة الانزلاق إلى مهاوي الألم، أفلاطون يعرف أن يحيا الإنسان بنعيم السعادة ويتمتع بالحياة كما ينبغي، على أن يكون ديدنه الترفق بنفسه والالتزام بجانب الاعتدال.

إن من حق الإنسان أن يحيا حياة طبيعية، وأن يمارس نشاطه الإنساني كما ينبغي عليه أن يفعله، ولكن شرط إلا يتجاوز حدود الاعتدال، أفلاطون إذن لم يكن مغالياً، ولا يريد أن يحرم الإنسان من التمتع بلذائذ الحياة، كل ما يريده الفيلسوف، إلا يتجاوز الإنسان حدوده، فيغرق في آتون الشقاء، أن هدف أفلاطون من حث الإنسان على الفضيلة، كي يكون أسعد حالاً، ويبتعد عن مهاوي الألم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

يوصي أفلاطون أن تغرس الفضائل في نفس الطفل منذ الصغر، كي يشب على حب الفضائل وممارستها على مدى مرور الأيام وينطبع عليها، حتى تغدق عنده أشبه بالطبع.

لا شك أن كل إنسان منذ الصغر، يفخر أنه يطق عقله بالمعارف والعلوم، أن كل شخص يجب أن يوصف أنه شجاع وشهم، وكريم وعفيف وصادق وعادل ومعتدل، إلى ما هناك من فضائل اجتماعية تهم كل فرد، في أي مجتمع من المجتمعات.

أما الجانب السلبي، وأقصد به الرذيلة، فاعتقد أن أحدها لا يشرفه أن تلصق به صفات مثل جبان أو شرير أو بخيل أو ظالم أو شره وغني، إلى آخر ما هناك من رذائل يحاول كل شخص أن يبتعد وأن يتحرر من أن تلصق به أية واحدة منها في أية مرحلة من مراحل حياته.

أفلاطون يشير إلى أن الرجل الفاضل يبقى ممجداً طوال حياته، وذكرى أعماله الحسنة تبقى خالدة بعد وفاته، لا ينسى الفيلسوف الكبير إلى أن ينبه إلى أن الإنسان الشرير، الذي تعود على ممارسة الرذائل، مهما حاول أن يخفي أفعاله، فإنها ستظهر يوماً ويكتشفها الآخرون، ويبقى مثار سخرية واحتقار الآخرين له طوال عمره.

صفحة 3

لا شك أن أفلاطون نفسه، قد تعلم من أستاذه سقراط، أن التعاليم والمعارف تغرس في نفوس الأطفال، لأن ذواتهم ما تزال طيعةـ تقبل ما يصل إليها بسهولة وتقبل، وتنقش في صدورهم الحكمة كالنقش على الحجر.

إن أفلاطون ينقل عن أستاذه سقراط، إن قال أن الرجل الفاضل أسعد من الرجل الشرير، مهما لاقى الأول من منحى وضيق وعوز، ومهما نال الثاني من حظوة ومال وجاه، إن الأول رابط الجأش لأن سعادته تكمن في راحته الداخلية وتماسكه وتوازنه واعتداله وبراءة نفسه، أما الثاني فمهما تظاهر بالرضا عن نفسه، فهو شقي في أعماقه يعظم روحه بألم، لما اقترفه من آثام.

يذكر أفلاطون أن سقراط يذهب في الرأي إلى إن الإنسان الفاضل لا يعطي الحياة أكثر مما يتحقق من الاهتمام، الإنسان الفاضل يبقى متماسكاً محتفظاً بتوازنه، مهما أصابته المصائب ومهما حلت به الكوارث، حتى لو أنه فقد ولده أو ماله، فإنه يدرك أن كل شيء متغير في هذه الحياة، ولا يبقى حال على حاله.

إن الرجل الفاضل يشعر بما حاقه من ألم، على أنه يتغلب على ذلك، لأنه يعلم علم اليقين أن الحزن يؤذيه ولا يحقق له شيئاً ذا بال، أنه يحكم عقله، إذا ما وقع في محنة شديدة أو خسر خسارة فادحة، ويلتزم جانب العقل ليصلح حاله بأحسن الوسائل بدلاً من التوقع والانحسار.

إننا نلاحظ ببساطة، أن أفلاطون يسجل أفكار أستاذه سقراط، في التغلب على قسوة الحياة بقوة الإرادة وصلابة العقل، أن هذه الفكرة ذاتها سوف تؤسس مدرسة يونانية لاحقة، كل فلسفتها عليها، المعروف أن المدرسة الحرواقية مدرسة أخلاقية متأخرة، اشتهرت بفلاسفتها الأخلاقيين، كل ما جاء به هؤلاء الفلاسفة حكمة بنوا فلسفتهم عليها، مفادها (عش وفاقاً للطبيعة) وهي عين ما ذكره أفلاطون عن أستاذه سقراط في الفقرة أعلاه، وكل ما أتت به المدرسة الابيقورية أيضاً، هو التمتع باللذة من دون ألم، هذا هو عين ما ذكره أفلاطون، أن على الإنسان أن يتمتع باللذة على أن لا يعقب ذلك ألم.

أفلاطون واصل تعاليم أستاذه في التوجه إلى دراسة الأخلاق إلى درجة استطيع القول أن أفلاطون مسكون بكل ما هو أخلاقي، حتى حرية الإنسان، فإن أفلاطون يشترط فيها أو يجب أن تقترن الحرية بالأخلاق.

أفلاطون يرى أن الرذيلة أكبر الشرور، بل هي أساس كل الشرور، مع ذلك فإن أفلاطون لا يخالف أستاذه سقراط في الرأي بأن الإنسان يرتكب الرذيلة وهو جاهل بها، لا شك أن هذا الرأي الذي يتبناه أفلاطون عن أستاذه سقراط، أقرب لمن يعتقد بالقضاء والقدر.

إننا إذا أردنا أن نلتزم جانب الموضوعية في الحكم على الأفكار، فإن الفضيلة ممكن أن تعلم بالممارسة والتوجيه والتدريب، إلى أن تصبح عادة بل قد تغدو أقرب إلى الطبع.

إن العقل الحازم يستطيع أن يقاوم كل أفراط، وأن يتغلب على الشهوات، أنه في الوقت نفسه قادر على الأحكام على ما هو حسن وجميل وممدوح، إن الإنسان له القدرة على مقاومة الرذائل إذا ما أدرك عواقب شرورها، حتى أنه يبتعد عنها ويتخلص منها ويكون في منأى عن كل ما يسيء إليه من نظر الآخرين.

إن كل إنسان حين يستذكر تاريخ حياته، يرى بوضوح كيف أنه نمّى الخلال الحسنة في نفسه حتى صارت أشبه بالطبع عنده، وتخلص أو ابتعد عن كل العوالق السيئة التي تثير الاحتقار ضده.

القضية إذن منوطة بقوة العقل لدى كل إنسان وتقدم درجة ذكائه، إن الإنسان العاقل أكثر فطنة من محدود الذكاء في هذا الشأن، الإنسان الذكي له القدرة على مقاومة كل ما هو شائن قد يعكر صفو حياته، وعلى أن الآخرين يندفعون وراء شهواتهم، دون أن يحسبوا حساباً لما سوف تأتي به الأيام من عسر الحساب.

إذا أردنا أن نتوضى الدقة في الحكم على سلوك الإنسان، فإن الإنسان يعلم جيداً أنه يقدم على الفعل الحسن، كما أنه يدرك مقدماً حين يقترف نوعاً من الشرور، الإنسان إذن يعلم قبل أن يعمل سواء أكان ذلك سلباً أم إيجاباً، الإنسان يعرف جيداً أنه يلتزم جانب الصواب حين يفعل خيراً، وأنه يخالف الحق حين يقترف ذنباً.

لا شك أن الإنسان الذي يتخذ العقل دليلاً ومرشداً يسعى إلى فعل الخير، ويستحق أن يطلق عليه أنه رجل فاضل، بالمقابل فهناك من يفعل الشر هو عالم أنه يعمل الشر، ولا يهمه ما يترتب على ذلك من نتائج.

لا بأس بعد هذا أن أقول أن كتاب الأخلاق لأرسطو كتاب جليل القدر، تناول فيه كثيراً من القضايا التي تهم الإنسان، مثل الفضيلة والعدل والاعتدال واللذة والسعادة والصداقة إلى آخر ما هناك من مسائل وقضايا أخلاقية.

ما أود ذكره أن أرسطو اشتهر بنظريته في الاعتدال حتى أطلق عليه أن صاحب نظرية الوسط الذهبي، أود أن ألقى على ضوء ساطعاً في هذا المقام، فأقول أن الفيلسوف أفلاطون هو الذي نادى بوجوب الاعتدال في السيرة، وأن أرسطو قد اقتبس هذه المقولة من أستاذه أفلاطون.

إن أرسطو بنى كل ما قاله وعالجه في كتاب الأخلاق النيقوماخية على نظرية الوسط، التي هي في حقيقة أمرها أفلاطونية، لا شك أن أرسطو قد استقى نظرية الاعتدال من أستاذه أفلاطون، على أننا إذا ذهبنا في أمور أوسع، فإن الآداب العالمية في الحضارات القديمة قد نادت بوجوب الاعتدال في الحياة قبل أرسطو وأفلاطون وسقراط.

إن من يقرأ بنود شريعة حمورابي، يلاحظ بوضوح أن حمورابي يطلب من الناس الاعتدال في السيرة الحالة نفسها موجودة في ملحمة كلكامش، إن على الإنسان أن يلتزم جانب الحكمة في الحياة، إذا أردت أن أعرج إلى الشرق، فإن بوذا وكونغوشيوس، قد بينا حكمتها على الاعتدال وعدم التطرف في الحياة.

إن السبب الذي جعل أفلاطون يوصي بالاعتدال، لأنه قال أنه ليس بالإمكان جماح الفرد وحرمانه من كل شهواته الحسية، لا بأس على الإنسان أن يتمتع بلذائذ الحياة على إلا يفرط وفقاً للطبيعة البشرية، على الإنسان أن يحكم العقل في إشباع شهواته من غير تبذل في الطلب أو الانهماك في اللذات الحسية.

الوسط إذن خيار العقل كما يرى أفلاطون كي يحفظ توازن الإنسان فلا إفراط ولا حرمان أن الاعتدال في الحياة في تناسب مقبول، يكسب الإنسان فيغسله ويحقق له الراحة والسعادة والأمان.

ينتقل أفلاطون من الطريق الذي يحقق السعادة للفرد هو الاعتدال إلى العدل الذي يحقق السعادة للمجموع، أن الفرد الحاكم يحاول أن يفرض أمره على الجمهور ويريد منه أن يتقبل تعاليمه ويخنع لكل ما يقول، المجتمع بدوره لا يتقبل الظلم بهذه البساطة ولا يستطيع تقبل الذل من ملك مستبد.

هنا تأتي أهمية الاعتدال عند الأفراد، فتتحول إلى ما يعرف بالعدل عند الملك والشعب على السواء، إن المجتمع الذي يروم السعادة ويبغى الأمن والسلام، عليه أن يسير مسيرة توافقية بين طلبات الحاكم ورغبات الجمهور من أجل تحقيق الخير العام.

الفضيلة إذن تُعلّم أي يمكن تعليمها، سقراط نفسه الذي أتى بمقولة (إن الفضيلة لا تُعلّم) كان يعلم تلاميذه الفضيلة ومنهم أفلاطون، الفيلسوف أفلاطون علّم الفضيلة لتلاميذه، ومنهم أرسطو الذي أثبت أنه أذكى تلاميذه وصار أشهرهم.

أرسطو نفسه سار على نهج أستاذه حين كان يعلم الفضيلة لطلابه ماشياً، فأطلق على مدرسته بالمدرسة المشائية.

نلاحظ من خلال استعراض بعض آراء أفلاطون الأخلاقية التي أثرت في جوهر أخلاقيات أرسطو، أفلاطون يؤمن بالعقل، أن أفلاطون يؤمن أن عقلاً مدبراً صنع كل شيء على أحسن ما يكون ونظمه خير نظام، إن على الإنسان إذن أن يتبع عقله، وأن يسعى دائماً إلى الكمال، أنه عن طريق العقل يكون فاضلاً، وبالعقل يحصل على السعادة والهناء.

إذا أردنا الدقة في تتبع حصول فكرة احترام العقل عند أفلاطون هو أن الفيلسوف اليوناني الكساغوراس قال: (إن العقل أصل كل شيء في العالم)، الفيلسوف اليوناني هيماقليطس أيضاً قد سبق أفلاطون، حين قال: (أن أجمل القردة إذا قورن بالإنسان ظهر قبيحاً)، وقوله: (إن الإنسان الحكيم لا يظهر بجانب الله وجماله إلا كالقرد).

لا بأس أن أذكر مقولة لهرقليطس، قد تشتبه على العامة ويفسرونها تفسيراً مغايراً لحقيقتها، مقولة هرقليطس: (إن شخصاً واحداً من عليه القوم خير من ألف ألف من الدهماء).

الحقيقة أن هيراقليطس، لا يقصد هنا الطبقية الاجتماعية، بل يقصد أن حكيماً مميزاً خير من ألف ألف شخص من الجهلاء.

لو نظرنا الآن إلى حياتنا العملية فنسأل أنفسنا: كم يساوي مخترع الكهرباء إلى غيره من الناس؟ ما الفرق بين مكتشف دماء لعلاج مرض مستعصي وبين مليون شخص لا يفقهون من أمرهم شيئاً؟ كم يساوي في حضارتنا العربية أشخاص مثل: (الجاحظ، المتنبي، ابن الهيثم، الفارابي، الغزالي، ابن خلدون...).

إن أفلاطون يرتقي بفكرة العقل، من العقل الإنساني الذي يقوده إلى كل ما خير والابتعاد عن كل ما هو شر إلى عقل الفيلسوف، الذي يسعى للارتقاء والوصول إلى عالم (المثل) عالم (المعقولات الكلية) حين يرى (مُثُل الخير والجمال والعدل، ثم ينزل إلى العامة، ليأخذ بأيديهم لما هو خير لهم وأنفع وأجدل.

يبقى أفلاطون عند رأيه، من أن حب الذات مطبوع في نفوسنا، وإنه يرافقنا مدى الحياة، أن حب الذات هذا، الذي ركبته الطبيعة فينا، له فائدة عظمى من حيث إن الإنسان يحافظ على وجوده، بهذه القوة البنائية، يحاول أفلاطون أن يتغلب على هذا العيب الطبيعي عند الإنسان، حين يوصيه أن يلتزم جانب الحق حين يؤدي واجبه، عليه أن لا يفرط في حب ذاته، بل يعمل كل ما هو خير، فيقف موقفاً عادلاً بين ما له وما عليه.

إن سقراط إذن حين أطلق مقولته الشهيرة: (أعرف نفسك!) وسار أفلاطون على نهجها الأخلاقي وكذلك سوف يفعل أرسطو، أقول أن سقراط لا يقتصر هدفه على معرفة الإنسان بقدر نفسه، والعمل بها كما هي عليه، بل أن هدف سقراط الأخلاقي، يهدف إلى ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان.

اعتقد أنه لا حاجة أن أكرر القول في أن أرسطو صدى بصوت أفلاطون، لولا أفلاطون لما كان أرسطو، أن الأخير قد تعلم في أكاديمية أفلاطون، وأن كتابه في الأخلاق يعتمد اعتماداً كلياً على فلسفة أفلاطون الأخلاقية.

مهما غيّر أرسطو في النظريات التي يعرضها، أو قد يذكرها بصيغة أنه يخالفها، على أن المتتبع لكل ما عرضه أرسطو في كتابه الكبير هذا، مثل: الخير والسعادة والفضيلة والصداقة واللذة، والعدل والاعتدال والوسط، فإنها كلها قد تناولها أفلاطون بصورة مفصلة، وربما كتب كتاباً كاملاً في فضيلة من الفضائل المذكورة.

ربما هناك اختلاف جوهري من حيث أن أفلاطون يؤمن بفراق النفس للجسد، غير أن أرسطو يعدهما شيئاً واحداً، أفلاطون يرتقي بجدله الصاعد من الحسن إلى النفس إلى العقل إلى المُثل (الكليات العقلية) على أن أرسطو مادي المذهب، ينكر كل أثر للروح.

إذا كان أفلاطون يسعى إلى التدرج من طلب الفضيلة ارتفاعاً إلى تحقيق الخير الذي هو الغاية الأسمى للحياة الإنسانية، فأرسطو اكتفى بالقول أن السعادة هي الغاية الأسمى للحياة الإنسانية.

إذا أردت أن أمر مروراً سريعاً، على أهم المواضيع التي تناولها أرسطو، فإنه يولي اهتماماً خاصاً للسعادة، غير أنه مع ذلك يفلسف الحالة ويقول أن من الصعوبة بمكان أن يكون الإنسان سعيداً على الدوام،، أنه يضع شروطاً للسعادة، مثل شرف الموعد وجمال الصورة والصحة وحسن الأصدقاء، مع ذلك فإن أرسطو يقول أن الإنسان معرض للمرض والهرم وخسارة المال وفقدان الأصدقاء.

أرسطو يخالف رأي أستاذه أفلاطون، فيما يخص علاقة الأخلاق بالسياسة، أفلاطون يرى أن السياسة جزء من الإخلاص، أما أرسطو فهو يقول أن الأخلاق تابعة للسياسة، حجته في ذلك أن الأخلاق تهم سلوك الفرد، أما السياسة فتخطط بقيادة الجماعات.

أرسطو إذن يرى أن علم السياسة هو علم الخير الأعلى للإنسان، كونه يشمل أغراض العلوم الأخرى، وهدفه سعادة المجتمع.

صفحة 4

على الرغم من أن أرسطو يخصص كتاباً كاملاً للفضيلة، غير أنه لا يخرج عن دائرة أفلاطون في الآراء والأفكار التي يسردها والأمثلة التي يعطيها، كل ما يذكره أرسطو أن الفضيلة مرتبطة بسلوك النفس، وأن الهدف منها تحقيق السعادة، وأنها تقوى بالممارسة والمران.

قد اجتهد أرسطو في تقسيم الفضيلة إلى خلقية وعقلية، على أنه حتى في هذا التقسيم لا يبتعد عن تأُثير أفلاطون، أرسطو يذكر الفضائل الخلقية نفسها التي قررها أفلاطون، أن اقتراب أرسطو من العقل هو تقسيم أفلاطون، وارتقائه بالإنسان من الحس إلى العقل.

أرسطو يعطي أهمية للممارسة، فعنده أن الفضيلة العقلية ترقي بالتربية والاجتهاد، والفضيلة العقلية تقوى بالرياضة والعادة، أن هذا هو عين ما كان قد قرره أفلاطون في كتاباته الأخلاقية، كل ما هناك أن أرسطو يستطرد في ذكر الأمثلة والتشبيهات والمقارنات.

أما نظرية الوسط، التي يوليها أرسطو اهتماماً بالغاً، وربما قد أقام عليها فلسفته الأخلاقية، فهي الأخرى أفلاطونية المنبع والأصول، لقد سميت نظرية أرسطو في الوسط (بالوسط الذهبي).

لا بأس أن أذكر أنه ليس حرياً بالالتزام في الوسط بين طرفين، أنه أخلاقي اجتماعي في هذا الشأن، الوسط بين الواحد والمائة ليس خمسين بالضرورة، بل من الممكن أن يكون الوسط بين ثلاثين إلى سبعين، المهم عدم التطرف والاستقطاب في السلوك والتعامل، سواء أكان يهم الفرد أم الجماعة.

يولي أرسطو اهتماماً كبيراً للحرية الإنسانية، فهو مثلاً يخالف أستاذه أفلاطون الذي كان قد قال أن فعل الشر غير إرادي.

أرسطو يعطي البراهين الكثيرة، من أن الإنسان يعي ما يفعل وأنه مسؤول عن تصرفه وما يصدر عنه أفعال، لأن الإنسان يدرك حقيقة ما يفعل، سواء أكان خيراً أم شراً.

إذا كان أفلاطون قد اهتم اهتماماً كبيراً بالعدل، فإن أرسطو أفاض في التوضيح وذكر الأمثلة والمقارنات، أن أرسطو يحاول إلا يترك شيئاً حتى يشبعه درساَ وتعميماً.

أما موضوع الصداقة، فإذا كان أفلاطون قد خصص محاور البنديس، لمناقشة الصداقة وأهميتها بين الأفراد، فإن أرسطو قد خصص كتابين (فصلين) من علم الأخلاق، لدراسة الصداقة وشؤونها وأقسامها، أرسطو لم يكتف بدراسة الصداقة عند الأفراد، بل تعدى ذلك إلى الجماعات والممالك أيضاً.

أما مسكوية فهو نتاج الحضارة العربية، وكتاباته الأخلاقية مزيج من التأثر بالفلسفة اليونانية وما أنتجته الثقافة العربية، أنه قد ازدهر في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، حين كان النشاط الفلسفي مزدهراً، وخلاصة لما خلفه الفلاسفة السابقون مثل الكندي والرازي والفارابي.

لقد اشتهرت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري مدرسة فارابية عرفت بمدرسة بغداد الفلسفية، ترأسهم الفيلسوف عن ابن عدي التكريتي ألمع تلاميذ الفارابي، كان لهذه الجماعة أثر في الحركة الفلسفية، منهم أبو سليمان المنطقي وابن زرعة وابن الخمار، وأبي حيان التوحيدي وغيرهم كثيرون.

مسكوية كان أحد أفراد هذه الجماعة، أو أنه على تماس فكري معهم بدليل أن الكتاب المشهور (العوامل والشوامل) كان عبارة عن جواز فكري بينه وبين أبي حيان التوحيدي.

لقد أفاد مسكوية من تراث هذه الجماعة الفلسفية، ولاسيما من فلسفة يحيى بن عدي، إذ أثر في مسكوية تأثيراً مباشراً، ولاسيما في كتابه (تهذيب الأخلاق)، إن مسكوية قد أخذ كثيراً من أفكار يحيى بن عدي المذكورة في كتابه (تهذيب الأخلاق) من هذا فإن مسكوية، على ما يبدو، اقتبس عنوان أهم كتبه الأخلاقية من يحيى بن عدي التكريتي، حين أطلق عليه اسم (تهذيب الأخلاق)، مع أن يحيى بن عدي التكريتي عنده كتاب أخلاقي مشهور بعنوان (تهذيب الأخلاق).

لا شك أن مسكوية، كتب عدة كتب في فلسفة الأخلاق مثل (الفوز الأصغر) و(الفوز الأكبر) و(الحكمة الخالدة) على أن أكثرها أهمية هو كتاب (تهذيب الأخلاق) لقد طبع هذا الكتاب الأخير عدة طبعات، ويعبر تعبيراً شاملاً عن آراء مسكوية في فلسفة الأخلاق.

استطيع القول أن كتاب (تهذيب الأخلاق) لمسكوية، هو خلاصة أو أنه مزيج للفكر اليوناني والعربي وأرسطو، يعتمد على الفكر العربي الإسلامي، بدءٍ من القرآن الكريم وانتهاء بفلسفة يحيى بن عدي وكتابه (تهذيب الأخلاق).

لا شك أن فلسفة الأخلاق تعد ركناً مهماً في الدراسات الفلسفية بل أن بعضهم يعدها أهم فروع الفلسفة الأخرى، من حيث أن لها تماساً مباشراً مع الإنسان وحياته وعلاقاته المتشابكة المتنوعة مع الآخرين.

إذا أردت أن استعرض الفكر الأخلاقي العربي، أجد أن العرب قد اهتموا منذ عصور ما قبل الإسلام بالفكر الأخلاقي، على المستوى العملي، فقد عرف العرب مكارم الأخلاق، وتميزوا بالسيرة الأخلاقية، وطبقوها عملياً، مثل الكرم والعفة والشهامة وحماية الجار وضبط النفس عند الغضب.

أما على المستوى النظري، فقد اشتهر العرب في قول الشعر وفي درجة أقل بالخطابة قبل الإسلام، الشعر ديوان العرب، وأن من يتصفح دواوين الشعراء الكبار، ولاسيما الذين اشتهروا بمعلقاتهم الفريدة، يجد أن الحث على مكارم الأخلاق ديدنهم الطبيعي، دون تصنع ولا افتعال.

يستطيع أي متتبع للشعر العربي قبل الإسلام أن يكتشف أن ديوان شعر زهير بن أبي سلمى – مثلاً- شعر أخلاقي بالكامل، وأن هدفه العام الحث على مكارم الأخلاق.

أما الصفات الحميدة العامة، التي كان يحث عليها أو تغنى بها الشعراء العرب قبل الإسلام، مثل الكرم والحلم والعفو عند المقدرة، فهي مشهورة، يحفل بها شعرهم البليغ الشهير.

إن من يتتبع حياة حاتم الطائي، يجدها تزخر بحياة العربي الحر الكريم، حاتم الطائي نفسه، يسجل بعض وقائع كرمه شعراً، حين يأخذه الوجذ أو يصف حالة من الحالات التي وقعت له، أو أنه يعد الطعام بانتظار الضيوف.

لقد افتخر العرب بالشجاعة وعدوها أم الفضائل، العربي كان يتمنى أن يلقى حتفه في المواقع الحربية وليس على فراش الموت، شعر عنترة بن شداد مشهود له في القتال، وكيف أنه يعف عند المغنم، أما الإباء فقد مثل عمرو بن كلثوم في شعره، وحفظ العهد فإن خير مثال اذكره في هذا المقام.

إذا كان مصطلح فلسفة يونانياً، فإن العرب قد ترجموا كلمة فلسفة إلى مصطلح حكمة، كما أطلقوا على الفيلسوف اسم حكيم.

مسكوية ابن العراق، والمعروف أن الحكمة وجدت في العراق، وإن العراق منبع الحضارة الإنسانية، ففي العراق رسم الحرف وصنعت الكلمة وكتبت الحكمة.

إن الوعي الإنساني بدأ في العراق، حين استطاع العراقي أن يرسم الدائرة ويبني العجلة ويقيم السدود اتقاء الفيضان ويبني الدور ويضبط تعاقب فصول السنة بحساب دقيق إلى أن استطاع أن يكتب الملاحم المملوءة بالحكمة، ويشرع القوانين التي فيها خير الإنسان وسعادته.

المعروف في الفلسفة اليونانية، أن فيتاغورس هو أول فيلسوف يوناني لا يهتم في ما بعد الطبيعة، بل أن اتجاهه أخلاقي رياضي، أن تأثير فيتاغورس في أفلاطون واضح ومعروف.

إن فيتاغورس درس في بابل، وأن المسحة الشرقية واضحة في منهجه إضافة إلى آرائه الرياضية التي استقاها من العراق، أن فكرة العدد التي أقام عليها فلسفته مأخوذة من الرياضيات العراقية.

إن فكرة العدل مثلاً، التي يهتم فيها كل من أرسطو ومسكوية على السواء، فإن العراقيين عرفوا فضيلة العدل، وكتبوها في شرائعهم المتعاقبة التي أبرزها وأكثرها تكاملاً، وهي شريعة حمورابي، إن العراقيين مارسوا فضيلة العدل عملياً، من حيث أقامت المجالس الشعبية، أو ما يعرف الآن بالمجالس النيابية، أما على المستوى النظري، فقد دونوا القوانين لتنسجم العلاقة بين الحاكم (الملك) والجمهور (الشعب).

المعروف عن مسكوية أنه لا يستعمل رأياً فلسفياً إلا بعد أن يخضعه للفكر الإسلامي، أن مسكوية يستشهد بآيات من القرآن الكريم ومن الأحاديث النبوية، إضافة إلى آراء الأدباء مثل ابن المقفع ثم الفلاسفة اللاحقين إلى عصره الذي كتب فيه كتبه الأخلاقية.

لا شك أن القرآن الكريم كتاب أخلاقي، ويحمل من القيم الإنسانية، التي يخاطب فيها الناس أجمعين، ما لا يحمله كتاب آخر، القرآن الكريم يدعو إلى الفضيلة والأعمال الصالحة في الوقت نفسه الذي يحذر من الرذيلة والأعمال الشريرة.

حين أقول، أن القرآن الكريم كتاب كامل في الأخلاق، فهو يدعو على الفضيلة ويحذر من الشر، القرآن الكريم يحث على طلب العلم والمعرفة ويشيد بالعلماء والعاملين في سبيل العلم في الوقت نفسه، فإن القرآن الكريم يحث على عمل الخير ويوصي بالوالدين والعطف على الفقراء والمساكين.

القرآن الكريم يحث على إقامة العدل بين الناس، إن العدل أساس الملك بين الحاكم والمواطنين، كما أن العدل أساس متين للحياة الاجتماعية والتماسك الاجتماعي سواء أكان ذلك بين الأفراد أم بين الجماعات.

لا شك أن الأخلاق القرآنية أثرت في العرب جميعاً، سواء العوام منهم أم العلماء، إن العامة تخلقت بأخلاق القرآن، وأضافوا ما جاء في القرآن من مفاهيم أخلاقية وتربوية على ما ورثوه من فضائل كان الآباء والأجداد يتمثلون بها قبل الإسلام.

أما العلماء والأدباء، فقد أثر القرآن الكريم فيها من حيث الأسلوب البليغ مع ما جاء فيه من حكم ووصايا ومعرفة، صار الأديب يقتدي بالأسلوب القرآني، والفقيه يجتهد في التفسير، أما الحكيم (الفيلسوف) فإنه يستنير به ويهتدي بهديه.

الفيلسوف العربي مهما تشبع بدراسة الفلسفة اليونانية، فإنه لا يستطيع التخلي عما جاء في القرآن وحكمه، أو ما تلا ذلك من دراسات قرآنية، هكذا فعل الفيلسوف الفارابي في كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) والشيء نفسه عمله مسكوية في كتابه (تهذيب الأخلاق)، حين كتب كلاً من الفيلسوفين المذكورين، وهو يمزج مزجاً منسجماً متناغماً بين تراث الفلسفة اليونانية، وبين ما وصل إليه من الدراسات في الأخلاق القرآنية وما تلا ذلك من اجتهادات إسلامية.

يولي مسكوية اهتماماً خاصاً بالحديث النبوي الشريف، ويستشهد بالأحاديث النبوية في كتاباته الأخلاقية، لا شك أن الحديث النبوي، هو كل ما قاله أو فعله أو قرره نبينا الكريم ((صلى الله عليه وسلم)).

تأتي أهمية الأحاديث النبوية في الدراسات الإسلامية بعد القرآن الكريم مباشرة من حيث أن الأحاديث النبوية مكملة للشريعة، لقد اهتم بدراسة الأحاديث النبوية أصحاب الحديث وعلماء الكلام والفقهاء والأدباء والفلاسفة على السواء.

سبب هذا الاهتمام لأن الأحاديث قول الرسول أو فعله، فهي إذن أساس متين للتعاليم الإسلامية بعد الهداية القرآنية، إن الأخلاقيين بخاصة، اهتموا بالأحاديث النبوية، لأنها أنموذج للتوجيه الأخلاقي، مثل: (خياركم أحاسنكم أخلاقاً) أو (بعثت لأتمم مكارم الخلق) أو (أحب لغيرك ما تحب لنفسك).

الحقيقة إن الأحاديث النبوية تعد بعد القرآن الكريم مدرسة من حيث التوجيه نحو مكارم الخلاق والحث على عمل الخير والتحلي بالفضيلة، الحديث النبوي يحث على طلب العلم، كما أنه يوصي بالعدل بين الناس، لأن الناس سواسية كأسنان المشط، الأحاديث النبوية تنهى عن كل ما هو شر، مثل الكذب والحسد والظلم.

لا شك أن الدراسات العلمية قد بدأت في البصرة والكوفة حين ازدهرت دراسة الحديث النبوي، ثم جاء الاعتزال فتكونت مدرسة المعتزلة، التي كان لها أثر كبير في الحركة العقلية فيما بعد، في بغداد ولاسيما في العصر العباسي الأول، وبالأخص في زمن المأمون والمعتصم.

اشتهرت أيضاً في البصرة أول جماعة صوفية، عرفوا بكتاباتهم الشعرية والنثرية، لا شك أن التصوف مذهب أخلاقي في السيرة والسلوك، إلى جانب التعمق في الدراسات العقلية.

استطيع القول أن الحركات السياسية وما تبعها من مدارس في الفقه والعقيدة قد نشأت في العراق، لقد كان العراق ساحة نزاع عملي إلى جانب تساؤل فكري، النزاع العملي تمثل بالصراع وما نشأ من هروب، أما التساؤل الفكري، فكان يتلخص في من هو أحق بالإمامة؟

مسكوية إذن تمثل ما سبقه من معطيات الحضارة العربية الإسلامية، بدء من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ثم أفاد كثيراً من أدب الأدباء وتصوف المتصوفة وفقه الفقهاء، أنه حين يذكر الحكمة التي يستند إليها أو يعترض عليها، يذكر اسم قائلها صراحة وهذا منتهى الصدق العملي.

أما الفلاسفة المسلمون الذين سبقوه، فإنه من دون أدنى شك قد أطلع على فلسفاتهم، واستفاد كثيراً من حكمهم الأخلاقية واستعمالها في كتابه تهذيب الأخلاق، إلى جانب ما وعاه واستوعبه من الفلسفة اليونانية.

لا شك أن مسكوية قد تأثر كثيراً بفلسفة الكندي (ت 252 هـ) أول فيلسوف تفلسف عند العرب، أو أنه قد تحول من علم الكلام إلى الفلسفة.

الكندي له آراء أخلاقية قيمة في الإنسان، وما يتوجب عليه من التحلي بالفضائل وتجنب الرذائل.

أما تحفة الكندي في فلسفة الأخلاق – في رأيي- فهو كتابه (في الحيلة لدفع الأحزان) هذا الكتاب الفريد الذي عالج فيه الكندي مشكلات النفس والتخلص منها بطريقة لم يسبقه إليها فيلسوف من قبل، لا إسلامي ولا يوناني.

أن أثر هذا الكتاب واضح، في كتابات الفلاسفة الذين أتوا بعد الكندي، مثل أبي بكر الرازي وابن سينا وغيرهم، أن من يقرأ هذا الكتاب ويرى النظرية الجديدة التي عالج فيها الكندي التغلب على أمراض النفس، يظن أن موثق هذا الكتاب من علماء النفس في القرن العشرين.

يختص الكندي سبب المخرج في مشكلتين: فقد المحبوبات وفوت المطلوبات، أن الكندي ينصح الإنسان بأنه خاضع للكون والعدم، ولذا عليه إلا يأسف ما يفوته من رغبة في هذه الحياة، يشير الكندي في كتابه القيم هذا إلى كثير من الطرق التي تجعل الإنسان قادراً على التخلص من الحزن وآثاره على النفس والجسم.

المهم في هذه المقدمة، أن أذكر إلى أن مسكوية، قرأ كتب الفيلسوف الكندي واستوعبها وأفاد منها، إن مسكوية نفسه، سوف يستعمل أفكار الكندي الأخلاقية – كما سنرى- ولاسيما كتابه في دفع الأحزان.

أما أبو بكر الرازي (ت 320هـ) فهو الطبيب الإنساني الأشهر، في تاريخ الطب دراسةً وتطبيقاً، أنه طبيب عالم، ويكفيه فخراً أنه كتب كتاب (الحاوي)، أما في التطبيق، فإن المصادر تذكر أنه كان يداوي الفقراء مجاناً، ويجري عليه الجرايات.

للرازي كتابات كثيرة في الطب والفلسفة، إن ما يهم الموضوع الذي أنا بصدده كتابان كبيران في قيمتهما، وهما (الطب الروحاني) و(السيرة الفلسفية) استطيع أن أعرف كتاب الطب الروحاني، بأنه كتاب في علم النفس، لمعالجة الأنفس المريضة، أما كتاب (السيرة الفلسفية) فإن أبا بكر الرازي أول فيلسوف في تاريخ الفلسفة – بحسب علمي – يسجل اعترافاته في كتاب يمكننا أن نتصور عدد السنين التي سبق فيها الرازي، الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو حين كتب اعترافاته في أواخر القرن الثامن عشر.

المهم في موضوعنا هذا، أننا سنلاحظ ببساطة كيف أن مسكوية قد استفاد من كتاب (الطب الروحاني) واستعمل فقرات كثيرة منه، في كتابه (تهذيب الأخلاق) ولاسيما ما يخص الخوف من الموت.

أما أبو نصر الفارابي (ت339هـ) فقد كتب كتباً عديدة في فلسفة الأخلاق، الفارابي في الحقيقة هو مؤسس (الفلسفة الإسلامية) وكتاباته في السياسة مشهورة، ولاسيما كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة).

إذا كان مسكوية لم يذكر اسم الفارابي – بحسب ما أعلم – صراحة في كتاباته الأخلاقية، ولاسيما في كتابه الأهم (تهذيب الأخلاق) على أنني وجدت كثيراً من الاصطلاحات والجمل والعبارات في هذا الكتاب فارابية، مثل علاقة رئيس الدولة بأهل المدينة، أو كيف احتاج الناس إلى بعضهم واجتمعوا في مجتمع واحد.

أما تأثر مسكوية بفلسفة يحيى بن عدي التكريتي (ت 365هـ) فواضح كل الوضوح، ولاسيما في أن مسكوية كان على صلة ثقافية حميمة مع أعضاء مدرسة يحيى بن عدي المنطقية، مسكوية إذن لا بد أنه أطلع على كتابات أعضاء هذه المدرسة الذين ازدهروا في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري.

أطلق مسكوية على أهم كتبه الأخلاقية عنواناً يشبه أو يتطابق أو بالأحرى ربما أخذه من عنوان كتاب يحيى بن عدي في الموضوع نفسه، كتاب يحيى بن عدي التكريتي عنوانه (تهذيب الأخلاق) يأتي مسكوية بعد ذلك ليطلق على كتابه أيضاً اسم (تهذيب الأخلاق).

إن مسكوية في الحقيقة قد قرأ كتاب يحيى بن عدي جيداً، وتأثر به بل استعمل كثيراً من الحكم والأفكار والآراء والعبارات نفسها، أو ما يطلق عليه: الحافر على الحافر، مسكوية لم يتردد في استعمال كثير من أفكار يحيى بن عدي، دون أن يشير إلى ذلك.

أود أن اذكر أنني عملت مقارنة واسعة دقيقة بين الأفكار التي تأثر بها مسكوية بابن عدي، والتي اقتبسها منه اقتباساً، والتي نقلها نقلاً ووضعها في كتابه وكأنها من إبداعه، ذكرت كل ذلك في كتابي (يحيى بن عدي وكتابه تهذيب الأخلاق- بالإنجليزية)، فمن شاء أن يطلع على ذلك فالكتاب مطبوع ومتوفر في المكتبات.

بعد هذا، لا بأس أن اذكر وجود كثيراً من المشابهات والاختلافات بين أرسطو ومسكوية، أرسطو كان مربياً ومستشاراً للأسكندر الأكبر، أما مسكوية فكان وزيراَ لعضد الدولة البويهي.

أما في منحاهما الفكري، فإن أرسطو درس كتب أستاذه أفلاطون، إضافة إلى إطلاعه على التراث اليوناني قبل سقراط، مسكوية درس واستفاد من التراث الفلسفي اليوناني والإسلامي.

أرسطو كتب في جميع فروع المعرفة، وقد خصص للدراسات الأخلاقية كتاب (الأخلاق النيوماخية)، كما نجد بعض الملامح الأخلاقية في كتبه الأخرى، ولاسيما كتاب (النفس)، أما مسكوية تكاد كتاباته تنحصر في الأخلاق، ماعدا كتابه (تجارب الأمم) فهو يبحث في التاريخ.

هدفي من هذا الكتاب، يقوم على المقارنة في فلسفة الأخلاق بين أرسطو ومسكوية، وإظهار خصائص كل من الفيلسوفين، ومدى تأثرهما بفلسفة وأفكار الفلاسفة السابقين.

سأجتهد أيضاً في إظهار إبداع كل من الفيلسوفين في حقل فلسفة الأخلاق، وإظهار أوجه التشابه والتباين في فلسفتهما الأخلاقية.

عمان – مرج الحمام

تموز – آب/ 2011

صفحة 5

الـنـفـــس

إن هدف مسكوية الأول من كتاباته الأخلاقية، هو تقويم النفس، والحصول على الخلق الجميل، أنه يبدأ كتابه (تهذيب الأخلاق)، فيقول: إن غرضنا من هذا الكتاب هو أن نحصل لأنفسنا خلقاً، تصدر به الأفعال عنا كلها جميلة، أنه إذن يريد قبل كل شيء أن نعرف نفوسنا، وما هي الوسائل التي تزكيها فتفلح، وما هي الأشياء التي تعيقها عن طريق كمالها فتخيب.

مسكوية يريد إذن أن يؤسس فلسفة الأخلاق على النفس وقواها وملكاتها، وبما أن مسكوية مشائي في كليات فلسفته، يذكر أرسطو ويعتمد عليه في كثير من شروح آراءه وضرب الأمثلة، لا بأس إذن أن اذكر آراء الفيلسوف اليوناني، من خلال عرضي لفلسفة مسكوية وآرائه في النفس.

على الرغم من علمي في تاريخ الفلسفة، إن أول فيلسوف يبني الأخلاق على المعرفة هو سقراط، إن كلمة سقراط (أعرف نفسك) مشهورة في تأريخ الفكر الأخلاقي، أرسطو نفسه، فإن مصدره في كتاباته الأخلاقية، هما سقراط وأفلاطون، إضافة إلى من سبقهما من فلاسفة اليونان.

أما مسكوية، إذ على الرغم من تأثره بالفلاسفة اليونان والمسلمين، فهو يرجع إلى مصدره الأول (القرآن الكريم)، أنه يشير إلى قول الله عز وجل ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسّاها.

من الجدير بالذكر هنا، إن أغلب فلاسفة الإسلام، أقاموا فكرهم الأخلاقي على النفس وقواها ووجودها وخلودها: كالكندي والرازي والفارابي ويحيى بن عدي وابن سينا والغزالي وابن باجه وابن طفيل وابن رشد وابن حزم وغيرهم.

النفس عند مسكوية ليست بجسم ولا جزء منه ولا عرضي، بل هي جوهر بسيط غير محسوس بشيء من الحواس، أنها لا تستحيل ولا تتغير، كما يستحيل ويتغير الجسم، هي إذن جوهر مغاير لجوهر الجسم.

إن لكل جسم صورة، وهو لا يقبل صورة أخرى إلا بعد مفارقته الصورة الأولى مفارقة تامة، إذا اتخذ الجسم مثلاً صورة المثلث فإنه لا يقبل صورة المربع أو الدائرة إلا بعد أن يفارقه الشكل الأول أنه لا يقبل الصورتين معاً، وذلك لاختلافهما.

الجسم يخلص لصورة واحدة تمام الوضوح، مثال ذلك إذا قبل الشمع صورة نقش في الخاتم، لا يقبل نقشاً آخر، لا إذا زال النقش الأول، مع أن أنفسنا تقبل صورة الأشياء على اختلافها من المحسوسات والمعقولات على التمام والكمال، من غير مفارقة للرسم الأول، الصورة الأولى تبقى تامة كاملة، ثم تقبل النفس بعد ذلك صورة بعد صورة، دون أن تضعف أو يطرأ عليها شيء من القصور، النفس إذن لا يلحقها فتور ولا تعب ولا كلال.

يأتي مسكوية بمثال آخر ما يثبت إن النفس تباين الجسم وتتميز عليه، إن الجسم له صورة الطول والعرض والهموم، وبهذه الخواص صار الجسم جسماًن ولكن النفس لا تعتبر طويلة أو عريضة أو عميقة.

النفس عند فيلسوف إغريقي كبير مثل أرسطو، أساس الحياة، مع ذلك فهو يقول أن من الصعوبة جداً معرفة أمر جوهر النفس، ومع أن النفس في نظر أرسطو واحدة، إلا أن قواها متعددة، أن هذا بلا شك بسبب تأثير أفلاطون عليه، لقد بقي أرسطو يرى أن النفس لا يمكن أن تفعل أو تنفعل بغير جسم، الغضب والرغبة وحتى الفكر، لا يمكن أن تكون بغير جسم، إن كل النزعات النفسية، مثل السرور أو الحزن أو الغضب تحدث تغيراً في الجسم.

نلاحظ أن أرسطو، يستشهد بالفلاسفة السابقين، فيما يخص أمر النفس، أنه يشير إلى الفلاسفة اليونان والقدماء، قائلاً أن السابقين، قالوا أن المتنفس يختلف عن غير المتنفس بالحركة والإحساس، يذكر أرسطو أيضاً، إن بعضهم يقول: مشيراً إلى فلاسفة متقدمين- إن النفس هي الجوهر المحرك، ولذلك قال ديمقوقريطس، إن النفس نوع من النار، وإن ذراتها كروية، لأن الذرة الكروية تكون قادرة على الحركة والنفاذ.

لهذا السبب، فإن الفلاسفة الذريين، مثل ديموقريطس ولوقيبوس، يذهبون إلى أن النفس هي التي تمنح الحياة للجسم، وهي التي تجعله قادراً على الحركة، إن الكائن الحي يبقى حياً، مادام قادراً على أخذ هذه الذرات مع التنفس، يعقب أرسطو من أن الفيتاغوريين يؤيدون الذريين، لأن بعضهم يقول أن النفس هي غبار الهواء، وبعضهم الآخر يقول أنها تحرك الغبار، على كل حال، فإن الفيتاغوريين يرون أن النفس تحرك نفسها، فإذن عندهم أن أهم ميزة للنفس وهي الحركة وبسبب رأيهم هذا، فإن كل محرك هو في الوقت نفسه يتحرك.

يضيف أرسطو قائلاً: ويذهب انكساغوراس إلى أن النفس هي الجوهر المحرك، كذلك عند انكساغوراس أن العقل هو الذي يحرك العالم، يذكر أرسطو أيضاً، أن النفس عند أنباذوقليس مركبة من العناصر الأربعة: التراب والماء والهواء والنار، وأن كل عنصر هو نفس أيضاً.

أما عندما يذكر أرسطو، أستاذه أفلاطون، فهو يقول أن أفلاطون في كتابه (طيماوس) عنده أن النفس تتكون من العناصر، وإن النفس محركة ودرّاكة.

أؤيد ما ذهب إليه أرسطو، من أن أفلاطون يعالج قضية النفس وعناصرها في كتاب (طيماوس)، أود أن أضيف أن أرسطو قد فاته أن يذكر أن أفلاطون يسهب القول في محاورة كاملة عن خلود النفس، هي محاورة (فيدون) ويذكر فيها أيضاً أن النفس هي التي تدرك وتحرك، وما الجسم إلا آلة النفس.

يبدو لي أن أرسطو نظر إلى الموضوع هنا من الناحية الطبيعية فقط، وتجاهل الناحية الأخلاقية، وإلا فإن أفلاطون قد ناقش قضايا النفس في أكثر من محاورة، أنه إضافة إلى كتابي (طيماوس) و(فيدون) فقد ناقش أفلاطون أمر النفس في كتب أخرى، مثل: (الجمهورية) و(فايدروس) و(المأدبة) وغيرها.

يذكر أرسطو أيضاً، أن بعض الفلاسفة ذهبوا إلى أن النفس نار، وذلك لأن النار أخف العناصر، ولأن هرقليطس يقول أن النفس عنده نار، وهي مبدأ الأشياء وفي حركة دائمة، أما حين يستشهد بطاليس، فيرى أرسطو أن طاليس في هذا الصدد، فالنفس عند ديوجينوس هي الهواء، لأن الهواء ألطف الأشياء.

ينتهي أرسطو من عرضه لآراء الفلاسفة قبله في النفس فيقول: وهكذا، فجميع الفلاسفة يتفقون بأن النفس تتحرك وتحس، وأنها غير جسمية.

صفحة 6

ينتقد أرسطو بعد ذلك، المذاهب السابقة في النفس، النفس في رأي أرسطو لا تتحرك، وإن الجسم فقط الذي يتحرك.

النفس إذن في رأيه، محركة غير متحركة، يتابع نقده قائلاً: إذا تحركت النفس إلى أعلى فهي النار، وإذا تحركت إلى أسفل فهي الأرض، ولكن هاتين الحركتين تخصان الأجسام النار والأرض.

إذا قلنا كذلك، إن النفس تتحرك بالتنقل، فمعنى هذا أنها تبتعد عن الجسم فيموت ثم تعود إليه، وهذا يعني أن الأحياء تعود إليها الحياة من جديد، بعد أن تعود إليها النفس، ومع أن النفس في رأي أرسطو تحفظ الجسم، لكنها إذا فارقته فسد وتلاشى في الحال.

يذكر أرسطو، أن أفلاطون في كتاب (طيماوس) يقول أن النفس تحرك نفسها وتحرك الجسم في الوقت نفسه، لأنها متداخلة فيه، يقول أرسطو، أننا نتصور حالات النفس، كالفرح والألم والخوف والغضب والحس والفكر، أنها حركات، حتى لو فرضنا أن هذه الأحوال حركات، فإنها حركات لأعضاء جسمية، الغضب مثلاً حركة خاصة بعضو القلب.

ليست النفس هي التي تغضب أو تحب، بل الأولى أن نقول أن الإنسان يفعل ذلك عن طريق النفس، النفس إذن لا تتحرك فهي لا تحرك نفسها.

عندما يستعرض أرسطو المذهب الأورفي، في أن النفس تنفذ من عالم خارجي إلى الكائنات عند التنفس، يرد عليهم قائلاً: لقد فات هؤلاء أنهم كتبوا، من أن الكائنات النباتية والحيوانية لا تتنفس، أرسطو لا يتفق أيضاً مع طاليس، الذي يقول إن العالم مملوء بالأنفس، وذلك لأن أرسطو يؤمن بوحدة النفس، أرسطو حين يلاحظ أن بعض الحيوانات تنقسم، كما تبقى في الجزء المفصول، أي أن جميع أجزاء النفس الأصلية تبقى في كل وحدة أو عضو مشطور عن الأصل.

أرسطو إذن يفرق بين النفس والجسم، وأن النفس عنده صورة الجسم، يجد أرسطو النفس بأنها كمال أول الجسم طبيعي آلي، كما أن النفس عنده لا تفارق الجسم، لأنه يمكن أن توجد نفس بلا جسم، إن من الجدير بالإشارة، إن أرسطو يسند رأيه هذا إلى من سبقه من الفلاسفة، إذ يقول: صح ما ذهب إليه بعض المفكرين، إن النفس لا توجد بغير جسم، هذا يعني أن الرأي إذن ليس له، بل هو قد اقتبسه من السابقين.

النفس عند أرسطو علة الحركة، بل هي أساس الحركة، لا شك أن الفكرة هذه أفلاطونية، ناقشها أفلاطون بالتفصيل في محاورة (فيدون).

أما قوى النفس عند أرسطو فهي خمس، وهي: الغاذية والنزوعية والحساسة والمحركة والمفكرة، هذه القوى توجد جميعاً في بعض الكائنات، وبعض هذه القوى يوجد في كائنات أخرى، كما أن نوعاً من الكائنات لا يوجد فيه إلا قوة واحدة فقط، النبات مثلاً، ليس غير القوة الغاذية.

القوة الغاذية توجد في الإنسان والحيوان والنبات، وظيفتها التغذية والتوليد، يمكن القول أن هذه القوة عند أرسطو أقرب إلى القوة الشهوانية عند أفلاطون.

أما القوى النزوعية والحساسة والمحركة، فتوجد عند الإنسان والحيوان، يمكن مقارنتها جميعاً بصورة متداخلة، بالنفس الغضبية عند أفلاطون، أما المفكرة فيرى أرسطو أنها عند الإنسان فقط، يمكن مقابلتها بالقوة العاقلة والناطقة عند أفلاطون، نلاحظ إذن أرسطو يبقى تحت تأثير أستاذه أفلاطون، فيما يخص تقسيمه لقوى النفس.

النفس عند مسكوية أشرف من الجسم، لأن الجسم وقواه لا تعرف العلوم إلا من الحواس، الجسم يعرفها ويتشوقها بالملابسة والمشابكة كالشهوات البدنية ومحبة الانتقام والغلبة، كل هذه يتوصل إليها عن طريق الحس، ويزداد بها قوة وكمالاً، بينما يزداد كمال النفس كلما ابتعدت عن تأثير الحواس، واتجهت نحو العقل، إن طبيعة النفس إذن مغايرة لطبيعة الجسم، وأشرف منه جوهراً وأفضل طبيعة.

وعلى الرغم من أن جوهر الجسم يبقى محصوراً في إُيثار اللذات الجسمانية، نرى أن جوهر النفس يحرص على معرفة حقائق الأمور الإلهية، ويميل دائماً إلى الأمور التي هي أفضل من الأمور الجسمانية، وانصرافه تماماً عن اللذات الجسمية، أن سعي جوهر النفس، على تحصيل اللذات العقلية خير دليل على أن جوهر النفس يختلف عن جوهر الجسم، لأن كل جوهر يتشوق إلى ما يلائم طبيعته، جوهر النفس أشرف من جوهر الجسم، مادام الأول يتطلع إلى الأمور العقلية والحقائق الإلهية، على أن الثاني يتجه إلى الأمور الجسدية.

ومع أن النفس تأخذ كثيراً من مبادئ العلوم من الحواس، ولكن هذه المعلومات تبقى في دائرة الحواس فقط، لأن الحواس لا تدرك غير المحسوسات، أما النفس فلها مبادؤها الشريفة، التي تبني عليها القياسات الصحيحة، وهي معقولاتها التي لا تستعين عليها بشيء من الجسم، أن هذه المعقولات تدرك أسباب الاتفاقات وأسباب الاختلافات بين المحسوسات، إذا حكمنا مثلاً على الحس أنه صدق أو كذب، لا نأخذ هذا الحكم من الحس، لأن الحس لا يضاد نفسه فيما يحكم به، بينما النفس العاقلة تدرك كثيراً من أخطاء الحس، فحاسة البصر مثلاً تخطئ فيما تراه عن قرب وبعد، أن الخطأ في المدى البعيد، في رؤية قرص الشمس صغيراً، مع أن البرهان العقلي يشهد بأن الشمس تكبر الأرض مائة ونيفاً وستين مرة، أما في المدى القريب، فيرى البصر، الشيء معوجاً بينما هو مستقيم، أو يرى الشيء مكسوراً وهو في الحقيقة صحيح، أما العقل فإنه يستخرج من مبادئ عظيمة، ويحكم عليها أحكاماً سليمة، الحال نفسه ينطبق على باقي الحواس، فمثلاً حاسة الذوق تخلط في الحلو فتجده مراً.

نستخرج من كل هذا، إن الحس لا يعطينا الأحكام الصحيحة، أنه يكذب مرة ويصدق مرة، غير أن النفس إذا علمت أن الحس لا يصدق في حكمه، اتجهت إلى ذاتها وجوهرها وإلى العقل، فتدرك المعقولات، بينما الحواس لا تدرك ذاتها.

يظهر مما تقدم إذن أن النفس ليست بجسم، وإنما هي شيء آخر مفارق للجسم، بجوهره وأحكامه وأفعاله.

صفحة 7

للنفس عند مسكوية ثلاث قوى:

1) القوة العقلية أو القوى الناطقة، ويسمى أيضاً بالقوة الملكية وآلتها الدماغ.

2) القوة الثانية هي القوة الغضبية، التي تسمى بالسبعية، وأن آلتها القلب، وبهذه القوة يكون الغضب وحب التسلط والإقدام على الأهوال.

3) أما القوة الثالثة، فهي الشهوية، وهي البهيمية، وآلتها من الجسم هو الكبد، وبهذه القوة تكون الشهوة وطلب الفذاء والشوق إلى المآكل والمشارب وباقي اللذات الحسية.

لا يفوت مسكوية، أن يذكر أن هذه النفوس الثلاث أو هذه القوى الثلاث متباينة في اتجاهاتها، إذا قويت أحداها ضعفت الأخرى، كما أن أي واحدة من هذه النفوس أو القوى، تقوى وتضعف بحسب العادة والمران والتأديب، إذا اتجه إنسان إلى العلوم والمعارف قويت نفسه الناطقة واتجهت إلى الأمور العقلية والإلهية، وإذا اعتاد الشهوات والمآكل والمشارب، قويت عنده النفس الشهوانية، وقادته إلى لذائذ الأمور، أما إذا أدّب المرء نفسه على حب السيطرة والإقدام واقتحام الأهوال، فتقوى وتشتد عنده النفس الغضبية.

لا بد أن أشير هنا إلى إن فكرة تقسيم النفس إلى ثلاث نفوس أو ثلاث قوى، هي فكرة أفلاطونية، تأثر بها إلى حد بعيد تلميذه أرسطو ومن بعده جالينوس وأفلاطون.

كذلك فإن كثيراً من الفلاسفة الإسلاميين قد قسموا النفس إلى ثلاث قوى وبنوا كثيراً من آرائهم الأخلاقية على هذا التقسيم، أنهم أرجعوا سبب العدالة واكتساب الفضيلة من جراء التوازن بين قوى النفس الثلاث، وسيطرة القوة العقلية على القوة الغضبية والقوة الشهوانية، من أولئك الفلاسفة، اذكر أسماء الكندي والرازي والفارابي ويحيى بن عدي وأخوان الصفا ومسكوية وابن سينا والغزالي.

يخصص مسكوية جزءً كبيراً من كتابه (تهذيب الأخلاق) في صحة النفس وحفظها وردها إلى حالتها الطبيعية، فيما إذا اعتورها مرض من الأمراض، يرى مسكوية أن النفس تمرض كما تمرض الأبدان، أن أطباء الأجسام يقدمون على علاج أمراض بعد أن يفحصوا الجسم جيداً، ليتوصلوا إلى سبب المرض الجسماني، ثم يبدأون العلاج عن طريق الحمية والأدوية، التي ربما تكون خفيفة لطيفة في أول الأمر، وربما يتطلب الأمر بعد ذلك إلى القطع أو الكي بالنار.

النفس عند مسكوية، قوة إلهية غير جسمانية، غير أنها مرتبطة بالجسم، تمرض بمرضه وتصح بصحته، القول نفسه ينطبق على الجسم، فإنه يمرض بمرض النفس ويصح بصحتها، إذا لحق النفس سورة من الغضب أو أفرطت في الحزن أو العشق، نرى الجسم يتغير ويمرض، وربما يصيبه الاضطراب والهزال والاصفرار وبعض صنوف التغير التي تلحقه من جراء ذلك بمرض الاضطراب النفسي.

يرسم مسكوية ببراعة طريق العلاج النفساني، فيبدأ النصيحة في أن نتتبع بداية المرض في نفوسنا، ونرى هل أن سبب المرض متأت من ذات النفس، كالتفكير في الأشياء الرديئة أو الخوف من بعض الأمور، أو نتيجة لهيجان الشهوات، إذا كانت الأسباب في ذات النفس يكون العلاج بما يخص النفس ذاتياً، أما إذا كان السبب متأتياً من مرض جسماني، قصد هذا بالعلاج أيضاً.

يستشهد مسكوية كذلك بأطباء البدن، إذ أن هدفهم حفظ صحة الجسم، فإذا كان سليماً معافى، وأما رد الصحة إلى حالتها الطبيعية فيما إذا مرضت الأجسام، النفس كذلك، إذا كانت سليمة صحيحة، وجب المحافظة على سلامتها والتطور في تقدم كمالها، ومعالجتها إذا مرضت.

إذا كانت النفس فاضلة، تحرص على الميل إلى المعارف الصحيحة والعلوم الحقيقية، وجب على صاحبها أن يخالط الأخيار من الناس، الذين يحبون نيل الفضائل ويشتاقون إلى دراسة العلوم الحقيقية، حتى يحافظ المرء على نفسه الفاضلة، ويديم تربيتها بالاتجاه نحو الفضيلة.

في الوقت نفسه، عليه أن يحذر كل الحذر من معاشرة الأشرار الذين ليس لهم هدف سوى ارتكاب الفواحش والانهماك في اللذات الجسدية، ويبتعد أيضاً ما أمكنه الابتعاد عن أخبار هؤلاء المجان، وأن لا يقرأ أشعارهم أو يحضر مجلساً من مجالسهم.

أن ما يعلق بالنفس من أوضار الأشرار، لا يتخلص منها إلا بالعلاج الصعب والزمن الطويل، ربما يكون في ذلك سبب في فساد النفس الفاضلة، أن ذلك يكون أسهل للحدث الناشئ، لأنه سريع التقليد والأخذ عن الآخرين، أن الحدث يتأثر بسرعة، ولا يستطيع أن يفارق العادة المرذولة بالسرعة نفسها التي اكتسبها فيها.

إن المتمتع بكامل صحة نفسه، إنما يحفظ كنوزاً عظيمة، ونعماً موهوبة، لذا يجب المحافظة على صحة النفس هذه، لأنها موهبة لا تحتاج أن تأتيه من خارج، ولا تكلف بذل الأموال في سبيل الحصول عليها، أنه لو أهمل صحة النفس، فإنه ملوم في فعله هذا، لأنه يفقد كنزاً ثميناً لا يستطيع الظفر به بعد زواله، حتى ولو خسر الأموال وتجشم الأسفار وتعرض للمهالك، من دون أن يعيد إليه حالته الطبيعية الأولى، فتعقب الحالة الندامات الكثيرة والحسرات المفرطة، ويبقى صاحبها شديد الوجل مضطرب النفس مثقوب الجسم.

ينصح مسكوية للحفاظ على الصحة النفسية، أن يتبع الإنسان دائماً ما تشير به النفس الناطقة ويجعلها المدبرة لأمره، ولا يخضع لقوتي النفس الشهوانية والغضبية، إن هاتين القوتين الأخيرتين، تدفعان الإنسان دائماً نحو تحقيق الغايات السفلى من الحواس، بإصابة الشهوات والانغماس فيها، والاعتداء على ما للغير من مال أو أكرامات، أن على الإنسان أن لا يحرك هاتين القوتين، بتذكر أن أحديهما تضطر إلى استعمال النفس الناطقة، في سبيل تحقيق أغراضها، إلى العز والسلطان والغلبة أو إلى تحقيق ما تستطيعه من شهوات.

إن العاقل لا يفعل هذا، وليست هذه صفة من صفاته، بل هي صفة المجانين، إن العاقل من يغلب قوته العاقلة على قوتي النفس الآخريين، ويترك القوتين الشهوانية والغضبية لحالهما، أنهما تثوران وتهيجان عند الحاجة، وبما ترسمه لهما الطبيعة، فينال حاجاتهما الطبيعية.

لم ينس مسكوية أن يستشهد بتأثير الدين الإسلامي، أنه يذهب في القول، إلى أن التعادل الطبيعي هو إمضاء مشيئة الله وإتمام سياسته في البشر، لأنه تعالى وهب لنا هاتين القوتين، لنستخدمهما عند حاجتنا إليهما، لا لنخدمهما ونكون عبيداً لهما، يذهب مسكوية أبعد من هذا، حتى أنه يكفِّر الذي يضع نفسه الناطقة في خدمة النفس الغضبية والنفس الشهوانية، إن مثل هذا الإنسان – في رأيه- قد تجاوز أمر الله وتعدى حدوده، إضافة إلى أنه خالف العدل في سياسة نفسه، فهو بذلك ظالم لنفسه أبداً.

يعالج مسكوية إشباع القوتين الشهوية والغضبية بالاعتدال الذي هو أقرب للزهد منه للبطر، أنه يقول، ينبغي لمن رزق الكفاية ووجد القصد من السعادة الخارجية، أن لا يشتغل بفضول العيش لأنها لا نهاية لها، وأن من طلبها أوقعته في مكارة لا نهاية لها، أن القصد الطبيعي والغرض الصحيح منهما، هو مداواة الآلام والتحرز من الوقوع فيها، لا التمتع وطلب اللذة، إن من عالج الجوع والعطش، اللذين هما مرضان وألمان حادثان، عليه أن يطلب الراحة والصحة لا الإفراط في اللذة.

إن من لم يرزق الكفاية واحتاج إلى السعي في تحصيلها، يجب عليه أن لا يتجاوز القصد، بل قدر حاجته منها، لئلا يعرض نفسه إلى السعي الحثيث والحرص الشديد والتعرض القبيح المكاسب وضروب المهالك والمعاطب.

ينبغي إذن أن ننظر إلى أقواتنا بهذه العين، ونال منها لأجل الضرورة، علينا أن لا نشغل عقولنا بالتمتع ونفني أعمارنا بالتأنق، بل أن نسعى في طلب الغذاء الموافق لأبداننا، الذي لا يخلف لنا الوحشة والآلام.

ينبغي لمن يريد المحافظة على صحته، أن لا يحرك قوته الشهوية ولا قوته البدنية، بل يتركهما حتى يتحركا على الطبيعة، دون قهر ولا إلحاح، إذا اضطر الإنسان إلى تحريك قوة شهوية أو قوة غضبية، فعليه استعمال الروية واستخدام النفس الناطقة فيه لتدبر له الوصول إلى ما يشتهي ويريد.

ينبغي لحافظ الصحة على نفسه، أن يلطف نظره في كل ما يفعل ويدبر، عليه أن يستعمل آلات بدنه ونفسه بما يوجبه تمييزه ورويته، إن الإنسان الذي يخالف الطبيعة، سيعاقب نفسه ويتحمل من الآلام، بحسب أخطائه، إذ تناول مزيداً من الطعام بشره، فإنه سيضطر إلى معاقبة نفسه بالامتناع عن الأكل، بعد أن جرب مرارة الآلام.

أنه إذا حرك قوته الغضبية لسبب بسيط، أو أنه غضب غضباً في غير موضعه، أو على من لا يستحقه، فربما تعرض لسفيه يقابله بالبذاء، أنه ربما يندم بعد أن لا يفيد الندم.

الأولى بالإنسان إذن ضبط النفس والحلم عند ثورة الغضب، عليه حفظ لسانه واحتمال أقرانه، وهذا هو الطريق إلى الفضائل واجتناب الرذائل.

جدير بالإنسان إذن أن يتعود على الصبر على ما يجب الصبر عليه، والحلم عمن ينبغي أن يحلم عنه، جدير به أن يضبط النفس عن الشهوات الرديئة، قبل أن يفكر في دفع هذه الرذائل وقت هيجانها، لأن الأمر عند ذلك صعب جداً، وربما هو غير ممكن البتة.

يلح مسكوية على الشخص الذي يريد أن يحافظ على صحته النفسية أن يستقصي عيوبه، مسكوية في هذا الرأي يخالف جالينوس، الذي يرى أن الإنسان يحب نفسه، ولهذا فإن عيوبه طالما تخفى عليه. جالينوس يطلب من الشخص أن يختار صديقاً صدوقاً، ويطلب منه أن يرشده على عيوب نفسه، حتى يتغلب عليها ويطمس أثرها، يجب عليه أن يلح على الصديق، حتى يذكر له بعض عيوبه، فيظهر له الشكر والامتنان، ويتباسط معه، حتى يزيد ذلك الصديق إيناساً له وإظهاراً لعيوبه، التي يريد أن يقضي عليها قضاءً تاماً.

أقول أن مسكوية لا يوافق على نصائح جالينوس هذه بل هو يخالفها، مسكوية يعتقد أن أبعد وأنفع من الصديق في هذا الشأن، أن العدو - في رأي مسكوية- لا يتردد في إظهار عيوب خصمه، بل أنه قد يتجاوز إلى الاتهام بما ليس فيه عدوه، إن الذي يريد إصلاح نفسه، أن ينتبه إلى العيوب التي ذكرها الأعداء، أنه يحاول التغلب عليها وتجنب ما يغذيها ويزيد أوارها.

صفحة 8

يذكر مسكوية أن جالينوس يقول في مكان آخر من كتابه (كتاب الأخلاق) أن جالينوس يقول أن خيار الناس ينتفعون بأعدائهم، أن الحقيقة التي توصل إليها جالينوس إذن أن كل واحد من الناس يرى عيوب غيره على الاستقصاء، على أنه لا يرى شيئاً من عيوب نفسه.

إذا أردنا أن نتوخى واقع الحال، فإن الإنسان الذي ينشد الفضيلة يحتاج إلى الصديق المخلص الناصح، في الوقت نفسه على الإنسان أن يجتنب العيوب، حتى لا يتهم بها من قبل الأعداء، الشيء الواضح أيضاً، إن الإنسان يرى عيوب غيره، بينما لا يرى عيوب نفسه.

يستشهد مسكوية بما قاله الكندي في هذا الشأن في كتابه (رسالة في دفع الأحزان) حتى أن مسكوية يقول أن كلام الكندي هذا أبلغ من كل الذي سبقوه، إن الكندي نصح طالب الفضيلة أن يتصفح أعمال جميع معارفه، ثم يلاحظ صور سيئاتهم فيتجنبها، عن طريق برنامج يومي لا يحيد عنه، أنه في انتهاء كل يوم وليلة، يتصفح أعماله أيضاً، ويذم ما قبح منها، ويردع نفسه عنها، فيتخلص منها، ولا يعود إليها، حتى لا يأتي زمان إلا وقد عفى عنها، هذا وفي الوقت ذاته، يجب على الإنسان أن يعوّد نفسه على الأعمال الحسنة، حتى تتجه النفس كلياً إلى السيرة الفاضلة، ويمتنع نهائياً عن آتيان الأعمال القبيحة، أكثر من هذا، يجب على الإنسان أن يكون مثالاً للآخرين في اكتساب الفضيلة والابتعاد عن موطن الرذيلة، حتى يفيد نفسه ويفيد الآخرين أيضاً.

إما إذا مرضت النفس وخرجت عن حالتها الطبيعية، فلا بد من البدء بمداواة ما عظم أثره واشتدت جنايته على الإنسان، أن أمراض النفس الشديدة، في رأي مسكوية ما خرجت من الوسط، سواء إلى التفريط أو إلى الإفراط.

لعل أحد الأمراض الشديدة التي تصيب النفس، هو الخوف الشديد في غير موضعه، أن سبب الخوف -في رأي مسكوية- هو توقع مكروه وانتظار محذور، هذا يعني الخوف من حوادث المستقبل، بغض النظر من أن هذه الحوادث ربما تكون شديدة أو سهلة يسيرة يكون الشخص نفسه سببها أو يتوقعها من غيره، مع هذا، فإن الإنسان العاقل، لا ينبغي أن يخاف من أي منها، لأنه ربما ستكون أو لا تكون، فلماذا إذن يتوقع الإنسان المكروه، وربما يتعجله ويخاف منه.

يستشهد مسكوية بقول الشاعر في هذا الشأن مستحسناً قوله:

وقل للفؤاد أن نزا بك نزوة من الروع أخرج أكثر الروع باطله

إن على الإنسان الذي يخاف على نفسه من المكارة، إن يتجنب سبب حدوث المكارة، وذلك بترك الذنوب والجنايات، وأن لا يقدم على عمل إلا إذا أمن شره وحتى لو وقع المكروه على الإنسان فيجب عليه أن يتجمل فيحسن عيشه كي تطيب له الحياة.

إما إذا كانت أسباب الخوف ضرورية كالهرم مثلاً، فعلى الإنسان أن يفكر أنه ليس بمخلد في هذه الحياة، أنه إذا أحب طول الحياة، فلا بد أن تنتهي به الحياة إلى الهرم، إن علاج الخوف من آفات الشيخوخة، هو أن يعلم الإنسان أن مع تقدم العمر يحدث عنده نقصان الحرارة الأصلية، وتصاب أعضاؤه بالضعف، إضافة إلى ما يقابل ذلك من موت الأحبة وفقدان الأقران.

مع ذلك، فبدلاً من أن يستشعر الخوف والفزع، عليه أن يتوقع ذلك ويتصبر، نلاحظ أن مسكوية، بتأثير الدين الإسلامي عليه، ينصح من يصل إلى هذه الحالة بدلاً من أن يفزع ويخاف عليه أن يتجه إلى الله ويكثر الصلاة في المساجد.

لعل أعظم ما يلحق الإنسان من الخوف – في رأي مسكوية – هو الخوف من الموت، مع هذا، فإن مسكوية يعلل بأن الذي يخاف من الموت، يجهل حقيقة الموت ويجهل أين تصير نفسه بعد الموت، أنه يتصور أن نفسه ستنحل، كما يتحلل جسمه، أو أنه يتصور أن للموت ألماً عظيماً أشد من ألم الأمراض التي تقدمته وأدت إليه، أنه ربما يعتقد بالعقوبة التي تحل به بعد الموت، أو أنه لا يدري على أي شيء يقدم بعد الموت، أو ربما هو يحزن على ما يخلفه من مال ومقتنيات.

يرد مسكوية على ذلك فيقول، أن كل هذه ظنون باطلة لا حقيقة لها، أن حقيقة الموت ليست بأكثر من ترك النفس، استعمال آلتها، الذي هو البدن، أن النفس جوهر غير جسماني، فهي إذن غير قابلة للفناء، أن الذي يفني هو الجسم فقط، لأنه جوهر عرضي، أما جوهر النفس فهو باق خالد.

يضرب مسكوية مثلاً بالماء، وكيف يستحيل إلى بخار أو هواء يستحيل إلى ماء أو نار، أن هذا المثل يدل على أن الأعراض تستحيل وتتغير، لكن الجوهر باق لا سبيل إلى عدمه، الجسم أيضاً يستحيل ويتغير من حال إلى حال، ولكن جوهر النفس باق لا يستحيل ولا يتغير.

إن الذي يخاف من الموت، فهو يجهل مصير النفس بعد الموت، أو هو يتصور أنه إذا انحل بدنه تلاشت نفسه وعدمت أيضاً، إن ذلك سببه الجهل بحقيقة النفس، وهذا الجهل هو الذي حمل الحكماء على طلب الحكمة، وطرح لذات الجسم، وترك ما يستعظمه الجمهور من المال والعقار، فتهون عندهم الدنيا، وهم يبلغون الغايات العليا، حتى يصلوا حقيقة الروح.

يشير مسكوية قائلاً، لذلك جزم الحكماء، بأن الموت موتان: موت إرادي وموت طبيعي، وكذلك الحياة هو مفارقة النفس للجسم، كذلك الحياة الإرادية هي ما يسعى إليه الإنسان في الحياة الدنيا من المآكل والمشارب، والحياة الطبيعية هي خلود النفس وبقاؤها السرمدي.

وبالرغم من أن مسكوية لم يذكر هؤلاء الحكماء غير أنه في الحقيقة، أن أول فيلسوف أخلاقي أشار إلى ذلك هو سقراط.

مع ذلك فإن مسكوية يستشهد بأفلاطون ووصيته إلى طالب الحكمة قائلاً: (مت بالإرادة تحيا بالطبيعة)، أن الذي يخاف من الموت الطبيعي، فإنه يجهل إن الإنسان حي ناطق مائت، وفي الموت تمامه، نلاحظ أن مسكوية يعالج المشكلة معالجة دينية، إذ يقول أن الإنسان بالموت يصير إلى أفقه الأعلى، ويقرب من بارئه، ويفوز بجوار رب العالمين، ويخالط الأرواح الطيبة من أشباهه.

أما الذي يخاف من الموت، فإنه يعتقد أن للموت ألماً عظيماً، أن هذا وهم لا أساس له من الحقيقة، لأن التي تحس وتفرح هي النفس، أما الجسم فلا يشعر بالألم، الموت هو مفارقة النفس للجسم، وبما أن الجسم كان يحس ويتألم بالنفس، فإذا فارقته النفس، فلا يبقى فيه شعور بحس أم ألم.

أما الذي يخاف العقاب بعد الموت، فهو إذن يعترف بخلود النفس، ويعترف بحاكم عادل يعاقب على السيئات، أنه إذن في هذه الحالة يخاف العقاب لا يخاف الموت نفسه، والواجب عليه أن يجتنب الشر في حياته.

والذي يخاف الموت، لأنه لا يدري ما هو مقدم عليه بعد الموت، فهو إذن جاهل، وما عليه إلا أن يتعلم حتى يعلم، فيعرف سبيل السعادة، أن مسكوية وبحسب منهاجه، يمزج طريق الفلسفة مع طريق الدين للذين يريدون التعلم والثقة والوصول إلى السعادة، أنه يقول: أن الثقة التي تكون بالعلم هي اليقين، وهي حال المستبصر في دينه المتمسك بحكمته.

أما الذي يخاف الموت، لحزنه على ما خلف من أهل وولد ومال، فهو يتعجل على مفارقة ملاذ الدنيا وشهواتها، وهو يتعجل الحزن والألم، على شيء لا يجدي عليه الحزن بطائل، أننا لو لم يمت أسلافنا، لم ينته الوجود إلينا، ولو بقي الناس مع تناسلهم ولم يموتوا لما وسعتهم الأرض، علينا كذلك أن نعلم، إن الإنسان كائن، وكل كائن مائت، فالموت إذن ليس برديء، بل أن الرديء هو الخوف منه، وما يخاف من الموت إلا الجاهل به وبذاته.

أرى من المناسب أن أشير إلى أن أبا بكر الرازي قد سبق مسكوية في هذا المقام، أبو بكر الرازي كتب فصلاً كاملاً في كتابه الطب الروحاني سماه (الخوف من الموت)، لقد ذهب الرازي إلى أن العاقل يرى أن الموت شيء طبيعي، وأن النفس تصير من بعد الموت إلى ما هو أصلح لها على ما كانت فيه، إن الإنسان لا يصيبه بعد الموت أذى لأن الأذى حس، وليس الحس إلا للحي، أن العاقل لا يغتم للموت، لأنه شيء لا بد منه، لا بأس أن اذكر كذلك، أن ياقوت الحموي صاحب كتاب (معجم الأدباء) يخبرنا أن مسكوية كان مفتوناً بكتب الرازي.

الحزن أيضاً عند مسكوية ألم نفساني يعرض لفقد محبوب أو فوت مطلوب، أن الحزن يأتي من جراء فقدان شيء يرغب الإنسان فيه، أو أنه لا يستطيع أن ينال شيئاً يريده ويتمناه، أنه إذن يحزن، أما المهني أمر لم يحصل عليه، أو أنه يحزن ويجزع لأمر يتلهفه ولا يستطيع الوصول إليه.

لا بد من الإشارة في هذا المقام، إلى أن الكندي وأبا بكر الرازي قد سبقا مسكوية فيما ذهب إليه، أن الكندي عرف الحزن بأنه ألم نفساني يعرض لفقد المحبوبات أو فوت المطلوبات، الرازي يرى أيضاً أن الغم يتولد بسبب توقع فقد المحبوبات، يوصي الرازي بوجوب الاحتراس قبل حدوث فقدان الشيء، يجب أن نعلم أن كل شيء خاضع للكون والنفس فلا نحزن عليه، وأن الرجل العاقل لا يغتنم أبداً.

أرجع إلى مسكوية الذي يضيف قائلاً بأن الأمر يهون عند الإنسان إذا ما علم أن كل ما في هذه الدنيا خاضع للكون والفساد، وغير باقٍ ولا ثابت، أن الشيء يأتي ويتغير ويذهب، وإن الثابت هو ما كان في عالم العقل، على الإنسان إذن أن يخفف من غلوائه في طلب ما لا يستطيع الحصول عليه، فيصرف همته على المطلوبات الباقية، وما يستطيع أن يناله، فيأخذ منه مقدار الحاجة فقط، ولا يتجه إلى المباهاة والادخار، حتى إذا فارقه ذلك الشيء ما لم يحزن عليه ولا يأسف، بل يجب أن يعلم حق العلم أن عالمنا هذا هو عالم الكينونة والعدم.

إن من طمع من الكائن الفاسد إلا يعدم فقد طلب المحال، ويبقى نتيجة لذلك محزوناً خائباً شقياً، إما إذا جمّل نفسه، على أن يرضى بما يجده ولا يحزن لما يفوته، عاش سعيداً مسروراً، عليه في الوقت نفسه، أن ينظر إلى حال الناس في مجتمعه، فسوف يرى سرور القانعين بحرفهم ورزقهم، فيستشعر الفرح بما آتاه الله من نعم، مثل الصحة والرزق والسعادة.

لم ينس مسكوية أن يضرب مثلاً بآية كريمة، فيشير إلى أن الله تعالى قال: )ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون( لأن الإنسان الذي يحمد الله على نعمه التي اسبغها عليه يكون من أولياء الله الصالحين.

وعلى ذكر مسكوية هنا، أن الدنيا خاضعة للكون والفساد، وأن كل شيء يتغير ثم ما يلبث أن يقول إن الثبات لعالم العقل وحده، أقول أن فيلسوف التغير هو هرقليطس، الذي عرف بغموضه وبمقولاته في الحركة والتغير، مثل (كل شيء ينساب ولا شيء يسكن) أو (كل شيء يتغير ولا شيء يدوم على الثبات) أو مقولته الشهيرة: (أنت لا تنزل إلى النهر مرتين، لأن مياهاً جديدة تجري تحتك باستمرار)، كما أن فلسفة هرقليطس كانت معروفة في العالم الإسلامي، أما فيلسوف الوحدة والثبات فهو بارميندس، وفيلسوف العقل انكسارغوراس، إذ ما لبث أفلاطون أن تمثل فكرهما، وطبق ثبات العقل على المثل في (كتاب الجمهورية) وأن جمهورية أفلاطون كانت متداولة في دوائر الفلاسفة المسلمين.

ينهي مسكوية كتابه (تهذيب الأخلاق) بأخذ مقتطفات من الكندي، أنه يذكر صراحة: وقال الكندي في كتاب (دفع الأحزان) أن المحزونين من الناس هم أولئك الذين فقدوا ملكاً أو طلبوا أمراً فلم يجدوه، المعنى نفسه، ما قاله أبو بكر الرازي ومسكوية فقد سبقهما إليه أبو يوسف الكندي.

يعلل الكندي أيضاً، أن كثيراً من الناس ليس لهم ذلك، وغير قادرين الحصول عليه، ومع ذلك فهم مغتبطون وغير محزونين، نرى الكندي يحلل الأمر تحليلاً لطيفاً عندما يذكر أن مثل هؤلاء الحزانى سرعان ما يعودون إلى حالهم الطبيعي، وإلى المسرة والأفراح، لأن كثيراً يفقدون المتاع والأولاد والمال، ومع هذا فإن الزمن ينسيهم مصدر أحزانهم.

إن العاقل إذا نظر إلى أحوال الآخرين، وجد أنه ليس الوحيد الذي يعاني من مصائب الحياة وأن الحزن هو مرض عارض، ما يلبث أن يزول لأنه غير طبيعي، كذلك عند الكندي، أن الحسد من دواعي الحزن، إن الإنسان الحسود ينظر إلى ما بأيدي الآخرين، فيديم حسده لهم ويشتد حزنه، مع كل هذا فإن العاقل من ينظر إلى هذه الأشياء أنها ودائع الله عند خلقه ما تلبث أن تزول، أن الأفضل للإنسان إذن، أن يهتم بالحصول على ما يفيد النفس والعقل لأنها باقية غير زائلة، أننا إذا كنا نحزن على كل شيء نفقده، لبقينا طوال عمرنا محزونين، وإذا على العاقل أن يقل من المقتنيات لأن فقدها يكون سبباً للأحزان.

صفحة 9

الفضيلة

يميز أرسطو بين نوعين من الفضيلة، أحدهما عقلي والآخر أخلاقي، الفضيلة العقلية، تنتج وتنمو من التعليم والتجربة والزمان، أما الفضيلة الأخلاقية، فإنها تتولد من العادة والشيم.

الفضائل الأخلاقية لا توجد بالطبع، ولكن الطبع يتقبلها والعادة تنميها وتثبتها، الفضائل الخلقية إذن تكون بالممارسة، الحال نفسه ينطبق على جميع الفنون، لأننا لا يمكن فعل الشيء إلا بعد تعلمه ثم تمارسه، الإنسان يصير معماراً بأن يبني ويصير موسيقياً بأن يمارس الموسيقى، يصير المرء عادلاً بإقامة العدل، وحكيماً بمزاولة الحكمة، وشجاعاً باستعمال الشجاعة.

أن هذا ينطبق في السياسة فيما يخص الممارسة، أن الحكومة الطيبة تحاول أن تصيّر الأهالي فضلاء بتعويدهم، وذلك بالإرادة الجازمة والممارسة الدائمة، أما الحكومة الخبيثة فهي لا تؤدي هذه المهمة، وهي مخطئة في العرض والقصد معاً.

يلح أرسطو على أن الفضيلة تتكون وتتطور بالممارسة، الناحية السلبية هي الأخرى يصدق فيها القول، بأن الذي لا يواصل الممارسة يفشل أو يقصر في بلوغ الفضيلة.

أرسطو يعطي الأمثلة بالفنون المختلفة، فإنه يقول أن الفنان كلما واصل التمرين في فنه أبدع أكثر، وتحسن أداءه، وإذا اتماهل يكون نتاجه رديئاً، أنه يقول أن المعمار إذا أحسن البناء فهو معمار طيب، وإذا أساء البناء فهو رديء.

لا بأس من الإشارة إلى أن الفن يكوّنه الاستعداد الطبيعي وتنميه الممارسة، أن الموهبة تفرز في جبلة الإنسان بالطبع، وإن الإنسان يدرك نوع الموهبة، التي تدفعه إلى الرسم أو الشعر أو الموسيقي أو النحت، أرسطو يغفل هذه الحقيقة الطبيعية، ويعطي الأهمية للعادة والرياضة، ينس أرسطو أو يجهل، أن القريحة أولاً، ثم يأتي دور الممارسة والتمرين في طريق كل إبداع فني.

المهم أن أرسطو يعطي أهمية كبيرة للممارسة في الأفعال الأخلاقية، أنه يقول أننا نكسب الفضائل أو الرذائل من جراء العادة ومواصلة السلوك في اتجاه معين من الناس من يتبعون شهواتهم فيكونون مفرطين وغير معتدلين، ومنهم من يلتزمون ويزمون أنفسهم، فيكونون معتدلين حلماء.

أرسطو لا يرتضي أن يكون علم الأخلاق نظرياً فحسب، بل أن العلم يراد لأجل العمل وأن على الأخلاق هدفه أن يصيرنا فضلاء، لا بد من إتباع العقل في العمل، ليكون تصرفنا تصرفاً أخلاقياً وكي نكتسب ملكاتنا الحميدة.

أرسطو يؤكد على الوسط بالأفعال من دون إفراط ولا تفريط، يضرب أرسطو مثلاً بقوة البدن والصحة، فهو يقول أن الشدة في التمرينات البدنية أو التفريط فيهما، فكلاهما يؤدي بالقوة على السواء، كثرة الأطعمة أو قلتها تفسد الصحة وأن التوسط في تناول الطعام يوجد الصحة ويديهما.

ينتقل أرسطو بعد ذلك إلى ضرب الأمثلة بالفضائل الأخلاقية، حين يقول أن العفة والشجاعة وجميع الفضائل الأخرى تكون بالتوسط والاعتدال وتنعدم بالإفراط أو التفريط بالنسبة للشجاعة، فإن الإنسان المقدام هو شجاع، غير أن الذي يقتحم الأخطار دون تفكير هو متهور، والذي لا يحتمل شيئاً فهو جبان، بالنسبة للعفة، فإن الذي ينغمس في اللذات فهو شره، والذي يمتنع تماماً فهو جامد، أما الذي يتمتع بالذات بمقدار ما يمليه العقل فهو عفيف.

يعرف مسكوية الفضيلة بأنها وسط بين رذائل، أنه في الوقت نفسه يقول أن الوسط صعب، وأن التمسك به بعد وجوده أصعب، يذكر مسكوية بعد ذلك أن الفضائل تتم بالاجتماع، لأن الإنسان مدني بالطبع.

الإنسان إذن محتاج إلى الحياة المدنية كي يمارس الفضيلة، وتتم له السعادة الإنسانية، أن الإنسان بالطبع يحتاج إلى غيره، وأنه مضطر إلى معاشرتهم العشرة الجميلة ومحبتهم المحبة الصادقة لأن إنسانيته تتم بهذه المخالطة وهذا الاجتماع.

مسكوية بعد ذلك يحمل حملة عنيفة على الذين يفضلون التفرد والتخلي عن الناس، ولاسيما أولئك الذين يلازمون المغارات في الجبال، أو السياحة في البلدان دون هدف، مسكوية يؤكد أن العفة والنجدة والسخاء والعدالة تظهر بالمخالطة في المدن.

يقول مسكوية أن الفضائل أفعال، وهذه الأفعال تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم والتعامل معهم في مختلف ضروب الاجتماعات، أن الفضائل يتعلمها الناس من خلال المخالطة، ليصل بها إلى السعادة.

أرسطو يؤيد أستاذه أفلاطون في الرأي، بحيث ينبغي علينا منذ الطفولة أن نوجه أنفسنا، بحسب مسراتنا وآلامنا، أن الفضيلة تظهر بأفعالنا، فإن الإنسان الذي يمتنع عن لذات الجسم فهو معتدل عفيف، وهكذا فإن الفضيلة الأخلاقية تتعلق باللذات والآلام.

إن ملكات النفس تفسد باللذة والألم، حين تصيرها إلى أحسن أو أقبح، أن ذلك يكون حين يتجاوز الإنسان فيه ذلك، ولا الطريقة التي حصلت بها، مما يسهل على العقل تصورها وتمييزها، فالفضيلة هي ما يصرف أمرنا تلقاء اللذات والآلام بحيث يكون سلوكنا أحسن ما يمكن أما الرذيلة فهي ضد ذلك.

توجد ثلاثة أشياء في رأي أرسطو تطلب، وتوجد ثلاثة أشياء تجتنب، المطلوبات: هي الخير والنافع والملائم، أما التي يجب تجنبها، فهي: الشر والضار وغير الملائم، إن الرجل الفاضل هو الذي يسلك سلوكاً حسناً ويتبع الطريق المستقيم، أما الشرير فهو الذي يرتكب الخطايا.

اللذة أحساس عام لجميع الكائنات الحية، أكثر من هذا، فإن اللذة منذ طفولتنا غذيت بوجه ما وشبت معنا، إن اللذة والألم هما اللتان تنظمان سلوكنا، كثيراً أم قليلاً، إن الذي يحسن استعمال هذين الإحساسين يكون خيراً، أما الشرير فهو الذي يسيء استعمالها.

الإنسان يكون فاضلاً حين يأتي أعمال الفضيلة، بعد هذا يلزم ثلاثة شروط، هي العلم والإرادة والثبات، لأن الإنسان يحصل على الفضيلة بالممارسة والتكرار، الإنسان الذي يريد أن يكون عادلاً يمارس العدل، والذي يريد أن يكون عفيفاً أن يمارس الاعتدال.

نلاحظ هنا أن أرسطو يضع العلم بالعمل، وهي نظرية أفلاطونية، طالما انتقدها أرسطو، أرسطو يقول أن على الفاعل أن يعلم ما يفعل، أرسطو يستأنف رأيه فيقول في الفنون يجب أن نضع حساباً للعلم بما نعمل، أما في الفضيلة فإن العلم هو قليل القيمة.

يقرر أرسطو أن الفضائل والرذائل ليسا انفعالات أننا لا نمدح الإنسان أو نذمه بسبب انفعالاته، بل يكون ذلك بقدر ما يخص فضائله ورذائله، أننا لا نصف الشخص بأنه فاضل أو شرير بسبب انفعاله.

فضيلة الإنسان هي تلك الكيفية الأخلاقية التي تصيره إنساناً صالحاً، أي تعمل منه رجلاً خيراً، يعرف كيف يؤدي عمله الخاص به، بعد هذا، يحد أرسطو الفضيلة بالوسط، بلا إفراط ولا تفريط.

صفحة 10

يعالج أرسطو مشكلة الوسط الأخلاقي، ويقول أن من الصعوبة حدها كالوسط الحسابي، يعطي مثلاً رياضياً هو أن العدد ستة يكون وسطاً بين العدد اثنين والعدد عشرة، لأن الستة تزيد عن الاثنين بمبلغ يساوي المبلغ الذي به زادت عنها العشرة.

هذا وسط حقيقي في التناسب، ولكن ليس هكذا يؤخذ الوسط دائماً، يضرب أرسطو مثلاً ظريفاً ، فحين يأكل رجل عشرة أرطال من الطعام، فهو أكثر مما يلزم، وإذا أكل رطلين فهو أقل مما يلزم، مع ذلك فليس من الصواب أن ننصح كل واحد أن يأكل ستة أرطال من الطعام، ربما أن ستة أرطال من الطعام تكون ضخمة لشخص وغير كافية لشخص آخر، إن الإنسان الحكيم العاقل إذن من يجتنب الإكثار والإقلال ويكتفي بالوسط، الذي هو الاعتدال المناسب.

أننا قد نطلق على شيء متكامل كلمة المتوسط، ونريد مدحه ونصفه بالكمال، نقول عن شيء متقن، ونحن نحاول إطراءه، أنه لا يمكن أن ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء، وهكذا إذا كان الإفراط والتفريط يفسدان الكمال، فإن الوسط يؤكده. أننا دائماً نضرب المثل الذي يقول: خير الأمور أوسطها.

الوسط الأخلاقي إذن هو الكمال الذي لا يوجد إلا في الفضيلة، والفضيلة هي الوسط الذي نطلبه بلا انقطاع.

أما الرذيلة فتتجلى بالإفراط أو التفريط، الإفراط بالأكثر خطيئة والتفريط في الأقل خطيئة وكلاهما مذموم.

يذهب أرسطو في الرأي إلى أن إتيان الشر سهل، أما الخير فهو صعب، أنه يضيف انه من السهل أن تخطئ الغرض، ومن الصعب أن تصيبه، وهذا هو السبب في أن الإفراط والتفريط يتعلقان بالرذيلة، أما الوسط فهو وحده متعلق بالفضيلة.

يذكر أرسطو بعض الأفعال والانفعالات، أنها ليست إفراطاً ولا تفريطاً، ولا وسط لها، مع ذلك فهي شرور ورذائل: مثل قابلية التلذذ بمصائب الغير والفجور والحسد، وكأفعال الزنى والسرقة والقتل، إن كل هذه الأشياء خبيثة وقبيحة لا بسبب إفراطها ولا تفريطها، أنها اقتراف آثام فحسب.

حين يذكر أرسطو بعض الفضائل، فإنه يشير إلى الإسراف أو التقصير الذي يخصهما، الشجاعة عنده وسط، وأما الإفراط فيها فهو تهور، والتفريط هو جبن، الاعتدال هو الوسط في ممارسة اللذات التي لا يلحق بها آلام، أما الإفراط في اللذات فهو ممارسة اللذات التي لا يلحق بها آلام، أما الإفراط في اللذات فهو الفجور والتفريط هو الخمود، ما يهم العطاء والتصرف بالأموال، فإن الوسط هو السخاء، والإفراط هو الإسراف، أما التفريط فهو البخل.

يذكر أرسطو صفات وسجايا لا يريد أن يغفل عنها، أنه يقول إذا كان السخاء صفة صاحب الأموال، فإن الذي عنده الاستعداد نفسه ولا مال عنده، فبدلاً من السخاء يتميز بالأريحية.

إفراط الإريحية سوء الذوق والزهو الغليظ، أما التفريط فهو التقتير أو التصاغر، أما في أمور الشرف فإن الوسط هو كبير النفس، والإفراط هي الوقاحة والتفريط صنعة النفس.

أما في ما يخفى الغضب، فإن الوسط هو الحلم والإفراط هو الخلق الشرس والتفريط الفتور للذي لا يعرف الغضب، بالنسبة للصدق، فالوسط يسمى الصدق، والرجل يسمى رجل صدق، إذا غلا وأفرط في الصدق يسمى نفّاجاً، وإذا كان منه العند يسمى تعميمه، والرجل معمياً.

ما يتعلق باللذة، ففي المزاح يسمى الرجل الوسط، أنه بشوش، وإذا أفرط تحول إلى السخرية، وإذا كان منه الضد تحول إلى الفظاظة، وفي ما يتعلق بالحياة العادية، فالرجل المقبول بعامة هو الصديق، أما الذي يغالي ويفرط فهو المتملق، والذي يكون غير المقبول إلى حد التفريط فهو الشرس الصعب في التحمل.

في الانفعالات الشخصية يقرر أرسطو أن التواضع ليس فضيلة، ولكنه يعقب بأن الإنسان المتواضع موضع ثنائياً، المهم في هذا إن على الإنسان أن يلزم الوسط، لأن الذي يشعر بالإفراط في حالة وجدانية معينة يحمّد وجهه ويشعر بالحيرة، أما الذي يأثم بالتفريط ولا يحمّدن شيء مطلقاً فهو عديم الحياء، والوسط بين هذين الإفراطين هو الإنسان المتواضع.

يدقق أرسطو في أحوال الأوسط إلى الدقة المتناهية، بحيث لا يرد أن يفوته شيء دون أن يذكره ويشبعه نقاشاً، أرسطو يرى أن كثيراً من المساوئ تبدو نوعاً من المحاسن، وبعض التفريغات تبدو إفراطات، ويصدق القول على الضد، فإن بعض الإفراطات تبدو تفريطات.. وهكذا.

يعطي أرسطو أمثلة على ذلك، فيقول أن الرجل الشجاع يظهر متهوراً إذا قورن بالجبان، ويظهر إلى جانب المتهور جباناً، الإنسان المعتدل يظهر فاجراً إذا قورن بالخامد، والمعتدل نفسه يظن خامداً بالنسبة للفاجر، السخي يظهر مسرفاً بالإضافة إلى البخيل، ويظهر بخيلاً بالنسبة للمسرف.

في نسبة الطرفين إلى الوسط، تارة يكون التفريط هو الأكثر تضاداً، وتارة يكون الإفراط. الرذيلة الأكثر تضاداً مع الشجاعة ليست التهور الذي هو إفراط، بل الجبن الذي هو تفريط، على الضد نجد في الاعتدال، فإن الحل الذي يبتعد عنه أكثر ليس هو اللاحساسية التي هي عيب التفريط، بل هو الفجور الذي هو عيب الإفراط.

يحلل أرسطو ذلك، فيقول أن طبعنا يميل بنا أكثر إلى اللذات، وهذا هو الذي يجعلنا ميالين إلى عدم الاعتدال، أكثر منا إلى القناعة والزهد، لهذا نجد أنفسنا تخرج عن الوسط إلى الإفراط أكثر منه إلى التفريط.

من هنا يجد الإنسان مشقة في أن يكون فاضلاً، لأن إدراك الوسط صعب جداً في كل شيء، ولهذا كان الخير يجد نفسه نادراً وممدوحاً وجميلاً، ليس أمام الإنسان إذن وهو الضد في زمّ نفسه، وعدم الاندفاع نحو الخطيئة.

إننا إذن ملزمون نحو اختيار الوسط، على الرغم من الصعوبة باتخاذ القرار ، ولاسيما في الحياة اليومية، أن الإنسان لا يعرف متى سيغضب ومتى سيكون حليماً، على الإنسان أن يدرك أنه سيكون ممدوحاً، إذا ما تصرف تصرفاً حكيماً، ليضع نصب عينيه إن الاعتدال في كل شيء حالة ممدوحة، ولهذا يحاول الابتعاد عن كل إفراط أو تفريط لأنه بالسيرة الوسط سيكون ممدوحاً وخيّراً.

ينتبه أرسطو إلى أفعال نفعلها بكامل إرادتنا على أننا مرغومين على فعلها، أنه يطلق على هذه الأفعال إرادية وأنها في الوقت نفسه غير إرادية، أننا نفعلها وإرادتنا معنا، على أننا نفعلها مضطرين غير راغبين.

يعطي أرسطو مثالاً على شخص يقع تحت حكم السلطان جائر مستبد، ذو سيادة وسطوة على أولاده وأقربائه، وهذا السلطان يجبر الرجل على آتيان فعل مخز، حتى ينجي أفراد عائلته وإلا يهلكهم السلطان، مثال آخر، هبوب عاصفة، تكاد تغرق السفينة في وسط البحر إذا لم يرمى شيئاً حمولة من السفينة في البحر، كي تخف وتنجو من الغرق.

أرسطو يقول إن الإنسان يفعل مثل هذه الأفعال خشية أضرار أكبر منها، أرسطو يطلق عليها مصطلح: الأفعال المختلطة، أنها إرادية وغير إرادية، لا يوجد إنسان يقدم على أفعال مخزية أو أن يرمي أموال في البحر، أنه فعل ذلك بكامل إرادته، فهي أفعال إرادية، وأنه مجبر على أدائها فهي أفعال لا إرادية.

لا شك أن من يقدم على مثل هذه الأفعال يقابل باللوم والاحتقار، وربما يلحقه العار والألم من جراء ما أقدم عليه في الوقت نفسه، ربما يمدح ويكرم، إذا كان الهدف شريفاً، أو على الأقل ربما يغفر له الآخرون فعلته، إذا ما أدركوا الأسباب التي أجبرته على ما أقدم عليه من فعال.

يتساءل أرسطو بعد ذلك، عن الأفعال التي نعدها لا إرادية وقسرية، هل سببها عوامل خارجية، أو أنها أفعال ذاتية، يفلسف أرسطو الحالة، فيقول أن أفعالنا هي دائماً تابعة للأحوال الخاصة، والأحوال الخاصة تتعلق بإرادتنا، مع هذا فإن أرسطو يضيف أنه من الصعوبة الجزم، لأن هناك ما لا يحصى من الفروق الدقيقة التي تستتبعها الظروف الخاصة.