eKtab
EN ع
فلتة زمانه
اقرأ عينة مجانية

فلتة زمانه

بقلم فيصل فرحات

صفحة 1
فلتة زمانه

«تزحلقت» قدمي بالصابون وأنا جالس على «الطبلية» في أرض الحمّام، ضربت قدمي الثانية بابور الكاز فوقعت «تنكة» الماء الساخنة على رجليّ. فصرخت بأعلى صوتي مرّات عديدة: «حرقت إجريّ»!

مع صراخي وبُكائي، فتحت باب الحمام وأنا متكىء على الحائط، ورجلي اليمنى مرفوعة قليلاً عن البلاط، والشابان التلميذان زميلاي في الغرفة، واقفان قرب الباب وهما خائفان من المنظر، وبخاصة اللحم الأحمر والجلد المنتفخ «بالونات» و «المقشور»، في رجليَّ. وحين تعالى صوت وصراخ أم جان وابنها، «ربطت» المنشفة حول جسدي وأنا أبكي! ولما ازداد صراخها وبكى ابنها، حملني الشابان من الحمّام إلى الصوفة، محاولين تهدئة الجو بكلمات مثل: «انشالله خير.. منيح هيك مش أكثر.. الحمد الله على السلامة.. وبسيطة جرح وبيصح». جففت جسدي وارتديت ثيابي الداخلية، بعد أن ناولني إياها أحد الشابين. (عاد إلى الحمّام وأخذها عن «التعليقة»). أما الشاب الثاني «لبّسني» «البيجاما» حذراً من عدم مرور القماش على الجروح. ثم عاد الأول ورفع طرف «البيجاما» وطواه، فوضع المرهم على الجرح كما أرادت أم جان وهي تقف وتنظر وتصرخ و.. «تعطي الأوامر».

أما أنا فكنت أصرخ «كبتاً» من وجعي، وأبكي بصوت «مكبوت»! بعد «لفلفة» رجليَّ، وضعتهما على وسادة أخرى، وغفوت لحظة أنْ «تمددت» ببطء ملحوظ على ظهري، وأنا أقول: «يسلّم دياتكم» و «تصبحوا على خير».

في صباح اليوم الثاني، بقيت في الفرشة على غير عادتي، ناظراً ومتفحصاً الجرح والورم، وملامساً «فقاقيع» الماء في رجليَّ، والشابان يحاولان عدم النظر، حينها حاولت المزاح معهما ببضع كلمات وهما يخرجان إلى المدرسة. أما أم جان فقالت لي من أمام باب الغرفة، بأنه كان عليَّ وضع «تنكة» الماء على الأرض وألا أبقيها على «البابور»، وما إلى ذلك من ملاحظات ونصائح، لكنها ختمت كلامها بأن المرهم الذي أعطتني إياه سوف يشفي الورم والجرح، وكذلك قال ابنها جان قبل ذهابه إلى المدرسة. بعد نصف ساعة، قالت لي أم جان بأنها ستخرج من البيت كي تشتري أغراضاً، ثم سألتني إذا كنت سأزور أمي وأخبرها بما حصل معي فأجبتها بكلمة: «أي أكيد». فأغلقت الباب وراءها.

بقيت وحدي أنظر إلى سقف الغرفة، وإلى اللاشيء، نادماً على ذاك الخطأ الذي حصل معي، وهو إبقاء «تنكة» الماء الساخنة على «البابور»! ثم وبمساعدة «عكازة» كانت قد أعطتني إياها أم جان مع المرهم، دخلت إلى الحمّام. ومن ثم أعددت الشاي، وسكبت كوباً لي، وعدت إلى الصوفة. وضعت كوب الشاي على طاولة صغيرة، وتمددت على مهلٍ رافعاً رجليَّ على وسادة. ونظرت إلى اللاشيء! لحظات، ثم قررت الذهاب إلى الحيّ، كي أنادي أمي، وأخبرها بحرق رجليَّ. وهكذا حصل.

ارتديت ثيابي، ثم «ربطت» خفّاً برجليّ، وخرجت من البيت، بعد أن تأكدت من وجود المفتاح في جيبي. مشيت بصعوبة بمساعدة «العكاز» والخفّ «المربوط». وحين وصلت إلى بيتنا، وقفت على رأس الدرج وناديت أمي التي صرخت بفرح: «إنتي هون؟» فأجبتها بصوت عالٍ فيه شيء من الغضب: «حرقت إجريِّ»! فردت سائلة: «حرقت شو؟» فرددت: «إجريِّ... إجريِّ..»! وحين أطلت من الباب، رفعت إحدى رجليَّ وأنا متكئ على «العكاز»، ثم رددت باكياً: «حرقت إجريِّ»! فصعدت الدرج بسرعة، و «اجتازته» درجات.. درجات، وهي تصرخ بكلمة: «يا مشحرة يا أنا»! لحظتان وكانت أمي قد وصلت إلى أعلى الدرج، وانحنت لترى الرباط يلفّ رجليَّ، ثم قالت لي انزع «الرباط» لترى الحرق، ففعلت. توقفت عن فك «اللفة» حين ظهر المرهم حول الحرق والجرح في رجلي اليمنى، التي كانت متضررة أكثر من الرجل اليسرى. على ما أذكر. حينها عادت تصرخ وهي تبكي فجأة مرددة كلمتها الشهيرة: «يا مشحرة يا فاطمة»! فتجمع عدد من الأولاد حولي، فيما أعادت أمي الرباط كما كان، وهي تلعن أبي والشيطان وهذه الحياة!
صفحة 2
أما أنا فقد زال همي، بعد أن رأيت أمي وأخبرتها ما حصل معي. مشيت فسألتني إلى أين ذاهب؟ وكان جوابي عن بُعد خطوتين: «باقي هون بالحيّ». طوال فترة الظهر، حين يعود التلاميذ من المدرسة إلى بيوتهم، كنت «مَضحكة» لرفقائي السابقين في المدرسة، وفي الحيّ. ومنهم جورج وميلاد ونبيل، وأنا أصف لهم كيف وقعت «تنكة» الماء الساخنة على رجليَّ، وهم يضحكون! ما عدا ميلاد الذي ضحك قليلاً، وبدا على وجهه بعض من ملامح الحزن. أما جورج فكان يطلب مني إعادة «الخبريّة». وحين رفضت في المرة الثالثة، أو الرابعة، ضحك وهو يردد كلمة: «تزحلقت» رجلي بالصابون، فضربت «بابور» الكاز برجلي الثانية، وأنا قاعد على «الطبلية»!

وبطبيعة الحال، كنت أنا أيضاً أضحك معهم في أواخر الضحكة. وذلك حتى «بيّن» (أظهر) حالي «مش فارقة معي». وحين أصبحت الساعة الواحدة والنصف، بدأ التلاميذ الصغار في العودة إلى المدرسة بعد الغداء، فيما التلاميذ الكبار يتهيأون للذهاب إليها، بعد الانتهاء من قول آخر «نكتة». أما الرجال والكبار في السن، ومنهم المعلم طوني ووالده (المرحوم) العم أبو طوني، فكانوا يسألونني وأنا أجيب. فزعلوا على زعلي وتوجعوا معي قليلاً وظهر ذلك بحركة شد ملامح الوجه، وبخاصة حين وصفت كيف وقعت «التنكة».. فيما بعض النساء دعَوْنَ لي بالشفاء، طالبات مني الراحة، ورافضات أنْ أمشي قبل أن تتحسن حالة رجليَّ. أما جورجيت فنظرت إليّ بحزن وفي عينيها شيء من الشفقة، وقالت: «لازم تنام وما تمشي حتى تصح».

فهززت برأسي موافقاً، وعلى وجهي ابتسامة حُزن. وحين مشت إلى المدرسة، عدت إلى نفسي بخجل.

كانت لحظات مُضحكة ومشجعة على السواء. وكانت مثل الدواء. إذ نسيت الوجع لأكثر من ساعتين. وهكذا بدأت أشعر وكأن الأمر عادي والأسبوع المقبل سأكون «صاحح» من هالحرق.

فجأة خطر في بالي أن يرى أبي ما أصابني. فمشيت متكئاً على العصا إلى البيت، وفي نفسي شعور بالتحدي، بعد أن خف إحساسي بالألم؛ كي أعرف ماذا سيقول أبي؟ وهل سيضربني؟ وبالطبع عدت وكررت أمام بعض المارة من الجيران وأنا «أعرج» في الشارع ما حصل معي!

وحين وصلت إلى بيتنا، كان بعض النسوة والأولاد وأمي وأخوتي الصغار في انتظاري! بعضهم طلب كشف «الرباط» عن الحروق، وبعضهم رفض وبخاصة أمي. مكررين معاتبتي ووضع الملامة عليَّ لأني أبقيت «تنكة» الماء الساخنة على «بابور» الكاز، وعدم وضعها على أرض الحمّام، كما قالت أم جان مما زاد من غضبي وجعل الوجع يسري في رجليَّ! فمددت العصا بينهم كي أمرّ وأنزل الدرج إلى البيت. فتعالت بعض الأصوات بكلمات تحذرني من النزول إلى البيت، لأن أبي منع عني هذه الزيارة، وهو إن أتى ورآني فسيضربني! حينها منعتني أمي من نزول الدرج، طالبة مني الصعود إلى الدرج الثاني المؤدي إلى السطح. وأن أتمدد على «صحاحير» أبي علي، وهي سوف «تلف» لي رغيف «مجدرة» حمراء، وبعد قليل أعود إلى بيت أم جان.

نظرت نحوها، ورأيت أن ما قالته صحيح، كي لا أتسبب لي ولها بمشكلة مع أبي، وهكذا فعلت. صعدت الدرج الثاني المؤدي إلى السطح، وخطوت نحو «الصحاحير» التي كانت موضوعة ومصفوفة على الجانب الأيمن. فيما النساء وأمي والأولاد تبعوني. وكان بعض الأولاد قد قفزوا أمامي. وما إن تمددت على «صحاحير» البندورة الجبلية المتينة، حتى طلبت أمي من الجميع تركي «بحالي». وبدأت تصرخ في أخوتي قبل الأولاد الآخرين، كي ينزلوا إلى البيت، ثم رجت أمهاتهم أن يتبعنها، فمشين خلفها. بعد لحظات، كنت أنظر إلى السماء وإلى اللاشيء، وأنا وحدي، وقليل من الدمع قد انساب فمسحته بسرعة بيدي قبل أن تعود أمي. وما أن أغمضت عينيّ للحظات كي ترتاح ويرتاح رأسي، حتى سمعت «دعسات» أمي وهي تخطو نحوي. فتحت عينيّ ورفعت رأسي قليلاً، لأراها تحمل بيدها رغيف «مرقوق» ليس كبقيّة الأرغفة التي حملتها لي من قبل! تقدمت مني وأعطتني إياه قائلة بما معناه: «لفّيتلك رغيف مجدرة، بعدو سخن، مع بصل وبندورة. جلِّس وكول». فجلست وأسندت ظهري إلى الحائط، وأنا أتناول منها ذاك الرغيف الكبير. ثم جلست على «صحارة»، ورددت بضع كلمات لم أسمع منها سوى القليل، الذي لا يُذكر (ولا أتذكره)، وذلك لأن لهفتي إلى قضم رأس ذاك الرغيف، سيطرت على انتباهي، فقضمت فوراً قضمة كبيرة، جزء منها لسع لساني من سخونة «المجدرة»، والجزء الآخر برّدته شقف البندورة والبصل، فحاولت مزجهما معاً، ثم بلعت بعد أن مضخت أقل من المعتاد. وفيما كنت أقضم لقماتي بلهفة ونشوة، رددت أمي بأنها طبخت «المجدرة» الحمراء كرمى لي لأنها تعرف بأني أحبها، ولأنها أطيب «أكلة» تعرف هي أن تطبخها بسرعة، مثلما فعلت منذ ساعة. ثم تابعت بأنها ستملأ لي «مطبقيّة» (علبة حلاوة فارغة) كي آخذها معي إلى بيت أم جان. فهززت برأسي موافقاً وأنا أبلع ما في فمي. لحظات ونهضت وتركتني أُشبع بطني. فأكلت بتلذذ خفف ألم حروق رجليَّ. وكان الرغيف الكبير، الذي يوازي رغيفين، قد أعاد إليّ بعض النشاط والحركة في آن. فعدت وتمددت على «الصحاحير»، وأنا أمرر و «أطبطب» بيدي على بطني. ثم نمت على جنبي واضعاً يدي تحت خدي. وحين استيقظت من غفوتي، وجدت قرب «الصحارة» الأخيرة عند قدميّ، كيس ورق.
صفحة 3
«شهّلت» (جلّست) جسدي، وانحنيت متناولاً الكيس ثم فتحته. وإذا بي أرى بضع حبات من البندورة والبصل، وعدة أرغفة خبز «مرقوق» ملفوفة بكيس «نيلون»، وفي أسفل الكيس «مطبقيّة المجدرة»، فازداد فرحي. حينها أمسكت بالعصا ووقفت وأنا متكىء عليها، وحملت الكيس، ثم «تعرّجت»، نازلاً درج السطح، ناظراً نحو أخوتي الصغار وبضعة أولاد كانوا ينظرون إلي بشيء من الشفقة! فناديت أمي قائلاً بأني ذاهب، فأطلت من الباب لتذكّرني بأخذ الكيس. حملته بيدي مشيراً لها بأني أخذته، فطلبت مني أن أذهب وأرتاح، ثم أعود غداً، فمشيت وأنا أعرج. عدت واستدرت نحو الخلف مودعاً، وإذا بي أرى إخوتي وأولاداً آخرين يلحقون بي! فسألتهم ماذا تريدون؟ فأجاب بعضهم بأنهم يريدون أن يعرفوا أين أنام؟ و «يشوفوا» أم جان! فأجبتهم بأني لست ذاهباً إلى بيت أم جان الآن، و «بعدين» (غير مرة) آخذهم ليتعرفوا عليها، فسكتوا ولم يقتنعوا. ثم عادوا ولحقوا بي بعد أن خطوت بضع خطوات. فعدت ورفعت العصا نحوهم، لكي يرجعوا إلى البيت، لكنهم لم يسمعوا كلمتي! حينها مددت يدي إلى جيبي وتناولت عشرة قروش وأعطيتها إلى أكبرهم سناً، قائلاً لهم أن يشتروا «بزر زغير» ويرجعوا إلى السطح، ليتسلوا به. ففرحوا وعادوا إلى الدكان، وأنا تابعت سيري المتعرج نحو بيت الرفيق غسان، في أول بيت من بيوت كرم الزيتون. كان الوقت قد أصبح عصراً، فخطر في بالي أن أنتظر غسان على «البرندا» الخشبية، حتى يأتي من عمله وأخبره ما حصل معي. صعدت الدرج منادياً خالتي أم ناجي. (على ما أذكر) فأطلت من فسحة مدخل البيت سائلة ماذا أصابني؟ فأخبرتها وأنا أضحك قليلاً. ثم قالت إن ابنها غسان لم يأت من العمل، وليس في البيت سواها. فأجبتها أني أعرف ذلك، لكني أرغب في رؤية غسان حين يعود. فردت طالبة مني الجلوس على «البرندا» في (ظل) الشجرة. فابتسمت وجلست على طرف المقعد كما قالت. ثم سألتني إذا «تغديت؟» فأجبتها بنعم. ثم رفعتُ الكيس لتراه، قائلاً إن أمي أطعمتني «مجدرة» حمراء، وأعطتني «مطبقيّة» وخبزاً وبندورة. فضحكت قليلاً وسألتني إذا أريد أن أشرب كباية شاي، فشكرتها موافقاً. تنهدت بعد أن مددت رجليَّ، واضعاً العصا قربي، وأنا أنظر إلى الورود والزهور من حولي، وإلى شجر الزيتون في الكرم، على مدى نظري، فشعرت بارتياح وانشراح.

وبعد دقائق خلتها حوالى الساعة، أتت السيدة أم ناجي وهي تحمل صينية عليها إبريق شاي صغير مع كباية و «سكرية» فيها ملعقة صغيرة، ووضعتها على الطاولة، بعد أن قرّبتها مني وكذلك أنا فعلت، مردداً كلمات الشكر لها. وفيما كانت تبتعد عني، قالت لي ما قاله النساء وبعض الرجال، بأنه كان عليَّ وضع «تنكة» الماء الساخنة على أرض الحمّام.. فوافقتها وأنا أهز برأسي متمتماً على مضض كلمات غير مسموعة! شربت كباية الشاي، ورغبت معدتي في الثانية ففعلت.

وبالطبع لربما «تبعجت» وأنا «أطبطب» على بطني، ثم أرخيت ظهري على المسند، مسترجعاً ما حصل معي في هذا اليوم، وبخاصة كيف نظرت إليّ جورجيت، وكيف ضحك عليَّ جورج ونبيل، وماذ فعلت أمي. وما لبثت، على نسيم الورود والزهور، أن غفوت. وما أن مرت دقائق حتى سمعت والدة غسان تناديني، وبيدها جريدة، طالبة أن أضعها تحت رجليّ على المقعد، ففعلت بعد أن قرأت العنوان. ثم ختمت بابتسامة: «صار وقت يوصل غسان». بعد أن قالت إن الجريدة قديمة. حينها سألتها عن جريدة اليوم، فضحكت وخطت نحو الغرفة الصغيرة، وأتت بجريدة «النداء» وأعطتني إياها، ونحن نضحك معاً. فقرأت العناوين ثم «فلفشت» صفحاتها الأربع، ونمت.
صفحة 4
استيقظت على مناداة غسان لي بكلمة: «شو باك؟ وشو عامل بحالك؟» فرفعت رأسي وأنزلت رجليَّ على الخشب، وبلشت خبّرو «الخبريّة» بعد التحية والسلام. فنظر إلي بشفقة وهو يلوي رأسه مردداً بضع كلمات منها: «كيف عملت بحالك هيك؟» وما شابه. ثم أكملت بأني انتظرته حتى أخبره ماذا حصل معي. ولكي يعرف ذلك بقية الرفاق في الحزب. فرد قائلاً أن أذهب وأنام في بيت أم جان، وغداً أو بعد غد أعود إليه لأخبره بتحسُّن رجليَّ. ثم مد يده إلى جيبه وتناول «فراطة» حوالى ليرة وأعطاني إياها، فأخذت القروش وشكرته كثيراً وأنا أنهض بمساعدة العصا، بعد أن حملت «كيس أمي»، وخطوت نحو الدرج. ثم استدرت نحوه وسألته إذا أصدر الحزب بياناً للتوزيع؟ فأجاب بأن هناك بياناً سيصدر «بهاليومين» عن الانتخابات النيابية (عام 1972). ففرحت وأبديت استعدادي لتوزيع البيان قبل أن تُشفى رجلاي. فضحكت أمه وأخته فاديا، وهما واقفتان في فسحة الدار. وكذلك غسان وأنا! ثم عدت وحاولت أن أكون جدّياً وغير مُضحك، وسألته عن الانتخابات النيابية؟ وماذا علينا كحزب أن نفعل؟ فرد بشيء من «النرفزة» قائلاً بما معناه: «حل عني هلق. بعدني واصل من الشغل وبدي اتحمم. رايحين الليلة على طرابلس لنهني الرفيق نقولا الشاوي. يللا روح» فأجبته: «رايح.. رايح.. لكن قللي بس كلمة. لشو رايحين على طرابلس؟ وتهنوا الرفيق نقولا على شو؟". فرد بكلمة: «سمحولو يترشح على الانتخابات..». وكذلك قالت أمه. فأجبته بصوت عال: «والله أي عال. ومن وين بدكن تروحوا؟». فقال وهو يضربني «سحسوح» على رقبتي: «من العادلية. يللا فل من هون. كل شي بدك تعرف؟». فاستغرقت أمه وأخته في الضحك وضحكت بدوري، ماسحاً رقبتي بيدي، ونزلت الدرج متعرجاً! وحين وصلت إلى حافة الطريق الترابية عدت ونظرت نحوهم مودعاً. قال لي غسان: «بكرا المسا تعا لهون، وبخبرك شو صار معنا الليلة». فهززت رأسي وتمتمت كلمة غير مسموعة، ومشيت. على الطريق، فكرت وقررت أن أذهب الليلة إلى طرابلس. فبدت لي الفكرة غريبة وفيها شيء من الجنون. لكن فرحتي بـــــ«مشوار» كهذا مع الرفاق لتهنئة الرفيق نقولا (أمين عام الحزب) بالسماح له كي يكون نائباً في الحكومة (مجلس النواب) من أجل تحقيق الاشتراكية، كانت تُسيطر على تفكيري وخيالي خاصة بعد أن تذكرته حين كان يخطب من وراء «المكرفون» في المؤتمر الثالث للحزب. صعدت الدرج إلى بيت أم جان والعرق «يكتّني» من التعب والفرح في آن. وحين وصلت إلى الباب قرعت الجرس وانتظرت قليلاً حتى فتح جان الباب. فرحب بي ضاحكاً وسألني أين كنت كل النهار؟ فأجبته. وكذلك أخبرت الشابين وأم جان. وقلت بأن أمي طبخت لي «مجدرة» حمراء. ودخلت تواً إلى المطبخ، حيث وضعت «كيس أمي» في البراد. ومشيت نحو الغرفة وتمددت على الصوفة، وأنا أُفكر في اختراع كذبة، كي أخرج من البيت وأذهب إلى «العادلية» (قصر العدل) ومن هناك إلى طرابلس. أذكر بأني ما عدت أشعر بوجع حروق رجليَّ، ما عدا بعض التعب من المشي متعرجاً، وكانت العصا هي قوتي، لأنها ساعدتني كثيراً طوال النهار، وهي سوف تساعدني أيضاً في هذه الليلة. وفيما كنت سارحاً في خيالي، محاولاً تركيب و «تظبيط» الكذبة، توقف عن الدرس أحد الشابين سائلاً زميله: «شو بدنا نتعشى الليلة؟». وفجأة، خطرت في بالي كلمة أتت من تلقاء نفسها، قائلاً لهما: «عشاكن بالبراد» فرد السائل عن العشاء بفرح ودهشة: «المجدرة» إلّنا؟». فأجبته بما أحبّ أن يسمع، وأضفت من عندي كذبة بيضاء تفيد: «أمي بتسلم عليكم وتدعي لكم بالتوفيق والنجاح في المدرسة». فضحكا وقالا بضع كلمات. ثم سأل أحدهما إذا كان العشاء يكفي لثلاثة. فأجبته بأني «معزوم» على العشاء في بيت صاحبي غسان. فرد الثاني «يعني راجع رايح؟» فهززت برأسي، ثم أضفت كلمة من «حبل الكذب» بما معناه: مضطر أقبل «العزيمة» لأن غسان ساعدني على تعلم مصلحة النجارة. فتابعا الضحك، وترداد كلمات الشكر والمزاح. فنظرت نحوهما وأنا أضحك معهما، ثم طلبت منهما مساعدتي على تغيير «الرباط» وتنظيف الجروح، ووضع المرهم. فوافقا وضحكا بصوت عالٍ، مما دفع جان وأمه إلى التقدم نحو غرفتنا سائلين: «شوفي؟ على شو عم تضحكوا؟» فأجابا بما قلت، مما لم يعجب أم جان. إذ ألحت عليَّ بالبقاء في البيت وأرتاح كي «أصح». لم أشأ أن أجيب عما قالته أم جان. بل خطر في بالي أن أشكرها للمرة الثانية أو الثالثة على ذاك المرهم الذي «فعل فعله» بتخفيف وجعي. فردت باعتزاز «هالمرهم أحسن مرهم»، وكذلك قال ابنها. حينها تراءى لي تكرار مدح ذاك المرهم، مما رسم البسمة على وجه أم جان، التي طلبت من الشباب متابعة تنظيف الجرح، ووضع المرهم العظيم على الجروح. ففرحت أم جان بما سمعت، وختمت بأنها لا تشتري سوى الأدوية والمراهم الغالية، لأن «حقها فيها». ثم أضافت بعد أن تذكرت، بأن لديها الكثير من الشاش والقماش الأبيض، ثم ذهبت مسرعة لتأتي بها. في هذا الوقت، ساعدني الشابان وبخاصة الذي قال: «المجدرة إلّنا؟». (لا أذكر اسميهما لسبب ما، ربما لأني لم أتحدث معهما كثيراً، ولأني كنت في أغلب الأوقات آتي في المساء وأنام مباشرة بعد العشاء. وفي الصباح كنت أخرج من البيت إلى العمل باكراً).

تناول أحد الشابين المرهم والشاش والقطن، فيما أمسك الثاني بقطعة قماش بيضاء طويلة، لربما كانت مقصوصة من شرشف. لحظات، «كتمت» فيها تأثري بالوجع، مردداً إعجابي بذاك المرهم. وباحتيال طبيعي قلت بأني أشعر وكأني «صحّيت». وبعد يومين أعود إلى الشغل، مضيفاً بضع «نكات»، متذكراً ضحك جورج وترداده لكلمة «تزحلقت» رجلي بالصابون، فضربت «البابور» ووقعت «تنكة» الماء. مما كان يُضحك الشابين وكذلك جان. وذلك من أجل تهيئة الجو، قبل أن أعود وأخرج من دون رفض أم جان. وهكذا حصل. إذ وبعد الضحك والمزاح، حيث شاركتنا فيهما أم جان، وبخاصة بعد أن أكثر جان من الضحك لسبب ما، لفت انتباهي. حينها نهضت عن الصوفة ممسكاً بالعصا، قائلاً للشابين إن عشاءهما في البراد. وكررت سلام أمي لهما ولأم جان وابنها. حينها سألني ذاك الشاب (الذي قال: «المجدرة» إلّنا؟) «ما هو العشاء اللي معزوم أنا عليه؟» فأجبته بفطنة أتت من خيالي: «ملوخيّة»! فرد بفرح وبصوت عال: «ملوخيّة؟». وأضاف جان: «أوه.. الملوخية أكلة طيبة». دخلت إلى الحمّام بخطى بدت ثابتة بمساعدة العصا، حيث غسلت وجهي وأنا متكىء على المغسلة، وعدت إلى الصالون، ثم قلت للجميع بأني سأعود بعد ساعة، أو ساعتين إذا كان في السهرة مزاح وضحك. فتحت الباب، وتأكدت من وجود المفتاح في جيبي، وخرجت. تبعني إلى عتبة الباب صوت أحدهم متمنياً لي بأن آكل «شبعتي» من «الملوخيّة». فضحكت، وهكذا فعلوا بدورهم.