صفحة 1
المقدمة
لكل كتاب في العالم رحلتان· لكن هذا الكتاب له أكثر من عشر رحلات· فالكتاب التقليدي يبدأ كرحلة أولى عند البدء في إعداده كفكرة وتنتهي الرحلـة الأولـى بأن ترى أنت- عزيزي القارئ - هذا الكتاب مطبوعاً· وأما الرحلة الثانية في الكتاب التقليدي فتبدأ أثناء قراءتك له : هل تسمع أنت به ؟ هل يغير من أفكارك ؟ هل تلتقي مع الكتاب أم تختلف ؟ وتنتهي الرحلة الثانية إما بإلقائك الكتاب بعيداً عنك، أو بالاحتفاظ به في مكتبك·
لكن هذا الكتاب، كما قلت لك، له في حياتك أكثر من عشر رحلات· فهو كتاب يقتحم منطقة حرجة في حياة الأسرة عموماً، وحياة الأسرة العربية على وجه الخصوص· إنه يتحدث إلى الشباب من عمر الخامسة عشرة وحتى العشرين عن حقائق أجسادهم وكيف تنمو ثم يدخل بهم إلى فن التعامل مع المجتمع وفى دنيا الإحساس بالحب، تلك الكلمة التي تملأ حياتهم ووجدانهم ويطلبون بها ومن خلالها الاستقلال عن الكبار·
ولا أحد من الآباء ينسى أيام شبابه وكيف كانت تصرفاته وأسلوب إدارته لحياته· إن الأب دائماً يتذكر بالصوت العالي أمام الابن كيف كان متفوقاً في الدراسة، وكيف نال احترام الجميع، وينسى اندفاعاته في كافة الاتجاهات من أجل البحث عن شخصيته المميزة·
والأمهات ينسين كيف كانت أيام المراهقة، وتخبر كل أم ابنتها عن حدود الطاعة المطلقة التي عاملت بها والدتها، وتنسى الأم رحلة السعادة والألم التي بدأت منذ وصولها إلى أول دورة شهرية وحتى بلوغ الابنة أول دورة شهرية في حياتها·
وينظر الأبناء إلى الآباء بعيون فيها من الشك أكثر مما فيها من الثقة· فليس من المعقول أن كل الآباء في حالة زهد وتقوى وصلاح، وليس من المعقول أيضاً أن الأبناء هم الشرور المتحركة على الأرض·
وتنظر الفتيات إلى الأمهات بعيون فيها من القلق أكثر مما فيها من الاطمئنان· فليس من المعقول أن كل الأمهات قد كن في حالة انضباط عاطفي في انتظار موافقة الأب والأم على العريس الذي يتقدم للابنة فصارت الابنة زوجة مطيعة ثم صارت أماً لابنة متمردة·
إن الآباء والأمهات يريدون معرفة كيف يفكر الأبناء والبنات في عمر المراهقة، وكيف يمكن أن يكون سلوك الكبار مع الأبناء في هذا العمر المتوهج بالتحدي والتوتر والنمو·
والأبناء والبنات يريدون معرفة كيف تعمل الأجساد وكيف تنمو العواطف وكيف يواجهون التحديات التي تحيط بهم من كل الاتجاهات، وما نقاط الضغط في السلوك التي من الواجب الابتعاد عنها وما نواحي السلوك التي يجب أن يقدم عليها الشاب أو الفتاة·
ولأن كل نمو يحمل في داخله لوناً من التحدي، فقد واجهت أنا، كاتب هذه السطور، تلك الرحلة·
واجهتها وأنا أتلقى عام 8691 تكليفاً من إذاعة الشرق الأوسط بالقاهرة بإعداد برنامج مدته ستون دقيقة كل أسبوع للأجيال الشابة وباسم تحت العشرينَ· وبدأت بهذا البرنامج رحلة صداقة ومودة وتفاهم بيني وبين مئات الآلاف، ولا أقول الملايين، من الشباب العربي من المحيط إلى الخليج· أراهم في أماكن تجمعاتهم، أسمع أحلامهم، أقدم اليد التي تلتقط يد الشاب قبل لحظة من انهيار أو تهرب، ألمس بمشاعر الفهم قلق الفتاة عندما تتضارب الأحاسيس وتكاد البهجة تغيب عن عمر البهجة· كان لابد إذن من التجول في دنيا المعلومات عن عالم المراهقة ومازالت تلك الرحلة مستمرة حتى كتابة هذه السطور·
مازلت أذكر لحظة لقائي بهذا الكتاب، كان ابني قد وصل إلى عمر الخامسة عشرة، وكان لابد وأن أواجه معه رحلة الاتفاق على حدود الاختلاف بيننا· نعم، فكل الأبناء مختلفون عن الآباء، وكل الآباء مختلفون عن الأبناء، والمطلوب دائماً في كل أسبوع مرة على الأقل أن يتفق الآباء والأبناء على حدود الاختلافات بينهما·
ولأني أعلم أن أي اختلاف في الرأي والسلوك يقتضي أن أفهم أنا موقف من أختلف معه وأن يفهم من يختلف معي موقفي، لذلك بدأت أقرأ كتاب د· سبوك دليل الحب والحياة لإنسان تحت العشرين ورأيت الكتاب وهو يغوص في عالم المراهقة بأسلوب علمي بسيط يتناسب مع العمر الشاب· ولا يخجل د· سبوك من تناول أدق التفاصيل، لكن سلوك الشباب في أوروبا وأمريكا قد لا يتقارب مع سلوك الشباب في عالمنا العربي وإن اختلف معه في كثير من الأمور· ولكن من المؤكد أن أسلوب حياة الفتاة في أوروبا وأمريكا يختلف عن أسلوب حياة الفتاة في بلادنا·
صفحة 2
وقررت أن أضع أمام ابني تحدياً يشرح له نفسه وجيله، فطلبت منه أن أقرأ أنا وهو الكتاب بصوت عال، وأن نتفق على ما فيه من معلومات، بما يضمن لنا فهما مشتركاً، وأقدمنا على التحدي قوم بترجمة الكتاب الذي يعرفه عن نفسه وعن مشاعره وعن الرجل والمرأة الكثير· وبشجاعة العمر الشاب وبخبرة الأب الحريص أنجزنا معاً صياغة متفقاً عليها تتناسب مع جهز القيم في المجتمعات العربية· وكان المشجع لي ولابني هو أستاذنا المغفور له الأستاذ الدكتور سعد جلال أحد رواد علم النفس في عالمنا العربي وصاحب المؤلفات التي تصنع علماء النفس البشرية لمن يعكف على فهمها بإتقان· وكان د· سعد جلال هو المربي والحارس لقيمي أثناء مراهقتي فقد كان صديقاً لأسرتي، وها هي الأيام تضعه أمام مسؤولية أن يعلمني عملياً كيف أكون أباً، ويوجه ضمير ابني ويعلمه فن حراسة القيم وكيفية التقدم للأمام·
ويستمر الحوار بيني وبين الكتاب لمدة عام كامل، إلى أن أبدأ في إعادة صياغته على ضوء خبرة اثنين وثلاثين عاماً في التعامل اليومي مع الشباب المراهق من خلال برنامج تحت العشرين بإذاعة الشرق الأوسط بالقاهرة· وتتراءى أمام وجوه أساتذة كبار، أساتذة في عالم الفن الإذاعي قادوا خطواتي بهدوء إلى أداء هذا البرنامج: وجه الفنان العاشق للبسطاء طاهر أبو زيد وهو أول من أقنعني بضرورة المشاركة في العمل الإذاعي· ووجه الإذاعية الساحرة سناء منصور التي كانت صاحبة فكرة البرنامج الإذاعي وكانت مقدمته الأولى عام 8691 مع الإذاعي اللامع كمال جامع· واستمرت رحلتي مع برنامج تحت العشرين تصل نضجي بمراهقتي وتصل خبرتي بهمس الأجيال العربية· وتزودني الإذاعية الكبيرة مشيرة نجيب بكيفية الحوار ببساطة مع الشباب، ويزودني الفنان حسن شمس بطاقة المناقشة الهادئة لمشاكل الأجيال الشابة· وتقطع معي الإذاعية درية شرف الدين رحلة أيام وسنوات في أدائنا المشترك للبرنامج معاً· ويستقر البرنامج على أمواج صوت الزميلة تهاني حلاوة وصوتي· مرت بنا السنوات في إذاعة الشرق الأوسط بالقاهرة وكل أبناء الإذاعة يحرصون على صيانة وتجديد حيوية البرنامج الإذاعي على مدى الأعوام الماضية· لن أنسى كمال جامع وسوسن سامي وصديقة حياتي، فكل منهم بذل وأعطى، وأكرم وأفاد·
وعلى ضوء خبرة الأعوام بدأت بإعادة صياغة الكتاب، مستفيداً من عمق صداقتي مع الأساتذة الكبار في الطب النفسي: الأستاذ الدكتور أحمد عكاشة عميد الطب النفسي العربي ومؤسس قسم الطب النفسي بجامعة عين شمس والذي أسهم بخبراته المتميزة في برنامج تحت العشرينَ والأستاذ الدكتور يحيى الرخاوى أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، والذي أسهم بعطاء حيوي خلاب للأجيال الشابة من مستمعي البرنامج· ولا يمكن أن أنسى جهد الأستاذ الدكتور محمد شعلان مؤسس قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر، الذي تفخر جامعات العالم بمحاضراته فيها والذي أثرى برنامج تحت العشرين بخلاصة خبراته· ويظل بين دفتي هذا الكتاب بريق الإضافات التي أضافها الأستاذ العالم الطبيب د· إيهاب يونس أستاذ علوم الجنس والجلد بجامعة بنها، والذي قام بمراجعة دقيقة لكل الكتاب، وكان كريماً بالحذف والإضافة· إن د· إيهاب يونس يعطي كل وقته لعلاج أمراض الجنس والجلد وتتكشف أمامه حقائق مذهلة عن نمو الشباب وآلام الكبار·
إنا لم أقم بإعادة صياغة كتاب فن الحياة مع المراهق وحدي، لكن كان معي زاد هائل وكريم من أساتذة وأصدقاء، ورأيت نتيجة الكتاب تدفع ابني إلى فهم دوره في الحياة كشاب تحت العشرين يسير دائماً إلى اختبار تحدياته ويتحمل مسؤولياته·
ولكل ما تقدم من أسباب وظروف صار هذا الكتاب - بإذن الله - بين أيديكم شباباً وآباء· إنه كتاب سيقرؤه الابن -أو الابنة - أكثر من مرة، وسوف يرجع إليه الأب -أو الأم- أكثر من مرة·
إذن فأمام كل منكم أكثر من رحلة مع هذا الكتاب·
ترى هل يضيف لكم ؟
أثق وأقول : نعم، لأنه أضاف لي بهجة وعلماً وتوازناً، وسوف يكون كذلك - بإذن الله - بالنسبة لكم·
منير عامر
صفحة 3
الكبار·· لماذا لا يصدقهم المراهق ؟
يقول المراهق للطبيب:
عندما أسأل الكبار عن العلاقة بين الرجل والمرأة، أراهم يدخلون بنا في كهف مظلم، جدرانه من كلمات الإرهاب والتخويف، فهل عندك ما يعلمني عن أسرار هذه العلاقة ؟
ينفجر أمامنا جسد الطفل الصغير فيكبر ويزداد صوته غلظة، وتتناثر على وجهه حبوب الشباب مختلطة بزغب يميل إلى السواد·
لقد صار الطفل مراهقاً·
وتتدلل الطبيعة في إبراز مفاتن الأنثى الصغيرة· ثم يدق مغص صغير هذا الجسد، إنه مغص أيام الدورة الشهرية·
كبرت الطفلة التي كنا ندللها كدمية وصارت تطالب بحق الخيال وحق الاحترام·
يصرخ الكبار في وجه المراهقين· أنتم متمردون ولا تسمعون الكلام·
فيصرخ المراهقون - في حياتهم - في وجوه الكبار: أنتم مستبدون ولا تفهمون مشاعرناً·
يصرخ الكبار في وجه كل مراهقة: لماذا تنظرين إلى نفسك منذ شهور ؟ أنت مازلت طفلة تحتاجين إلى تأديب·
فتصرخ المراهقات - في خيالهن - في وجوه الكبار: أنتم تخافون أن نعلن أنكم صرتم عواجيزَ·
سنحاول على مدى هذه الصفحات أن نشرح للمراهق تلك التغيرات التي تحدث في أعماق كل منهم وجسده·
والهدف هو إزالة الحرج عن عالم الأسئلة الصعبة التي يواجه بها المراهق· والهدف أيضاً أن نبني جسر صداقة بين الكبار وبين المراهقين· فهذه الصداقة هي الحماية الأولى للكبار من الإحساس بالشيخوخة ومرارة الوحدة· وهى الحماية الأولى للشباب الصغير من انحرافات العصر، كالإدمان وغير ذلك من الانحرافات التي يعلو الصوت بالشكوى منها جسارة حقيقية لمواجهتها· والخطوة الأولى للانتصار على الانحرافات هي أن نجعل البيت مكاناً صالحاً لإقامة الشاب أو البنت في عمر المراهقة·
والآن إلى السؤال الصعب جداً في حياة المراهق والمراهقة وهو: كيف ينشأ الحب في النفس البشرية ؟
إنه سؤال كغرفة المرايا السحرية، تجيب عنه الأغاني بالآهات، ويجيب عليه العلماء بالأرقام، ويجيب عليه الآباء والأمهات بالخوف من الانحراف· ولا يفهم أحد أن الغرض الأساسي عند المراهق عندما يطلق في وجوهنا هذا السؤال هو جرس تنبيه يطلقه المراهق أو المراهقة في وجه العالم ليقول: انتبهوا، لقد كبرت، صرت جسداً محدد الملامح له قسمات الرجولة أو الأنوثة، دعوني أنضم إلى نادى الكبار
وفى البيوت العربية، من المحيط إلى الخليج، يلمع بعض من القلق في عيون الكبار عندما يشاهدون التغير الواضح في جسد الفتاة التي رحلت فجأة من دنيا الطفولة، واقتحمت فجأة عالم الأنوثة المحدد·
صفحة 4
وتنظر عينا الأب إلى عيني الأم حين يحاول أن يوجه لها رسالة قد تكون منطوقة وقد تكون بمجرد النظرات: لقد بدأت مسؤوليتك عن شرح كل شيء للبنت
ومهما كانت الأم متعلمة أو جاهلة، ففي أعماقها وأعماق ابنتها لون من التساؤل المشوب ببعض الصراع· التساؤل في أعماق الابنة: اعذريني يا أمي، لقد كبرت وهذا يعنى أن مكانة الأنثى اللامعة في سماء البيت يجب أن تكون مكانتي·
وتترجم الابنة هذه الرسالة عملياً بأن تأخذ بعضاً من أشياء الأم وحاجاتها الخاصة: زجاجة العطر، وأحمر الشفاه، وبعضاً من الملابس الداخلية والأحذية والحقائب·
وتترجم الأم هذه الرسالة إلى معنى آخر· إن الأم تتذكر لحظة ووصولها إلى البلوغ: حذرتها أمها من اللعب مع الشباب، وقامت الدنيا ولم تقعد عندما ضبطوها تتلقى رسالة غرامية من ابن الجيران· ثم جاءت الداية على عجل لتقوم بعملية· وقامت الدنيا ولم تقعد عندما نجحت البنت أن تتزوج العريس الذي جاءت به إحدى القريبات وقالت: لابد أن أكمل تعليمي وقامت الدنيا ولم تقعد عندما اختارت الأم أن تقبل خطوبة زميلها في الجامعة· وقامت الدنيا ولم تقعد عندما قال لها خطيبها: مشوار الحياة صعب وأنا لا أستطيع أن أجهز البيت المطلوب· وقامت الدنيا ولم تقعد عندما أعلن الكبار فشل الخطوبة· ثم انطلقت الزغاريد في المنزل لتعلن خطوبة الابنة لعريس مقتدر·
وغرقت أعماق الانة - التي صارت أماً من بعد ذلك - في بحر من الدموع· وتوالت كلمات النصيب والقسمة والحظ المكتوب على الجبين تضمد أحزان العجز عن صناعة الحياة مع من تحب·
وفى كل تلك الحالات صارت أعماق الأم مضبوطة بانتباه بالغ على حقيقة علمية هي أن كل فتاة عربية في أي بلد من المحيط إلى الخليج تحفظ ميعاد الدورة الشهرية عن ظهر قلبَ إن تقاليد المجمعات الشرقية تحيط بالفتاة من كل اتجاه· وميعاد الدورة الشهرية له دلالات هامة عند الأسرة الشرقية·
لكن على الضفة الأخرى من العالم، نجد الفتاة الإنجليزية أو الأمريكية أو الفرنسية تقول لوالدتها : من الأفضل أن نزور معاً طبيب أمراض النساء حتى أستطيع اختيار مانع الحمل المناسب لي·
وكثيراً ما قرأنا عن أسر مصرية أو عربية هاجرت إلى أمريكا أو الغرب، ولكنها عادت بسرعة رغم النجاح المهني، وفضلت الحياة مرة أخرى في مجتمعاتها الشرقية رغم الصعوبات اليومية· والسبب أن الأب والأم لا يريدان للابنة أن تمر بتجربة المراهقة في المجتمع الغربي حيث لا يتطور الإنسان بهدوء من مرحلة عمر إلى مرحلة أخرى، بل يقتحم مراحل العمر وكأنه يغتصب حقوقاً ولا يمارس حياة· وليس أدل على ذلك من هجرة عشرات الآلاف من الشباب الأمريكي والأوروبي إلى المجتمعات الشرقية في الهند، وجنوب شرق آسيا، واليابان - إن أمكن - لا لشيء إلا لأن المجتمعات الغربية يحدث فيها تطور الحياة بأساليب وبتقاليد قد لا تعجب أبناء المجتمعات الشرقية·
إن الفتاة في المجتمع الشرقي تقرأ بعضاً من أقوال الفتاة في غرب أوروبا وأمريكا بلون من الدهشة، وتشاهد نماذج الحياة الغربية على شاشة التليفزيون بلون من الاستغراب· فالفتاة المراهقة الأمريكية التي تعيش في المدن الكبيرة، تزور الطبيب النفسي وتقول له: إنني في حيرة من أمري، فأهلي يخافون علي من الحمل في الصغر، ومعظم أصدقائي يعتبرون أن العلاقة الكاملة بين الشاب والفتاة حق طبيعي لهم، فالاحتضان العميق وممارسة العلاقة الكاملة بين الشباب والفتاة هي أمر يتعلق بنشاط الغدد
صفحة 5
وعندما يقرأ الشاب في المجتمع الشرقي عن سهولة اللقاء الكامل بين الرجل والمرأة في الغرب فإنه يشتهي السفر على الفور إلى تلك المجتمعات· ومعظم البيوت العربية رضخت لمطالب الشباب للسفر إلى الخارج ولو للعمل في بيع الجرائد في شوارع النمسا أو ألمانيا، أو غسل الصحون في إنجلترا، أو جمع العنب في فرنسا· وعاد الشباب من هناك إما ببعض من الحسرة، أو بعد رؤية أنياب المجتمع الغربي وهى تنغرز في لحم الشباب القادم من العالم الثالث· لقد قتلوا شاباً في جنوب فرنسا، حيث كـل شيء للبيـع بما فيـه أجسـاد الصغـيرات - لمجرد أنه غازل ابنة ميكانيكي - ولم يفتح أحد ملف التحقيق لأن القتيل مجرد عربي·
ونام الشباب في الحدائق الأوروبية· وتجمد بعضهم من الثلج وتعرضوا للاستنزاف تحت سطوة الفتوات في شوارع النمسا·
وقامت طائرات من عواصم البلدان العربية منذ سنوات لتعود بالشباب الذي لم يجد عملاً·
وترفض السفارات الغربية في بعض العواصم العربية منح تأشيرة الدخول لأي شاب عربي خشية أن يقيم بلا داع في شوارع بلادها·
قال لي أحد المسؤولين الإيطاليين: عفواً، نحن ندقق في تأشيرة الدخول لأن هناك أكثر من مائة وخمسين ألف شاب عربي يوجدون في شوارع روما ونابولي دون إقامة شرعية، ولا يتعرض لهم البوليس لأنهم لا يسببون المشاكل، ولكنهم يأخذون فرص العمل من الشباب الإيطالي
وعندما نسبر أعماق أي شاب من الذين هاجروا إلى أوروبا وتسكعوا في شوارعها سنجد نفس الإحساس بالقهر الذي عانى منه عضو أي جماعة متطرفة: إنه مقهور في بيته ولا يجد من يعترف به، ويعاني من جمود مشاعر الأب وديكتاتوريته، ومطلوب منه أن يظل محبوساً في دور الطفل الذي عليه الطاعة وليس من حقه إبداء الرأي·
وسنجد أعماق هذا الشاب الذي هاجر إلى شوارع الغرب متساوية في كثير من جوانبها مع أعماق المدمن الذي غرق في إدمان الأقراص أو الهيروين· إنه طلب الاعتراف بالقدرة على النضج مع عدم سماح الأسرة والمجتمع بممارسة هذا النضج·
إن عين الشاب تتوقف بقلق أمام أوامر الكبار وسطوتهم، واعتبار أن كل سلوك يصدر منه هو تمرد رغم أنه يفكر في مستقبله، وهو مكبل بعدم رؤية أي تفاؤل· إنه يرى تحطم الكثير من المثاليات، ولا أحد إلا القلة القليلة هي التي تثق في أن داخل كل مراهق إنساناً جديراً بالاحترام·
إن عين الشاب تتوقف بقلق واندهاش وهى ترى عدم مرونة الكبار في التعامل معه· وكما يقول أحد الشباب: إنهم يتحايلون علي ولا يواجهونني· إنهم يغلفون الجمود في كلمات معسولة· إنهم يصرون على أن أبقى مجرد طفل، وليس لي حقوق الناضج· إنهم يرفضون أن أشاركهم ويطلبون مني دور التابع دائماً·
ويتوتر بعض من الشباب لأنهم في حيرة بين الرغبة في الهجرة من مجتمعاتهم للحياة في سهولة المجتمع الغربي التي تبيعها مسلسلات التليفزيون الغربية، وبين الخوف من أمراض رهيبة مازال الطب عاجزاً عن إيجاد حلول لها، مثل فقدان المناعة المكتسبة المسمى بالإيدز، وغير ذلك·
صفحة 6
وبالنسبة للكبار، في المجتمعات الشرقية أو المجتمعات الغربية، فإنهم ينظرون بقلق إلى حالة الانهيار الخلقي والسلوك غير المألوف من أجيال الشباب في أوروبا الغربية وأمريكا ومحاولة تقليد بعض من شباب وبنات الحضارة الشرقية لأبناء حضارة الغرب· ويقول الكبار باندهاش: إنها فوضى القرن العشرين·
والحقيقة الواضحة هي أن العلاقة بين الرجل والمرأة تأخذ معاني مختلفة في أوقات مختلفة، وفي المجتمعات المختلفة، بل ويختلف مفهوم العلاقة بين الرجل والمرأة عن الأفراد أيضاً·
وفي عمر المراهقة يختلف مفهوم العلاقة بين الرجل والمرأة من إنسان لآخر·
إن فتاة ما قد تشتاق إلى الحنان، وإلى أن تعثر على الرعاية اللائقة من إنسان تحبه·
بينما نجد شاباً ما يحلم باحتضان يذوب فيه مع نجمة سينمائية أو تليفزيونية، ويخرج من هذا الحلم وهو يلوم نفسه، ويشعر بعدم تقدير لهذه النجمة التي لم يتعرف عليها شخصياً، بل تعرف فقط على صورها في الأفلام·
وقد يحاصر الشاب أو الفتاة نفسيهما بالخوف من العذاب والعقاب لمجرد التفكير في الجنس الآخر، ذلك أن الواحد منهما قد استمع إلى رجل دين متزمت، وكان حديث رجل الدين ينصب على أن الجنس خطيئة آثمة، اللهم إلا في حالة واحدة وهى إنجاب الأطفال·
وقد يرتبك الشاب أو الفتاة عندما يستمعان لرجل دين آخر متسع الأفق وهو يقول: إن الحق سبحانه وتعالى لا يحرم العلاقة بين الرجل والمرأة على إطلاقها، لكنه يحرم العلاقة التي لا يتحمل فيها الاثنان مسؤولية كل منهما الآخر، ويحرم العلاقة التي لا علانية فيها ولا زواج، وذلك حتى ينال الإنسان المتعة، ويتحمل شرف المسؤولية في بناء المجتمع الإنساني·
ولا يخلو أي مجتمع من الشباب أو البنات، من الكبار أو الصغار، من الناضجين من الآباء والناضجات من الأمهات، كما لا يخلو مجتمع من قصة أو حكاية أو فكاهة معناها أن العلاقة بين الرجل والمرأة أكثر إمتاعاً عندما تكون سرية وغير معترف بها اجتماعياً·
ويختلف هذا الموقف عندما يتحدث الآباء والأمهات إلى الأبناء والبنات·
إن الكبار يتحدثون إلى الأبناء كما لو أن العلاقة بين الرجل والمرأة ليس لها إلا إطار واق رفيع هو الزواج، أو هي شرك خطير تلهو فيه المرأة بالرجل أو يلهو فيه الرجل بالمرأة·
وغالباً ما يعترف الشباب والبنات في عمر المراهقة قائلين: إن الكبار يتحدثون عن العلاقة بين الرجل والمرأة بنوع من الرياء والنفاق، فهم يتحدثون إلينا وكأنهم أصحاب المثل العليا التي لا تخطئ أبداً، وكأن الخطأ والحظ السيئ والتجربة التي سيضيع بها المستقبل هو ما يميزنا نحن
ودائماً ما يشكو الشباب والبنات في العمر الشاب قائلين: إننا عندما نسأل من هم أكبر من عن أسرار العلاقة بين الرجل والمرأة، فإن هؤلاء الكبار يدخلون بنا إلى كهف مظلم، جدرانه من كلمات الإرهاب والتخويف، بل إننا عندما نلجأ إلى الكتب التي تتناول هذا الموضوع فإننا نفاجأ بأنها تتحدث عن كيفية عمل الأجساد، وهذا وحده لا يوضح طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة· فالأجساد ليست مجرد آلات، بل إنها مسيرة بالأرواح وبالطباع
صفحة 7
وعندما أسمع مثل هذه الشكاوى من الشباب والبنات في عمر الشباب فإنني أقول بوضوح: سيدرك كل منكم بوضوح خلال رحلة النمو أن مظاهر العلاقة بين الرجل والمرأة هي مزيج مركب عارم من المشاعر، وسيكتشف خلال رحلة النضج أن المشاعر العاطفية لا تقتصر على العلاقة بين الرجل والمرأة فقط، ولكن المشاعر العاطفية تحيط دائماً بأي نوع من الجمال في الحياة، وتحيط أيضاً بالطموحات التي يصبو إليها الإنسان· وهذه العواطف لا يمكن وصفها وصفاً دقيقاً بالكلمات أو الرسوم· إن هذه العواطف يمكن أن توضحها الموسيقى، فهي عزف داخلي من المشاعر المتدفقة المتنوعة·
وأية تجربة عاطفية يدخلها الشاب بما تحتويه من مواعيد وأحلام، ستترك في أعماقه حيرة، وسيظل فهمها عنده ناقصاً إلى أن ينمو هذا الفهم من خلال علاقة حب عميقة ودائمة في إطار الزواج
وهذه السطور هي محاولة للإجابة على سؤال بسيط وعميق وهو: كيف ينشأ الحب في أعماق النفس البشرية ؟ ومعنى ذلك أننا سنحاول هنا وعبر الصفحات القادمة أن نصف التطور المعقد للأحاسيس الإنسانية، وهى تبدأ في مهدها أثناء الطفولة، ثم نقارن بين أحاسيس الإنسان في الطفولة وأحاسيس الجرو الصغير على سبيل المثال·
وقد يسأل أحد القراء: هل ستدخل بنا في دنيا اللاوعي وعالم اللاشعور وعالم النظريات التاريخية التي تتناول هذا الموضوع ؟
وأكاد ألمس في أعماق هذا القارئ كلمات تقول: لسنا بحاجة إلى النظريات التي قد يكون لها عميق الاحترام، بل نحن بحاجة إلى البساطة والإيضاح
وأقول لمثل هذا القارئ: إنني مثلك تماماً، أقدم عميق الاحترام للنظريات الخاصة باللاوعي وطبقات اللاشعور، لكني أفضل ألا أخوض فيها، وذلك حتى نحتفظ بالبساطة اللازمة لشرح مظاهر السلوك الإنساني في مجال العواطف والعلاقة بين الجنسين سواء عند الكبار أو الشباب· إن هذه الظاهرة قد تبدو محيرة بالنسبة للإنسان الذي يتأملها بل ومتناقضة في أحيان أخرى· لذلك لابد من أكبر قدر من الوضوح والبساطة من أجل عميق الفهم·
وسأحاول أيضاً أن أتناول علاقة العواطف الأحاسيس الجسدية بمثاليات البشر، والدافع إلى الابتكار، وما الذي يحدث عند إعلاء المشاعر، وماذا يفعل الكبت النفسي·
باختصار أقول: إن أمامنا هدفين أساسيين:
الهدف الأول : كيف ينشأ الحب في مشاعر الإنسان؟
الهدف الثاني: علاقة العواطف البشرية بألوان السلوك الإنساني المتعددة·
وبطبيعة الحال لا يمكن أن نوضح كلاً من الهدفين دون أن نلمس من بعيد تلك الأحداث التي تحدث في أعماق اللاوعي· لكننا لن ننسى أن الشباب كان يطلب أيضاً الفهم لمشاعره وأحاسيسه العاطفية والجسدية قبل ميلاد فرويد الذي تحدث عن اللاوعي· وكان الشباب يطلب ذلك من رجال الدين· وفي صفحات الدين الإسلامي الإيضاح الكثير والمتميز حول قواعد العلاقة بين الرجل والمرأة· ولم تكن المجتمعات المسلمة تعاني من هذا الالتباس الذي تعاني منه الحضارة المعاصرة، تلك الحضارة التي أخذت من تقاليد الحرمان الكثير ثم أطلقت سراح الغرائز دون ضوابط· فحرمان القرون الوسطى كان يعتبر الجنس إثماً كبيراً اللهم إلا إذا كان من أجل إنجاب الأطفال·
والحضارة المعاصرة أطلقت العنان للغرائز، وأباحت التمتع دون قدرة على تحمل مسؤولية السلوك· وانطلقت صيحات كتلك التي تثيرها الفتاة الأوروبية أو الأمريكية على اعتبار العلاقة بين الرجل والمرأة مسألة تتعلق بالغدد، دون أن تفرق هذه الفتاة بين الإنسان والحيوان· وانطلق من بعد ذلك أكثر من فيروس يهدد كل من يقترب من الممارسة العاطفية والجسدية اللامسؤولة، والتى تسعى إلى المتعة فقط·
ولذلك تمتلئ أعماق الأجيال الشابة بأسئلة تبحث عن الإجابة التي تساعد الإنسان على الحياة العاطفية والجسدية دون أن يتورط في بحار الضياع أو المرض·
ومن أجل أن نضع إجابات لتلك الأسئلة، تبدأ هذه الرحلة·
صفحة 8
قصة الحب الأول في حياة ابن الثالثة من العمر
إن الطفل يندمج في حب عارم مع أمه، وكذلك الطفلة مع أبيها·
يحدث ذلك من العام الثالث إلى العام السادس، أما من العام السادس وحتى العام الحادي عشر فالولد أو البنت يخوضان رحلة استكشاف المجتمع الذي يعيشان فيه·
عفواً·
لابد لنا من هذه المقارنة بين الإنسان والكلب·
ونحن لا نقصد إلى إهانة الإنسان، ولا نقلل من قيمة ما يمكن أن نتعلمه من الكلب نموذج من نماذج دنيا الحيوان·
وبعد تقديم هذا الاعتذار لابد لنا من عرض الوقائع·
إن الإنسان منا، عندما يراقب جرواً صغيراً حديث الولادة، يلحظ على الفور الاعتماد الكامل للجرو الصغير على أمه· إن الأم هي التي تطعمه، وترعاه، وتحرسه وتعلمه كيف ينظف نفسه بنفسه، ثم تلعب معه بعضاً من الألعاب التي تلقنه فيها كل المهارات الأساسية المطلوبة من الكلب، مثل الجري على الفريسة، والنباح عند رؤية الغرباء·
ويمكن لمن يراقب الجرو الصغير أثناء النمو أن يلحظ أن الجرو ينفصل عن الأم، بل وتهمل الكلبة ابنها فور وصوله إلى مقدرة الاعتماد على النفس، ولا مانع من أن يرحل الجرو بعد نضجه بعيداً·
وعندما يأتي ميعاد إخصاب الكلبة، فإنها تتجول في شوارع الحي الذي توجد فيه، حيث يوجد عدد من الكلاب الذكور، وقد يكون من بينها ابنها السابق· وعندما يتهيأ رحم الكلبة لاستقبال جرو صغير، فإن الكلبة تتجاوب مع أي كلب يصادفها، حتى ولو كان ذلك الكلب هو ابنها الذي كان· وبكلمات محددة فإن ممارسة التواصل الجنسي عند الكلاب هو أمر يرجع إلى الغدد أكثر مما يرجع إلى التقرب والتواصل العاطفي·
وعندما نترك مراقبة الكلاب وننتقل إلى القردة، وهى أقرب في السلوك إلى الإنسان، وإن كانت تختلف عنه في الوقت نفسه، فنحن نجد أن مراقبة العلماء للقرود قد أثبتت أن عزل القرد الوليد عن أمه ومحيطه الاجتماعي من القرود، هذا العزل المنفرد يفقد القرد أي رغبة في التواصل العاطفي أو الجنسي عندما ينضج· ويحتاج العلماء إلى جهد صعب لإعادة تدريب مثل هذا القرد على التواصل العاطفي أو الجنسي· وهذا يدلنا على أن بعضاً من أعضاء المملكة الحيوانية غير الإنسان، يحتاجون إلى التجاوب النفسي العميق في ممارسة علاقاتهم مع ذويهم وأبناء جنسهم·
وعندما نراقب الإنسان منذ طفولته، فإننا نجد أن مرحلة الطفولة عنده معقدة ومركبة بطريقة لا نهائية·
إن الطفل في عامه الأول يعتمد اعتماداً كلياً على والدته· ثم يبدأ منذ عامه الثاني في طلب جزء من الاستقلال· وتستمر هذه النزعة الاستقلالية فنراه محاولاً استكشاف عالمه الصغير، وصانعاً لبعض من أشيائه الصغيرة·
صفحة 9
وما أن يبدأ الطفل عامه الثالث حتى ينظر بعين الإعجاب العميق لوالديه· إنه يدخل في رحلة جديدة من العاطفة العميقة مع الوالدين، ويتقرب إليهما بإسراف شديد، ويعتقد أنهما أكثر الناس جاذبية وقوة وحكمة· ويتمنى الطفل من أعمق أعماقه أن يكون مثل الوالدين، لذلك يقلدهما كلما استطاع، ويتشرب بعينيه كل ألوان السلوك الذي يسلكه الأب أو تسلكه الأم، وكأن السماء قد زودته برادار حساس مهمته أن يلتقط من الأب والأم ما يستعد به لمرحلة النضج والرشد· وتستمر تلك الرحلة من عام الطفل الثالث حتى العام السادس·
إن الطفل الولد - عن طريق مراقبته لوالده - يعرف أن قدره أمامه، وأنه سوف يكبر وينضج ليصير رجلاً، وهذا ما يدفع الطفل إلى الاهتمام العميق بقدرات والده العضلية، وكذلك القدرات المختلفة للأب وأصدقاء الأسرة من الرجال·
إن الطفل الولد من عمر الثالثة لا يفكر في اللعب بالعرائس كما كان يفعل في عامه الثاني من العمر، بل يفضل اللعب بنماذج السيارات الصغيرة، ونماذج الجرارات، ويتظاهر بأنه يقود سيارة خيالية، ويقلد الأب في أي سلوك· وإذا قام الطفل باللعب مع أقرانه لعبة العائلة أو لعبة البيت، فهو يطلب لنفسه دور أب الأسرة، ويتظاهر بأنه ذاهب إلى العمل بعد الإفطار، ويتظاهر بعودته إلى المنزل عند العشاء· ويلعب تمثيلية من يجلس مع الأطفال ليناقشهم في قواعد السلوك، ويتحدث مع الطفلة التي تمثل دور الزوجة وكأنه يناقشها في أسلوب إدارة البيت، فإذا اشتكت له من الأبناء، فإنه يوجه باللوم والتأنيب إلى الأطفال الذين يلعبون دور الأبناء·
إن الطفل يلعب هذه الألعاب ليدرب نفسه استعداداً لمرحلة الرجولة والطموح إلى نضجه المستقبلي·
وإذا ما تصرف الطفل بغير هذا، فهذا يعنى أنه غارق في الاضطراب الوجداني·
وعندما يغرق الطفل في الاضطراب الوجداني فهو لا يميل إلى اللعب، بل يهرع في كل صغيرة وكبيرة ليختبئ خلف ظهر الأم· وقد لا تتفجر فيه اهتمامات بالنضج· والمعاونة النفسية لهذا الطفل تصبح ضرورية، شرط أن يكون المعالج النفسي أميناً وقادراً على منح الوقت الكافي للطفل والأسرة ليستكشف أوجه القصور في السلوك، ويستكشف مع الطفل كيفية بناء السلوك المناسب لعمره·
كان ما تقدم عن الوالد، فماذا عن البنت من عمر الثالثة إلى عمر السادسة ؟
إن الفتاة الصغيرة تدرك أنها ستكون إنسانة ناضجة لها أنوثة متميزة في يوم من أيام المستقبل، ولذلك فهي تلتقط بعينها وتتشرب بإحساسها كل صغيرة وكبيرة من سلوك الأم· إنها تتدخل في رحلة من تقليد أحلى امرأة في العالم، وأغنى امرأة في العالم، وأذكى امرأة في العالم، إنها أمها·
والفتاة الصغيرة، منذ عامها الثالث، تحاول أن تقوم بالواجبات المنزلية، فإن وجدت أمها تستخدم المكنسة الكهربائية، فهي تفعل مثلها، وإن وجدت أمها ترعى أخاً أصغر، فهي تحاول أن تقوم برعاية الطفل الصغير بنفس أسلوب الأم· وإن وجدت الأم تستخدم أدوات التجميل، فلا مانع من أن تتسلل بهدوء إلى أماكن وجود هذه الأدوات وتقلد الأم· وعندما تلعب الفتاة الصغيرة مع عرائسها، فهي تعتني بالعرائس بنفس الطريقة التي تقوم بها الأم برعاية الصغار· وإذا ما لعبت الفتاة الصغيرة لعبة البيت مع غيرها من الأطفال فهي تريد أن تلعب دون الأم، وأن ترتدي نفس ملابسها، وتقلد مشيتها، وتتكلم مثلها· وعندما تؤنب فتاة في الرابعة من العمر العروس اللعبة، فهي تفعل ذلك كما تفعل أمها تماماً·
ويشترك الأولاد مع البنات من عمر الثالثة إلى السادسة في الاهتمام العميق بالسؤال المتجدد والقديم وهو: من أين يأتي الأطفال
وتشعر الفتاة بفرح عارم عندما تعلم أن الطفل الصغير الوليد ينشأ في رحم المرأة، وربما أنها ستصير امرأة يوماً ما فهي تفرح بذلك مقدماً وتعتز به·