صفحة 1
القصة والحياة
أحببت القصص المكتوبة والمروية منذ طفولتي، وقبل أن أتعلم القراءة، ولا غرابة في ذلك، فقد كان والدي يحضر لي القصص المصورة ويبسطها أمامي ويقرأ ما تيسر، وكانت والدتي، وأحياناً جدتي لأبي ، تقصّان عليّ القصص التي تحمل في طياتها
عظات حسنة، ولكنها تحمل أيضاً قدراً من الإثارة، مما جعلني أفتن بالقصص وأتشوق إليها. تعلمت القراءة وصرت أقرأ بمفردي القصص التي دأب والدي على توفيرها لي، وفي ما بعد، تلك التي توفرت في مكتبة المدرسة، ثم القصص التي صرت أختارها بنفسي وأشتريها.
ولأنني أحببت قراءة القصص، فقد أكثرت منها، وهذا ما جعلني أرى في حياة الناس قصصاً منثورة، شبيهة بالقصص المكتوبة، كما أرى في الناس شخصيات قصصية، كتلك التي تعرفت عليها في الكتابات القصصية، والعكس صحيح. استهوتني تلك العادة ودفعتني، عن قصد أو عن غير قصد، لملاحظة كل علامة فارقة وكل ظاهرة إنسانية وكل سمة بشرية مميزة ومقارنتها بما قرأت، أو البحث في ما قرأت عن تلك الملامح والصفات الفارقة. وإذ دأبت على ملاحظة الحياة في جريانها، بعمومها وتفاصيلها، والتمادي بمقارنة ما تجمع لدي من ملاحظات بما قرأت، نمت لديّ الرغبة في القص، في وقت لم أكن فيه أمتلك أدوات الكتابة القصصية، فالكتابة القصصية تحتاج أكثر مما توفره الحياة من قصص، تحتاج إتقان اللغة الحاملة للمعاني، ومعرفة أدوات القص وأساليب الكتابة، وقبل كل هذا، نضج التجربة الحياتية والفنية. مادة الحياة هي المنهل وهي الأساس والجوهر في الكتابة القصصية، ومن دونها لا تقوم قائمة لهذا الفن الرفيع. التزود بفن الكتابة، والتدرج في محاولات الكتابة، والمتابعة الحثيثة، واكتساب الخبرة، شروط لا غنى عنها لكتابة القصة، وهذا ما يفسر محاولاتي العديدة الفاشلة في هذا الشأن قبل الأوان.
في ما بعد، وللعادة التي جريت عليها، بمقارنة ما أقرأ بما يحدث في الحياة أو العكس، صرت أميز بين القصص الحافلة بالحياة وتلك التي تخلو منها، أعني تلك التي تستعيض عن الحياة المعاشة ونبضها ودفئها بالأفكار الباردة الجاهزة، فأحب الأولى وأنصرف عن الثانية. كنت أقرأ وأصدق أن الشخصيات التي قدمها الكاتب هي تلك التي أصادفها وأعرفها، وأن الأحداث التي ساقها وأحوال النفس التي كشف عنها، إنما يحدث مثلها في الواقع، وأنها على هذا القدر من الخصوصية والغرابة أحياناً، فالحياة ليست نمطية تماماً.
صفحة 2
وصرت أصدق أن الكاتب الأكثر تجربة وبصيرة وصل إليها، مهما كانت ملتبسة أو خبيئة، وأنه بذل جهده وتحرى أسبابها ودوافعها وانتقاها بذكاء وصاغها بمقدرة، على شكل قصص فنية جاذبة لاهتمام القارئ. ولأن مهارة الكاتب في رصد الأحداث وأحوال النفس وتحويلها إلى قطع فنية أخذت تشدني، فقد سهل علي ملاحظة أن بعض القصص يخلو من نبض الحياة، وأن شخصيات بعض القصص باهتة تتحرك كدمى في يد الكاتب وتنطق بكلام لا يخصها، وكأنه وضع قسراً على لسانها، وتتلبس عواطف ليست من جنسها، فهي مستعارة بالكامل. عزوت الفوارق لوفرة تجارب الكاتب أو نقص تجاربه وعوزه، فعملت على تعميق تجاربي الحياتية وملاحظة كل من وما أمر به، من صورته الكلية إلى أدق التفاصيل، لمجرد المتعة في البداية، ثم كوظيفة وعادة مستحكمة درجت عليها. أدعو كل كاتب ومقبل على الكتابة إلى فعل ذلك، للمتعة والفائدة، فلا مناص لنا جميعاً من المتح من مخزون الحياة المذهل في سخاء عطاءاته.
سيأخذ البحث من هنا، منحى الخوض في الصلة الحميمة بين كاتب القصة والحياة، فذلك ما سيثري الكتابة أكثر مما يثريها الخوض في الآليات والبنى والأنساق، وإن كان لا غنى عن إجادة كل ذلك. صلة المادة القصصية بالحياة، هي وجه آخر لصلة الكاتب نفسه بالحياة، ولا يستقيم أمر كتابة القصة من دون معرفة الحياة وتلمس ذائقتها، بحلوها ومرها، وهي التي ستثري كتابته وتكسبها ذلك الوهج الغريب والآسر الذي يجعلنا نعيد النظر في ما عشناه واكتشاف ما خفي علينا وأهملناه.
سأورد لغاية تقريب منهج البحث، قصة هواية استحوذت عليّ وعلى زملاء آخرين، في مرحلة مبكرة من حياتنا. أعرف أن الحديث سيبدو تبسيطاً ساذجاً لموضوع شاق وشائك، غير أنه ليس كذلك في حقيقة الأمر، فقد تحولت تلك الهواية إلى عادة مفيدة، لمست جدواها في ما بعد، كما أنها بحد ذاتها أقرب إلى التجارب المطلوبة لمران الكاتب وزيادة حصيلته وتسهيل مهمته وتحسين مقدرته على الكتابة. وكما قال أرسطو: فإن التقليد صفة تلازم الإنسان منذ الطفولة.
كنا مجموعة أصدقاء نلتقي أثناء الدراسة الثانوية على الشغف بقراءاتنا الأدبية. كنا نجتمع ونستعيد القصائد ونتداول في أمر ما قرأنا من روايات وقصص قصيرة، فنفتن بحقائق الحياة التي تتكشف لنا، وبسيرة الشخصيات التي نتعرف إليها، أو مجريات الأحداث التي نتابع سياقها، ثم عنّ على بالنا أن نلهو بلعبة القص، تلك التي فتنتنا. كان أحدنا يبدأ بجملة قصصية، بداية حدث مما يجري مثله في الواقع، ثم يسلّم جملته لآخر، ليبني عليها من بعده ويضيف، ثم يسلّمها لآخر، مما يساعد على بلورة قصة من مجموعة الأحداث المتتابعة بمساهمة الجميع. كانت جمل القص تسير في سياق واحد وتتدرج في النمو وتشكل قصة بصرف النظر عن جودتها، وقد يحدث أحياناً أن يرد على بال أحدنا دفع القصة باتجاه مغاير لما سلكت عليه، فيورد حدثاً عارضاً من شأنه تغيير مسار القصة التي أخذت ملامحها في الوضوح. تبين لنا أن الحدث الواحد، قد يمضي في سياقات مختلفة وينتج آثاراً مختلفة، وهكذا هي الحياة.
صفحة 3
لم نكتفِ بما أحرزنا من تقدم في ذلك المضمار، فالنجاحات القليلة التي تحققت، دفعتنا لطلب المزيد منها وفي العمق هذه المرة. نقلنا اهتمامنا من بناء هيكل القص، إلى اختبار وفرة أو قلة ملاحظاتنا عما مر بنا من شخصيات وأحداث، وما تكشف لنا من طرائف العيش وغرائب الحياة. صرنا نختار شخصية اجتماعية - عاملاً أو مدرّساً أو ربة أسرة أو من يخطر بالبال - ثم نطلب من أحدنا وصف الشخصية المختارة، من حيث مظهرها وعلاماتها الفارقة، ثم من حيث سلوكها بوجه عام، وسلوكها إزاء حدث معين بوجه خاص، بقصد معرفة مدى اقترابنا من الواقع وقدرتنا على تمثله وإعادة صياغته. لم نكتفِ، فانتقلنا خطوة أخرى باتجاه وصف أماكن السكن وما يميز الواحد منها من الداخل عن غيره من المساكن، ونذهب أبعد من ذلك إلى وصف علاقات سكان المكان الواحد، بعضهم ببعض أو بجيرانهم. ونمضي مع هوايتنا ونفترض حدوث أمر طارئ يربك العلاقات المستقرة ويثير عاصفة من العواطف المتباينة. تلك الهواية حفزتنا على التقاط تفاصيل ظاهرات اجتماعية وإنسانية متنوعة، كنا سنتجاهلها لولاها، وكان العالم يتحول بنظرنا إلى مادة كتابة. كتبنا، غير أن الكتابة احتاجت منا إلى أكثر من ذلك، احتاجت ثقافة ودربة أكبر، فتعين علينا أن نسعى ونجد في سبيل امتلاك أدواتها وإتقانها.
بقي من حديث تلك الهواية فضلة لا ضير من إضافتها. اعتقدت في البداية وأنا أتحرى في الوجوه عما يختبئ في الصدور، أن وجه الإنسان وحده مرآة نفسه، بعينيه، بنظرته، بضمة شفتيه وانفراجتيهما، بتقطيبة جبينه، بقسمات وجهه، بنبرة صوته، فوجهت اهتمامي إلى الوجه أستدل من تعابيره على حالات النفس المختلفة، وكنت أقترب من الصواب في كثير من الأحوال، غير أنني اكتشفت أن جسد الإنسان كله يشترك بتلك الخاصة، ويكشف لنا ما خفي علينا، فالجذع واليدان وأصابع اليد والسيقان، تعكس كلها حال الإنسان كذلك. الجذعُ المنتصب غيرُ المتهالك، واليدان المسبلتان بهدوء غيرُ المتشنجتين، والأصابع المسترخية غيرُ التي تنقبض أو تنقر جانب المقعد. وسّعت دائرة انتباهي، وتوصلت إلى أن الجسد يكشف أمر صاحبه أكثر مما يفعل الكلام، فأدرجت كل هذا في قاموسي.
اكتساب المعارف والتجارب والمهارات الأساسية، فن بحد ذاته، يأتي للمريد على مهل وفي وقت مبكر من حياته. ولهذا يتقدم هذا الجانب على غيره من مكونات الشخصية القصصية، مما يقتضي معه حث الكاتب وتحفيزه على تطوير قدراته الإدراكية وإثراء تجاربه الحياتية والسعي لتعويض ما فاته، بفتح أبواب نفسه لاستقبال الحياة من غير ترفع، لكي يتمكن من لمس نبضها، واستقبال رفعة الفن وجماله، واعتياد هذا الفعل، وهذا ممكن دائماً. سيلاحظ القارئ تركيزي على دور الكاتب في خلال مسيرة حياته الشابة، في تنمية قدراته في هذه المجالات مجتمعة، فهي التي ستؤهله للتنطع لهذا الفن الصعب، حين يشتد عوده ويستكمل عدته. يقول مكسيم غوركي في هذا: «على الفنان أن يعيش الحياة، كما لو أنه صنعها بنفسه». إن فن القصة كما يقول د.جابر عصفور، فن صعب لا يبرع فيه سوى الأكْفاء القادرين على اقتناص اللحظات العابرة، قبل انزلاقها على أسطح الذاكرة، وتثبيتها بقدر ما تكشف دلالاتها المشعة في أكثر من اتجاه.
صفحة 4
حين شرعت في الكتابة، كانت تلك الهواية التي تحولت في ما بعد إلى عادة مستحكمة ووظيفة إبداعية، هي ما رغبت في تناولها، كعادة مفيدة لكاتب القصة وغير مكلفة، من شأنها أن تثري مخزونه من معرفة الحياة وفهمها، ثم أبني عليها وبقدر أكبر من التفصيل، بالنظر لأهمية المخزون الحياتي في الكتابة القصصية، فتجربة الكاتب الحياتية وصلتها بما يكتب ومن يكتب عنهم، هي محل اهتمامي، هي ما أردت توجيه عناية كتّاب القصة القصيرة إليها وحسب، ولم يخطر ببالي أن أخوض معمعان القصة القصيرة وآلياتها وأدواتها. كنت أعتقد أن البحث في هذا السبيل سيكفي، ولن يتشعب ويطول ويفضي بي إلى مباني الشكل وأنساقه، غير أنني سرعان ما اكتشفت خطئي وأن الأمر ليس باليسر الذي اعتقدت وتوخيت، فأردت النكوص، ولكنّ الأمر خرج من يدي، بعد أن تقدمت في الكتابة بضع صفحات، فأنا شديد الشغف بالقصص القصيرة، ولي تجربة صغيرة فيها، وقد كثر اللبس في موضوعها، وتعددت الاتجاهات واختلط الحابل بالنابل.
تلبثت متردداً، ما بين الرغبة في المضي قدماً في البحث، مهما كانت كلفته، وبين النكوص والارتداد عنه، طلباً للنجاة، ثم توكلت ومضيت قدماً وأنا مدرك لصعوبة المهمة وما سيثيره البحث من جدل. وممّا زاد في عزمي، بعد قراءة عدد وافر من الكتابات النقدية، في فن القصة القصيرة، ما تبين لي من نقص حاد في معالجة دور الكاتب نفسه في بناء نفسه وإثراء شخصيته القصصية وتدريب وصقل ملكاته العقلية والجمالية وشحذ همته، قبل أن يرتاد تجربة الكتابة، وأثناء ممارستها، فالكتابة الإبداعية من دون تاريخ إبداعي تعبوي يشوبها العوز والفاقة. بوسع الطفل فعل ذلك بنفسه، بفعل شعلة ذكائه ومبادراته الشخصية أو عن طريق طلب وتلقي المساعدة الممكنة من الأهل والمدرسة، وبوسع من شب عن الطوق واختار الكتابة، أن يفعل ذلك بنفسه، عن وعي وإدراك لما يقوم به أو بالاستفادة من التجارب المتقدمة.
لكتابة القصة همومها وشجونها، كما هو شأن كل أنواع الإبداع الإنساني، وقد صارت الحاجة ملحّة للبحث فيها على خطى متزنة، بعد أن كثرت النزعات التجريبية، وتعددت الاتجاهات النقدية، وساد الخلط واللغط، مع نشوء نوع من الكتابة، تتستر بالحداثة، وتعطي أهمية خاصة للنص المفتوح، على حساب مجمل الكتابة القصصية الواقعية المتجددة وآلياتها ومضامينها.
صفحة 5
أعرف أنني سأبدو، كمن يرفض التجديد ويتمسك بقرون الماضي حتى لا يفلت من يديه. الأمر هنا، ليس كذلك بالتأكيد، فأنا أعرف أن أحداً ليس بوسعه أن يجعل التاريخ يكف عن حركته وتحولاته، غير أن التاريخ لم يلقِ بهذا اللون من الإبداع في سلة المهملات، وأن القصة ما تزال قادرة على النهوض بمهمتها على أفضل وجه. الأمر هنا أنني ومن منظور ماركسي وبكل قوة هذا المنهج الذي لا يعرف الجمود وحيويته، أراهن على قدرة الواقعية المنفتحة المرنة على استيعاب المفيد من كل ما هو جديد، ونبذ البدع الاستهلاكية في الفن.
ما أريده هنا، هو تفحص هذا اللون من الإبداع الفني ومعرفة آلياته واستكشاف آفاقه وقدراته على الاستفادة من كل أنواع الإبداع، بصرف النظر عن المرحلة التي نشأ فيها وتطور واكتسب كماله، وبصرف النظر أيضاً عن الغزوات التنظيرية المستحدثة، فليست كلها قادرة على الثبات. لقد سبق لإنريكي أندرسون إمبرت على سبيل المثال أن وصف القصص القصيرة جداً بـ «القصة المضادة»، أو بتعبير آخر «ضد القصة»، خلال تقديمه كتابه الجليل «القصة القصيرة - النظرية والتقنية». فليس العيب في قصر القصة، وإنما بافتقادها خواص القص وبناه. ويمكن النظر إلى هذا النوع من الكتابة على أنه لون إبداعي مستقل، وعندئذ يتعين على الأكْفاء، استنباط المعايير التي تنأى به عن العبث وتصون له مكانته.
صفحة 6
قدرات العقل وملكاته
يحتوي الدماغ على خواص أو ملكات أو قدرات عقلية أو مهما كانت التسمية، تقوم بالوظائف الأساسية التي تشكل بمجموعها الوعي، وهي تنشط وتتفاعل، وتغذي الواحدة منها الأخرى، فتزدهر
وتتكامل ويتعاظم فعلها، بفضل الظروف الملائمة لنشاطها، ذاتياً واجتماعياً، وبفضل التثقيف والمران وتوسعة مدارك الإنسان. ويضيف علماء الجمال خاصة ذائقة الجمال، بوصفها تختص بذلك الجمال الذي يحيط بنا ويهل علينا من كل فج ويغمرنا، وهي تتلقى الجمال من ينابيعه المختلفة وتعكسه، فيتوهج ويزداد إشعاعاً، وتتشربه الأنفس والعقول، فينبجس روائع، في الموسيقى والفنون التشكيلية والرواية والقصة القصيرة والمسرح وبقية الفنون المرئية.
قدرات العقل، أو ملكاته، أو خواصه، متوفرة منذ الولادة وإن بمقادير مختلفة، وفعاليتها تزداد وتنقص، بقدر ما نعمل على تنميتها أو إهمالها، وقد عكف علماء النفس التربوي وعلماء الجمال على دراستها، وبحثوا في الوسائل الكفيلة بتنميتها، واقترحوا الحلول ووسائل التدريب الملائمة، التي من شأنها رفع سويتها وتحسين جاهزيتها. غير أن نطاق البحث، يقتصر على ما يخص كتابة القصة ويخدمها، بوصفها أحد حقول نشاطات العقل الإبداعية، ولهذا سأوجه عنايتي لاستعراض هذه القدرات، من جهة احتياجات الكتابة القصصية، المتمثلة بالانتباه والمبادرة والحفظ في الذاكرة والخيال والمخيلة والتفكير واستنباط الجمال والخلق، وسأتناول بقدر وافر، موضوع تربيتها وتنميتها، بصلتها بالحياة واستفادتها من عطائها الثر، فهي تنمو وتتغذى على المعارف والتجارب والتمارين، وهو الموضوع الذي حفزني على كتابة البحث، رغم كثرة الكتابة في موضوعه حد الإشباع.
سنلاحظ أن وظائف ملكات العقل أو قدراته متداخلة، ترفد الواحدة منها الأخرى وترتقي بها، وكأنها درجات متصاعدة إلى حديقة غناء واحدة، فتنتفي الحاجة إلى التصنيف، غير أنه ما دام أن علماء النفس يجرون هذا التصنيف وهم أدرى بشؤون علمهم، فسوف أحذو حذوهم من حيث التصنيف وحسب، ثم أضيف ما تراءى لي نقصاً لا بدّ من تداركه في ما يخص البحث. ولهذا فإن الحديث عن كل واحدة على حدة لا يخلو من الحديث عن الأخريات، انطلاقاً من أن فعالية القوة الواحدة لا تعطي أكُلَها بمعزل عن غيرها. وسوف نجد أن هذه القوى ما كان لها أن تؤدي وظائفها، كما هو مؤمل منها، إلا بالترافق والتعاضد، فلا غرابة أن يحدث تداخل في البحث، لا محيص عنه، لدى تناول نشاطات كل قوة عقلية على حدة، ولا غنى عند بحث كل قدرة، عن العودة إلى مرحلة الطفولة بوصفها مرحلة التأسيس.
صفحة 7
ينبغي أن أوضح منذ البداية أن البحث ليس تربوياً ولا اجتماعياً، في موضوعه ومنهجه وغايته، ولن يعتمد الأساليب التربوية في تعليم الأطفال وتدريبهم على تنمية ملكاتهم، ضمن أسس تدريس مختبرة ومعتمدة، كما فعل مؤلفو كتاب «علم النفس التربوي»، انطلاقاً من توجهه نحو القصة القصيرة، آفاقاً وبناءً ومضموناً ومستلزمات وروافدَ، وهذا ما لا يوفره كتاب «علم النفس التربوي».
البحث كما أريد له، يقتصر على توجيه عناية كتّاب القصة القصيرة إلى وفرة ملكات العقل وأهمية توجيهها نحو استقبال المعارف والخبرات الضرورية لاستكمال عِدَدهم المعرفية والخبراتية، التي تؤهلهم للكتابة. هذا التوجيه يمكن أن يحدث أثره ويعوض النقص إن وجد، بمبادرات ذاتية ترتقي في مستواها إلى مرتبة العلم. المبادرات مطلوبة للإلمام بالحياة المعاشة بكل صراعاتها وإشكالاتها، بؤسها وجمالاتها، وبكل أوجه تجلياتها. ملكات العقل تقوم بوظائفها بصورة تلقائية ومتضافرة، وخصال النفس الحسنة تقرب الإنسان من أخيه ومن محيطه من دون جهد، غير أن الانتباه إليها كلها يحسّن في أدائها، وهذا ما أرغب في الحث عليه. البحث في الملكات العقلية يغني الموضوع الأساسي، وهو وجهة نظر في كتابة القصة، ولا يشكل عبئاً عليه.
سأخاطب من شب عن الطوق وأراد كتابة القصة أو شرع في كتابتها منذ بعض الوقت للاستعانة بملكاته وقواه العقلية في تملك القدرة على كتابتها، فهذا إن فاته التدريب، سيستفيد دون ريب وإلى حد بعيد من الانتباه لملكات العقل والتعامل معها، فيعوض ما فاته. وقد أضفت الحديث عن خصال النفس وسجاياها، لما لها من أثر في عمليات الإبداع، وبشكل خاص في الكتابة القصصية.
يقول د.شاكر عبد الحميد، في كتابه «التفضيل الجمالي»، في باب «الجماليات المعرفية»: «يفترض أصحاب هذا المنحى المعرفي في علم النفس أن المعرفة يمكن تحليلها إلى سلسلة من المراحل أو الخطوات، تحدث في كل منها مجموعة من العمليات المتميزة، كالإدراك وترميز المعلومات وتخزينها في الذاكرة وتكوين المفاهيم والحكم والتفكير بالصور وإنتاج اللغة واستدعاء المعلومات من الذاكرة وغير ذلك».
صفحة 8
حين انتهيت من قراءة كتاب «علم النفس التربوي» وجدت أن الإنسان، وبخاصة المبدع الذي يرغب في تحسين فنه واستكمال عدته، يمارس بحكم العادة ودون توجيه، تدريب قواه وملكاته العقلية بمستوى أساليب التدريب المنهجية المعروضة فيه وبمقادير مختلفة، وهذه إحدى معجزات العقل. لقد قام العقل بوظائفه على أكمل وجه، منذ بداية نشوء المجتمعات البشرية وحتى الآن. أنا لا أنوي القول بتجنب هذه الأساليب المدرسية، فهي متروكة للمدرّسين، ولست هنا لأحذو حذوهم أيضاً في أساليب التدريس، ولكن لأنبه أن بوسع المبدعين وضع قدرات عقولهم وبحرية مطلقة في خدمة أغراضهم الإبداعية، ولأحثهم على رفع وتيرة نشاطات عقولهم وزيادة محاصيلهم من المواد والملاحظات والمعارف والصور والنكهات، فهذا ما يحتاجونه في إبداعاتهم وما يثريها، فالوسيلة إلى ذلك تنبع من الغاية، ولكل كاتب اتباع وسائله النابعة من سجاياه والخادمة لأغراضه.
ما يعنيني هنا من تناول كل ملكة أو قوة عقلية على حدة، هو البحث في وظيفتها ووسائل مرانها وصقلها وتعظيم إنتاجيتها، هو ما يخص عمليات الإبداع على وجه العموم، وما يخص كتابة القصة القصيرة على وجه الخصوص، وهذا ما أنا مقدم عليه، تاركاً لعلماء التربية العقلية دروسهم وطرائق تعليمهم التي استنبطوها ونصحوا باتباعها، فمهمتهم هي تربية العقل من دون العناية بتوجيه قدراته نحو خلق معين.
أما ما يخص الجمال، وعلى وجه التحديد في مجال القصة القصيرة وهو الغائية، النسق، الترتيب، الصفاء، السطوع، التناغم، النمنمات وكل المكونات الحاضرة في الذهن والغائبة عنه، فهو صفة ملازمة لكل إبداع، وهو يغني البحث في القصة القصيرة برمته، ولا ينتزع منه خصوصيته، فنوافذ كل الفنون مشرعة بعضها على بعض، مما يسمح بتأثر الفن الواحد ببقية الفنون وتأثيره فيها، فأنت تجد شيئاً من الموسيقى وشيئاً من التشكيل وشيئاً من الشعر في القصة وبالقدر الذي لا يطغى عليها ولا يزعزع أعمدتها. كما تجد شيئاً من القص في بقية الفنون.
ويورد لنا كتاب «علم الجمال الماركسي اللينيني» (ترجمة فؤاد مرعي)، هذا المقطع من حديث دار بين الراجا وحكيم هندي، نقلاً عن مؤلَّف هندي يدعى شلبا شاسترا:
الراجا: أيها الطاهر كن طيباً وعلّمني طريقة إنشاء التماثيل.
الحكيم: إن الذي لا يعرف قوانين الرسم لن يفهم قوانين إنشاء التماثيل.
صفحة 9
الراجا: كن طيباً أيها الحكيم وعلّمني قوانين الرسم.
الحكيم: ولكن فهم الرسم صعب دون معرفة أصول الرقص.
الراجا: كن طيباً في هذه الحالة وأطلعني على الرقص.
الحكيم: إن هذا صعب دون معرفة الموسيقى الوترية.
الراجا: علّمني قوانين الموسيقى الوترية.
الحكيم: ولكن قوانين الموسيقى الوترية لا يمكن أن تُفهم دون معرفة الغناء.
الراجا: إذا كان الغناء هو نبع كل الفنون ونهايتها، فاشرح لي أيها الحكيم قوانين الغناء.
يتحدث هنري لوفيفر في كتابه «علم الجمال» بإسهاب عن خواص الجمال في الدماغ، وهي الخواص التي تتعلق بالذائقة الجمالية، باستقبال الجمال، والقابلة للصقل باستمرار أكثر فأكثر. ويرد ذكرها عند كاجان في كتابه «سيرورة الإبداع الفني». يقول في هذا الخصوص:
«تحوي كل أشكال النشاط البشري الأخرى في أساسها، آلية نفسية واحدة - التفكير التجريدي المنطقي - ويحوز كل إنسان هذه الآلية. وحقاً إن هذه الآلية توظَّف عند أناس مختلفين بنجاح أكثر أو أقل. ولكن هذه الخواص تتعلق من حيث الجوهر بالجانب الكمي من القضية، بقوة القدرات الذهنية التي تسمى بلغة التعبير البسيط: الذكاء. الإنسان يكون ذكياً أو غبياً منذ الولادة، بينما التعليم قادر على تطوير معطياته الطبيعية التفكيرية وتحسينها».
ويقول أيضاً: «المهارة هي سلاح الوعي».
ويرد المعنى المراد نفسه في كتاب «علم النفس التربوي» تحت عنوان «نظرية الملكات العقلية والتدريب الشكلي». وإليكم ما يقول ت. ماكويل في الجزء الثاني:
«من الأسس التي قامت عليها مشكلة الانتقال - وهو أساس قديم في الفلسفة والعلوم وما يزال سائداً حتى الآن في بعض الدوائر - نظرية الملكات العقلية التي تقول إن الانتباه والذاكرة والخيال والتفكير والإرادة والمزاج والخلق وبعض السمات الأخرى إنما هي قوى أو ملكات عقلية. ويُنظر إلى الملكات العديدة عادة على أنها مستقلة إحداها عن الأخرى إلى حد بعيد - وإن لم يكن تمام الاستقلال - وكل ملكة، قوة عامة أو قدرة أو سمة ذات وحدة محددة. وينظر إلى كل شخصية على أنها نتيجة ارتباط بين عدد صغير نسبياً من الملكات. ويفترض فوق ذلك أن أية ملكة معينة تكون قوية أو متوسطة أو ضعيفة في كل المواقف. وبتعبير محسوس تكون الذاكرة مثلاً هي القدرة على اكتساب الحقائق والاحتفاظ بها. فإذا كنت تتمتع بذاكرة قوية فإنك تستطيع حفظ كل شيء، وإذا كانت ذاكرتك ضعيفة فإنك تحفظ كل الحقائق وتحتفظ بها بدرجة من الصعوبة تكاد تكون واحدةً».
صفحة 10
يمضي الكتاب ويقول تحت عنوان «طرق مقترحة لتدريب الملكات»:
«يفترض المؤمنون بهذا الرأي أن الملكة قوة أو قدرة أو خاصة شخصية يمكن تدريبها، وهي وحدة، وبذلك يمكن تحسينها كوحدة. ويفترضون كذلك أن كل ما علينا عمله هو أن نبحث عن التمارين التي يمكننا بها في أقصر وقت وبأقل جهد أن ندرب الذاكرة أو الخيال أو الإرادة أو الشخصية. فإذا قويت الملكة فإنها تصبح بعد ذلك أكثر كفاية لأي غرض نريدها أن تحققه. وإذا كانت ذاكرتك ضعيفة فإنك تحفظ كل الحقائق وتحتفظ بها بدرجة من الصعوبة تكاد تكون واحدة».
هذه القدرات والخواص هي الأساس بطبيعة الحال، غير أنها لا تنتج إبداعاً بقدر متساو من الرفعة والجودة، فالإبداع حالة متقدمة ومتفوّقة، وهو حصيلة عمليات صقل وتثقيف دؤوبة، تطال الحواس والخواص كلها وتزيدها فاعلية. الوصول بقدرات العقل وخواصه الجمالية لحالة عالية من الرقي هو هدف علماء الجمال وعلماء تربية النفس وهدف البحث.
يجمع محمد سعيد مضية في كتابه الموسوم: «البيولوجي في الإبداع الفني» مقالات عدة في موضوعة الإبداع، وينقل عن س. خ رابورت قوله:
«لكي نبني نماذج مؤثرة من الحياة يجب علينا دراسة الحياة. فالفن شيء مستحيل دون الإلمام بالواقع. ويتقرر الطابع المميز للمعرفة بالغاية العملية للفن. فالفن إذ يهدف لصياغة الإنسان وصياغة موقفه إزاء الواقع، فإنه يعكس بالضرورة ظواهر الحياة، بالارتباط مع علاقات الناس بهذه الظواهر. ويدرك الفن هذه العلاقات نفسها، محاولاً كشف تلك العلاقات الخاصة لفئة ما أو للفئات الاجتماعية والنماذج البشرية المختلفة، ومحاولاً أيضاً الكشف عن جوهرها ومنابعها واتجاه تطورها».
وينقل عن أي اس غروموف قوله: «تظل مسألة الموهبة حية أبداً في نظرية الفن وممارسته، ويهتم بلغز الإبداع كل من الفنان المحترف والجمهور، ولو أن اهتمام كل طرف ينبع من موقف مختلف». ويضيف: «يقتضينا التركيز في النظر إلى جوهر الموهبة، على أساسها الطبيعي أولاً، فتجربة تاريخ الفن تشهد على إمكانية تطوير القدرة الفنية أو اضمحلالها، إلا أنها لا تُكتسب، فمنبعها هو الطبيعة، كما لو أنها أحد عناصر البرنامج الوراثي لشخصية الإنسان».
ويقول كاجان بهذا الخصوص:
«من هنا ينتج أن الموهبة لا تملك أبعاداً نفسية وإنما اجتماعية، وأن دراستها تتطلب من النظرية الجمالية دمج زاويتي النظر هاتين».