eKtab
EN ع
فن النشر وصناعة الكتاب
اقرأ عينة مجانية

فن النشر وصناعة الكتاب

بقلم محمد عدنان سالم

صفحة 1


مقدمة
هذا الكتاب ثمرة تجربة طويلة؛ خاضتها دار الفكر في مهنة الطباعة والنشر والتوزيع، على مدى عقود خمسة، تقلّبت خلالها بأحوال عديدة يجدر تسجيلها، وتقديم خبرتها لكل معنيٍّ من المؤلفين أو المشتغلين بالطباعة والنشر؛ وسائر الأعمال المتصلة. وليس الكتاب سيرة حياة الدار، بمقدار ما هو الأصول النموذجية لمهنة النشر التي يظنها كثيرٌ من الناس طبعَ الكتاب والتكسُّبَ بتجارته، الأمر الذي أغرى ناساً تسوَّروا المهنة، وهم يجهلون حقيقتها.
فكرة الكتاب ودواعي تأليفه ونشره
ولدت فكرة الكتاب في دار الفكر منذ تأسيسها مطلع عام 1957م، وكانت اتخذت إتقان العمل أول شعار لها، طبقاً لحديث النبي : «إنّ الله يحبُّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» [البيهقي]، بكل ما يعني هذا الإتقان من معانٍ وأبعاد.
فما السبيل إلى إتقان فنون الطباعة والنشر والتوزيع؟!
ما القواعد التي ينبغي على الطابع والناشر أن يتقيدا بها ليكونا متقنين؟!
ما العلاقة بين الناشر والمؤلف؟!
هل الناشر مجرد وسيط بين المؤلف والطابع؛ ينتهي دوره عند تمويل الكتاب لإنتاجه، ودفعه للقارئ؟!
من المسؤول إذا ما ظهر في الكتاب خطأ فادح أو يسير؟! أهي المطبعة، أم المؤلف، أم الناشر؟!
وتساءلت الدار: ما الأصول التي ينبغي أن تتّبعها في عملها الذي تريد أن تتقنه؟
لم يكن بين يديها في المراجع العربية ما يرشدها إلى أصول أو قواعد تهتدي بها، وما وجدت لصناعة النشر تقاليد وأعرافاً تحدد لها معالم الطريق، خاصة أن ما كتب في هذا الموضوع يتعلق بالوراقة التي كانت تعتمد على النِّساخة، ولم يساير تطورَ النشر في عصر الطباعة وإرهاصات تحوله إلى النشر الحاسوبي (الإلكتروني).. فمضت الدار تتلمس طريقها باجتهادها الذاتي، يغمرها شعور بالمسؤولية عن الكلمة التي تنشرها، وإيمان صادق بأن هذه المسؤولية لا تقل عن مسؤولية المؤلف.
ومما عمَّق لديها هذا الشعور حين توسعت أعمالها، واضطلعت بطباعة كتب مدرسية وجامعية وأخرى لمراكز ثقافية؛ أنها رأت تلك الكتب لا تجري على سنن واحد، لا في طرائق الإخراج وأساليب الإنتاج، ولا في قواعد الإملاء وعلامات الترقيم والشكل، فضلاً عما تعجُّ به من أخطاء؛ يقال لتسويغها والاعتذار عنها: إنها «لا تخفى على القارئ اللبيب».. لكن المشكلة تكمن عند القارئ غير اللبيب.
ثم رأت الدار أن اختلاف المناهج والقواعد لا يقتصر على اختلاف البلدان بين مشرق ومغرب، بل يتعداه إلى البلد الواحد؛ نتيجة لتغييب دور الناشر، والاكتفاء بما عند المؤلفين الذين تختلف ثقافاتهم وتتعدد مناهجهم في البلد الواحد؛ بسبب اختلاف أماكن تخرجهم في هذا البلد أو ذاك.. مما لا يزال يؤدي إلى وقوع فوضى في شكل الكتاب العربي.
كانت تلك الفوضى الناجمةُ عن غياب القواعد المشتركة للتأليف والنشر في اللغة الواحدة؛ هي ما دفع دار الفكر في عام 1984 إلى إصدار دليل يتضمن القواعد المهنية للنشر، وما يحتاجه الناشر لإصدار كتاب ذي أصول محددة، يهتدي بها الناشرون جميعاً، فيستريحون ويريحون.
وهذه القواعد تشتمل على ما اعتمدته الدار وطبقته بكفاية؛ في اللغة والكتابة، وإجراءات التقويم والتنقيح والتوثيق والضبط والإخراج والفهرسة والتدقيق.
واعتماد الدليل المذكور لم يكن هيناً؛ ذلك أنّه كلّف الدار أعباء مادية ومعنوية تضيفها إلى همومها، وهو ما دفع الدار إلى تعيين موظفين متمرسين للقيام بهذه المهمة؛ ليس لرصد الأخطاء وتصحيح التجارب الطباعية فحسب، بل لتنفيذ تعليمات الدليل على كل كتاب يرد إليها من أي مؤلف كان، على مكانة كثير من مؤلفيها.
 

صفحة 2

توحيد القواعد وتنميط الأساليب

وبقي في هاجس الدار توحيد القواعد والمصطلحات وأساليب النشر، وظل ذلك الهاجس يلح عليها طوال السنوات التي أربت فيها على الخمسين من عمر التجربة؛ التي لم تكن الدار تألو جهداً في تعميقها وإغنائها وتنميتها وتوثيقها؛ من خلال البحث عن حلول كلما جدّت مشكلة، ومن خلال المناقشات الحامية مع المخالفين؛ الذين يتوجسون شراً من كل جديد، ولو كان تأصيلاً وتقريباً من القواعد المتفق عليها.. وكذلك من خلال المطالعات المكثفة في المصادر المختلفة.

وبسبيل توحيد المصطلحات والقواعد والأساليب، سلكنا - لكي لا نصطدم بحواجز الإلف والاعتياد وتعدد المناهج - سبيلَ التدرج؛ فلم نكن نخطو خطوة جديدة حتى تستقر أقدامنا في التي قبلها، ويشيع استخدامها، ويُسَلَّم لنا بها من أهل التخصص.

كما أننا - من أجل ترسيخ قواعد واضحة لصناعة الكتاب - أخذنا أنفسنا بمبدأ التأصيل مع التحديث، ومبدأ التيسير مع الالتزام، ومبدأ التخفيف من الشواذ في اللغة بقدر المستطاع؛ للاقتراب من القواعد ما أمكن. فما كنا لنُقصّر في الاستفادة من التقنيات المستحدثة أو التيسير على الناس في استعمالاتهم الإملائية، أو الخروج بهم من دائرة الشذوذات والاستثناءات؛ ما دام لذلك كله أصل وقاعدة ووجه مقبول في التراث.

إن لمعظم الأمم في لغاتها المختلفة مراجعَ معتمدةً تنظم هذه الصناعة الشريفة الراقية؛ صناعة النشر المرتبطة بثقافة الأمة وحضارتها، فلماذا نحن نقصّر من دونها (1) ؟ وذلك ما حدا بدار الفكر إلى تطوير دليلها الصادر عام 1984، وتعميم نشره بهدف المقاصد الآتية:

1)- توحيد أساليب النشر في اللغة الواحدة؛ إذ من غير اللائق أن تختلف هذه الأساليب في الوطن الواحد بين مشرق ومغرب، بل وفي البلد الواحد بين كتاب وآخر، صادرَين عن ناشر واحد.

2)- بناء قواعد الجوْدة لضبط صناعة النشر، من أجل وضع معايير ومواصفات لائقة باتت المهنة تفتقر إليها في عالم القرن الواحد والعشرين.. مواصفات تعتمد المزيد من التخطيط والتنظيم والالتزام بأصول واضحة؛ تسهر على تطبيقها منظماتٌ متخصصة، لا تسمح بتسلل الفوضويين والعشوائيين وغير المنضبطين إلى صفوفها.

3)- تأكيد دَوْر الناشر في صناعة الكلمة؛ بوصفه شريكاً أساسياً في إنتاجها، تقع عليه مسؤوليات جسام، وتتقلب الكلمة عنده في مراحل عديدة قبل أن تصدر للقارئ كتاباً يحمل إليه شخصيته وطابعه المميّز في النشر.

4)- التمهيد لانتقال صناعة النشر إلى مرحلة جديدة في النشر الحاسوبي (الإلكتروني) الذي بدأ يقتحم عالم النشر بتسارع كبير، نتيجة التطور المذهل في تقانة المعلومات والاتصالات.

صفحة 3

في مرحلة الانتقال إلى النشر الحاسوبي

ومهما تشبثنا بالنشر الورقي بحكم الإلف والاعتياد، ومهما دافعنا عن الكتاب الورقي الذي نحاول أن نضع له المعايير والمواصفات.. ومهما حشدنا للدفاع عنه من حجج وبينات؛ فإن سنة التطور ماضية لا تعود إلى وراء، والإنسان محكوم بالتكيُّف معها، وإيداع ما سبقها في المتاحف، يزورها بين الحين والحين، ليتذكر أعماله كيف كانت، وليخطط لمستقبله كيف سيكون..

ما الكتاب في شكله الحاضر إلا وعاء للمعلومات.. قبله كانت الذاكرة.. ثم جاء الحرف ليحفظها في نقوش على الحجارة.. ثم في خطوط على رقاع الجلود والعظام وجريد النخل.. إلى أن اختُرِع الورق وشاع استعماله..

ولما كتب الإنسان على الورق ظهر الورّاقون، وكانت لهم سوق رائجة.. وهم أول ناشري العصر القديم الذين استوعبوا معلومات عصورهم، وأخرجوها في كتب بواسطة النسخ اليدوي، وغلفوها بالجلود، وزينوها بالزخارف المذهبة والملونة.. وقدموها للناس كما يحبون.

وربما نسخ الوَرّاق الكتبَ بنفسه، أو اتخذ نُساخاً بين يديه، وربما تولى تسويق كتبه بنفسه، أو اعتمد بعض المروّجين المنتشرين في الأمصار، تماماً كما آل إليه أمر النشر في عصر الطباعة.. غير أن معظم الوراقين إبّان الحضارة العربية الإسلامية كانوا من مشاهير العلماء؛ أمثال ياقوت الحموي، وابن النديم، وأبي سعيد السيرافي، والحسن بن الهيثم، وأبي الفتح ابن سيد الناس.. وكانت دكاكين هؤلاء الوراقين ملتقى العلماء..

ولم تخل المهنة آنذاك من مستغل ومحتكر، ومنتحل يتزيد، ومبتسر ينتقص.. وهكذا الناس في كل زمان ومكان.

ثم جاء عصر الطباعة، فكان ثورة مذهلة في طرائق استيعاب المعلومات ونشرها، سرعان ما تقبلها الإنسان وتحوّل إليها، ونسي النِّساخة وأودعها في ذمة التاريخ..

هل يمكن لنا في عصر الطباعة أن نتصور ناشراً يحشد في مكتبه ألف ناسخ لينجز ألف نسخة من أغاني الأصفهاني في سنة، على حين أن المطبعة تقدم له الآلاف منها في مدة وجيزة؟!

وإذ نحن نعيش مرحلة انتقال كبير بين عصري النشر الورقي والآخر الحاسوبي، فلا بد لنا من التنبيه على مسائل:

1)- النشر الحاسوبي قادم لا محالة، ويجب الاستعداد له والتحول التدريجي إليه، قبل أن يفوت القطار، وتغدو مهنة النشر على الوضع الحالي من المهن المنقرضة.

2)- ولأن النشر الحاسوبي ما زال في بداية الطريق، وما زلنا نمارس النشر الورقي، فإن علينا أن نتقن عملنا فيه، قبل أن يغادرنا، فيسجل علينا التاريخ عشوائيتنا وعجزنا عن إرساء قواعد ومعايير لصناعتنا؛ تشهد لنا بشيء من الإبداع والعطاء.

3)- وهذا المرجع بوصفه الخطوة الأولى على طريق الجودة والمعايير، فإننا لن ندعي له الكمال واستيفاء جميع الأغراض والمقاصد والحاجات، ولن ندخر وسعاً في تنميته وتحسينه وسدّ خلله، مستعينين بكل ما يصلنا من الزملاء والقراء من ملاحظات وتصويبات.

4)- وإننا في مرحلة الانتقال هذه بين عصري النشر الورقي والحاسوبي؛ لن نألو جهداً في تطوير عملنا في هذا المرجع؛ كي يتمكن من مواكبة التقدم، وتلبية احتياجات المستخدمين له خلال فترة التحول.

دار الفكر نموذجاً

ونظراً إلى احتياجنا ضربَ الأمثلة، وتقديم النماذج للبيانات والتقارير والجداول والأشكال وعقود النشر؛ فسوف نعتمد دار الفكر مثالاً؛ يمكن الاستئناس به والتعويل عليه طبقاً لاحتياجات كل ناشر، وظروفه الخاصة.

تشكر الدار لكل من أفادها في إخراج هذا الدليل؛ من موظفين وأصدقاء وقراء؛ كانوا يقدمون آراءهم وتعليقاتهم ومداخلاتهم بسخاء.

محمد عدنان سالم

دمشق

رمضان 1435هـ

حزيران/ يونيو 2014م

صفحة 4

الباب الأول
(الناشر)
الفصل الأول: الناشر ووظيفته
 الفصل الثاني: الأجهزة الوظيفية ومتعلقاتها
الفصل الأول :الناشر ووظيفته
أولاً - تعاريف (مرتبة ألفبائياً)
- التزييف ( Counter feiting ) : إعادة إنتاج الكتاب من دون إذن المؤلف، بمحاكاة الطبعة الأصلية أو تقليدها، أو تصويرها؛ وهو ما يعد جريمة اعتداء على حقوق المؤلف، يعاقب عليها القانون.
- تقدير الأصول ( Casting off editorial standards ) : تقدير عدد الصفحات التي سيخرج بها الكتاب المطبوع، وهو أمر بالغ الأهمية للناشر، ولا بد له من قاعدة تقوم على إحصاء دقيق لعدد كلمات الأصل؛ وهو ما أصبح ميسراً عن طريق الحاسب، وتقسيمه على عدد كلمات الصفحة؛ وهو ما يتطلب تحديد عدد الكلمات في الصفحة، بعد تحديد أبعاد الصفحة المزمع إخراج الكتاب بها، وعدد أسطرها، وعدد الكلمات في كل سطر. ويبقى هذا التقدير عرضة لخطأ يجب ألا يتجاوز 5% زيادة أو نقصاً، نظراً إلى صعوبة تقدير نهايات الفصول والمساحات أو الصفحات البيضاء التي لن تعرف إلا بعد الرقن والإخراج.
- جميع الحقوق محفوظة ( All right reserved ) : عبارة توضع في الصفحات الأولى من الكتاب للدلالة على ملكية حق تأليفه، يرمز إليها في الكتب الأجنبية بحرف © .
- حق النشر (حق المؤلف) ( Copyright ) : مجموعة المصالح المعنوية والمادية التي يكفلها القانون للمؤلف على مصنفه، خلال فترة معينة.
- الطبعة الأولى ( First edition ) : جميع النسخ التي تطبع من الكتاب للنشر للمرة الأولى، أو يعاد طبعها من دون إجراء تغيير أو تعديل. فإذا طرأ عليه تعديل أخذت رقماً تالياً.
- المؤلف ( Author ) : الشخص الذي ينشر الكتاب منسوباً إليه، ولو باسم مستعار، إذا قام الدليل على نسبته إليه.
- الناشر ( Publisher ) : الشخص أو المؤسسة التي تتولى إصدار الكتب، لإيصالها إلى الجمهور بشكل مباشر أو غير مباشر.
 

صفحة 5

ثانياً - من هو الناشر؟

معظم التعريفات التي أطلقت على الناشر؛ يركز على عملية الاستثمار في مجال نشر الكتب أو الصحف أو المجلات. وتعريفات أخرى حصرت دَوْر الناشر في تحمله مسؤولية تمويل النشر والمخاطرة فيه، بعيداً عن دوره الثقافي وشخصيته (هُويته) التي تترك بصماتها على إصداراته.

والتعريف الذي نختاره للناشر هو أنه «المخطط والمنظّم والمجمّع الذي يأخذ بزمام المبادرة والمغامرة في مشروع إنتاج

الكتاب؛ يتسلّم المخطوط من المؤلف، ويراجعه، ويهيئه، ويدفعه إلى المطبعة، ويتولى مسؤولية تصحيحه وإخراجه وتمويله حتى يصل إلى القارئ. وموقع الناشر في مركز الرؤية الشاملة للمشهد الثقافي؛ يحمّله المسؤولية الكبرى في عملية النشر» (2) .

هذا، ويُعَدُّ النشر عمليةً مستقلة بذاتها، منفصلة عن عمليتي الطباعة والتوزيع، فربما لا يمتلك الناشر مطبعة ولا مركزاً للتوزيع.. فإن حازهما أضيفا إلى عنوانه، ليصير داراً للطباعة والنشر والتوزيع.

إن الشخص الذي يقتصر دوره على أن يكون مجرد وسيط بين المؤلف والقارئ لن يحتاج إلى أي أجهزة متخصصة لإدارة ما يتوهم أنها صناعة النشر التي يزعم أنه يمارسها؛ يكفيه حينئذ أن يتحسس رغبات القراء الدراسية أو التقليدية.. أو أن يتوجه نحو كتب الأحداث الجارية، أو الاستخدامات اليومية، أو المثيرة بمختلف أنواع الإثارات؛ ثم يبحث عن مصدر لهذه الكتب جميعاً ليتعاقد مع مؤلفيها، ويوجههم إلى المطبعة التي يتولون معها تصحيح التجارب وإخراج الكتب، في حين يكتفي هو (أي ما يسمى الناشر) بدفع (الفواتير).. أما السوق فجاهزة، يغطيها مندوب أو أكثر بحسب الحاجة، وخصوصاً أيام المعارض، ويلزم عندئذ مندوبون طارئون (مياومون). وقد يحتاج هذا المسمى ناشراً إلى مساعد مراسل يوفر عليه عناء المتابعات والمراجعات.. وبذلك الأسلوب لن يحتاج إلى أكثر من شابين أو ثلاثة، كلفتهم قليلة، يساعدونه في الاضطلاع بأعباء النشر، وفق الأسلوب الذي يعتمده، شأنه في ذلك شأن أي تاجر عزم على فتح دكان للاتجار بأي نوع من السلع المستهلكة.

هذا الكتاب لن يخدم هذا النوع من الناشرين - إن صحت التسمية - إلا إذا قرر من كان على تلك الشاكلة أن يطور عمله باتجاه الالتزام بما يقتضيه شرف المهنة، مع الاضطلاع بدور فعّال يؤكد وعيه للرسالة الثقافية التي تفرض عليه أن يعرف ماذا ينشر؟ ولمن ينشر؟ وكيف ينشر؟.. وهذا ما يسمى آداب المهنة، وهي مسألة ترتبط بتحضّر الأمة.

صفحة 6

ثالثاً - برنامج النشر

وبعد كل ما سلف ينبغي أن يكون لدار النشر الجادة مشروعها الفكري، وبرنامجها الثقافي الذي تستند إليه في إنتاجها، فتحدد طبيعة هذا الإنتاج ومضمونه وأهدافه التي هي في الأساس أهداف الدار الناشرة. فالدار التي لا هوية لها، وتنشر كتبها كيفما اتفق، لتركب موجة السوق، وتهيم في كل واد من وديان الثقافة، أو تتخذ قراراتها للنشر على ما تيسر؛ لهي دار لا تحظى باحترام القراء، وإقبالهم عليها، وترقبهم لإصداراتها.. ربما تَروج بعض كتبها في مرحلة ما، ولكنها لن تكون الدار المقصودة لذاتها أو المشار إليها بالبنان.

المفروض أن تضع الدار برنامجاً واضحاً للنشر، يتضمن:

- نوع الكتب التي ستنشرها وموضوعاتها.

- طبيعة المؤلفين الذين ستتعامل معهم.

- عدد الكتب الجديدة التي ستنشرها كلّ عام.

- الخطّة طويلة الأمد (الخمسيّة مثلاً) التي ستهتدي بها.

ولا بد للدار أن تراجع برنامجها كل حين، وتعدّله بناء على المعطيات التي رأتها، وعلى المستجدات في السوق.

ومن هنا اشتهرت دور نشر في أوربا وأمريكا، وذاع صيتها (3) ؛ لتوجهاتها المعروفة، وبرامجها المعلنة، ومتابعاتها.. وحظيت دور نشر كذلك في الوطن العربي باحترام القارئ، فاشتهرت في السوق الثقافية ونالت احتراماً ولقيت رواجاً، منها - على سبيل المثال لا الحصر - دار المعارف ودار الخانجي والقدسي في مصر، ودار الفكر ومكتبة أحمد عبيد في سورية، ودار العلم للملايين ودار النفائس ودار الغرب الإسلامي في لبنان، ودور أخرى غيرها موزعة في البلاد العربية لا داعي لذكرها كلها، وإن كانت متفاوتة فيما بينها في الجودة والأسلوب.

والناشر الجاد عموماً لا يقدم للسوق كتاباً غير مقتنع به مهما كانت الأسباب، ولا يلقيه في التداول كيفما اتفق، وينظر في مضمونه قبل أن يتخيره ليكون متفقاً مع أهدافه العلمية ورؤاه الثقافية التي يتبناها؛ فهو مسؤول عن المضمون كل المسؤولية.. يشارك المؤلف بها، بل قد يكون حسابه أعظم من حساب المؤلف سلباً وإيجاباً؛ لأنه هو الذي روّج له وأذاعه.

وبعض الدور؛ تنصُّلاً من المسؤولية، تثبت على الصفحة الثانية من كتبها عبارة تقول: «الدار ليست مسؤولة عما يرد من أفكار في هذا الكتاب».. فهذا التصرف إما أن يكون لتخوفها من مغبة تريد أن تتبرأ منها.. أو يكون حركة ذكية للترويج للكتاب، وكلاهما يحسب في حيّز المراوغة.

وعلى العموم، فإن برنامج النشر الذي تتخذه الدار، ومشروعها الثقافي المعلن هما طريقها للنجاح، والفوز بحصة من السوق تتناسب مع التزامها بهما.

صفحة 7

رابعاً - أدب الناشر

كان للوراقين الذين قاموا بِدَوْر الناشر، إبان ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، قواعدُ وآدابٌ تعارفوا عليها؛ شكّلت معايير يقاس بها الورّاق، فيستحق على ضوئها تكريم المجتمع وإجلاله، أو احتقاره ونبذه.

كان الورّاقون جِلّة العلماء، أمثال الذين أشرنا إليهم في المقدمة، لم يمنعهم علمهم الواسع، وعلو شأنهم في المجتمع، من ممارسة الوراقة؛ لشرفها ونبلها، مع أنها تعتمد النساخة اليدوية.. أَفَيَليق في عصر الطباعة وبدء عصر النشر الحاسوبي أن تفتقر صناعة النشر إلى ضوابط تقبل القياس عليها، والمعايرة بموجبها؟!

ولهذا، فلا بد للناشر اليوم أن يلتزم خطة، يمكن أن نسميها أدب الناشر، كما هو الشأن من قبل في الحضارة الإسلامية التي كان فيها لكل مهنة آدابٌ، ألّف بها العلماء؛ كأدب القاضي، وأدب المعلّم والمتعلّم، وأدب الطّبيب، وأدب الكاتب، وغير ذلك.

فمن هذه الآداب التي تليق بالناشر - في رأينا - عدة أمور، منها:

1- أن يبرم مع المؤلف عقداً مكتوباً واضح المعالم يلتزم به.

2- أن يكون له نظام داخلي يسير بهداه في عمله.

3- أن ينشر ما ينفع المجتمع وينمي ثقافته وفكره ومعرفته، ويبتعد عن المبتذل من الكتب التافهة.

4- أن يحترم زملاء المهنة ويتعاون معهم بالتناصح، بعيداً عن التنافس غير الشريف.

5- أن يحترم حقوق الملكية الفكرية، ويلتزم بها (4) .

6- أن يهتم باللغة ويصونها، فيدقِّق في النُّصوص خشية وجود زلل فيها.

7- وآكد هذه الآداب إتقان العمل، ولعل هذه الآداب تندرج كلها تحت هذا الأدب.

صفحة 8

الفصل الثاني :الأجهزة الوظيفية ومتعلقاتها

النشر صناعة يتقلب الكتاب فيها عبر عدة مراحل، تشكّل خط إنتاج؛ يبدأ بتقويمه وتوفير الإجراءات القانونية اللازمة له، ومن ثم مراجعته اللغوية والعلمية، فإعداده الإعداد الفني والتقني، تأتي بعدها عمليات الطباعة والتجليد، وما يتبعها من فحص لاكتشاف ما قد يكون في النسخ من خلل. فإذا نجز كل ذلك واستوى الكتاب على سوقه؛ احتاج إلى إجراءات التخزين والترويج والتسويق، وما يتبع ذلك من هموم.

صفحة 9

أولاً - الموظفون

تتفاوت الأجهزة اللازمة لدار النشر بحسب حجمها وعدد العناوين التي تنتجها كل عام.

فإن كان ما تصدره بضعة عناوين في السنة، اكتفى الناشر بجهده وحده دون الاستعانة بأحد، شريطة أن يتصف بعلم ودراية يمكنانه من القيام بالمهام المطلوبة كلها. وقد يستعين ببعض ذوي الخبرة من خارج الملاك الوظيفي. أو يستخدم موظفين يجمع لكلٍّ منهم عدداً من المهام يقوم بها معاً.

أما دار النشر المتوسطة التي تخطط لإصدار خمسين عنواناً كل عام؛ فيلزمها جهاز وظيفي يحدد عدد أفراده وفق الحاجة.

وهذه أهم الوظائف التي يحتاجها الناشر، نترك له أن يختار منها ما يلائم عمله واحتياجاته.

1)- الشؤون الإدارية : يقوم بها مدير وعدد من المساعدين، مهمتهم إدارة شؤون الموظفين، وتعميم النظم الإدارية، وتصنيف المحفوظات (الأرشيف)، والبطاقات والسجلات والمطبوعات الإدارية، ونظام المراسلات الصادرة والواردة، وإعداد قوائم العناوين الجديدة، والإشراف على أعمال الصيانة والنظافة، وأعمال التخزين، وأمور الضيافة، واستخدام الحاسب، والإشراف على حسن سير العمل، وتطبيق أنظمة الجودة، والقيام بأعمال المراجعة، وتعديل الأنظمة لتلافي الأخطاء ومنع الهدر، وإعداد التقارير عن ذلك كله.

2)- الشؤون المالية : ينهض بها مدير وعدد من المساعدين؛ وظيفتهم تصميم نظم محاسبية فعّالة وملائمة، كفيلة بضبط حسابات الزبائن، والمؤلفين، والتكلفة، والمخازن، والمبيعات، وإعداد الميزانيات التقديرية والختامية، ويزودون الإدارة لحظياً بالبيانات اللازمة، مع توفير السّريّة المحمية لها، وطرائق الدخول إليها.

3)- إدارة الدراسات والبحوث : تهتم بإعداد الدراسات اللازمة للدار؛ كأعمال تحقيق المخطوطات، والترجمة، والمعاجم، والفهارس، والموسوعات، والبرامج الحاسوبية.

4)- إدارة النشر : وظيفتها تنمية النشر، وتنظيم العلاقة مع المؤلفين، وتقويم المخطوطات المقدمة إلى الدار، وتوفير متطلبات أنظمة الرقابة والإيداع القانوني، واقتراح الموضوعات الحيّة والسلاسل الضرورية، وتكليف من يلزم بها ومتابعتها، وتنظيم ندوات فكرية ذات أهمية عملية، ونشر أعمالها، وابتكار أساليب جديدة للنشر كفيلة بتطويره وتحديثه.

يتفرع عن إدارة النشر قسم للأطفال، وآخر للنشر الحاسوبي، وعندئذ ينتقى لهذين القسمين ما يلزم من الموظفين.

5)- إدارة التحرير والتدقيق اللغوي : وهي إدارة هامة تعدّ عصب الدار؛ تتوفر على إعداد المخطوط وتنقيحه، وتسقُّط ما فيه من أخطاء في الإملاء واللغة والنحو والصرف، وتصحيح تجارب الكتاب، وتدقيقه، قبل إرساله إلى المطبعة، ومراجعته قبل تداوله في السوق (5).

6)- القسم الفني : مهمته إنجاز تصاميم الأغلفة وخطوط العناوين والرسوم والخطوط البيانية، والإخراج الفني للنصوص المطلوبة، وتوفير الأدوات الفنية اللازمة، وتنظيم (الأرشيف) الفني، ومكتبة المراجع الفنية.

7)- إدارة الإنتاج : تتابع إصدارات الدار في جميع مراحلها، وتنسق بين الأقسام، وتمسك سجل الإنتاج وبطاقات المتابعة وملفات الكتب المنتجة. وتكون مسؤولة عن حركة الكتب منذ تسلُّمها حتى تسليمها للمخزن؛ بما في ذلك عملية الرقن التي يفضل أن تكون داخلية لدى الناشر؛ يقوم عليها راقنون مدرَّبون بإشرافه، وطبقاً لمنهجيته الخاصة وتوجيهاته، كما يمكن له أن يعهد بها إلى مؤسسات متخصصة، أو إلى راقنين في بيوتهم، شرط أن يزودهم بطريقته المعتمدة لديه للرقن والإخراج.

8)- إدارة الإعلام والترويج : وظيفتها تهيئة جميع الأعمال المتعلقة بالإعلان عن الكتاب، والتعريف به، وإعداد المواد الإعلامية اللازمة له؛ من مطويات، ولوحات جدارية، وكُتيِّبات تعريف، وإعلانات، واتصالات شخصية، ومراسلات.

9)- العلاقات العامّة : تعمل على ضبط العلاقة مع الدوائر الرسمية وتيسيرها، والتواصل مع كبار الزوار وتلبية احتياجاتهم، وتتابع شؤون البريد، بما فيها الطرود البريدية والشحن والمراسلات.

10)- إدارة التسويق : تعادل من حيث الأهمية جميع أجهزة الإنتاج، بما فيها النشر والتحرير والإعداد الفني، ويجب أن تنسق معها جميعاً، وذلك لمعرفتها متطلبات السوق، وعليها يقع عبء التقويم الاقتصادي للمخطوطات، ويطلب منها تقديم مقترحاتها لتخطيط النشر، وهي مسؤولة عن التعريف بالإصدارات، بالتنسيق مع إدارة الإعلام والترويج. كما يترتب عليها القيام بالتسويق المباشر (خارج نطاق المكتبات)، وفي المعارض المحلية والإقليمية والدولية، ورسم خطط التوزيع للمكتبات المحلية والخارجية.

هذا، وكل ما سبق يتعلق بتنظيم دار للنشر والتوزيع، أما في حال إضافة الطباعة إليها، فلا بد من تهيئة جهاز كافٍ بحسب حجم المطبعة، وما تشتمل عليه من أجهزة صف وتصوير (تحضير سابق للطباعة) وتجليد وتغليف (لاحق بعد الطباعة).

صفحة 10


ثانياً - النظام الداخلي
وبناء على ما سبق، وبوجود هذا الملاك الإداري من الموظفين، فمن الضروري أن يكون لدار النشر نظام داخلي يضع الضوابط والمعايير الأساسية الكفيلة بتحقيق حسن سير العمل في الدار، ويضمن جودة الإنتاج، ويوضح واجبات الموظفين والتوصيف الوظيفي لكل منهم، وشروط استخدامهم وتعيينهم، وساعات عملهم، ومسؤولياتهم عن موجودات الدار وسمعتها، كما يوضح حقوقهم، وإجازاتهم، وتعويضاتهم، والحوافز والعقوبات المسلكية.
ولا بد أن يكون هذا النظام متوافقاً مع قانون العمل، ومع النظام النموذجي، في وزارة الشؤون الاجتماعية في بلد الناشر (6).
ثالثاً - متطلبات موظف دار النشر
ينبغي أن يتصف موظف دار النشر بخصائص تؤهله للعمل فيها، فضلاً عن المؤهلات الوظيفية العامة المعروفة في توصيف الموظفين. ولذا، فعلى دار النشر أن تختار موظفيها الذين يشغلون مراكز حساسة ممن يتحلون بدرجة ثقافية جيدة..
وإذا تساهلت الإدارة بوظائف المستخدمين لأعمال النقل والخدمة العامة، فمن الضروري ألا تتساهل باختيار موظفي الأقسام الأخرى، ولو في المستودع، وصالة البيع، وأعمال الرقن الأولي، والطبع، وما إلى ذلك، فقد يؤدي تدني الثقافة عند عمال المطبعة، مثلاً، إلى الإضرار بكتاب ما، وربما يكتشف عامل منهم خطأ ثقافياً، أو هفوة في العنوان أو الغلاف، يوفر على الدار نفقات مهدورة.. وموظف صالة البيع يرضي الزبائن بثقافته وحواره معهم، وتعامله المعرفي؛ مما يعود على ترويج الكتب بالفائدة. هذا، فضلاً عن المنقح الذي ينبغي تخيره من خريجي الجامعة المتمكنين، لأنه هو صمام الأمان في النصوص، وهو الذي يجيزها ويكشف عن عوارها، وقد يناقش المؤلفَ في فكرة بكتابه مغلوطة فيصححها، أو يكتشف خللاً سها عنه فيقوّمه (7).
وعلى أي حال، فإن لكل قسم من أقسام الدار موظفيه الذين يناسبونه، وهذه مهمة الإدارة التي تكتشف مواهب موظفيها، وتختارهم الاختيار الصحيح في استعداداتهم ومؤهلاتهم وخبراتهم، طبقاً لشروط ومعايير لكل وظيفة من الوظائف.