المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولن تجد له من دون الله ولياَ مرشدا. واصلي واسلم على رسوله المجتبى؛ سيد الأولين والآخرين؛ المبعوث رحمة للعالمين.
يقول الإمام الشافعي:(ما جهل الناس، ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب).
ولعل ما نجده في هذه الأيام من شيوع اللغة العامية، لا سيما في وسائل الإعلام المرئية منها والمسموعة، ما يصدِّق ظننا على صحة هذا القول.
وليس ثمة شك في أن معرفة اللغة العربية معرفة جيدة أمر يسهّل على الصحفي عملية الكتابة، نحواً، وإملاءً، إضافة إلى معرفة مترادفاتها، فاللغة العربية هي لغة البلاغة والفصاحة، وأكثر لغات العالم في اشتقاقاتها. وكيف لا؟! وهي اللغة الخالدة التي لم يعتريها ما اعترى غيرها من الذوبان والاندثار.
وفي هذا السياق تستوقفني قصة سمعتها، بأن لويس كارول كاتب قصة أليس في بلاد العجائب، في رحلة أليس إلى العالم السفلي، أحبت أليس أن تكتب رسالة لمن يأتي بعدها، فاختارت أن تكتب الرسالة باللغة العربية، ولما سئل الكاتب: لماذا اخترت اللغة العربية؟ أجاب: لأنها اللغة الخالدة.
وإن من نافلة القول أن كتاب الله تعالى الذي تكفل الباري بحفظه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون)، خير من يستعان به على فهم اللغة العربية، فهو الذي حفظها من الاندثار على مر العصور، وحماها من محاولات التغريب والتقليد.
إن المتدبّر لكتاب الله، يرى الإعجاز اللغوي الرائع في مفرداته وتعبيراته، ما أعجز معه أبلغ الشعراء ومفوهي الخطباء فصاحةً وبلاغةً.
ولا غرو في ذلك، فلقد كان القرآن الكريم معجزة خالدة، تحدّى بها المولى عز وجل الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، فلم يكن القرآن الكريم كتابا توجيهيا كسائر ما سبقه من الكتب السماوية التي أنزلت على رسل الله عليهم السلام، بل كان كتاباً توجيهياً ومعجزة في آن معاً؛ خالدة حتى قيام الساعة، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا).
ولا نحتاج إلى كبير عناء في الدلالة على صدقية القول، إذ نابت المكتشفات العلمية الحديثة في بيان عجائب القرآن الكريم التي لا تنتهي حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن أجل هذا، فإن الكتابة البارعة تقتضي الرجوع إلى كتاب الله وتدبّر آياته العظام، لنستقي من ينبوعها ما يفيدنا في الدنيا والآخرة.
ومن هنا، فقد آثرت أن أقدم هذه الدراسة المتواضعة، استعرض من خلالها الأساليب التي تفيدنا في مهنة المتاعب أو السلطة الرابعة أو صاحبة الجلالة كما يحلو للبعض تسميتها، بادئاً أولاً بعرض للأسلوب القصصي والخَبَري في سورتي (يوسف)، و(النمل)، واهم ما يمكن أن يستفيد منه الكاتب الصحفي في هذا المجال.
ثم سأعرض في الفصل الثاني مشاهدات من القرآن الكريم حول الترادف الوارد في القرآن الكريم والمحسنات البديعية، وكيف جاءت بدقة متناهية تبعث على التشويق في كل مرة يتلو فيها القارئ آياته البيّنات.
وفي الفصل الثالث: سأقدّم نبذة حول التحرير الصحفي، والعوامل المؤثرة في صياغة الخبر، وصفات الخبر، وأنواعه، والمقدمة، وأشكال الفنون الصحفية.
وفي الفصل الرابع: اجتهدت في عرض أحدى وخمسين قاعدة نحوية، لما للنحو من تأثير كبير ومباشر على عمل المحررين اليومي. يليه الفصل الخامس وفيه عرض لقواعد الإملاء.
وما هي إلا محاولة اجتهدت فيها لعل زملاءنا في المهنة أن يجدوا فيها ما يثير اهتمامهم، فإن أصبت فما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب، وإن أخطأت فتقصير مني، ولا كمال لبشر.
والله من وراء القصد.
فايز العقيل الجبور
سكرتير تحرير
وكالة الأنباء الأردنية
الفصل الأول
النموذج الإنشائي والنموذج الخبري
تتميز وسائل التعبير الأدبية الإنشائية منها، والخبرية بخصائص معينة تجعل لكل واحدة منها سمة وطابعا يعرف بها، إذ يكمن معيار التمييز بينهما في أن الجملة الإنشائية لا تحتمل الصدق أو الكذب بخلاف الخبرية منها.
ومن أغراض الجملة الإنشائية: الأمر (كالدعاء، والرجاء، والنصح، والإرشاد، والتهديد والتحذير، والالتماس، والتعجيز، والتمني، والتحسر، والندم)، أو الاستفهام الحقيقي أو البلاغي التعجبي، أو النهي (للنصح والإرشاد، والتيئيس، والتهديد)، أو التمني (لو، وليت، ولعل)، أو للنداء (التعجب، الاستغاثة، التنبيه).
وهذه الأمور كلها لا تحتمل الصدق والكذب؛ فكيف نحكم على شخص يسال سؤالا بأنه صادق أو كاذب، وهكذا دواليك.
لكن الأمر يختلف في الجملة الخَبَرية لأنها تحتمل الصدق أو الكذب، فمن أغراض الجملة الخَبَرية أنها تأتي لإظهار الفرح، والمدح، والفخر، وإظهار التحسّر والضعف والخشوع، أو لإغراء المخاطب والاسترحام، وهذه من الأمور التي يحتمل الحكم عليها بأنها صادقة أو كاذبة.
ا- النموذج القصصي الروائي: (نموذج سورة يوسف)
تعتبر سورة يوسف خير نموذج يمكن التدليل من خلاله على الأسلوب القصصي، وخصائصه التي يتمتع بها:-
الظروف التي نزلت فيها السورة:
لقد أُنزلت سورة يوسف لتثبيت قلب النبي وأصحابه في الصبر على الأذى، وان الفرج بعد الشدّة،(حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا، فنجي من نشاء، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين).
الخصائص الأدبية :
لقد عبّرت سورة يوسف تعبيرا واضحا عن الأسلوب القصصي في القرآن الكريم لأنها القصة الوحيدة من بين القصص القرآني التي وردت كوحدة متكاملة من بدايتها إلى نهايتها وفق تسلسل واضح ومتتابع للأحداث، بينما جاءت القصص الأخرى متفرقة بين سور القرآن.
وجاءت تفاصيلها بأسلوب أدبي قصصي سردي روائي فريد، غنية بموضوعها وعقدتها، وحلّها، وفكرتها، وأحداثها، وحبكتها الدرامية، ومكانها، وزمانها، وشخصياتها الرئيسية منها والثانوية، والصراع الداخلي والخارجي، حتى وصفها الباري بأحسن القصص، (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَالقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ).
وقد اشتملت السورة على كل عناصر القصة الأدبية، بحيث يستطيع المرء وهو يقرأها، وكأنه بحضور مشاهد حيّة ماثلة أمام عينيه، فينطلق العنان لتخيل الأحداث وتصويرها والحوارات الثنائية، والصراعات الداخلية والخارجية، وتصاعد الحبكة الدرامية حتى وصولها إلى ذروتها بمراودة امرأة العزيز له ودخوله السجن ثم يأتي الحل المتمثل بخروجه من السجن، ووقوفه على خزائن مصر ورفع أبويه على العرش أي إجلاسه لهم على سريره، فكانت تعبيرا قصصيا رائعا، حتى قيل (لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها).
وجاءت القصة حبلى بالأحداث، والمواقف المتنوعة التي تشد القارئ ولا تتركه حتى يصل إلى نهايتها، لما فيها من تشويق يبدأ بحلم يوسف، ثم تستمر الأحداث تتوالى تباعا حتى تنتهي القصة بتفسير الحلم الذي رآه يوسف في بدايتها.
العنوان: ورد في القرآن الكريم عناوين مختلفة للسور حسب موضوعاتها، وقلّت العناوين التي تحمل أسم الشخصية الرئيسية في السورة، ومن بين السور القليلة التي حملت أسم الشخصية الرئيسية كانت سورة يوسف بخلاف سور كثيرة من القرآن الكريم.
الشخوص: تعددت الشخصيات الواردة في السورة، لكن الشخصية الرئيسية كان (يوسف عليه السلام)، وهناك شخصيات ثانوية (يعقوب عليه السلام، وأخوة يوسف، وعزيز مصر، وامرأة العزيز، والملك، ونسوة المدينة)، وشخصيات هامشية (كالشاهد، وساقي الملك، والخبّاز).
الأسلوب الحواري: جاءت الحوارات منذ بداية القصة وحتى نهايتها، على الشكل الآتي:-
(إذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ).
(قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ).
(إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ).
( قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ).
( قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ).
(قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ).
( قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ).
(قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ).
( قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).
(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا).
(وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
(قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيم).
(قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي).
(قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ *يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ).
(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ).
(وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ).
(قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ).
(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ).
(قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
(قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا).
(وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ).
(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ).
( قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ).
(وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ)
(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ).
( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ).
( قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ).
(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ).
(قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ).
(قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ).
(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي).
(قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ).
(قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ).
(قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ).
(قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ).
(وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
(قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ).
(قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِير).
(قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ).
(قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ).
(وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ).
(قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).
(قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ).
(قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ).
(قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ).
(قَالُواْ فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ).
(قَالُواْ جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).
(قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ).
(قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ).
(قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
(قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ).
(قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ).
(ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِين).
(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ).
(وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ).
(قَالُواْ تَاللَّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ).
(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).
(قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ).
(قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ).
(قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ).
(قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا).
(قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ).
(قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
(قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ).
(قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ).
( قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).
(قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ).
(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
(وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ).
(وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا).
مكان القصة وزمانها: كان في ارض مصر، وأمتد زمانها من صبا سيدنا يوسف حتى بلوغه مبلغ الرجولة في نسق بياني منحن مختلط المشاعر بين اليأس والرجاء والخوف والاطمئنان والحزن والفرح والشدّة والفرج.
الحبكة: اشتملت القصة على مشاهد مسرحية حيّة تطلق العنان لتفكير القارئ في تخيل الأحداث وتصويرها وحواراتها الثنائية وصراعاتها وتصاعد الحبكة الدرامية حتى وصولها إلى ذروتها بالمؤامرة من أخوة يوسف ثم مراودة امرأة العزيز له ثم المواجهة بين يوسف مع أخوته مرة أخرى.
المقدمة: تبدأ بالرؤيا.(إذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ).
الخاتمة: تنتهي بتحقق الرؤيا.(ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).
العرض: استخدم الأسلوب السردي الروائي في إيراد تفاصيل القصة كما جاءت في القرآن الكريم:
(كان لسيدنا يعقوب عليه السلام من البنين أثنا عشر ولدا ذكرا، وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم واجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام.
ويروي المفسرون أن يوسف رأى وهو صغير قبل أن يحتلم كأنَّ احد عشر كوكبا، وهم إشارة إلى بقية أخوته، والشمس والقمر وهما أبواه، قد سجدوا له، فهاله ذلك.
ولما استيقظ قصّها على أبيه، فعرف أبوه انه سينال منزلة عالية، ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، بحيث يخضع له أبوه وأخوته. فأمره بكتمانها وإلا يقصها على أخوته، كي لا يحسدوه ويبغوا له ويكيدوا له بأنواع الحيل والمكر.
وتستمر السورة في سرد الأحداث المتتالية، فيغار الأخوة من حظوة يوسف عند أبيه، فيعزمون على التخلص منه، وما يلفت الانتباه أن الشر عند الناس العاديين يتعاظم، لكنه في أبناء الأنبياء بدا عظيما ثم بدا يتناقص، فأرادوا قتل يوسف ثم بدلوا رأيهم إلى أن يطرحوه أرضا ثم يلقوه في الجب أو البئر.
وينبه الله تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم والدلالات والمواعظ والبينات. ثم ذكر حسد أخوة يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه بنيامين أكثر منهم، وهم عصبة أي جماعة، يقولون: فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين، ثم تشاوروا في قتل يوسف أو أبعاده إلى ارض لا يرجع منها، ليخلو لهم وجه أبيهم، واضمروا التوبة بعد ذلك.
فلما اجمعوا أمرهم على ذلك واتفقوا عليه، طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف، واظهروا لهم أنهم يريدون أن يرعى معهم، وان يلعب، وقد أضمروا له ما الله به عليم، فأجابهم النبي يعقوب عليه السلام: يا بني يشق علي أن أفارقه ساعة من النهار، ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم، وما انتم فيه؛ فيأتي الذئب فيأكله ولا يقدر على دفعه عنه، لصغره وغفلتكم عنه، فقالوا لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة، إنا إذن لخاسرون أي عاجزون هالكون.
ولم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم، فما كانوا إلا أن غابوا عن عينيه، فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال، واجمعوا أن يلقوه في قعر البئر، فلما ألقوه فيه، أوحى الله إليه: أنه لا بد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها، ولتخبرن أخوتك بصنيعهم هذا في حال تكون أنت فيها عزيز، وهم محتاجون إليك، خائفون منك، فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه، أخذوا قميصه ولطخوه بشيء من دم سخلة ذبحوها ليوهموا أباهم أن الذئب أكله، ونسوا أن يخرقوه، ورجعوا إلى أبيهم في وقت العشاء، وهم يبكون على أخيهم.
ويستمر التشويق فتخرجه من البئر قافلة ثم يبيعونه إلى عزيز مصر وهو الوزير، الذي اشتراه بعشرين درهما، وطلب من امرأته إكرامه لعلهم يتخذونه ولدا، لأن العزيز لم يكن ينجب، ومكّن الله له في أرض مصر وعلمه فهم الأحاديث وتعبير الرؤى.
ويذكر الله تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وكيف غلّقت الأبواب عليها وعليه، وتهيأت له وتصنعت، ولبست أحسن ثيابها وافخر لباسها، وهي مع هذا كله امرأة الوزير، وكان يوسف شابا بديع الجمال والبهاء، إلا انه نبي من سلالة الأنبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء، وحماه عن مكر النساء، فقال معاذ الله إنه ربي أي عزيز مصر زوجها صاحب المنزل سيدي أحسن إليَّ، وأكرم مقامي عنده.
وهرب منها طالبا الباب فرارا منها، فاتبعته في أثره، فوجدا زوجها لدى الباب، فبادرته بالكلام، وحرّضته عليه، واتهمته وبرأت عرضها ونزّهت ساحتها، وشهد رجل قريب لزوجها، وقيل قريب إليها، بأنه يكون قد راودها إذا كان قميصه قدّ من قُبُل فدفعته حتى قدّت مقدم قميصه، وإن كان قميصه قدَّ من دبر، فمعناه أنه قد هرب منها فاتبعته وتعلّقت فيه، فانشق قميصه لذلك، ولما تبين أنه من مكرها، ضرب بعلها عن هذا صفحا، وأمرها الاستغفار لذنبها، وطلب من يوسف كتمان الأمر، لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن.
ويذكر الله تعالى ما كان من قِبَلِ نساء الأمراء، وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها والتشنيع عليها، في مراودتها فتاها، وحبها الشديد له، وهو لا يساوي هذا لأنه مولى من الموالي، وليس مثله أهلا لهذا، فلما سمعت بتشنيعهن والتنقّص لها، والإشارة إليها بالعيب والمذمّة بحب مولاها، وعشق فتاها، فأظهرن ذمّاً، لهذا أحبت أن تبسّط عذرها عندهن، وتبين لهن أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا من قبيل ما لديهن.
فأرسلت إليهن ، فجمعتهن في منزلها، وأعتدت لهن ضيافة، وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين وآتت كل واحدة منهن سكينا، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام، وألبسته أحسن الثياب، وأمرته بالخروج عليهن وهو في هذه الحالة. فلما رأينه أعظمنه وأجللنه وهبنه، وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم، وبهرهنَّ حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح. وقالت هذا الذي لمتنني فيه، ثم مدحته بالعفّة التامة، وإن لم يفعل ليسجن ويكون من الصاغرين، وكان بقية النساء حرّضنه على السمع والطاعة لسيدته فأبى أشد الإباء، ونأى لأنه من سلالة الأنبياء، ودعا فقال في دعائه: يا ربي إن وكلتني إلى نفسي فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف، ولا املك لنفسي نفعا ولا ضرّا إلا ما شاء الله.
ثم ظهر للعزيز وزوجته أن يسجناه إلى وقت ليكون أقل لكلام الناس، وليظهروا انه راودها عن نفسها فسجن بسببها، فسجنوه ظلما وعدوانا.
ودخل مع يوسف في السجن فتيان احدهما ساقي الملك، والآخر خبّازه، وكان الملك قد أتهمهما ببعض الأمور فسجنهما، فرأى كل واحد منهم رؤيا في ليلة واحدة، الساقي رأى كأن ثلاثة قضبان من عنب أورقت وأينعت، فأخذها واعتصرها في كاس الملك وسقاه، والخباز رأى على رأسه ثلاث سلال من خبز، وضواري الطير تأكل من السلة الأعلى، فقصّاها عليه وطلبا منه أن يعبّرها، وقالا إنا نراك من المحسنين، فاخبرهما أنه عليم بتعبيرها، وقال مهما رأيتما من حلم فإني أعبّره لكم قبل وقوعه، فيكون كما أقول.
وقال لهما إن هذا من تعليم الله إياي لأني مؤمن به موحد له، متبع ملة آبائي الكرام، إبراهيم وإسحق ويعقوب. ودعاهما إلى التوحيد وذمّ عبادة ما سوى الله عز وجل.
وقال يوسف للذي ظن انه ناج منهما، أذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك، لكن الناجي نسي ما وصاه يوسف، فلبث في السجن بضع سنين.
ورأى ملك مصر رؤيا، وقص على ملئه وقومه، ولم يكن منهم من يحسن تعبيرها، فقالوا إنها أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها، فتذكر الناجي منهما لما سمع رؤيا الملك أمر يوسف، فقال لقومه وللملك أنا أنبئكم به، فأرسلوني إلى يوسف، وعبّر يوسف ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب، ويعقبها سبع جدب ثم يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية، وعبّر لهم وعلى الخير دلّهم وأرشدهم إلى ما يعتمدون في حالتي خصبهم وجدبهم وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في السبع الأولى في سنبله إلا ما يرصد بسبب الأكل، ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية، ولما أحاط الملك علما بكمال علم يوسف عليه السلام وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه، أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون من جملة خاصته، فلما جاءه الرسول بذلك أحب إلا يخرج حتى يتبين لكل واحد أنه حُبس ظلما وعدوانا، وانه بريء الساحة مما نسبوه إليه.
ولما سئلن النسوة عن ذلك اعترفن بما وقع من الأمر، وما كان منه من الأمر الحميد، وعندها قالت امرأة العزيز: الآن ظهر وتبين الحق، وأنا راودته عن نفسه، وانه بريء ولم يراودني، وانه حُبس ظلما وزروا وبهتانا.
ولما ظهر للملك براءته جعله من خاصته ومن أكابر دولته، ومن أعيان حاشيته، وطلب يوسف منه أن يجعله على خزائن الأرض.
وبعد سنوات الجدب جاء أخوة يوسف إلى مصر بحثا عن الطعام، وكان يوسف عليه السلام الحاكم في أمور الديار المصرية، فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه، لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة، لهذا عرفهم وهم له منكرون.
ولما أعطاهم من الميرة ما جرت به العادة من إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه، وطلب منهم أن يحضروا أخاه في العام المقبل، فقالوا سنجتهد في مجيئه معنا ونأتيك به بكل ممكن.
وبعد رجوعهم إلى أبيهم، قالوا بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا سيمنع منا الكيل، فإن أرسلته معنا لم يمنع عنا الكيل، وكان يعقوب أضن شيء بولده بنيامين لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه، ويتسلّى به عنه، لهذا أكد المواثيق وقرر العهود، واحتاط لنفسه في ولده، ثم أمرهم ألا يدخلوا المدينة من باب واحد ولكن من أبواب متفرقة، خوفا عليهم من العين.
ثم دخلوا بأخيهم بنيامين على يوسف، وإيوائه إليه وإخباره له سرّا عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك عنهم، ثم أمر فتيانه بوضع سقايته في متاع بنيامين، وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك، وجعل لهم على ردّه حمل بعير، فأقبلوا على من اتهمهم فأنَّبوه يقولون انتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به، وكانت شريعتهم أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وبدا بأوعيتهم قبل وعاء أخيه لكي يكون أبعد في التهمة وأبلغ في الحيلة).
وقالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل أي يقصدون يوسف، وأجابهم سرا لا جهرا حلما وكرما وعفوا، وصفحا، فدخلوا معه في الترفق والتعطف، فطلبوا منه أن يأخذ مكانه احدهم، لكنه قال هذا ما لا نفعله ولا نسمح به، وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.
وقال اكبر أخوتهم أنكم قد أخلفتم عهد أبيكم، وفرطتم في يوسف من قبل، فلم يبق لي وجه أقابله به، فلن أغادر حتى يأذن لي أبي بالقدوم عليه أو يحكم الله لي بان يقدرني على رد أخي لأبيه، وارجعوا إلى أبيكم فاخبروه بما حدث، لكن يعقوب عليه السلام قال أن الأمر ليس كما ذكرتم فلم يسرق لأنه ليس سجية له ولا من خلقه، وقال عسى الله أن يأتيني بهم جميعا، واعرض عنهم وقال يا أسفى على يوسف أي تذكر حزنه القديم بالجديد وحرك ما كان كامنا، وابيضت عيناه من كثرة البكاء، فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق قالوا له على وجه الرحمة والرأفة والحرص عليه، لا تزال تتذكره حتى ينحل جسدك، فلو رفقت بنفسك كان أولى لك، فقال لبنيه: لست أشكو إليكم ولا إلى احد من الناس ما أنا فيه إنما اشكوه إلى الله، واعلم أن الله سيجعل لي مخرجا وفرجا، ثم قال لهم أن يبحثوا عن يوسف وأخيه وان لا ييأسوا من الفرج بعد الشدة فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه إلا القوم الكافرون.
ثم رجع أخوة يوسف إليه، طالبين منه الصدقة عليهم ورد أخيهم، محضرين معهم بضاعة ضعيفة لا يقبل مثلها إلا أن تتجاوز عنا. فما رأى منهم من الحال وما جاءوا به مما لم يبق عندهم من ضعيف المال تعرّف إليهم، وقال لهم أنا من صنعتم معه ما صنعتم، فقالوا إن الله قد فضّلك علينا، وكنا خاطئين فيما أسدينا إليك، وها نحن بين يديك، فقال لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا، ثم أمرهم أن يذهبوا بقميصه، فيضعوه على عيني أبيه، فإنه يرجع إليه بصره بإذن الله، ثم أمرهم أن يحملوا أهلهم أجمعين إلى مصر.
وقالوا أن يعقوب وجد ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيام، لكن خشي أن يقال أن الخرف أصابه لكبر سنِّه، ومجرد ما جاء البشير ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع بصيرا، وقال لبنيه ألم اقل لكم إني اعلم من الله ما لا تعلمون أي أن الله سيجمع شملي بيوسف وسيقر عيني به، فطلبوا منه أن يستغفر لهم الله عما فعلوه.
واجتمع يوسف بأبويه وحدهما دون أخوته، وأجلسهما على سريره، وسجدا له الأبوان والأخوة الأحد عشر تعظيما وتكبيرا، وكان هذا مشروعا لهم، وقال هذا تعبير ما كنت قد قصصته عليك من رؤيتي).
(ب)- النموذج الخَبَري(نموذج سورة النمل):
ورد في القرآن الكريم آيات معينة في عدد من السور التي يمكن الاستفادة منها في الكتابة الصحفية، على النحو التالي:-
أولا: قال تعالى في الآيتين 17، و18 من سورة النمل: (وحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ* حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).
كان موكب سيدنا سليمان يتألف من الجن والإنس، والطير، فمر على وادي النمل؛ فقالت نملة يقال أنها ملكة النمل، وذلك لأنها وردت بصيغة المؤنث(قالت)، ومملكة النمل تتألف كما هو معلوم من الملكة والعاملات والذكور، فمن المستبعد أن تأمر إحدى العاملات والملكة موجودة، كما أن الحديث في سورة النمل كان عن الملوك، سليمان وبلقيس ملكة سبأ، فمن المرجح أن يكون الحديث أيضا عن ملكة النمل، والله تعالى اعلم.
فطلبت الملكة من أتباعها الدخول إلى مساكنهم بقولها:( يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ). وقد قال المفسّرون أن هذه الآية الكريمة من عجائب القرآن الكريم، لأنه قد ورد فيها تسعة معانٍ في اللغة العربية، وهي:
(يا...نادت)، أيها...نبّهت)، (النمل...عيّنت)، (أدخلوا...أمرت)، (مساكنكم..نصّت)، (لا يحطمنكم... حذّرت)، (سليمان...خصّت)، (جنوده...عممّت)، (وهم لا يشعرون...اعتذرت).
ففي هذه الآية تنبيه إلى أن هذه النملة قد قامت بوظيفة إخبارية، تستهدف مصلحة جماعتها وتجنيبها الأخطار التي تتهددها، وهذا معلم قرآني واضح، يجب على الصحفي الاسترشاد به في الحرص على مصلحة الأمة التي ينتسب إليها، وان تكون مهمته تنبيه قومه إلى ما يحدق بهم من أخطار، ويبين لهم كيفية تجنبها، كما فعلت النملة مع جماعتها.
ثانيا: قال تعالى في الآيات من 20-26 من سورة النمل: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ* فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ* إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ* وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ* أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ). يذكر الله سبحانه وتعالى أن سيدنا سليمان احتاج أحد جنوده، وهو الهدهد، فلم يجده، فتوعده بالعذاب أو القتل، إلا أن يأتي بعذر يعذره به.
ويأتي الهدهد بادئاً كلامه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته، وتضمن الإصغاء إليه وتشد انتباه السامع إليه، واستمالة قلبه إلى قبول عذره، ولبيان عظم ما اشغله عن المجيء،( أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)، ولما ضمن إصغاء الملك إليه بعد هذه المفاجأة، بدأ بعرض تفاصيل (النبأ اليقين) الصادق الذي جاء من مملكة سبأ. ويذكر الهدهد أنه وجد امرأة (بلقيس) تحكمهم، وأُوتيت من الثراء وأبهة الملك، وما يلزم ذلك من عتاد الحرب والسلاح وآلات القتال الشيء الكثير، ولها عرش عظيم تجلس عليه في قصر فخم رفيع البناء، لكنهم مع كل هذه العظمة الدنيوية إلا أنهم يعبدون الشمس من دون الله رب العالمين.
فالهدهد هنا قد أتى بالنبأ اليقين المؤكد الحقيقي، الذي يعلم أن سليمان سيهتم به أشد الاهتمام، ويلتفت إليه، لصلته برسالته السماوية، والنبوة المبعوث بها، في إطار دعوته إلى عبادة الله وحده.
والصحفي لا بد له أن يقتدي بالهدهد الموهوب الذي أدرك إدراك العقلاء الأذكياء مثل هذه الأنباء اليقينية التي تهم الناس وتجذب اهتمامهم إلى قراءتها والاستفادة منها، وأن يتحرى المصادر الأمينة ليستقي منها الأخبار والأنباء التي يطمئن إلى صدقها وصحتها.
ويجب أن يكون بارعا في مادته الصحفية، فيبرز ما يستحق القراءة ويقدمه إلى القراء بصورة سهلة الإدراك والفهم لجذبهم إلى القراءة والاستفادة مما يقدم إليهم، متجنبا الألفاظ النابية والجارحة أو التي تخدش الحياء. كما يستفاد من هذه الآية في كتابة المقدِّمة الصحفية التي تشد الانتباه كما شدّ الهدهد انتباه سيدنا سليمان (أحطت بما لم تحط به)، حتى نسي سيدنا سليمان أو تناسى أمر غيبة الهدهد مع هذه المفاجأة التي بدأ بها الهدهد، وهكذا.
ثالثا: قال تعالى في الآيات 27- 30 من سورة النمل: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ* اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ* إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). في هذه الآية نلمح عددا من الأمور التي تستحق التوقف عندها وهي كالتالي:
1- التأكد من صحة الأنباء: نجد أن سيدنا سليمان لم يتسرّع في تصديق الهدهد أو تكذيبه، ولم يستخف بالنبأ العظيم الذي جاء به الهدهد، وإنما تصرف بشكل سليم تمثل بالتأكد من صحة المعلومة، فقال (سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين).
2- الاتصال مع المصدر: يستفاد من عملية تأكد سليمان من صحة المعلومة أن على الصحفي أو مسؤول التحرير أن يتأكد من المعلومة من مصدرها عبر الاتصال حتى لو تأخرت عملية النشر لأن المعلومة الكاذبة ستفقد المصداقية وتفقد ثقة القراء بالصحيفة أو المؤسسة الصحفية أو الإعلامية.
3- الاختصار: على الصحفي أن يتطرق إلى صلب الموضوع مباشرة دون حشو زائد عن الحاجة، فخير الكلام ما قل ودل، وهذا ما نستفيده من هذه الآية الكريمة، فعندما قال سيدنا سليمان للهدهد اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم انظر ماذا يرجعون، جاءت الآية التي تليها، (قالت) وكأنه لا فاصل بينهما، رغم أن العقل يتفق أن هناك أحداثا جرت بين قوله (قال أذهب بكتابي) وقولها (إني ألقي إلي كتاب كريم)، والسبب انه لم يكن هناك حاجة لهذه التفاصيل الزائدة التي لا تمس صلب الموضوع ، فلم تقل الآية أن الهدهد اخذ الرسالة وطار إلى بلاد بلقيس ثم جاء عليهم وهم يفعلون كذا وكذا وألقى إليهم الكتاب...الخ، لأن العبرة هو رد الملكة على الرسالة.
فعلى الصحفي أن يتحرى في كتابته عدم الإطالة الممل وكذلك عدم الاختصار المخل، فإن القارئ متى وجد إطالة أو إطنابا في غير موضعه، أو خللا ونقصا في المعلومة فإنه لا شك في كلا الحالين سيضرب صفحا عن المؤسسة الصحفية باحثا عن المعلومة في غيرها وهو حتما لا بد واجدها.
رابعا: قال تعالى في الآيات 29-31 من سورة النمل( قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ* إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)
لقد كان كتاب سيدنا سليمان إلى ملكة سبأ في غاية البلاغة والفصاحة والإيجاز، وقد حصّل المعنى بأيسر العبارات وأحسنها، (بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين).
فلم يكن الكتاب أو الرسالة طويلة، لأن الهدف واضح وهو دعوتهم إلى الحق، فليس من داع إلى الشرح والإطالة، وهذا ما يتطلّبه عمل الصحفي أو المحرر من الإيجاز وإصابة الهدف مباشرة بأقل الكلمات وأيسرها وأكثرها إفهاما، لأن الخبر يخاطب جميع الشرائح المثقف والإنسان العادي.
خامسا: قال تعالى في الآية 40 من سورة النمل(قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).
عند تدبُّر الآية الكريمة بين قول الذي عنده علم من الكتاب (أنا آتيك به)، و(فلما رآه مستقرا عنده) نلاحظ انه ليس ثمة فاصل بينهما، وهذا يدل على سرعة وقوع الحدث لأن الفاء تفيد التعقيب أي بمجرد أن يرتد إليك طرفك ستجده عندك.
وفي هذا إفادة بأن على الصحفي، تسخير الإمكانات اللغوية لخدمة الموضوع مباشرة، وتجنب الزوائد وحذف الجمل التي لا لزوم لها.
سادسا: قال تعالى في الآيات من 7-14 من سورة النمل (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ* إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ* وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ* فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ* وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ). في هذه الآيات الكريمات يخبرنا الله سبحانه وتعالى قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون الذي استعبد بني إسرائيل وأذلّهم، وافسد طباعهم، فأعرضوا عن الحق لما جاءهم، وقد وردت قصة سيدنا موسى مع فرعون في سور الأعراف(103-171)، يونس(75-93)، وطه(77-98)، الشعراء(9-68)، القصص(3-49)، غافر(23-46)، هود(96-101)، إبراهيم(5-8)، الإسراء(101-104)، المؤمنون(45-49)، الزُخرُف(46-56)، الذاريات (38-40)، البقرة(39-123)، المائدة(20-26). وكانت قصة سيدنا موسى حافلة بالعظات، والعبر التي تكشف انحراف عقيدة اليهود في المكر والخداع والغدر، لكننا في كل مرة يذكر الله سبحانه وتعالى قصة سيدنا موسى مع بني إسرائيل وفرعون، لا نجد تكرارا مملاً أبدا في عرض أي قصة من تلك القصص، على كثرة ما وردت في القرآن الكريم، لأنه كان هناك تنويع في اختيار المشاهد التي تعرضها كل قصة منها. وهذا التنويع يجعل من القصة جديدة متجددة في كل موضع، متناسقة مع السياق الذي وردت فيه، وهذا التكرار لا يترك نفورا لدى القارئ لأنه ورد بصور متباينة، وتفصيلات طويلة وقصيرة، وفي هذا التكرار المتنوع على هذه الشاكلة، هو من صميم الفعالية المطلوبة لكل رسالة إعلامية، حتى تحدث الأثر المطلوب في تشكيل الرأي العام.