مقدمة
لعل من أهم ما يميز القص في وقتنا الحالي هو خصوصيته باعتباره المنطلق لصياغة
كتابة تلفت الاهتمام، و تركز الانتباه إلى التعامل مع الوقائع بصورة عالية التركيز منطلقة
من مستجدات تحملها المتغيرات الني ترسمها المتناقضات في بنية المجتمع.
وعلى الرغم من أن الفعل القصصي يرتهن في علاقته مع الكتابة بالتفكير، فهو يقدم الإثارة للكثير من الأسئلة عن العالم والزمن لأن الموضوعات التي تتطرق لها الكتابة تستخدم أدوات
أكثرها ينتمي إلي موروث ثقافي قديم له جذوره العميقة..
ومما يلفت النظر طريقة استخدام هذه الأدوات، وترتيبها الجديد لتكون نمطا جميلا نعتمده في قراءاتنا لأي تجربة قصصية جديدة في عالم الإبداع الأدبي.
إن القص بمعطياته الجديدة يتقدم بخطوات سريعة حاملا معه عبء المهمة الصعبة التي ينتمي اليها0000 وأن نحاول أن نكتب خيرا من أن نقف عند حدود لا يمكن تجاوزها...
والأديب القاص الناشيء يعد تجربة جديدة في عالم القصة القصيرة تستحق التوقف عندها كونه أعاد صياغة القص بطريقته المميزة، فتجاوز الكثير من المطبات التي تربك الكاتب والكتابة، وخرج بحصيلة فنية تزخر بالمشكلات القصصية، والتي تفرز لنا كثير من الحقائق الاجتماعية والنفسية التي تخرج غالباً من دائرة الاعتبارات الأخلاقية والقيود الاجتماعية الضيقة إلى اعتبارات أخلاقية هادفة أخرى أكثر اتساعا ...
إلا أن القص يبقى مترصدا لكل الوقائع التي تزخر بها بيئة الأديب، فالبيئة هي الملهم الأول
والأخير لساحة القص ومضامينه وموضوعاته عند القاص...
علي الصيرفي
رؤية فنية للهم الاجتماعي والنفسي صرخة فوق جدار الزمن.....
* علي الصيرفي
هناك تيارات كثيرة للقص، وطرق متعددة يتبعها الأدباء، عندما يقومون بهذا الفعل المعرفي المتعدد الوجوه على أنه نحن لا نعتقد أن هناك طريقة واحدة أيا كانت لوصف هذه المتباينات التي يمارسها الأدباء، ولكن من الممكن القول بأن القص يبني عالماً ثانياً أثناء الكتابة، ويكسر رتابة الحياة اليومية، ويفكر الكتاب بكل هذا وهو بعيد عن مواقف الاستغلال التي تتمركز على ساحات الحياة، وبالطبع نقول أن القص يضيف هذه العوالم إلى عالم كل يوم، وهذا يعني أن الزمان والمكان و لا ينفصلام عن ذلك مطلقاً،
والقاص مصطفى الصوفي في مجموعته القصصية صرخة فوق جدار الزمن، يقدم تجربة ذات أبعاد كثيرة، وهذه الأبعاد تفتح أمامنا طرقاً متباينة لا بد أن نتعرف من خلالها بوضوح الدافع الكتابي عند الأديب، فهو لديه الرغبة الأساسية لأن يستعمل هذه الأفعال المعرفية التي تجدد بوضوح عملية التفكير عند القاص من خلال لغة يستعملها الفعل الكتابي المرتبط بالقص اختلافاً تاما عن الكتابة العادية،
فالقص هو دائماً حديث لشيء محدد داخل العالم، وهذا ما نريد أن نتفاعل معه ضمن كتابات الأديب مصطفى الصوفي. حيث قدم نموذجا للقص تتداخل فيه الرؤية الشفافة للكثير من السحابات الكثيفة للغيوم القهرية المتجمعة في سماء مجتمعه جالبة معها الهم الفكري والنفسي والاجتماعي والسياسي..
وتلك مسائل تنجم عن سوء العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، فالهم والقلق يبدوان بشكل يتأرجح بين ثقل الشاقول وتسطح الأفق مختلطاً بهلوسة الواقع المر الذي تفرضه بؤر قميئة تتطلب بالكثير من الجرعات السمية القاتلة...
إنها الحركة الجدلية لصراع الحياة، حيث يدخل الأديب في كل هذه الانزياحات محاولاً رسم الصورة التي أزاحها بطريقته الفنية، فهو تشكيلي يعمل من خلال أدوات أدبية تحمل العمق الفكري والتوازن النفسي للعمل الكتابي.
فالأديب فنلن يكتب بروح تجعل الفكر يجنح بشفافية إلى عمق الذات البشرية مبتعداً عن تعقيدات الدخول والخروج الحدثي، فهو متقن للصورة التي يحركها معتمداً على سلامة الكلمة وانتقاء المواصلات الجيدة /النقل / بعد كثير من النظرات المتبادلة والإشارات البعيدة والتلميحات الغير مباشرة.
" ولكن ما هو مصيرها.؟ وكيف لي أن أعرف دون سؤال ؟ ربما سأموت و أدفن معي قصتها..! كانت مديحة تكبرني بعدة سنوات ويبدو أنها قطعت سن الزواج المرغوب وبدأت تخشى أن يفوتها القطار وأخذت كسمك القرش الجائع تفتش عن صيد يشبع رغباتها المضطربة، وكشاب مراهق صغير لفتت نظري أثارتني، انجرفت وراء رغباتها بحذر شديد " ص7 صرخة فوق جدار الزمن..
إن الدخول في صراعات الوجدان البشري يحمل الفعل المعرفي الكثير من المفاهيم الحادة التي إذا اندفعت من مخابئها تؤدي إلى تجريح الأشياء التي تمر بها، والكاتب يدرك أهمية الدخول ومخاطره في مثل هذه المقعرات الاجتماعية. حيث الجنس والخطر والموت.
وقضايا التعقيم تدخل في هذا الجانب بشدتها وقوتها، وقدرة المجتمع على طمس وإغفال الجوانب التي تمسه في أخلاقياته المبطنة بالكثير من المتراكمات المبهمة، وقد دخل الكاتب في عمق هذه المشكلات الصعبة، حيث الحرمان والكبب عناوين لأمور لا مكان لمناقشتها في هذا المفهوم الجمعي لقيم استمرت في موضعها قروناً وسنين ..
اعتمد الكاتب في تحليله على أهمية النقل المتقن عبر خطوط الحركة النوعية للحدث من خلال رسم صور ذات ألوان تسعفه في جلب القدرة على التماس الرغبة في الكتابة، ويتفاعل الكاتب مع شخوصه بشكل يدل على أهمية استخدام الفعل القصي، واقتحام النفس الإنسانية بشكل تتم فيه تحليل البناء الهرمي لكل الفئات الاجتماعية،وهذا يتطلب مثابرة على ربط الظواهر بحقائقها وبعث هذه المخبوءات إلى فكر المتلقي كي يقارن بين ما تمثله الحياة في معطياتها و ما تفرضه القوة الضاغطة على أفراد المجتمع..
ويسير القص في الجزء الخفي من المنعطفات المظلمة في بنية النسيج البشري، منقباً عن هؤلاء الشخوص المتعبين من هموم الحياة و ضغوطها، مبيناً أن الحزن يتناسل في بيوت هؤلاء المعذبين بشكل هندسي لا يتيح لهم الفرصة للتخلص منه، وتلك العذابات تأخذ لون الحرمان والكبت والشهوة، وتساقط الأجساد في برك بركانية يعرف الكاتب أنها قادرة على تبخر كل أحلام شخوصه مهما كانت قدراتهم وإمكانياتهم،
إلا أنه يرى أن السير فوق الحبال وفتح مغاور فوق صبيب الهم قد تمكنه من توزيع الكثير من المفاهيم والمعاير الإنسانية بوصف القص عمل فكري وإرادي يهيء النفس البشرية للتعامل مع الموجود بأنه شكل من الأشكال الصراع المشروع. والذي يؤدي في النهاية إلى تغير الكثير من الثوابت والعصيان وتخريب كل شيء، " وبعد فترة من الزمن سأطلب منه إعلان الزواج وسيرفض وسأتصل بزوجته وأولاده وأفضح أمره لأضعه تحت الأمر الواقع .." ص56 راقصة على أنغام الرجال..
لقد تغلب القص إلى حد ما على بعض تحديات وجوده، وقد سخر قِوى زادت زيادة هائلة من قوة إمكاناته، وخاصة في هذا العصر، وتغلب على بعض المساوئ المتواجدة في قاعدة المجتمع. حيث يأتي في النداء من أعماق وجود الأديب ذاته، إنه النداء الذي يكافح لتولد ذات نقية، ويحاول الأديب أن يبعد القص من أن يكون فريسة الاهتمامات التي تعمل على التحكم فيه إنه يحاول أن يغير المضمون بطريقة هي التزام التحدث الدائم حول تلك القضايا التي يراها في محيطه، وهو لا يفعل ذلك إلا لأنه ينادي على الشخص الذي يتوجه إليه بالنداء، ويرى أن أكثر الناس قلقاً يتساءلون ؟. كيف نحافظ على الإنسانية ؟ وهكذا يوضح الكاتب مرة أخرى بالطابع الفكري أهمية القص، فليس هناك مضمون يفرض طريقة شاملة، بل ينبغي على الفرد أن يسعى لتحقيق ممكنات وجوده،
والخطر بنظر الكاتب يكمن في واقعة إنك لن تحب ضميراً تتحدث بنقاء ويعرف بأنه من السهل التلاعب بكلمة ضمير، وهذا يضع الأمور وجهاً لوجهٍ مع أساليب القمع والقهر، وينشغل القص في جمع الأشياء ضمن أطر معرفية تتداخل فيها المفاهيم الجمعية التي ينتمي لها الأديب مستغلاً حقيقة أن الأشياء لا تتغير إلا بالعمل المتواصل على تغييرها و يضع الكاتب تراكمات الزمن عبر سطوح الأحداث التي تسعفه باستمرار الكتابة والتعامل مع الموجودات، وذلك كله من خلال جعل المكان نقطة عبور لكل ما يمكن التفاعل معه
ويستطيع القص، برؤية النهوض وذلك باعتبار أن المجتمعات تنهض من خلال توازنات كثيرة يقدمها أبناؤها ومفكروها ويعمل الكاتب على أن أهمية اللغة التي يستعملها تصنع مفهوما مركبا للعلاقات بين شخوصه، فهو يربط بينهم ويتفاعل معهم من خلال مفردات واضحة المعنى والمفاهيم وهذا كله يجنب الكاتب مخاطر الانزلاق في أوهام، يعرف أنها تضر بالعمل القصصي التي عفا عليها الزمن../ ولكني حتماً لن أحتمل ولن أصبر على العيش في هذه الحياة وهذه النعمة وهنك دائماً شيئاً ما يفجر في أعماقي نزعة الانقلاب والرغبة في التمرد
أكثر مما تحميه /،
ومع ذلك تمكن الكاتب من تصوير المواقف عبر خيالات رائعة التلون والتصور وسرع في جريان القص من سردية إلى تشكيل تعبيري مفعم بالنهوض والاندفاع / لم يكن أحد يعرف حقيقة فرح وأصله وفصله فالجميع وجده بينهم ومعهم..المختار أبو مفلح وأبو ليلى قالا في أحاديث خاصة إن والديهما وجداه مشرداً بين الحقول لحق بهما وعاش في القرية على فضلات الناس وعندما شبّ استخدمه المختار لخدمته وخدمة عائلته والمضافة، استخدمه الجميع مقابل ما يتصدقون به عليه من الطعام الزائد والملابس البالية../ ص94 عرس فرح
ويتطاول الهم والقلق في وجدان الكاتب حيث تنمو الطحالب الاجتماعية عبر مستنقعات آسنة تخلق الكثير من المفرزات التي تخنق ضياء بعض البراعم التي تظهر متطاولة تري أن تأخذ دوراً في هذا المجتمع القاسي.
وتتماوج أعمال الكاتب في مد وجزر أمام هذا البؤس الاجتماعي المغمس بالجنس والفوضى وقهر الجسد وتطلعات تحرق الأرض التي تعمد القاص بترابها إنها مسألة الإنسان عبر الأزمنة جميعها، فالهدف المأمول هو النهوض بإنسانية هذا الكائن المتحرك وحمايته، وتسليط ضوء العدالة والأمان لمستقبل المجموع عبر دفقات من الحياة الفكرية والشفافية في التعامل مع الآخر بكل ما تحققه من وجدان..
إيقاعات السرد الرمزية في مجموعة صرخة فوق جدار الزمن
• طالب هاشمي
ما يميز فن القصة لدى القاص مصطفى الصوفي هو اشتغاله على الموضوع الاجتماعي بمعزل عن الصفة النقدية الملازمة لهذا الاتجاه، حيث يضفي على قصته بعداً رمزياً نابعاً من الرؤية أو زاوية النظر الفلسفية للحدث كما أنه يعتمد على اللغة المجازية بين فواصل السرد رغبة منه في إيجاد التوازن أو ضبط الإيقاع ما بين الحدث وانفعال اللغة به، فالفكرة مهما كانت تحتاج إلى أسلوبية ( سردية، حوارية ) لترتفع بها إلى أفق فني يجعلها تنضح بالحياة وتضج بالحركة بمعنى أنك تقرأ في هذه الحالة قصة من لحم ودم تجعلك تنفعل بها.
وبذلك تتخلق المشاركة الوجدانية مابين نص مكتوب وعين تقر أو تتحسس الرموز وهذه المشاركة تشتعل باشتعال اللغة وتنطفئ بانطفائها بمعزل عن الفكرة، والتي قد تكون عادية
وقد تكون استثنائية ...
ففي قصة ( صرخة فوق جدار الزمن ) تؤدي اللغة هذا الدور بدون اللجوء إلى تقنية التشويق الذي لا يكون مبرراً أحياناً، فتبدأ القصة بسرد لغوي متلاطم الأصداء له دلالة عميقة في فهم موقف القاص من الحدث: " أطبق ظلام حالك وخيم سكون ثقيل وران صمت موحش، سقطت في بئر من زمن السكون الأبدي العميق، وهزني صوت أمي ينادي في يأس قاتل. تمد يديها جاهدة لتنشلني منه وتخرق حاجز الزمن الآخر " ص5 ،
بهذا المدخل السري ينقلنا القاص إلى أجواء القصة المرعبة في بعض وجوهها والمحكومة بالمزاج الاجتماعي الذي يقف حائلاً أمام انصهار جسدين في أيقونة العشق.. حيث تندحر أشواقهما فيسلمان نفسيهما للسقوط في هاويتين مختلفتين الأولى: حفرة بطول الجسد، والثانية حفرة الحزن البشري العميق والتي تشبه بئراً ميت الأصداء لا فائدة من الصراخ الآدمي في جوفه المظلم واللقطة الذكية التي سخرها القاص للحفاظ على إيقاع النص هي سقوطه في البئر التي كان يحاول الخروج منها في بدايته، هذا السقوط الذي يشكل احتجاج الروح على ركود السطح أو المسطح في الحياة، ليعلن أن القاع الإنساني الذي يحتوي على كل الترسبات والمخيف بنفس الوقت هو الوجود الحقيقي، والمرأة التي لا تعكس إلا الفراغ والسواد.
في البئر لا أحد يسمع صراخ الآخر وما نحن في حياتنا الداخلية إلا أناس نسكن في آ بار متباعدة ونضيع أيامنا بالتأمل المعزول بحثاً عن وجود مفقود، وبهذا المعنى نفهم لماذا سقط العاشق في البئر الذي خرج منه:
" وعدت أهوي في بئر الظلام العميق وظهر شبح مديحة على حافة البئر تحاول أن تسقط فيه وهي تصرخ مستغيثة بي والأفعى تلمع في ضوء الشمس وهي تطعنها بكل قوة في جميع أنحاء جسدها المتأجج بالرغبة والدماء تنفر منها و تتجمع لتسيل إلى البئر وأخذت ترتفع..ثم ترتفع حتى غمرتني تماماً " ص11
وأعتقد أن القاص أراد أن يحيلنا إلى ثنائية الظهور والتواري ليعطينا مفتاح فهم الرمز لديه، ففي هذه للوحة أو الصورة المعتمة كل شيء إلى تواري واندثار واختفاء عدا الأفعى التي تلمع في ضوء الشمس الحاد كالسكين ( الأفعى مضاءة بالشمس _ العاشق مستغرق في ظلمة البئر ) وكل منهما يمارس كينونته بما هي حامل للوجه الصالح أو الطالح لخصيصة الحياة، إنها معادلة محدبة كبحيرة مقلوبة الأمواج..
في الحالة الطبيعية تكون الأفعى في الجحر تحت التراب والإنسان في النور فوق التراب لكنه في السطح وليس العمق والذي هو رحم مظلم خرج منه وإليه يعود. لكنه لن يعود سالماً ومعافى بل مبللاً بالدم ومغمور به: " والدماء تنفر منها وتتجمع لتسيل إلى البئر وأخذت ترتفع حتى غمرتني تماماً " ص11
بهذا المقطع المكثف ينجح القاص بسرد ما لا يحتمله السرد أو التأويل.
لنعاين الصورة ثانية وندقق في أجزائها: العاشق في الهاوية أو ظلمة البئر شاخص ببصره إلى الأعلى بينما المرأة وهي جسد يتأجج بالشهوة تسيل منها الدماء حتى تغمره تماماً، إذاً هناك مستويان:فوق السطح وتحته، قبل الباب وبعد الباب..
ماذا لو عكسنا الصورة والمشهد ؟ستصبح المرأة في البئر والرجل في السطح..وتضيع نكهة المشهد، أذاً هناك منطق فلسفي يرتب الأشياء داخل اللوحة ولا يمكن العبث بهذا الترتيب أو اللعب بإيقاعه.. هكذا تقول فلسفة السواد.
كتاب: صرخة فوق جدار الزمن
المؤلف: مصطفى الصوفي
الحركة الاجتماعية والمكانية في صرخة فوق جدار الزمن
*نزار بدور
صرخة فوق جدار الزمن مجموعة قصصية للقاص مصطفى الصوفي تضم عشر قصص يتصدرها عنوان لافت هو / صرخة فوق../ وما بين العنوان المباشر عرس فرح والموحي التوت الأحمر ليلة الزفاف / تترجح الحركة الاجتماعية لتكون الغاية المنشودة في مباشرة المرامي التي تفضي إلى هدف القص ومراميه، وقد غدا الواقع فضاء يجسده المكان المتمثل في أغلب القصص في الريف ضمن البعض من جزيئاته / البيدر في القصة الأولى قرية أم الغنم في التوت الأحمر المنزول في عرس فرح../
هذا الفضاء الذي يوسع من معطيات الفضاء القصص حيث يغدو ذاكرة فيها دور المبدع في المتح من معينها لتبث في شرايين النص القصصي، مادته الحديثة وتجليات دراما الحوار والصراع التي يبدو حاملها الموضوعي السرد طريقة وضمير الغائب في الأغلب وسيلة مع اجتهادات حوار متبادل على أن ضمير المتكلم يأخذ ذاتيته في سرد الأحداث التي تجلت بالحبكة بداية حيث العقاب / هوت العصا وشعرت بوخزه ألم مبرحة ثقبت أوصالي كالبرق / وهذا لا يجعله يشير إلى من قام بذلك لأنه دون الكثيرين يعرف السبب لذلك يقول: / لن أبوح باسمه سأدفنه تحت لساني المشلول، وأغطيه بجسدي الميت، وسأبقي اسم مديحة يتجلل في سراديب ذاكرتي ولن يعرف أحد ما كنا نفعله معاً على البيدر في عتمة الليل ...
فالبيدر حيث آمال الفلاحين بكومات الزرع ومكان لقائه بمديحة التي أوقعتها بشباكها وقد بسطت له غنجها ودلالها وقادته إلى حيث: لم أكن أفهم معنى أن أنفرد بفتاة بعيداً عن كل الناس وفي جوف العتمة ...
وعبر اللغة التصويرية المجازية الملحقة في الصوغ الإنساني ولا سيما في جنية الليل العاشقة تتراءى الفكرة بعد لمعات لتشكل نوا سطعا يضيء لوحة القصة، ويسمع دوي الصرخة فوق جدار الزمن الذي تمددت فيه العادات والتقاليد والنواميس بصرامة كلما قوي الكبت وألجمت النوازع، وضمن مسرح ترابي جاءت الزوايا الحادة لتحدد مكاناً بعيداً عن عيون الرقباء وزماناً هو عتمة الليل وفيضاً شعورياً جامحاً، وفظاعة في مواجهة قيم لا هوادة في مقاربتها. والنص في مداره الاجتماعي ولا سيما الشرقي لا ينجو، ولكن شرف العائلة طهره في غسله فكانت مديحة ضحية الحب والشبق والعادات مع المغامرة الخاسرة من حيث المشاعر والرغبات والتصادم من حيث ذات المحب حميد وأهل مديحة والتداخل الاجتماعي الذي لا يعرف تسامحاً في مجتمع ريفي تحكمه عادات أقوى من أغلال.
لكن هذه اللغة لا تجافي المباشرة في البوح بغية التأويل ففي جنبه الليل العاشقة / يقول: ( لم يجد جدي اليائس سوى الأموات يخيفنا بها... ولو بحث بين الأحياء لوجد خوفاً أكبر..)
فالقاص جعل من لغة المنولوج الداخلي في آلية الاسترجاع وسيلة لاستمطار الذاكرة لتجود بالنقلة النوعية من صناعة الأقدمين لمخاوفهم، وجعل الليل بطلاً يتحدى والذات تلميذاً يتدرب على مواجهة الخرافات وإسقاط المقدرة على الذات عبر فضاء الخيال ليكون النقد الاجتماعي عاكساً لقوة الخيال في مواجهة الحقيقة وما بعدها،
فالخوف في المقبرة هو دلالاتها وما بعد لكن في /جميل كان مختلفاً / تتلاحق الصور بأسلوب يجمع بين السخرية والتهكم مع إنقاذ العاطفة التي تعكس طيبة الإنسان وسذاجة جميل الذي لم ينس القاص دلالة الاسم الذي كان منه صاحبه مفلساً شكلاً ومضموناً وبواقعية تسجيلية فيها التفصيلات، والسخرية والإيقاع البطيء تجتمع الصور لتعلق على جدار صلب هو كجميل الشخصية المسطحة التي لم تكبر مع الأيام في وعيها للآخرين،
/ كان جميل يكبر ولكن يكبر وحده دون أن يكبر معه شيء ولم ينم في داخله شيء / فالحظ العاثر ، والتسكع والطرقات هي ملاعب عذابات جميل الذي في عمق بلاهته نجد بصيص حسن / تدبر/ لم ياجميل تحمل الشحاطات تحت إبطك وتترك الأولاد حفاة في الشارع ؟ !..أجابه إذا لبسها الأولاد يضيعونها أو تهترئ / إنه الفقر في العقل والحذر منه في الإمكانية.. هو المتوازي من حيث واقع المجتمع زمن الإقطاع كما في التوت الأحمر / حيث البعد الطبقي والخوف واغتيال الحب أمام أسطورة الأغا فالجواد الأبيض وفارس الأحلام / رحمو / لم يحققا شيئاً لزاهية / التي انشغلت بها ساحرات المعبد ليغسلن الغرفة ويغيرن الستائر والأغطية ويجهزن المعبد، لاستقبال عذراء جديد هي زاهية / فرحمو كان له الأمر لاحقاً لتجاوز الغابة، أهلها طوردوا كشحا عن الديار، وزاهية أضحت فتاة علقت على جدران الزمن الأبدي يردد صداها الشجر والتوت الأحمر و رحمو وضوء القمر فتبدو الشخصية المرسومة المهزومة للفرد والجماعة أمام جبروت الأغا وما يمثله فيأتي رجع الصدى جراحات لا تندمل يحتويها المكان ذاكرة حزينة، وقوة حاضرة تزدردها الأيام، ولا سيما تلك التي تجعدت على وجنات طافحة بالأماني لكنها جلدت بمآسي الأقوياء وتعاسة الظرف لم يتجاوز بساطتها في البوح بكل ما لديها مما أثار حفيظة عبدو أن يلقن ذلك الحمار درساً لم ينساه ولكن رغم فظاظته وجلفه كان يجسد ذاتياً حمية الأخ في تأكيد شرف العائلة فلذلك كان قاسياً على خديجة وموضوعياً العادات، ولكن ذلك لم يمنع عبدو أن يتفهم رغم امتعاضه من سالمة / مد يده إلى جيدها فخصلات شعرها وقد التمعت تحت ضوء أشعة القمر.. لف خصرها../
لقد جاءت القصص غنية بالألفاظ الطافحة بالرومانسية المشرقة الحاضنة لمجمل الانفعالات حتى لكأن بعضاً منها أزاهير تهدهدها نسائم البراعة في انفصالية المشاعر، وفصاحة الوصف و لا سيما عندما يأتي المكان متخيلاً فنياً ظهرت فيه ذات القاص في شمولية السرد والنسج والحبكة ويأتي قادراً على استنطاق ثنائية المكان والأفكار باللغة شاعرية تبدو فيها سطوة القاص في الإمساك بناصية النص، وما بين اللغة المبدعة، والخيال الوثاب، والحدث من وقائع الأيام وجدلية الصراع ووجع الإنسان يتداخل المكان حاضراً مع الليل غطاء يحضن الأحداث ويتوازى مع ضوء القمر كذات المبدع في متسع الجانب الرومانسي لتكون الحلول ولو على حساب البطل متمناة ولو أنها حزينة أو مهيضة الجناح فيجد ذلك المخزون في اللاشعور الذي جسدته الأبعاد النفسية للأشياء في حيثيات العمل القصصي، فالشخوص من شرنقة اجتماعية واحدة ماخلا بعضاً منها تعكس صدى الصراع بين القوي والضعيف والحركية الاجتماعية حيث الرغبة والجموح والسيطرة والاندفاع الطائش وراء الأهواء والاستسلام لها ومدى مخاطر ذلك مع رص دائم لما ورائيات لا تنسى، جمال الليل وقد سطع القمر وفضاء الحب وقد رعته الأيام، وأمنيات الحياة التي لهيبها نور يضيء كذلك المولود الذي / كان يخرج ببطئ وألم شديدين ليبدأ حياة جديدة فجدتها في وعيها الرحب ...