eKtab
EN ع
فوح الشذا ( أزاهير أردنية في الأدب والنقد )
اقرأ عينة مجانية

فوح الشذا ( أزاهير أردنية في الأدب والنقد )

بقلم د. يوسف بكار

صفحة 1

بسم الله الرحمن الرحيم
الكتاب وأزاهيره

فلقد استوحيتُ عنوان الكتاب من قول إبراهيم طوقان:

مثْل القولِ لا يؤيده الفعلُ

أزاهيرُ لا يفوح شذاها

وهو إضمامتا زهورٍ أردنيَّة من عبق رياض الأدب، شعره ونثره ونقده، نُضِّدت بعناية، بعد أن كانت شَعَاعاً، ليضوعَ فوحُ شذاها، فيعمُّ وينتشر.

الأولى، أربع دراسات شعريَّة: تُحلِّل الأولى آخر قصيدة «اليوم أدركك الأفولُ» للشاعر الراحل حبيب الزيودي، الذي نظمها قبل وفاته بيومين اثنين، وتميط اللِّثام عمَّا ينداح فيها من تحليق إبداعي فنِّي وومضات مضمونيَّة واقعيَّة تبرز جميعُها عناصرَ استمراره وتطوُّره وتجديده وجديده، في ضوء آفاقه المعرفيَّة والفنيَّة وأُطُره الشعريَّة، قديمها والحديث.

وتنهضُ الثانية على موضوعة «فلسطين» في الديوان الأول «على دروب الكفاح» للشاعر محمود الروسان، الذي شارك بنفسه، حين كان في سلك الجنديَّة، في حرب عام 1948، مما كان له أثره الكبير في ما في هذا الديوان من حماسة دفَّاقة وعواطف جيَّاشة تجاه فلسطين ونكبة أهلها.

فأمَّا الثالثة، فدراسةٌ تعريفيَّةٌ نقديَّةٌ قصيرةٌ لديوان «أُوشوشُ هذا الزُّقاق»، للشاعر طارق مكَّاوي، تكشف عن أظهر سماتِ بواكيره الشعريَّة.

أمَّا الأخيرةُ، فتلقي الضوءَ على قصيدةٍ ورسالةٍ مهمَّتين للشاعر والأديب والمربـِّي الراحل واصف الصليبي، كان قد وجَّهها عام 1945 إلى الأمير عبدالله بن الحسين، الذي لم يبخل عليه برسالة جوابيَّة. والصليبي يكاد يُنسى، علماً أنَّ له شعراً وعدداً من الدارسات والمقالات.

فأمَّا إضمامة الدراسات الأدبيَّة والنقديَّة فعمادها سبعٌ: عيسى الناعوري وعمر الخيَّام، من خلال خمسة أعمال يكاد أكثرها يكون منسيّاً؛ والمكان الأردني في أربع سِيَرٍ ذاتيَّة ومذكِّرات لعبدالمنعم الرِّفاعي وهزَّاع المجالي وعبدالسلام المجالي ومحمد نزّال العرموطي، ينصبُّ التركيز فيها على السلط وعمَّان والكرك في بداياتها جميعاً وكيف كانت؛ ودراسات نقديَّة لثلاثة كتب: «القصَّة القصيرة في فلسطين والأردن»، و«حركة النقد الأدبي الحديث في فلسطين» للدكتور هاشم ياغي، و«أبعاد العمليَّة الأدبيَّة» للدكتور عبدالرحمن ياغي؛ ودراستان تعريفيتان نقدّيتان: «الرؤى المستقبليّة لمجمع اللغة العربيّة الأردني» و«أدلّة المعلمين في الصفوف الأربعة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي في الأردن: الواقع والمأمول».

واللهَ أسألُ أن يديم فوح شذا الإبداعات الأردنيَّة في حدائق الأدب والفنون ورياضها الغنَّاءة كافة.. إنه سميعٌ مجيبٌ، وله الحمدُ والشكرُ آناءَ اللَّيل وأطراف النَّهار.

يوسف بكَّار

إربد 1/8/2014

صفحة 2

الإضمامة الأولى : الدراسات الشعريَّة
اليوم أدركك الأُفولُ

القصيدة الأخيرة لحبيب الزّيودي

مقاربة نصيَّة

(1)

فهذه القصيدة هي آخر ما نظمه الشاعر الأردني حبيب الزّيودي (1963- 2012)، إذ فرغ من نظمها قبل يومين اثنين من رحيله عن الفانية في 27/9/2012، ثمَّ بعث بها إلى صديقه الشاعر محمد سمحان، الذي أرسلها، بعد الوفاة، إلى صحيفة «العرب اليوم» الأردنيَّة، التي نشرتها يوم الأربعاء 31/10/2012 (ص38).

أُدوِّن القصيدة، هنا، كما نُشرت لأرصد، ما في مُكنتي، ما فيها من ظواهر في الفن والمحتوى، وأُميط اللِّثام عمَّا في ثناياها من تحليق إبداعي وومضات مضمونيَّة واقعيَّة وجد الشاعر نفسه في لُججِ أمواجها ولهيبِ أتونها، فلم يمِلْ بوجهه عنها ويهرب منها، بل وضع، وهو الذي مضى ونايه زائد ثُقْباً وعوده ناقص وتراً([1])، أصابعه في مواقدها كما كان يفعل بين الحين والحين علَّها تكشف جميعاً عن عناصر استمراره وتطوره وتجديده وجديده في مسيرته الشعريَّة، في ضوء آفاقه المعرفيَّة والفنيَّة، وأُطره الشعريَّة القديمة والحديثة. فقد كان شعاره «ليس بوسع المبدع أن يأتي بالجديد إلَّا إذا انغمس بالكامل في تراث أُمته القديم والمعاصر»([2]).

صفحة 3

(2)

سطّرْتُ سلمى في الكتاب وكان ينقصني الدليلُ

وطلبتُ سلمى في الرّكاب وطاوعَ المهرُ الجَفولُ

وصدفتُ سلمى في السّـراب وكنتُ أنْزف ما أقول

ويجول في بالي الجوابُ فصـرت أعزف ما يجولُ

البومُ ينعبُ بالخراب وأنت تُشْجيك المُحولُ

في ساعة جف التراب وأَهْلَك البيدَ الذُّبولُ

تزداد قبحًا يا غرابُ إذا نَعَتُّك يا جميلُ

لا سترُ ظلّ ولا حجابُ ولا حلالُ ولا حليلُ

وأطلّ في الأرض الخرابُ زهيرُ والكّلم الهطولُ

فبذرتُ سلمى في الترابِ وقلتُ تشهقها الحُقولُ

والبِيد والدِّمنُ اليبابُ بكتْ وشقّقها الرّحيلُ

وأصابَ في نُصْحي أصاب وقال يلْزَمُك العدولُ

والنّيلُ قد شقّ العُبابَ وصاح تحت الموج: زولوا

الشَّعْب يدعو فاستجابَ وروح مصْـرَ تئنُ نيل

معها عصا موسى وبابُ الله والظِّلُ الظَّليل

وبها محمدُ والكتاب وروح عيسى والبَتُول

هيهات تمنعك الحرابُ ولا تمْنعُك الخيولُ

تدعو النجاةَ ولا تُجاب اليومَ أدركك الأُفول

الماءُ يوصد كلّ باب فلا خروجُ ولا دخولُ

غرقتْ كنوزُك والثيابُ وأيُّ مالٍ لا يؤول

خَلِّ الهوى وذر الرّغاب أصابك الوَبْل الوبيل

والشعب حين يريد تَنْبجسُ العواصفُ والسيول

إنْ قال قولاً أنصتوا يا شانئيه ولا تقولوا

زحزحتُ ما حجب الغيابُ وقادني النجمُ الدليلُ

والبدرُ قد فلّ الشهابَ فنوّر الليلُ الطويلُ

قد مسّه غنْج الكَعَابِ فصبّ صرّنَه البخيلُ

والليل جرّ على الرّبابِ فأغلم الشيخُ الجليلُ

والخِصْب يمرَعُ في الشِّعابِ فيبطئ الظّبي العجولُ

كثّف غموضك يا ضبابُ أنا الرسالةُ والرسولُ

البيدُ عشّبتِ الذئاب بها فغمغمتِ الوعولُ

قطّرتُ سلمى في الشـّرابِ وقلتُ تُنْضجها الشّمولُ

ونطرْتُ سلمى في السحابِ فغبغب المطرُ الهمول

الشعب حين يريد تنهمر العواصف والسيولُ

إنْ قال قولًا أنصتوا يا سارقيهِ ولا تقولوا

صفحة 4

(3)

رأيتُ، لأنني من المؤمنين والآخذين بأنَّ لكلِّ مهيمنٍ نصِّيٍّ مهيمناً منهجيَّاً ذا أدوات وإجراءات نقديَّة خاصَّة، بعد أن أنعمتُ النظر في القصيدة بدِّقة وتأنٍّ وعجمت أركانها، ووضعت اليد على ظروف نظمها وما ينداح فيها من رؤىً؛ رأيت أن أقاربها وفقاً للمفاهيم النقديَّة الآتية:

أولاً، النأي عن مقولة «موت المؤلف»، وإن غدت إلى حدٍّ بعيد من الماضي حتى عند القائلين بها، لأن الشاعر نفسه يقول «أُؤمن أن كلَّ قصيدة أكتبها قطعة من حياتي. وكلَّ سطر نبضٌ من نبض روحي، وأن مصيري الشخصي هو مصير كتابتي. ولا يمكن أن أكتب إلَّا ما يستولي على وجداني وروحي»([3]).

ثانياً، التحام الممارستين الأدبيَّة والفنيَّة بالفضاء السياسي والاجتماعي لا انفصالُهما عنه، لكن ليس بآلية نظريَّة الانعكاس وحرفيتها الوثائقيَّة التوثيقيَّة([4]).

ثالثاً، مفهوم ما الأدب ولماذا الأدب معاً؟ ومفهوم الشمول النقدي «القصيدة بنية وحدث»، الذي كان يتبنَّاه إدوارد سعيد ويسير على نهجه.

أخيراً، مفهوم «الاستواء النفسي» بمعناه الذي يتيح للمبدع أن يتنقَّل بين ما يشاء من موضوعات الحياة ومناحيها، لا أن يحصر ذاته في دائرة مغلقة واحدة لا يخرج منها، كما كان يرى عددٌ من النقَّاد القدامى والمعاصرين، فضلاً عن صنوه مفهوم «الاستواء الفنيّ» بالمعنى الذي لا يطالب المبدع ولا يُتوقَّع منه، وأنَّى له هذا!، أن يظلَّ على مستوىً فنيٍّ واحدٍ لا في النص الواحد ولا العمل الواحد، ولا في أعماله كافة. ألم يقل محمود درويش: ليس من شاعرٍ كلُّ شعره جميل؟([5]).

صفحة 5

(4)

عنوان القصيدة «اليوم أدركك الأُفول»، سيماه العامَّة والخاصَّة واضحة وضوحاً يُغني عن أيِّ مزيد سوى ما في «اليوم» من حتميَّة وتأكيد. أليست «الألف واللام» فيها «عهديَّة حضوريَّة» كما يقول النحويُّون؟ فحبيب، شأن بعض الشعراء المعاصرين كإبراهيم طوقان مثلاً، كان يستشرف من قبل هذا الأفول واقتراب الأجل لاسيَّما في ديوانيه الأخيرين «منازل أهلي»([6]) و«غيم على العالوك»، وإلَّا فما معنى أن يقول في الأول (ص91) في وصيَّتة المبكِّرة «يا عميد البيت: إلى ولدي محمد»:

ويا ولدي سوف أمضي

فكن أملي في الحياة الذي أرتجيه

وإنْ أودتِ الرِّيح بي

دُقَّ وشْمي،

فأجمل شيء على هذه الأرضِ

أن يحمل المرءُ وشْمَ أبيه.

ولماذا قال في «غيم على العالوك» من قصيدته المهمَّة «عودي ناقصٌ وتراً: إلى تيسير سبول» الذي قضى منتحراً والذي خيِّل لحبيب، أو أنه هو أراد ذلك، أنه يقول له (ص16):

كيف تطيق هذا اللَّيل؟

خذها بغتةً في الرأس.

فأجابه:

ولكنِّي سليلُ القمحِ سوف أموتُ حين يجِفّ عشبُ الحقلِ تحت الشمس.

وقال من قصيدة «أنت في المقهى» (ص35):

أنت في المقهى، فقلْ ما فاتَ فات

واحترق وحدَك فالعمر يضيق.

كما قال من قصيدة «يا شمال» (ص49):

لم يَعُدْ في العمر ما يكفي لإغواء الغزالْ.

ومن قصيدة «في الليل» (ص113):

موسيقى ترنُّ

فليت أيامي ستكفيني

لأُتقن عزفها.

ومن قصيدة «إن الحياة جميلة» (ص125):

- إن الحياة جميلة

حتى ولو كانت تمدُّ (الأربعون) لسانها

- وحدي كنت في بريَّة الدُّنيا

ولكنَّ الرَّماد بلا عددِ،

كنْ راضياً يا قلبُ

إنَّ الرحلة (اقتربت)

فلا تجزع على أَحدِ.

صفحة 6

(5)

القصيدة، بدءاً، يتردَّد فيها، على اختلاف موضوعها، صدى جلجلةِ جَدِّهِ لِشِعْرِهِ أبي الطيب المتنبي في قصيدة على الرَّويِّ نفسه، لكن من بحر الخفيف، نظمها سنة 352هـ وهو في الكوفة في مدح سيف الدولة، وبعث بها إليه. مطلعها ([7]):

ما لنا كلُّنا جَوٍ يا رسولُ

أنا أهوى وقلبكَ المتبولُ([8])

ومنها الأبيات الثلاثة الدَّالة الآتية:

- وصِلينا نَصِلْك في هذه الدُّنيا

فإنَّ المُقامَ فيها قليلُ!

- وسوى الرُّوم خلف ظهرك رومٌ([9])

فعلى أيَّ جانبيك تميلُ؟

- نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ

أقصيرٌ طريقنا أم يطولُ؟([10])

ومن المصادفة الغريبة اللافتة أن المتنبي قُتل بعد عامين اثنين من نظمه هذه القصيدة، وأنَّ حبيباً توفي بعد يومين من نظم قصيدته!

صفحة 7

(6)

إذا ما أُبقي على القصيدة بالترتيب الذي نشرت به، وهي من بحر الكامل، لا يؤخذ قول الشاعر في «منازل أهلي» (ص64):

يجوز لنا لحظة الوجد

أن نكسر الوزن

أن نهمل القافية..

لا يؤخذ على حقيقته، بل يُعكس ويُفسَّر تحديّاً وانفكاكاً من ربقة الوزن وخروجاً عليه، خروجاً إيقاعيَّاً إيجابيَّاً إضافيَّاً جديداً، يُدرج في دائرة تحليق الشاعر البعيد الإبداعيَّة، وهو الذي كان الشعر عنده حالة أو حالات، ومزاجاً أو أمزجة، كما يقول في قصيدة «عندي مزاج» (غيم على العالوك، ص48):

حلِّق بعيداً فالمدى مفتوحْ

إذا أُبقي عليها تكون سبعة عشر بيتاً موشَّحة بتجديد عروضيٍّ موسيقيٍّ صاغ الشاعر فيه بحر الكامل من «ثماني» تفعيلات بدلاً من «ستٍّ». وقد نحا محمد مهدي الجواهري قبله هذا المنحى في مقطوعة من أربعة أبيات بعنوان «بغداد في الصَّباح»، نظمها على تفعيلة بحر الرَّمل «فاعلاتن - ٮ --» دون أن تكون لا من «التَّام» ولا من «المجزوء». بل جعل كلَّ بيت في «خمسٍ» من تفعيلاته أصليَّة ومزاحفة، خلافاً للمألوف المتعارف عليه، فقال ([11]):

صفَّقَ الدِّيكُ وقد زعزعه الفجرُ وألوى بالصَّباحِ

ومشى النُّور على الحقل وفوق الدَّربِ يُزْهى والبِطاحِ

آهِ ما أروعَ بغدادَ وأحلاها على ضوءِ الصَّباحِ

غسلتْ كفُّ السَّنا كلَّ الجراحات بها حتى جراحي

لعلَّ الجواهري، الذي عاش في إيران وكان يعرف الفارسيَّة، تأثر في هذا بالعروض الفارسيِّ، الذي لم يتقيَّد تقيُّداً كاملاً بالعروض العربي- وإن اتكأ عليه كثيراً- لا في الدوائر ولا في عدد التفاعيل في بعض البحور. فالبحر الكامل الذي نظم عليه الزّيودي قصيدته يأتي في العروض الفارسيِّ ثُمانيَّاً لا سُداسيَّاً، أي أربع تفعيلات في كلِّ شطر. وهو يندرج في ما أسموه «السلسلة الثامنة» بدلاً من «الدائرة» التي تتألف من «عشرين» مقطعاً، في حين أنها عند الخليل بن أحمد «خمسة عشر» مقطعاً ([12]).

وإذا ما أُبقي عليها، فإن فيها، كذلك، تجديداً موسيقيَّاً آخر خارجيَّاً، هو أنها «مصرَّعة» الأبيات كلّها. وهذا غير معهود، إلَّا في ندرة، في قصيدة كاملة من شعر الشطرين، قديماً وحديثاً، في ما أعلم.

فالقدماء كانوا يصرِّون على أن يُصرَّع «مطلع» القصيدة في الأكثر وإلَّا عُدَّ «مُصْمتاً» أو «مجمَّعاً»([13]). غير أن بعض الشعراء كانوا يُصرِّعون في غير المطلع. وقد عدَّ قدامة بن جعفر([14]) التصريع بكلِّ ضروبه «من اقتدار الشاعر وسعة بحره»، لأن «بنية الشعر إنما هي التسجيع والتقفية، فكلَّما كان الشعر أكثر اشتمالاً عليه كان أدخلَ في باب الشعر وأخرجَ له عن مذهب النثر». وأثنى على امرئ القيس فيه «لمحلِّه من الشعر»، وربما لأنه ركَّبه في مقطوعة «لاميَّة» كاملة في بحر الرَّجز، وأنه كان يعاوده في القصيدة الواحدة كما في «المعلقة»، وفي القصيدة «الرائيَّة» التي مطلعها([15]):

أحارِ بن عمروٍ كأنيَ خمِرْ

ويعدو على المرء ما يأتمرْ([16])

حيث صرَّع ثلاثةَ أبياتٍ أُخرى، حتى إن ابن سنان الخفاجي قال([17]) «إنه كان ممن يلهج به من المتقدمين». أمَّا المقطوعة اللاميَّة، فهي([18]):

يا لَهْفَ هِنْدٍ إذ خَطِئنَ كاهلا

القاتلين المَلِك الحُلا حِلا([19])

خيرَ معَدٍّ حسباً ونائلا

وخيرَهمْ قد علموا شمائلا

نحن جلبنا القُرَّحَ القوافلا

تالله لا يذهب شيخي باطلا([20])

يحْمِلْننا والأَسلَ النواهلا

وحيَّ صَعْبٍ والوشيجَ الذَّابلا([21])

مُسْتثفراتٍ بالحـصى جوافلا

يستـشرفُ الأواخِرُ الأَوائلا([22])

وصرَّع عنترة بن شدَّاد أبياتاً ثلاثة لا واحداً في مقدمة معلَّقته.

وتابع قدامةَ ابنُ رشيق القيرواني([23])، وابنُ سنان الخفاجي، وابنُ الأثير([24])، وإن احترزوا من كثرة التصريع في القصيدة الواحدة خشية التكلُّف إلَّا من القدماء.

اللافت المثير للدهشة أن ابن الأثير ألحقَ مقطوعة مصرَّعة، كالتي في قصيدة حبيب الزّيودي، لشاعر لم يسمِّه وعدَّها «من محاسن الصنعة»، ألحقها بِـ«لزوم ما لم يلزم» بحجَّة أن اللفظة الأخيرة مصغَّرة في كلِّ شطر.. المقطوعة هي:

عزَّ على ليلى بذي سُدَيْر

سوء مبيتي ليلة العُمَيْر([25])

مقبِّضاً نفـسي في طُمَيْر

تنتهز الرّعدة في ظُهَيْر([26])

يهفو إلى الزّوْر من صُديريَ

ظمآن في ريحٍ وفي مُطَيْر

وازِرَ قرٍّ ليس بالعُرير

من لدُ ما ظَهْرٍ إلى سُحَيْر([27])

حتى بدت لي جبهة القُمَيْر

لأربعٍ خَلوْن من شُحيْر

أمَّا في الشعر الحديث، فركب هذا الضرب من التصريع غير مرَّة في القصيدة الواحدة، مثلاً، الشاعر العراقي عبدالرزاق عبدالواحد في الثلاثة الأبيات الأولى من قصيدته المشهورة «يا صبر أيوب» برويِّ اللام المضموم (1992)، فقال([28]):

قالوا وظلَّ ولم تشعر به الإبلُ

يمشـي وحاديه يحدو وهو يحتملُ

ومخرز الموت في جنبيه ينتشلُ

حتى أناخ بباب الدَّار إذ وصلوا

وعندما أبصروا فيضَ الدِّما جَفَلوا

صبرَ العراقِ صبورٌ أنت يا جمَلُ

وركبته، كذلك، الشاعرةُ المغربيةُ أمينة المرّيني في البيتين الأوَّلين من قصيدتها (ترانيم عند مقام «الهو»)، فقالت([29]):

النُّور هو وفي الأنفاس عسجدُهُ

والنَّار هو وكم يُرْضي توقُّده

والماء هو وروح الصبِّ مورده

والنَّسم هو ومن نفسـي تنهُّده

مهما يكن الأمر، فإن تصريع القصيدة كاملة يشي باقتدار الشاعر وسعة معجمه اللغويِّ، وهو ما يذكِّر، في جانب آخر، بصنيع أبي العلاء المعريِّ في «لزوم ما لا يلزم» الذي ابتدعه متعمِّداً، لعاملٍ تعويضيٍّ نفسيٍّ، وكاد ينفرد به، وإن جاء عَرَضاً عند نفرٍ من الشُّعراء قبله.

صفحة 8

(7)

إمَّا إذا عددنا أبيات القصيدة أربعة وثلاثين (34) تكون من مجزوء بحر الكامل لا تامِّهِ. حينئذٍ يفارقها التجديد الفني ويعتريها ما يؤخذ على الشاعر فيها، لأنها، والحال هذه، مدوَّرة أبياتها إلاَّ الأخير. والتدوير في الشعر الشطري، في عيار القدماء، ليس مُستحبَّاً في نصوص كاملة لا في البحور التامَّة ولا المجزوءات، ولا ينضوي في عِداد الاقتدار الشعري للشاعر.

لولا هذا التدوير بجعل «الباء» في «العَجُز» من كلِّ بيت، سوى البيتين الأخيرين، لعُدَّت القصيدة من قالب «المثنيَّات» البدوي المنشأ في الشعر «النبطيِّ»؛ وهو الذي تكون فيه «صدور» الأبيات كلُّها، مهما يكن عددها، على رويٍّ واحد، وتكون «الأعجاز» على رويٍّ آخر مختلف([30]).

صفحة 9

(8)

أمَّا عمَّا في القصيدة من مزاوجة بين الشكل والمضمون، فإنه يُفضي إلى أن حبيباً، الذي نظم على قالبي الشطرين والتفعيلي، يتسوَّر، شأن بعض الشعراء المعاصرين من مثل نزار قباني وعبدالرزاق عبدالواحد وحيدر محمود، قالبَ الشَّطرين إذا ما رغب في أن يتَّجه إلى «الجمهور» مستنهضاً ومؤثراً ومخترقاً وربما محرِّضاً، فالشعر الشطري هو الأنسب ([31])؛ لأن الشاعر الحديث أضاع- في الأغلب- كما يقول نزار قباني([32]) «عنوان الجمهور، فهو يقف في قارَّة والنَّاس يقفون في قارَّة أُخرى».

نظم الزّيودي قصيدته تحت وطأة مخاض عربي غير معهود، لـمَّا تتمخَّضْ غاياته وتتحقَّقْ أهدافه، مدفوعاً بحبِّ الوطن والانغماس في همومه وهموم الملَّة كلِّها التي ما أكثر ما تمثَّلها وباح بها في شعره، وقاتلت قصائده في سبيلها([33]):

إنَّ من حقِّ القصائد أن تقاتلَ

عندما يتخاذل الفرسانُ.

وعلى القصائد أن تُعِزَّ الأرضَ

إنْ ذلُّوا وهانوا

لقد فزع، بداية. إلى «سلمى» في البيتين الأوَّلين حيث «سطَّرها في الكتاب دون دليل»، و«طلبها في الرِّكاب» فأجابت طلبته، و«صدفها في السَّراب»؛ وهو ينزف قولاً وجوابه حاضر حضوراً موارباً لعلَّه يكون أبلغ من البوح المباشر والجهر الصُّراح، فراح «يعزف»، ويا له من عزف، بما عليه الأحوال عامة، عزفاً حزيناً على نعيب البوم بالخراب والمَحْل والجفاف والذُّبول، وعلى نعيق الغراب الذي يظلُّ، وإن نُعِتَ بالجميل!، قبيحاً ونذير شؤم لا ينذر بغير رفع السُّتر والحُجُب عن المعاناة وسوء الحال والتردِّي والفساد وتحريم الحلال وتحليل الحرام.

«سلمى» في القصيدة هي المحور والبؤرة. فمن أو ما هي سلمى هذه؟ لقد جُسْتُ خلال شعر حبيبٍ كلِّه فوجدته قد ذكرها مرَّة يتيمة على الحقيقة وليس مجازاً أو قناعاً في قصيدة «بيت بعيد في الضَّباب»، فقال([34]):

والآن وحدَك في ضباب الأربعينْ

ولم تَعُدْ سلمى هناك ولا ربابْ

ليست «سلمى» القصيدة الأخيرة من هذا الضَّرب، ولا من ضرب «سلمى» إيليا أبي ماضي، وهي أُمُّه، في قصيدة «المساء»([35]):

والبحر ساجٍ صامتٌ فيه خشوع الزَّاهدينْ

لكنَّما عيناك باهتتان في الأُفْقِ البعيدْ!

سلمى بماذا تفْكُرينْ؟

سلمى بماذا تحلُمينْ؟

قد تكون «سلمى» حبيبٍ حلماً ورمزَ «نهوض» أو «هبّة» أو «حَراكاً» عربياً عاماً متعدَّدة أماكنُه، متقاربة أزمانُه، لاسيَّما أنه هو ذاته أنَّثَ، مثلاً «هبَّة نيسانٍ 1989» دون أن يرمز إليها باسم أيِّ امرأة، وخاطبها بالغالية في قصيدة «أقمار نيسان»([36]):

 

لماذا تأخَّرتِ أيتها الغاليهْ


 

وضيَّعْتِ كلَّ المواعيدْ


 

بيني وبينك أُغنيتانِ


 

وشوقٌ قديمٌ،

 

وشعبٌ يغنِّي المواويلَ للشُّهداء الذين ثَوَوْا في الترابِ

أوَ لم يسطِّرها في الكتاب شعراً؟ لكنه حين طلبها في الرّكاب استجابت، وحين تخيَّلها سراباً فاضت مخيِّلته فيضاناً موارباً بتداعيات الحال وما يتلاطم في جنباتها من ويلات دون أن يشرح أو يفصِّل، فبذرها في التراب عسى أن تنبت، من جديد، ثمراً جنيَّاً؛ ولم يجأر جأرَ أبي العتاهية في العصر العباسيِّ الذي ما أكثر ما نُعِتَ بالتَّرف واللَّهو والمجون، وما كان كلُّه كذلك([37]):

إني أرى الأسعارَ أسـ

ـعار الرَّعيَّة غاليهْ

وأرى المكاسبَ نَزْرةً

وأرى الضَّـرورةَ فاشيهْ

وأرى غمومَ الدَّهر را

ئحةً تمُرُّ وغاديهْ

وأرى المراضعَ فيه عن

أولادها متجافيهْ

وأرى اليتامى والأرا

ملَ في البيوت الخاليهْ

يشكون مجْهدةً بأصـ

ـواتٍ ضِعافٍ عاليهْ

مَنْ يُرْتجى لدْفع كر

بِ مُلمَّةٍ هي ما هيهْ؟!

مَنْ للبطونِ الجائعا

تِ وللجسومِ العاريهْ؟!

ونبت الغرس، وانقلب السِّحر بصيحة «النيل» التشخيصيَّة «وصاح تحت الموج»، والاستجابة الفوريَّة العامة لها؛ فانقلب المشهد مُوشَّىً باستدعاءات دينيَّة «باب الله وكتابه القرآن الكريم»، و«محمد» (ص)، و«عصا موسى»، و«روح عيسى وأُمُّه البتول»، دونما صادٍّ أو كابح جماح: «هيهات تمنعُكَ الحرابُ»، و«لا تَمْنَعُك الخيولُ». لقد انطلق حصان الشَّعب، فسُدَّت أبواب النجاة من كلِّ صوبٍ في وجه البُغاة والطُّغاة والظَّلمة الفاسدين، فلا خروج ولا هروب، ولا أموالَ، ولا ملاذَ بعد الآن.

وانطلق حبيب مع حصان الشعب بامتطاء صهوة جواد أبي القاسم الشَّابي، الذي ساقته إليه مخيِّلته الوقَّادة وما جرى في تونس الخضراء، فجادت:

والشَّعبُ حين يريدُ تنبجسُ العواصِفُ والسُّيولُ

إن قال قولاً أنصتوا يا شانئيه ولا تقولوا

وأعاد «النغمة» عينها بأسلوب «إطنابٍ» تكراريٍّ تأكيديٍّ في مقطع القصيدة، مستبدلاً استبدال تقوية وتأكيد لفظة «تنهْمر» الأقوى تدفقاً بـ«تنبجس»، ولفظة «سارقيه» بـ«شانيئه»، لأنها أدلُّ في التعبير عن أعداء الشعوب وسارقي مقدَّراتهم! مستدعياً شعار الشَّابي الذي ودَّع الحياة وعمره لا يزيد على نصف عمره هو! فمضى الشَّابي وظلَّ شعاره خالداً:

إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة

فلا بدَّ أن يستجيب القَدَرْ

ولا بدَّ للَّيل أن ينجلي

ولا بدَّ للقيْد أن ينكـسرْ

وتنفَّس حبيب الصُّعداء، وآتت الانطلاقاتُ بعضَ أُكلها التي راح يتلوها متِّخذاً من الصُّور التشخيصيَّة ملاذاً فنيَّاً: «قاده النجم الدليل» و«اللَّيل جرَّ على الرَّباب». ثم عاد إلى «سلمى» فقطَّرها مستريحاً في الشَّراب مترقِّباً أن تنضجها الشَّمول سحابةً، فتحققت الرؤيا والرؤية، فجادت مطراً غزيراً.

إن حبيب الزّيودي ليس بجديد على هذا النمط من القصائد التي تمثِّل الوجه الآخر من الولاء والمحبَّة للوطن والأمة جمعاء والتصاقه بهما أيـَّما التصاق. إنه في هذا كمصطفى وهبي التل (عِرار) وليّ نعمته الشعرية الذي التمس منه حبيب أن يبعد غمامه عن حقوله، لأنه أضحى «تهاميَّاً» ووالده «نجديَّاً» في قصيدته المشهورة «مئوية عِرار»([38])، لكن أنَّى له هذا؟!

فكما كان نزار قبّاني متعباً بعروبته كما تبدَّى جليَّاً في قوله من قصيدة «أنا يا صديقة متعبٌ بعروبتي([39])»:

أنا يا صديقة متعبٌ بعروبتي

فهل العروبةُ لعنةٌ وعقابُ؟!

أنا متعبٌ ودفاتري تعبت معي

هل للدَّفاتر يا تُرى أعصابُ؟!

حزني بنفسجة يبلِّلها النَّدى

وضفافُ جرحي روضةٌ مِعْشابُ

لا تعذليني إن كشفتُ مواجعي

وجهُ الحقيقة ما عليه نقابُ!

من أين يأتي الشِّعر حين نهارُنا

قمعٌ وحين مساؤنا إرهابُ؟!

سرقوا أصابعنا وعطرَ حروفنا

فبأيِّ شيءٍ يكتبُ الكُتَّابُ؟!

كان حبيب متعباً بأحزانه وقهره وما يتناثر من حوله، وما أقسى الغربة في الوطن([40]):

وأشتهي وطناً يُقاسمني عذابي

هل تفهمين الآن حزني واغترابي؟!

إن اللُّصوص يوزِّعون على بناتِ اللَّيل أحلامَ المؤابي!

سرقوا النَّهار الطِّفل باسم الانتماء إلى التُّرابِ

سرقوا بيادرَنا وشَعْرَ بناتنا

وتآمروا ليلاً على الشُّهداء باسم الانتماء إلى الترابِ

هل تفهمين الآن حزني واغترابي؟!

ويلاه من أُمٍّ يُباع حليبها

والجوعُ يشبع من بنيها!

هكذا توأمَ حبيب توأمةَ مفارقةٍ وتقريرٍ بين «الانزياح» في اللُّغة و«تفجيرها» أو «تثويرها» بتصوير يشفُّ عن قمة المأساة والمعاناة لا يُفزع إليه إلاَّ في الجأر بالمثير والمدهش وغير العاديِّ. وهو يكاد يضاهي ما سبقه إليه خليل مطران في قوله في بطلة مُطوَّلته «الجنين الشَّهيد»([41]):

وكم ضاجع الجوعُ الأثيم بهاءَها

فقبَّلها حتى أجفَّ دماءها!

صفحة 10

فلسطين في ديوان «على دروب الكفاح»

لمحمود الرّوسان[(]

محمود الروسان([42]) شاعر أردني يمكن عدُّه من شعراء الحماسة، أو من الشعراء الفرسان كالشاعر محمود سامي البارودي، والأمير عادل أرسلان. كرَّس أكثر من نصف ديوان شعره الأول «على دروب الكفاح» لفلسطين ونكبة فلسطين، ولم ينسَ العرب في شتى أقطارهم؛ فلا عجب، إذاً، أن يسير على غير درب، ولا عجب أيضاً أن تكون حماسته متدفقة وعاطفته قوية جيَّاشة تجاه فلسطين ونكبة أهلها بعد أن شارك بنفسه في الحرب الفلسطينية عام 1948 في معارك «باب الواد واللّطرون»([43])، التي كان لها أكبر الأثر في نفسه، وهي نفسها التي أوحت له بهذا الشعر المتدفق وجعلته يشدو به. يقول([44]):

«لطرون» أروع فتحة بل صرخة العزم اللجوب

لولاك أنت لما شدوت وُجْدتُ بالشعر الخصيب

فلأنت مفخرة الحروب، وجذوة الثأر المصيب

والشاعر، إلى جانب هذا، مؤمن بمبدأ وعقيدة يعمل بوحيٍ منهما، يقول (ص51):

ما العمر إلاَّ مبدأ وعقيدة من عند واح([45])

والعمر لا يحلو إذا ما زانه طول الكفاح

وإذا ما حاولنا أن نطبِّق إيمان الشاعر في ما يذهب إليه على قضية فلسطين، نجد شعراً حيَّاً ينبض بالصدق والعاطفة، ويصور مختلف أبعاد القضيَّة الفلسطينيَّة. ينقلنا الشاعر في ديوانه من موضوع إلى آخر، ويعبِّر في كلِّ موضوع عن نفسية عاصرت النكبة وشهدت أحداثها وشاركت فيها.

أول ما نشير إليه منزلة فلسطين عند الشاعر، فهي قلب العرب، وهي أمه وأبوه (ص92):

ما فلسطين سوى قلب العربْ

وهي نجمٌ وضياءٌ ما احتجبْ

وهي عندي يا أخي أمٌّ وأبْ

ويذهب إلى أكثر من هذا حين يقول إنها قسمه بعد قرآنه (ص96):

في فؤادي من فلسطين نغَمْ....

وهي عندي بعد «قرآني» قسمْ

وأما أهل فلسطين فهم أهله وصحبه ورفاقه (ص93):

إنهم أهلي وصحبي والرِّفاقْ

في كهوفٍ وخيامٍ لا تُطاقْ

إنَّه الشَّعبُ وفي الشَّعبِ احتراقْ

وينتقل الشاعر إلى موضوع آخر، فيتحدث عمَّن هم الصهاينة وعمَّا فعلوه بفلسطين وأهلها، وما ارتكبوه من جرائم الاستباحة والإفناء (ص80):

هم حثالاتُ شعوبٍ شُرِّدت

وبقايا طُغمةٍ صارت ذئابا

سكنوا بيتي وبستاني الذي

ضمَّ أمي وأبي والجدَّ شابا

واستباحوا حرمةَ الدار وفي

ساحها أفنوا بلا عطفٍ رقابا

وأماطوا عن خفايا قصدهم

حينما انقادوا، لثاماً ونقابا

ويقول (ص117):

طغمةٌ من قوم «صهيون» طغت

وهي ضمَّت كلَّ غدَّار عنيد

وسبتنا موطناً عشنا له

وتراثاً صانه عزم الجدود

ورعيناه، وفي أحضانه

كم تغنينا، وجُدْنا بالقصيد

ويرى الشاعرُ، واثقاً مطمئناً، أن إسرائيل ليست وحدها في الميدان، إنما الاستعمار كله يساعدها ويقف إلى جانبها (ص102):

إن كان صهيون في التاريخ محتقراً

وضلّ في القفر في بيداء كفرانِ

فتلك يا صاحِ أمريكا له سندٌ

وتلك باريس في العدوان برهاني

وتلك لندن من أحقادها هرعت

في البر والبحر، في أجواء شرياني

وفي قصيدة «في ذكرى التقسيم» ما يثير حماسة القارئ، ويؤجِّج نار الحقد في صدره، ففي هذه الذكرى المشؤومة التي تحلُّ في كلِّ عام صور ومآسٍ جمَّة من خزي وعار وجراح وخيام (ص176):

قيل ذكرى، قلت في الذكرى البلاء

وبها خزيٌ، وعارٌ واعتداء

واقتطاعٌ من تراث الأنبياء

وحطامٌ وخيامٌ واستياء

وشجونٌ وتأسٍّ وفناء...

غير أن هذه الذكرى- على ما فيها من ألم ولوعة- دعوة نداء مجلجلة وحافز ثأر قوي، وصوت هادر يدعو الأوفياء لطرد الدخلاء، ويستصرخ الأمة لبذل الغالي والنفيس وتقديم الأرواح قرابينَ فداءً لفلسطين:

قيل ذكرى، قلت في الذكرى النداء...

وهي صوت الحقِّ يدعو الأوفياء

إنها تدعو لطرد الدُّخلاء

وتنادي أمةً تهوى الفداء

ولا ينسى الشاعر في هذه القصيدة «وعد بلفور» المشؤوم فيقول:

إيه «بلفور» يا وعد العداء

يا رحى الشؤم بأرضي والسماء

وتقود الحماسة واللوعة الشاعر إلى أن يعبِّر عمَّا في هذه الذكرى من ألم واعتداء، مندِّداً بموقف «هيئة الأمم المتحدة» من قضية فلسطين (ص181):

عادت الذكرى وفي الذكرى ألمْ

وانتهاكٌ للأماني.. للقيمْ

واعتداءٌ صارخٌ مرٌّ ودمْ

وانتقامٌ أنطقَ الصخرَ الأصمْ

صاغه الغدرُ وغنَّته الأممْ

قررته هيئة منذ القدمْ...

هيئة قد أُجِّرت فيها الذِّممْ

هيئة الوهم وبرهان النِّقمْ

خيَّم الحقدُ عليها واحتدمْ

وبها العدلُ تلاشى وانعدمْ

وشكا الحقُّ وأغضـى وانهزمْ

ولم ينسَ «مجلس الأمن» الذي نعته بما يستحق:

مجلسَ الأمنِ دع الشكوى ونمْ

وتأدب.. أو تراجع في ندمْ

أنت حُكِّمت ويا بئسَ الحكمْ!

أنت إجحافٌ ومسخٌ ونهمْ

أنت فأسٌ بيد الباغي القزمْ

وسلاحٌ في ميادين التُّهمْ

كل هذه المآسي والذكريات التي رددها الشاعر بنغم حزين مؤثر وبنفس ثائرة مؤمنة تجعله يضيق ذرعاً ويجأر بأعلى صوته (ص194):

وضاق الكون من سقمي وحزني

وجرحي ليس ينفعه الضُّمادُ

فلا هند المليحة لي دواءٌ

ولا ليلى الحسان ولا سعادُ

سباني المجرمون حصاد زرعي

وفردوساً يحرِّرها الجهادُ

فلا الهيئات تحفظ لي حقوقاً

ولا الأنَّاتُ يبرئها الرُّقادُ

ويتساءل الشاعر بغضب ونقمة، ولسان حاله يقول: إلامَ هذا الهوان؟ وإلى متى نبقى مشردين تظلِّلنا الخيام؟! أما لهذا الليل من آخر؟ أما آن لليل أن ينجلي وللقيد أن ينكسر؟ يقول:

فهل نبقى تظلِّلنا خيامٌ

وفي «يافا» قصورهمُ تُشادُ!

و«حيفا» أصبحت للغدر بيتاً

وأعدانا على الميناء سادوا

ونحن الكهف مسكننا وفيه

يُنهنهُنا بمسكننا الحيادُ

ومليونٌ من الأرواح منَّا

على جمر الغضا نزلوا وشادوا

إن الشاعر الروسان، كما يبدو من شعره، من الدُّعاة الأوائل لتحرير فلسطين، وصوته لا ينفكُّ يرتفع عالياً في كلِّ قصيدة يذكِّر بدنوِّ موعد الثأر، ويدعو إلى تجديد العزم لتخليص فلسطين (ص3):

يا رجالات اعملوا

واستعدوا بشممْ

واجعلوا العليا لكم

كلما الخطبُ ألمْ

ها هو النور بدا

وبه خافي الحكمْ

موعد الثأر دنا

وتهاوى من ظلمْ

يا أخي يا ابن الفدا

يا رفيقي لا تنمْ

ويقول من قصيدة أخرى (ص91):

يا بني العُرب وآساد البطاح

يا حماة الدَّار، والحق الصُّراح

هتف الداعي ونادانا السلاح

ويقول (ص91):

جدِّدوا العزمَ على مرِّ الدهور

واستمدوا الحزم من ماضي العصور

وادفعوا للثأر فرساناً تثور

ويرحِّب الشاعر في قصيدة «كيف ننسى» بالموت من أجل الوطن ما دامت العلياء فيه السببا (ص92):

مرحباً بالموت من أجل الوطنْ

عند خط النَّار في أحلى سكنْ

كما أنه مؤمن بالجولة الثانية على وهاد فلسطين في موعد قريب يكون فيه النصر المؤزر الأكيد وانتصار الحق على الباطل، فهو مؤمن بأن (ص26):

لا بدَّ من نار ونور

لا بدَّ من أُسد تثورْ

لا بدَّ من نار ونور

تجتثُّ فلسفة الغرور

وتفت ما ارتكب الفجور

وغداً ستنطلق النسور

لتحقِّق الأمل الكبير

هذه هي الجوانب البارزة المتصلة بفلسطين التي عالجها الشاعر الروسان في «على دروب الكفاح»، والأمثلة عليها كثيرة، غير أنني آثرتُ ألَّا أورد منها إلاَّ ما يفي بالغرض. ولا يفوتني أن أشير إلى أن في الديوان قصيدة طويلة يمكن إدخالها في باب المطولات، عنوانها «أعوام النَّكبة، ص134-150» استعرض فيها الشاعر أعوام نكبة فلسطين السبعة عشر (1948-1964) واحداً واحداً، وهي وحدها جديرة بالدَّرس والتحليل، لكنها في مضمونها العام لا تخرج عمَّا رصدتُه من شعر الرجل في فلسطين.