eKtab
EN ع
فراغ مليء
اقرأ عينة مجانية

فراغ مليء

بقلم محمد خضير

صفحة 1

فتاةٌ مِنْ طُوباس

السبت، 3 شباط، 2007- أبو ظبي
دَعونا نطوِ ما بَقِيَ لَنا مِنْ سجلِّ رجولةٍ مُفْعَمٍ بالآثامِ، وَنَختَبِئْ خَلْفَ سِتـارِ رُجولةٍ متهتّكٍ أَمَلاً بنَجاةٍ أخيرةٍ تُنْقِذُنا مِنْ ذاتِنـا النّاقِصَةِ، ومِنْ بقايا أزلامٍ يتّشِحونَ ببنادقَ تُطلِقُ للخَلفِ، وحرّاسٍ للسجّادِ الأحمرِ خوفًا من رائحةِ انقلابٍ تَلوحُ بالأفقِ!.
ففي ذات اللَّحظةِ: تَخْرُجُ مِنْ أنْقاضِنا فتاةٌ مفعَمَةٌ بالأحلامِ، اقتصَرَ حُلُمُها علىَ عَمَلٍ بطوليٍّ قادَها للمجدِ ولِلفَخَارِ، وقادَنا نحنُ المتخاذلينَ إلى دَرَكٍ أسْفَلَ مما نَظُنُّ ونَدّعي. فتاةٌ عُمْرُها تسعةَ عشرَ ربيعًا، وقَلبٌ غَضٌّ، فضَّلتْ تُرابَ الأرضِ على حِنّاءِ العُرْسِ، وأقسَمَتْ على ذاتِ الشّوكةِ والجِهادِ فكانتْ عَروسَ فِلِسْطِينَ.
غادرتْ بيتَها للمرَّةِ الأخيرةِ باتِجاهِ العَفّولَةِ، وهي تَحْمِلُ في قلبها حُبًّا لنا جميعًا، وحبًّا للَّهِ خَالِقِها.
في الساعةِ 17:20 مِنْ ظُهرِ يومِ (الاثنين) 19- 5 - 2003 كانتْ المجُاهِدَةُ هبةُ على المدخلِ الشرقيِّ لمجمّعِ (هعمكيم) التجاريِّ في مدينةِ العفّولةِ الأسيرةِ.
مَضَتْ بِخُطُواتٍ ثابتةٍ، ورِسالةٍ ما كانت لِتُفْصِحَ عنها إلا عَبْرَ دويٍّ يهُزُّ أركانَ الحناجِرِ! وهناكَ تفجَّرَ الجَسَدُ اليانعُ غَضَبًا علينا، وتبعثرتْ أشلاءُ جنودٍ صَهَاينةٍ، كانوا قابعينَ فوقَ صَمْتِنا وتَخاذُلِنا... لكنْ يبقى السّؤالُ الجاثِمُ على صَدري: لماذا تسيُر فتاةٌ بعمرِ الزّهورِ إلى حَتْفِها طواعيَةً، ونحنُ نهربُ من موتٍ قريبٍ مُلْتصِقٍ بنا داخلَ غُرَفِ الصّمتِ والسّلام؟؟!
صَوْبَ العفّولةِ
والرحلةُ الأخيرةُ:
أنوثةٌ غَضّةٌ
وحُلمٌ بِعُمُرِ الوردِ
قدْ حانَ القطافُ
والوَردُ على آخِرِ رَمَقٍ،
يأتي الموتُ سريعًا
صوبَ الطفولةِ!
فَخُذيني حِزَامًا ناسِفًا
وقُنْبُلَةَ حزنٍ عليكِ،
.. قنبلةَ حزنٍ علينا!
وخذيني طلقةً خجولةً.
هِبَةُ اللَّهِ أنتِ
وقنبلةٌ موقوتةٌ
فانفجري على صَمْتِ الرّصاصِ،
أيَا حُلُمَ طوباسَ *
خذيني أشهدُ اللَّحظةَ الأولى،
وخذيني أُلملِمُ جَمالَكِ
قد نَضِجَ الوردُ..
وحانَ القِطافُ.
فاحملي متاعَكِ
والنَّظْرةَ الأَخيرةَ.
ابتسامةٌ خَلْفَ النّقابِ...
وقَلْبٌ يتسّعُ لنا جميعًا...
يتسّعُ لِحُبِّ اللهِ..
وحبِّ فِلِسطِينَ
يتّسعُ لأُنوثَتِنَا والفُحُولِةْ!
هناكَ: على بُعدِ دَمْعَتينْ
تَبَعْثَرَ الجَسَدُ الغَضُّ
فتمايلَ الإسفلتُ طَرَبًا بالعفّولةِ
وذَبُلَ الوَرْدُ حُزْنًا علينا،
يا هِبَةَ اللَّهِ اعْذُرينا ،
فليسَ ثَمَّةَ نَقْصٌ بالسِّلاحِ
لكنَّهُ النّقصُ في تَمامِ الرُّجولةْ.
*طوباس: مدينة في شمال فلسطين المحتلَّة، وهي مسقط رأس الشهيدة هبه عازم خضير دراغمة.
صفحة 2

انتفض

الأربعاء، 17 تشرين الأول، 2007- أبو ظبي
قد لا يُعْجِبُكَ ما أنتَ فيهِ... وقد لا يعجِبُني أنَّني أَنـا!
من هنا تمرّدْ على ما تَملكُ مِنْ ضعفٍ وهوانٍ، واحمِلْ نفسَكَ على المُضيِّ باتّجاهٍ آخرَ، وارفضْ مِنْ يُمْلونَ عليكَ تراتيبَ حياتِكَ، وَحْدَكَ مَنْ يسَتطيعُ قَطْفَ الثّمارِ؛ حينَ تكونُ وحيدًا في مهبِّ الشّجَرِ، ووَحْدَكَ مَنْ يَستطيعُ الرّسمَ؛ حينَ تَمْلِكُ الألوانَ.. والحدَثَ.
فانتفِضْ على صَمْتِكَ بكلامٍ مُباحٍ، واكْسِرْ حاجزَ الزَّهوِ والاعتدادِ في ذاتِكَ، حتّى تمضيَ نَحْوَ مَنْ يُحِبُّكَ، واركضْ ما استطعتَ نَحْوَ مُستحيلِكَ، فهناكَ سيضيءُ لك القمرُ بألوانٍ لا تعرِفُها، ولا أعرِفُها، وسَتَشدو لكَ الأيّامُ لحنَ رجوعِكَ الأخيرِ إلى ذاتكَ، فانتفِضْ: هناكَ مَنْ يلوّثونَ هواءَكَ، ومَنْ يملكونَ أوطانًا ولا تملكُ أنتَ جوازَ سَفَرٍ! ومَنْ هُم قادِرونَ على اغتيالِ ابتساماتِكَ.. هناكَ مَنْ يَجْلِسُ فوقَ رأسِكَ يَخْطَفُ أحلامَكَ، ويتغنّى أنّهُ قادِرٌ عَليكَ.. فانتفِضْ على مَنْ يسومونَكَ سوءَ العذابِ وأنتَ لا تعلمُ! انتفِضْ: فهناكَ مَنْ يترصّدُ مَوتَكَ الآتيَ، ويَنْصُبُ لكَ شِراكَ الوِحدةِ فِي القبرِ، هناكَ مَنْ يُتْقِنُ دَوْرَ المحِبِّ وهو أَلَدُّ الخِصامِ... ومَنْ يُحبُّكَ لفَشَلِكَ وانكِساراتِكَ.
قد آن لكَ أنْ تَنْتفِضَ على مَنْ أنا منْهُم ..
انتفِضْ..
على ذاتِ الجُرْحِ
انتفِضْ علينا،
خَزَّانُ حُزْنِكَ المملوءُ بِنا:
قَدْ كَبُرَ وشاخَ؛
فانتفضْ
على ما تَبَقَّى منْ عُمُرِكَ
.. ما تَبَقَّى مِن مَوتِنَا،
انتفضْ.
عصافيرُ الصَّباحِ تَمَرَّدتْ
والمخيّمُ يَشْدُو مِنْ غَيْرِ فَرحْ
وعُلْبَةُ الألوانِ تمرََّدَتْ
غَضبًا على قوسِ قُزَحْ،
فاغضَبْ مثلَنا.
صفحة 3
طوابيرُ الصّباحِ
والجُبْنُ يُطِلُّ مِنْ بَاقي الرَّغيفِ
وتَلامِذَةُ العِشْقِ
يُطِلُّونَ مِنْ نَافِذَتِي
قَمَرًا ومناديلَ مبللّةً
فَمَا زالتْ صاحِبةُ المريولِ هُنَا
كتابٌ أسطُرهُ
أحمرُ شفاهٍ
وجمالٌ مِنْ صُنْعِ الصالوناتِ
لعاشقٍ ما انتفضْ!
فانتفضْ.
حين تكونُ وحيدًا:
انتفضْ،
الكراسي الفارغةُ
(شيءٌ يثيرُ الملَلََ)
فُنْجانُ قهَوتِكَ الوحيدُ،
وِحْدَتُكَ
الجموعُ داخلَ عَقْلِكَ
لا كراسيَ لهُم
وهناكَ شيءٌ أهمُّ:
حينَ تكونُ وَحدَكَ
اعتنِ
بتفاصيلِ مَنْ يجلِسُ مَعَكَ.
قُمْ وانتفضْ ..
على السؤالِ
على الجوابِ
انتفضْ،
وإنْ سألَكَ أَحَدُهُمْ
عَن اسمِكَ،
أَجِبْ بِنَعَمْ
فَكُلُّ الأسماءِ محمّدٌ
وخيرُ الأسماءِ مَنْ اتُّهِمْ!
صفحة 4

متشابهون

الاثنين، 13 نيسان، 2009 - عمّان
خرجتُ للتوِّ مِنْ رَحِمِ اللَّيلِ، وأنا أحْمِلُ صَباحًا يَليقُ بي كَشاعِرٍ! وَتَوَجَّهْتُ نَحْوَ المطعمِ المعتادِ. طَلَبْتُ فطورًا يَليقُ بِفَمي، وَبَعْضًا مِنْ شايٍ يُذيبُ ما عَلِقَ مِنْ شِفاهٍ تَخَيَّلْتُها .. ثُمَّ مَضَيْتُ.
كانَ كُلُّ شيءٍ يسيرُ كالمعتاد!
-الطَّوابيرُ الطَّويلةُ شيءٌٍ تَعَوَّدتُّ عليه-
والفطورُ السّابِقُ الذّكْرُ احتاجَ منّي أكثرَ مِنْ ساعَةٍ؛ وأنا أَشْتَمُّ رائِحَةَ أَكْتافٍ عالِقَةٍ أمامي!
طوابير.. طوابير..! وَيْكأَنّي وُلِدتُّ لأكونَ رقْمًا في الزِّحامِ!
يُدْهِشُني مَنْظَرُ العالِقينَ عَلى بابِ المخبزِ (وأقولُ يُدْهِشُني) لأنَّ واحِدَنا يُدْرِكُ أَنَّ الخبزَ أبسطُ الأمنيّاتِ!
.. وَلِكَيْ لا أُطيلَ عَلى مَنْ سَيَهْتَمُّ بِيَوْمي؛ مَضيْتُ مَرَّةً أُخْرى مِثْلَ أَيِّ شاعِرٍ، أَحْمِلُ صحيفةً تافِهَةً «وبذلةً» لا تَليقُ، وَوَقَفْتُ مِنْ جَديدٍ عَلى طابورٍ لِلْقَهْوَةِ، أَرَدْتُّ فَقَط أنْ أمارسَ طقوسَ التَّدخينِ؛ فالشّاعِرُ لا بدَّ لَهُ مِنْ قَهْوَةٍ مُرَّةٍ، ولا بدَّ له من امرأةٍ تُتْقِنُ المراوغَةَ، وبعضًا مِنْ سَجائِرَ! .. حَمَلْتُ قَهْوَتي وجلستُ عَلى أريكةٍ طويلةٍ... جلستُ وَحدي دونهم، وأخذت أتذكّرُ تَفاصيلَ امرأةٍ كنتُ واعدتُّها ذاتَ حُلُمٍ. لَكَنّها أصرّتْ عَلى الغُموضِ وَأَخْفَتْ جَديلَتَها خَلْفَ خِمارٍ أَسْودَ لم يَكنْ يَنبغي ارتداؤه داخلَ حُلُمِ -فالأَحْلامُ تُبيحُ المحظورات- وليتَني أمعنْتُ النَّظَرَ قَبْلَ أَنْ أَصحو!
عُدْتُّ إلى صَحيفَتي كي أَقرأَ شيئًا ما لكاتبٍ ما.. أَفْزَعَني صَوْتُ الهاتِفِ.. ما زالَ الوقتُ مُبكرًا لأَكونَ حاضِرًا في ذاكِرةِ أَحَدِهِم، لكنَّني أَجبتُ المتّصلَ، وَرَدَدتُّ مِنْ فَوْري، قالوا لي: إنّ فلانةً توفّاها اللّهُ. رُغْم أَنَّني أَجْزِمُ أَنَّها مَيِّتَةٌ مِنْ قَبْلُ، وَلَم تُدْرِكْ الحَياةَ!
وَمعَ هذا قمتُ بِالواجِبِ، وَتَوَجَّهْتُ إلى المقبرةِ بِرِفْقَةِ صَديقٍ -لم يفاجِئْني الطّابورُ الطّويلُ هُناك- فَوَقَفْتُ أُمْعِنُ النَّظَرَ إلى الواقِفينَ، وَأُمْعِنُ النَّظَرَ إِلى الأَمواتِ..
.. مُتَشابِهونَ
.. مُتَشابِهونَ.
صفحة 5

قُدسنا...

في سياق التثاقف: توقيع على خاطرة ( قُدسُ من؟ ) للأستاذ خيري منصور المنشورة بجريدة الدستور، العدد رقم: 14870، الخميس، تشرين الأول 2009.
حينَ أدركتُ سؤالكَ؛ أَدْرَكَتْني بعضُ رجولةٍ.. فاستطعت البَوْحَ ملء صمتي بكلّ ما يعتصرني. القدسُ قُدْسُنا، قُدْسُ مَنْ يملكونَ الوقتَ رُغْمَ النّهاياتِ الضّيّقةِ، وقُدْسُ مَنْ يملكونَ الكلامَ رُغْمَ ألسنةٍ مطويّةٍ على حلقِها؛ تهوى الخرَس، وقُدْسُ مَنْ يكتبونَ لأجلها بالدّمِ الأرجوانيّ وألوانٍ أخرى مُشْتَهاة، قُدْسُ مَنْ يُجيدونَ البقاء فوقَ رغبةِ المِقصلةِ والموتُ المفرِطُ... هي قُدْسُ من يحمِلونَ نُعُوشَهُم على أكتافِ التّعَبِ بانتظارِ صلاةٍ هناكَ... ومَنْ هُم قادرونَ على تجاوُزِ مِحنةِ هدوئِنا الطويلِ! فكيفَ تَعمى البصيرةُ عن أولائك الماضين إلى مجدِهِم دونَنا؟.
ما زالت هيَ سِدرَةُ المبتدا، وما زالَتْ مِعراجَنا إلى النّصرِ، فمَن يحملونَ السكّين للنّيلِ مِنْ ضفائِرِها؛ هُم بالكادِ يدركونَ سلَّمَ المنتهى!، ومَنْ يُتاجِرونَ بحجارَةِ جُدرانِها وأزقّتِها هُم لا يَعقلونَ النّجاةَ!
القُدْسُ لها فَوارِسُها، ولَها مَنْ يحملونَ على عاتِقِهِم زَهْوَها ونَضْرَتَها، فما زالَتْ قُدْسُ الرَّسولِ ولا سَلولٌ يستهوي أزقَّتَها، ولن يضيرَها حمّالةُ الحَطَبِ مهما استنفَدَتْ الأشجارَ، ومهما أَمْعَنَ مقاوِلوها بالتّرفِ على حساب قيافَتِها، فهي رِهانُ النَّصرِ على أنفسِنا، ورهانُ كَشْفِ المستورِ بما تُواري (البذلاتُ الرّسميّةُ)، هي عروسُ العُروبةِ ملءَ الفمِ وملءَ العينِ، وهيَ البقيّةُ الباقيةُ من حُلُمِ العيش قبلَ النّفخِ بالبوقِ، ومهما ساقوها عَروسًا إلى مهودِهِم؛ تعرفُ كيفَ تحفَظُ عذريّتَها، وكيفَ تَصيرُ إلى إلهٍ توّجها قِبلةً أولى، فسَرَجَ قناديلَها زيتًا ربّانيًا يضيءُ حُلْكَتَنَا، وقرأ علينا أنْ لا تاريخَ لهم مهما استوطَنوا، وأنّ عِزّتَها معقودةٌ بنواصي مَن إذا صَمَتْنا تكلَّموا... قُدْسُنا قِبلةُ اللّهِ الأولى، وقِبلتُنا الأخيرةُ نَحْوَ الحياة.
صفحة 6

مَنْ يَهْتَمُّ..؟

الأربعاء، 17 تشرين الأول، 2007- أبو ظبي
في قلبِ العاصِفَةِ، تناثَرَتْ فوَق كاهِلي أحزانٌ وغُرْبَةٌ، وتساءَلْتُ: هَلْ ثَمّةَ من يَسمَعُ صرخَتي؟ أو يعيدُ صدىَ صرختي الثَّكلى؟! قدْ صادَرَها الواقِفُ على حدودِ كَرامَتي، فعادَ الهَواءُ بِصَدىً فارغٍ مِثْلَما نحْنُ! وَلَيْتَني أسْتَطيعُ أنْ أمْسَحَ هذي الهُمومَ، وأُضيءُ شمعةً تقفُ في مَهَبِّ الرِّيحِ، عَلَّها تُضيءُ لنا وَلَوْ لحظةَ الدَّفنِ حينَ نكونُ يومًا في ذاتِ المقبرةِ.
منْ يَهْتَمُّ...
لِإِطارٍ يَجْمَعُ كُلَّ الأقطارِ؟
هُنَاكَ فِي بيتِيَ القديمِ
إِطارٌ يَجْمَعُ كُلَّ الثّوارِ
ومحطّتانِ لِلْغِناءِ.. ووردةْ.
لَكَنْ بَعْدَ مَجْزَرَتَيْنِ وصمتٍ
يأتي الإعصارُ
يهمسُ فِي أُذُني
والثلجُ يُورِقُ على آخرِ مِشْوارٍ
ومَظَلَّتِيْ مَبْتورةٌ
(قد أجهَدَتْها الريحْ)
ومِعْطَفي مَثقوبٌ..
والشّتاءُ يُطْبِقُ عَلى آخرِ دفءٍ
مَطَرٌ تَنْزِلُ الآلامُ على كتِفِي،
مَنْ يَهتمُّ:
عِندَما أعَودُ مُبتلاًّ إلى مَنْفَايَ؟
.. هُنَاك بَقِيَّةُ بَيْتِي
وأشلاءُ حياةٍ،
قَدْ أَتَت الريحُ عَليْها،
فسقطَ الإطارُ
وسقطت الأقطارُ
عَبَثًا أُلملمُ أقطاري!
خَمْسَ عشرةَ عاصِمَةً
.. عشرونَ عاصِمَةً
إحدى وعشرونَ،
ثمّ غابَتْ فِلسطينُ عن الخارطةِ
وغابَتْ عاصِمَةُ الثوّارِ
خابَرْتُ الجامعةَ العربيةَ
خابَرْتُ البَابا
.. الأولَ
.. والثاني
وكلّ صاحب قرارٍ
لَكِنْ مَنْ يهتمُّ؟
لَكِنْ مَنْ يهتمُّ؟
صفحة 7

لمْ يكتمِلْ..

الخميس، 21 كانون الأول، 2006 أبو ظبي
يوقِظُنِي الحُزْنُ على آخرِ شوقٍ، ولَحَظاتُ العُمْرِ باتَتْ حَجَرًا عَلى هاوِيَةٍ، ولا متّسَعَ لِلبُكاءِ، فأصرُخُ رُغْمَ ذَلِكَ:
لَيْتَكَ هُنا، لَيْتَكَ تَقْرأُ عليهم أنّ الوردَ ما زالَ يحِنُّ لكأسِ ماءٍ مهما اتّسَخَ، ومهما تغيّرَ طعمُهُ أو لونُهُ، واقرأْ عليهم أنّ الشجرَ ما زالَ يورِقُ حُبًّا، وأنّ العُشّاقُ ما زالوا على بُعدِ نكبتينِ منهُ.
ثمّةَ مَنْ يَسْمَعُكَ، اقرأْ دونَ توقّفٍ، أخبَرَنِي المخيَّمُ أنّ هناكَ متسعًا للمجدِ، ومكانًا لقذيفتينِ في جسدِي، اقرأْ عليهِم.. اقرأْ علينَا: أنّ الفِدائِيَّ لا يكتملُ دونَ البندقيّةِ، وأنّ الأرضَ رُغمَ المقابرِ ما زالَتْ تَتَّسِعُ إلى صيوانِ فرحٍ بالعودةِ، وأنّ جَسَدِي ما زالَ رُغمَ القذيفتينِ.. هَدَفًا لِرَصاصَةٍ أخرَى.

فضاءُ الرّوحِ

الاثنين، 06 آب، 2007 - أبو ظبي
قالت: امضِ قُدُمًا، واكتبْ لنا عن هزائِمِنا وأفراحِهِم، ولا تلتفِتْ لانحسارِ الموجِ على شواطئِ الآخرينَ؛ فأمواجُكَ وتلاطُمَاتُها تُخْبِرُنا دومًا عنِ المخبوءِ في زوايا الانكساراتِ، تُخْبِرُنا أنّـا ما زِلْنَا في مهدِ المصائِبِ والنّكَبَاتِ، وأنّ المرأةَ الّتي نُحِبُّ أكبرُ منِ احتمالاتِنا!
فَلِمَ أكتبُ وهزائِمُنَا معروضةٌ أمامَ المجتمعاتِ، ورسائلُ عشقِنا المفضوحةُ باتَتْ سِلْعَةً للجرائدِ والهُواةِ؟!
سأكتبُ ذاتَ يومٍ عن فرحٍ ما لامَسَتْهُ قُلوبُنا، وعنِ اصطيادِ أخٍ لنا في فخِّ العمالةِ، وأكتبُ جِدًّا عن وطنٍ بثوبِ امرأةٍ، تَسابَقَ الجميعُ لعشقِهِ ونكاحِهِ، فعادَ بِحَمْلٍ منبوذٍ، وباتَتْ شمْسُهُ أقربَ للغروبِ منْهُ إلى فجرِ نصرٍ مزعومٍ، فلماذا أكتُب؟
إنْ كنتُ لا أُميّزُ بينَ (الميركافا) وبينَ أخي! وكيفَ أكتبُ لامرأةٍ لا تأتيْ إلا لتقولَ وداعًا.. هيَ تَمْتَمَةٌ مِنْ حروفٍ، وأبجديةٌ لا تليقُ إلا بشاعرٍ مهزومٍ.!
أُشيرُ إِلى فضائِهَا
قَدْ ضجَّ المكانُ
واتّسَعَتْ دائرةُ الروحِ
فكانَتْ:
ملاذَ اللَّحظةِ
وملاذَ النَّشْوَةِ والانتقامِ!
عَبَثًا تُحاوِلُ يا قلبُ..
فَمَنْ يُعيدُ لهذي الأَشْلاءِ زمانَها
ويُعيدُ ابتسامةً كانَتْ
شفاهَ اللَّحنِ..
وَصَمْتَ الكلامِ؟
فاكتبُوا على الضّريحِ:
هذا الرجلُ لَنْ يستريحَ،
مَلاذُ اللَّحظةِ باتَ يضيقُ
والقَبْرُ يُوَسِّدُ ذِراعَيْهِ على جَسَدِي
وَتَنْخِرُ الآلامَ ديدانٌ في العظامِ!
فَتُظْلِمُ الحُجُراتُ
وَتشْتَدُّ وِحْدَتِي
إلا مِنْ نارٍ آنَسْتُ لها حينَ بَردٍ
.. ثمّ مَنْ لهذي النّارِ بَعْدِي
حينَ أمْضي غريبًا
فَيأخُذُ الطوفانُ قَبْرِي.. والسّلامُ؟؟
صفحة 8

ليالٍ مظلمة

السبت، 16حزيران، 2007 - عمان
ها قَدْ انْكَفَأَتْ نفسِي على ذاتِها، وَوَقَفْتُ أتلذَّذُ بِطَعْمَ الأَلَمِْ، وأَشنِّفُ آذانِي بِصُراخٍ جديدٍ: مِنْ أكنافِ مخيمِ الشّاطئِ، من العمارةِ والفلّوجةِ، من غزّةَ الصّابرةِ، لا أجدُ مَوْطِأَ قَدَمٍ أقِفُ عليهِ فأَنْعِي نفسي إليْكُم، ولا حِبرًا يليقُ لكتابةِ مأَساتِنا، ولمْ أَعُدْ أدري إلى أينَ أَميلُ!
فِلِسطينُ تُذبحُ بسكّينِ الكراهيةِ، وباتَتْ شَجَرةُ الحقْدِ تَكْبُرُ دَاخل البيّارةِ، والكثيرُ مِنّا يقِفُ خلفَ الطّابورِ حتّى يسقيَ الشّجَرةَ مِدادًا من دمِهِ لِتَكْبُرَ وينضِجَ ثمرُهَا، فالمسألةُ غَدَتْ أكبرَ منْ حُلُمٍ بكرسيٍّ وضيعٍ، أو سِجّادٍ يَحْمِلُ لونَ الدَّمِ لِنَسيرَ عليهِ (بروتوكولًا) يضعُنا في مصافِّ الزعماءِ!
اليومَ لنْ أكوَن حمساويًّا، ولنْ أكونَ فتحاويًّا، بل سأعودُ فلسطينيًّا حدَّ الهزيمةِ، وأقرأُ الفاتحةَ على أرواحِ مَنْ ناضَلوا من أجِلنا وعادُوا شهداءَ، وأعيدُ القضيّةَ إلى مهدِها حينَ كانَ القسّامُ رجلًا بألفِ رجلٍ، وحينَ كانَ الرّمْزُ يَضَعُ سُنْبُلَةَ القَمْحِ في فَمِ البندقّيةِ، وأسحبُ البِساطَ مِنْ تحتِ أقدامِ اللاهثينَ لإرضاءِ اليهودِ وأنْفُسِهمِ؛ فقد غَدَا العدوُّ أكثَرَ استفادَةً منْ تمترُسِنَا خَلْفَ أحلامِ السُلْطَةِ، وَقَدْ تجرَّدْنا حتى صِرْنَا عُراةً أمامَ أنفُسِنا، ولا أريدُ لشهدائِنا أنْ يَلْفِظُونَا منْ داخِلِ التّرابِ، فربَّما لو أعادَهُمُ الخالقُ إلى حياةٍ، لفجّرُوا أنفسَهُمْ بِنَا غضبًا، فكانَ خيرًا لهُمْ من عدوٍّ ظاهرٍ!
فمَنْ يعيُد اليومَ بصيصَ نورٍ لأيّامِنا المُظلِمَةِ، كي لا نجدَ أنفُسَنا وَسَطَ مَحْرَقةٍ تَليقُ بِهم .. ولا تليقُ بِنَا.؟
في المسِاءِ
حينَ حَلَّ المساءُ
جَمَعْتُ جسدِي وأزهارِي
وبقايَا مِنْ أخلاّءٍ
ونزلْنَا جميعًا
في ضيافَةِ مَحْرَقَةٍ
ثمّ أعددْتُّ العزاءَ،
وتربّعْتُ في الخيمةِ الجرباءِ،
وأعلَنْتُ الحدادَ ثلاثًا:
في اليومِ الأولِ
الرجالُ
في اليومِ الثاني
الرجالُ
في اليومِ الثالثِ
نبكي كالنساءِ!
وأُوقِدُ مَحَرقةً أخرى
تَليقُ بِمَنْ يهوى الصّمْتَ
على البندقيّةِ..
ويتاجِرُ بِالأسماءِ
..كثيرةٌ هيَ الأسماءُ!
مَنْ كانَ يُحبُّ الزّعتَرَ
يوضَعُ في القائِمةِ،
(والقائمةُ تخلُو مِنَ النبلاءِ)
مَنْ كانَ يَحْلُمُ بالإِنسانيَّةِ
يوضَعُ في القائِمةِ،
مَنْ كانَ يَحِنُّ للثورةِ
أيضًا على رأسِ القائمةِ
وَأُكَرِّرُ:
(القائِمةُ تخلُو مِنَ النبلاءِ)
يَسْتبيحونَ فُلولَ الإِنسانيّة إِلى جَسَدِي
فنعودُ جميعًا أشلاءَ
فَمَنْ يجمعُ جسدًا وأزهارًا
ويعيدُ للمحرقةِ اللّقاءِ؟؟
صفحة 9

أغنيَّةٌ أزلية

الثلاثاء، 20 شباط، 2007 - أبو ظبي
في زاويةِ المخيَّمِ الغربيّةِ، تَفَجَّرَ الصَّمْتُ، وعلا صوتُهُ فوقَ صوتِ الخِطابِ، وتناثرَ الخجلُ بُقَعًَا من كرامةٍ فوقَ محيطِ هدوئِنَا، وسَقَطَتْ أقنعةٌ كنّا نرتَدِيْها كي نُخْفِيَ آثارَ عِراكٍ على سُلْطةٍ ولَّتْ وأدْبَرَتْ.
فقَدْ ترجََّلَ الفارسُ حاملًا صُرَّةَ عَشْقٍ تكفي أحلامَنا.. ترجَّلَ عن آمالِهِ ومشى الهُوينى؛ نحوَ قبرٍ يتّسِعُ لأحلامِهِ الّتي ما وسِعَتْها ذاكِرَتُنا ذاتَ يومٍ.. ثمَّ مضَى.
إلى الشهيدِ المجاهدِ يوسُفَ أحمدَ أبو ريحانَ (أبو جندل) الّذي قادَ معركةَ مخيّم جِنينَ، واستُشْهِدَ فيها يومَ الأحدِ 13–4 – 2002 بعدَ أنْ نَفِدَتْ ذخيرَتُهُ، حيثُ قامَ الصّهاينَةُ باعتِقالِهِ وإعدامِهِ بعدَ أنْ تعرَّفَ إليهِ أحدُ الخونَةِ الّذينَ باعُوا عِرْضَهُم وأرضَهُم.
أطبَقَ الجَفْنُ على وطنٍ
وبقايا أغنيَّةٍ أزليّةٍ
طرَّزَها العشقُ
فكانتْ أجملَ أغنيّهْ..
وجهًا بملامح صيفٍ
وبِضْعِ رِصاصات.. وهُويهْ
ورجلاً يسكُنُهُ المخيّمُ
عند أولِ حجرٍ بالزاويةِ الغربيّهْ
يتلحّفُ قصائدَ مِنْ خُبْزٍ
.. وصُرَّةَ عشقٍ
وقُنْبلةً يدويّهْ!
ثم دَوَّى الصَّمْتُ
فوق ثرثرةٍ بالجامعةِ العربيّهْ
وعلى أولِ حجرٍ
تَمّ التوقيتُ
فتفجّرَتْ صُرَّةُ العِشْقِ
وأطلَقَتْ نَارَها البندقيَّهْ
هُنَا .. عَلى أولِ حَجَرٍ :
سَقَطَت الوجوهُ كِسَفًا
يمتدُّ من السّماءِ،
وحتى الرابعِ مِنْ حزيرانَ
والحدِّ الفاصلِ بين جسدي
وانشِطاراتُ الشّظيَّهْ،
هُنَا عَلى أولِ دمٍ
وفي ذاتِ التوقيتِ خَرَجْتُ
تلحّفْتُ قصائدَ رجلٍ
بالزاويةِ الغربيَّهْ
وبَحَثْتُ بَيْن رُكامِ العمرِ
عَنْ وجهٍ أَعرفهُ ..
أعشقُهُ ..
وبَيادرِ خوفٍ منسيّهْ
قالُوا:
ظَلَّ يُحاربُ دَوائَر للقهرِ
ومقاعدَ للصّمتِ
وخطاباتٍ لقتلِ الوقتِ
ثُمَّ قَضى أجلًا ومنيّهْ..
وما تَرَك إلاَّ وطَنًَا في قصيدةِ خبزٍ،
وبِضْعَ رِصاصاتٍ
و
قَ
ض
يَّ
ةْ
صفحة 10

بَعْدَ لحظةْ ..

نيسان، 2006 - عمّان
بعد لحظةٍ منكِ
وصيفْ..
فقدتُّ ارتعاشِي،
.. غادرَ الخوفُ،
وسكنَ الهدوءُ منِّي
فارتَمَيْتُ:
جسدًا هامدًا
بطعنةِ سيفْ.

حينَ غِرَّةٍ..

تموز، 2006 - عمّان
على الجانبِ الآخرِ..
حين تكونُ مستعدًا للموتِ
وروحُكَ ما زالَتْ حاضرةً:
تأتي الحياةُ على حينِ غِرّةٍ،
تنصُبُُ لكَ ..شراكَ الحُبِّ!