eKtab
EN ع
فرص التغيير
اقرأ عينة مجانية

فرص التغيير

بقلم رياض صوما

صفحة 1

مقدمة

كشفت الأزمة المالية الخطيرة التي انفجرت في صيف عام 2008 في الولايات المتحدة والعالم، زيف الأوهام التي أشاعتها آلة الدعاية الغربية طيلة عقدين من الزمن، حول القدرات غير المحدودة للأسواق الحرة، والأفضليات الحاسمة لليبيرالية المتطرفة. وفي ذات الوقت، وضعت تلك الأزمة نقطة النهاية، لحقبة الهيمنة الأميركية شبه المطلقة على المسرح السياسي الدولي، التي تلت تفكك حلف وراسو وانهيار الاتحاد السوفياتي. كما وجهت ضربة قاضية لمجمل الاستراتيجية التي اعتمدتها ادارة جورج دبليو بوش والحزب الجمهوري منذ مطلع القرن الحالي. وهي ستترك دون شك، الكثير من الانعكاسات السلبية على مجمل النفوذ الغربي والأطلسي في العالم، خلال المرحلة القادمة. بل أكثر من ذلك، لقد أثارت شكوكاً جدية حول قدرة البنية الدولية الراهنة، على الاستمرار دون تعديل جذري. وقد دفعت كثيرين، انطلاقاً من عمقها وطابعها البنيوي، إلى طرح الضرورة التاريخية المتزايدة إلحاحاً، لتجاوز مجمل النظام الرأسمالي العالمي القائم. ولا ينتمي كل هؤلاء إلى المعسكر المعادي للرأسمالية، بل يمثل بعضهم أوساطاً قيادية في النظام الرأسمالي القائم، كالرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي، على سبيل المثال، الذي دعا غداة انفجارها، إلى تغيير حقيقي، في بنية الرأسمالية المعاصرة. واللافت أن الأزمة المشار اليها قد أثارت كل هذه التداعيات، على الرغم من أنها لم تنبعث بصورة مفاجئة، كما حصل بالنسبة لأزمة الانهيار السوفياتي مثلاً. فقد سبق لعدد من الخبراء الاقتصاديين والمفكرين الاستراتيجيين أن حذروا من وقوعها، ومن بينهم جوزيف ستيغلتز أحد أقدر خبراء البنك الدولي. والمستغرب فعلاً، أن ادارة جورج دبليو بوش ومستشاريها ومراكز أبحاثها لم تلق بالاً لتلك التحذيرات، ولم تتخذ أي اجراءات احترازية للحد من أضرارها والتخفيف من وطأتها، وذلك بفعل عماها الأيديولوجي وعنادها السياسي، وعمق ارتباطها بالقوى المستفيدة من انفلات النهج الليبيرالي المتطرف. وقد زاد من الآثار السلبية للانهيار المالي الذي جرى، على الموقع الدولي للولايات المتحدة، كونه توج سلسلة من النكسات التي كانت قد أصابت ادارة جورج دبليو بوش، على المستويات العسكرية والسياسية والأخلاقية، على امتداد فترة سلطتها، وخاصة منذ غزو أفغانستان والعراق، مما أدى إلى افتتاح حقبة جديدة من تاريخ الولايات المتحدة والعالم، لن تقل أهمية تحولاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاستراتيجية والثقافية، عن تلك التي أطلقها الانهيار السوفياتي، في مطلع تسعينيات القرن الماضي. ومن التداعيات الأولى لهذه الأزمة الاستثنائية، التي لم يعرف الأميركيون والعالم لها مثيلاً منذ عام 1929، حسب تعبير وزير الخزانة الاميركي، ليس فقط مضاعفة الصعوبات الأميركية في قيادة النظام الدولي، بل مفاقمة الاضطرابات المتزايدة التي تواجهها العولمة الرأسمالية المعاصرة، مما يؤكد أكثر فأكثر، صحة الاستنتاجات الماركسية الخاصة بطبيعة النظام الرأسمالي، وعجزه البنيوي عن التغلب على تناقضاته الجوهرية، أو التخلص من أزماته الدورية. هذه الحقيقة العلمية التي كان قد شابها بعض التشكك، خلال العقدين الماضيين اللذين سبقا الانهيار المالي الأخير. وقد شاع ذلك التشكك، بفعل الازدهار المؤقت و"التورم المرضي" الذي عرفه الاقتصاد الأميركي خلال تلك الحقبة من جهة، وانهيار الاشتراكية المتحققة الذي تزامن معه، من جهة أخرى. ولكن الانكشاف الراهن لهشاشة "الاستثناء" الأميركي، وبداية تشقق البناء الامبراطوري الذي شيدته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، أعاد الأمور إلى نصابها على صعيد التنافس التاريخي بين الرأسمالية والاشتراكية، وأطلق دورة جديدة من الصراع الاجتماعي والأيديولوجي والسياسي الشامل، كما أعاد مهمة تغيير العالم إلى جدول أعمال التاريخ. وهذا كله، سيحفز ديناميات اقتصادية وسياسية واستراتيجية غير مسبوقة، ستحدد صورة العالم خلال العقود القادمة. وقد بدأت تظهر منذ الآن، بوادر عودة التوازن إلى الواقع الدولي، الذي كان طوال العقدين السابقين مجرد طموح مشروع، لا أكثر. وسيفسح ذلك في المجال، للحد من الأضرار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تسبب بها انفلات الليبيرالية - المتطرفة طيلة المرحلة التي تلت الانهيار السوفياتي. هذا الانفلات الذي أدخل العالم في سلسلة من التوترات والصراعات والحروب الأمنية والعسكرية أزهقت أرواح مئات الألوف، وأدى إلى تهميش وافقار ملايين الكادحين والمنتجين على امتداد الكرة الأرضية. وقد بات لجم تلك السياسات الليبيرالية المتطرفة الآن ممكناً على الصعيد العملي، بعد أن كان ضرورياً على المستوى النظري فحسب. بل أكثر من ذلك، بات ايقافها ممراً إجبارياً من أجل وضع حد للتوترات والمواجهات المتناسلة، ومن أجل ضمان استقرار النظام الرأسمالي ذاته، ووقف انزلاقه باتجاه الفوضى الشاملة. فالصراعات والحروب التي استعرت، خاصة على مستوى منطقتنا العربية والإسلامية، تحت شعار "الحرب المفتوحة على الإرهاب"، لم تكن بعيدة عن هيمنة الأفكار الليبيرالية المتطرفة. لذا صار من واجب العالم، التطلع إلى تجاوز هذه الأفكار شبه الفاشية، للخروج من دوامة العنف المفتوحة. فقد جعلت العالم أكثر اضطراباً وركوداً وتسلطاً، وأقل ديموقراطية وعدالة. وما يؤكد أن ذلك بات ممكناً، ما أظهرته نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة التي عاقبت تلك القيادات، وأعادت الحزب الديموقراطي إلى السلطة، ونقاشات (قمة الدول العشرين) في واشنطن، ومقترحات القمة الأوروبية، وقرارات قمة شرق آسيا التي جرت كلها خلال خريف 2008، وشارك فيها قادة الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وكذلك تصريحات بعض القادة الأوروبيين ومنهم الرئيس الروسي ميدفيديف والرئيس الفرنسي ساركوزي، والآراء المعلنة للعديد من قادة العالم ومفكريه الرسميين وغير الرسميين، اضافة إلى حركات الاحتجاج الشعبية التي تتصاعد في مختلف أنحاء العالم. كل ذلك يؤكد بشكل واضح، الرغبة بتغيير النهج الذي سارت عليه الولايات المتحدة والعالم منذ تسعينيات القرن الماضي. فالصراعات والصدامات التي شهدها العالم منذ تسعينيات القرن العشرين لم تكن كلها من مخلفات الحرب الباردة، بين الشرق السوفياتي والغرب الأطلسي. ولم تكن أيضاً، بقايا "ما قبل نهاية التاريخ"، ومخاض انتصار الديموقراطية الغربية، كما توهم فوكوياما. وليست كذلك، الصدامات الأولى لحروب الحضارات، كما تخيل صمويل هنتنغتون. لقد كانت التعبير العنيف عن حقائق القوة الاميركية من جهة، والترجمة المحزنة لمفاهيم وطروحات مفكري الليبيرالية المتطرفة من جهة أخرى. وبصورة أكثر مباشرة، كانت الحصيلة العملية للاستراتيجية التي اختارها قادة الولايات المتحدة ومحافظوها الجدد وحلفاؤهم، لتثبيت الهيمنة الامبراطورية على العالم، وفرض نموذج رأسمالي متوحش عليه، وفق أسوأ المفاهيم والتقاليد الأنغلوساكسونية. ولكن اعتماد تلك الاستراتيجية بالذات، كان دليلاً على اقتراب نهاية العصر الأميركي، وبروز أولى ملامح أفوله، كما سبق وتوقع المفكر والكاتب الفرنسي امانويال تود في كتابه (ما بعد الامبراطوية) الصادر في نهاية تسعينيات القرن الماضي، حيث رأى تود أن تخلي نخب الامبراطورية الأميركية عن "قوتها الناعمة" لصالح قوتها الخشنة، ليس دليل تفاؤل باستمرار الصعود، بل دليل خوف من تراجع وشيك. ولكن أياً تكن أسباب هذا التحول الأميركي نحو المزيد من العنف الداخلي والخارجي، فقد ساهم في اطلاق تبدلات اقتصادية وسياسية وأمنية وعسكرية وثقافية متواصلة على النطاق العالمي، طرحت ولا تزال على القادة والمفكرين والمحللين، الكثير من الأسئلة والتحديات التي لم تلق بعد اجابات حاسمة. ولكن على الرغم من التباينات الكبيرة في وجهات نظرهم، فان المفكرين والسياسيين، يبدون مجمعين على عمق هذه التغيرات والتحولات التي كانت قد انطلقت قبل نهايات القرن السابق، وزاد من سرعتها النهج الذي اعتمدته ادارة جورج دبليو بوش، مما دعا الكثيرين لاعتبارها بمثابة زلزال عالمي جيوستراتيجي واقتصادي-اجتماعي وثقافي كبير، غير العالم وسيغيره أكثر مستقبلاً. فخلال الفترة المذكورة، تفككت دول ومحاور، وتشكلت دول ومحاور أخرى. سقطت نظم وقامت نظم بديلة.
 
صفحة 2
انتهت نزاعات وحروب، وتفجرت نزاعات وحروب أخرى أشد. دمرت قوى سياسية واجتماعية، ونهضت قوى بديلة مغايرة. اهتزت مفاهيم وأيديولوجيات، وازدهرت أيديولوجيات وطروحات مختلفة. والآن مع انفجار الأزمة المالية والاقتصادية واستمرارها، وتفاقم الارتباك الاستراتيجي للتحالف الأميركي- الأطلسي وأتباعه في العالم، وتزايد انكشاف الجانب الطفيلي والعنفي للرأسمالية العالمية، ينتظر مليارات من البشر، تجاوز هذه الحقبة المضطربة بأسرع ما يكون، باتجاه بناء عالم متآخ ومسالم ومزدهر وديموقراطي وعادل. وهو أمل أحبط مراراً عبر التاريخ، ولم يكن السقوط المدوي للتجربة الاشتراكية المتحققة، سوى أحد فصوله المتكررة. ويعزز مشروعية هذا التطلع، الوضع المتفاقم "لقريتنا العالمية"، وهو الاسم الذي أطلقه بعضهم على كرتنا الأرضية ترحيباً بزمن العولمة. ولكن التيارات اليمينية والليبيرالية المتطرفة، على الرغم من نكستها الراهنة، ما زالت قادرة على احباط هذا التطلع، فاتضاح مسؤوليتها عن تفاقم المشاكل والمصاعب، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية والأمنية التي يعانيها العالم، والتبدد التام لموجة التفاؤل المبالغ فيه الذي روجت له بعد نهاية الحرب الباردة، ليس كافياً بحد ذاته، لشل قدرتها على لجم مسار الخروج من أسر الماضي. فهي ما زالت تحتفظ بالكثير من عناصر القوة، إلى جانب استغلالها لضعف أخصامها وتشتتهم، مع أن الشروط الموضوعية للتغيير تنضج تدريجياً، الا أنها تحتاج إلى انضاج عوامله الذاتية. ولن تكون النتيجة العملية لتأخره، سوى مضاعفة الثمن الذي ستدفعه كل المجتمعات البشرية، المتقدمة والنامية والمتخلفة، دون استثناء. فاشكالية التناقض المتزايد، بين مستوى الانجازات العلمية والتقنية، ووتيرة التوسع والتعمق في معارفنا بأسرار الكون والطبيعة والحياة، وتوسع القدرات الانتاجية والثروات المتاحة من جهة، واستمرار الفقر والمرض والجوع والعنف والتخلف والتدهور البيئي على النطاق العالمي، من جهة أخرى، يصعب احتمالها أكثر فأكثر، ولا يمكن تفسيرها وفهمها الا على ضوء طبيعة المصالح والقوى الممسكة بالقرار العالمي حتى الآن. ويبدو مثيراً للغضب بشكل متزايد، اصرار قادة العالم المعاصر الحقيقيين، أي أصحاب الشركات الرأسمالية العابرة للقارات، والقوى السياسية والأيديولوجية المرتبطة بهم والمدافعة عنهم، على تعطيل الامكانات المتاحة لمعالجة مشاكل التطور البشري، بسبب مآربهم الآنانية، المتعارضة أكثر فأكثر مع ضرورات هذا التطور. كما يبدو محبطاً استمرار العجز عن لجم انفلات هذه القوى ومنعها من الاستمرار في استخدام مختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة، لفرض مصالحها الضيقة ورؤيتها الرجعية على العالم. ولكن الواقع يبقى هو الواقع، مهما بدا متناقضاً ولاعقلانياً. فقد نجحت القوى المهيمنة على المسرح الدولي حتى الآن، في عرقلة مختلف مشاريع بناء عولمة بديلة أكثر إنسانية، بما في ذلك تلك التي طرحتها قوى من داخل النظام السائد. وهذا يفسر لماذا لم يؤد انتقال العالم من الثنائية القطبية إلى الأحادية الأميركية، إلى خفض التوترات العسكرية والسياسية والاجتماعية، بل أدى إلى نقيضها. حيث حصل عكس ما توقعه بعضهم، أو بشرَّ به بعضهم الآخر، غداة نهاية الحرب الباردة. فقد توسعت وازدادت المعضلات الاقتصادية والديموغرافية والبيئية والأمنية التي يواجهها العالم بدل أن تنحسر، اذ اتخذت بنية الرأسمالية المعاصرة، في سياق سيرورة العولمة الموضوعية، طابعاً أكثر استقطابية وطفيلية. فازدادت باطراد هيمنة الشركات الرأسمالية العملاقة على كل جوانب حياة المجتمعات والدول، التي خسرت قدرتها على التحكم بمصيرها. كما ازدادت حدة التمايزات والفروقات الاجتماعية، داخل المجتمعات النامية والمتطورة على السواء. وساهم في تفاقم هذا المنحى عوامل عديدة، من أهمها: طبيعة الطور الذي دخلته الرأسمالية المعولمة ودرجة نضج تناقضاتها، وطبيعة التوازنات الدولية التي سادت بعد نهاية الحرب الباردة، اضافة لصفاتالنظام الأميركي المسيطر وسماته التاريخية المميزة، إلى جانب أثر التراجع النسبي، لدور القوى الاجتماعية والنقابية والسياسية التقدمية والديموقراطية، التي كانت تلجم قوى الرأسمال العالمي والقوة الأميركية. ولم يكن صعود قوى اليمين الليبيرالي المتطرف في الغرب، أولاً بقيادة تاتشر وريغن، ثم بقيادة المحافظين الجدد، معزولاً عن كل هذه العوامل. وقد أدى اتساع نفوذها، وهيمنة مفاهيمها الرجعية وشبه العنصرية على المسرح السياسي الغربي، وانتصار العدوانية، إلى خسارة البشرية لفرصة الاستفادة من انتهاء الحرب الباردة، من أجل شق طريق جديد لتطورها، اكثر توازناً وعقلانية وعدالة. ففي مناخ ذلك الصعود وفي ظل ضغوطه السياسية والأيديولوجية والمادية، جرى تحول الولايات المتحدة من سياسة الانفراج الدولي، إلى استئناف المنافسة التقنية والاقتصادية والمالية الصريحة، مع المراكز المتطورة اقتصادياً في أوروبا وشرق آسيا، والى اعتماد نهج الضغوط والاملاءات السياسية والتدخلات العسكرية والأمنية، في باقي أنحاء العالم، مما حتم تلك الخسارة، حيث كان من المستحيل استمرار مناخ الانفراج، بينما تتابع الولايات المتحدة تعزيز انتشارها الأمني والعسكري في كل أرجاء الكرة الأرضية، وتقدم على عمليات عسكرية متتالية، وتشن الحروب المتنقلة. لقد كان من الصعب الجمع بين رغبة العالم في تجاوز ذهنية الحرب الباردة، وبين سعي القيادة الأميركية إلى تشديد قبضتها على أتباعها والى إرهاب أخصامها، والى محاولة فرض سلطتها العالمية بالقوة العارية. وهو النهج السياسي، الذي أستأهل عن حق تسمية العولمة المتعسكرة. علما بأنه ليس مستجداً بشكل كلي، بل هو استمرار لنهج التوسع الاقتصادي والعسكري الذي بدأته الولايات المتحدة منذ نهاية القرن التاسع عشر، وعززته خلال الحرب الباردة بحجة حماية " العالم الحر " من الخطرين السوفياتي والشيوعي، ثم استكملته بتطويق استراتيجي كامل لأوراسيا، خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ومع ازدياد الأهمية الاستراتيجية لآسيا في العقدين الأخيرين من القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، ولوسطها على الأخص، بادرت إلى تزخيمه، عبر تنشيط سياسية التطويق والاختراق المعتمدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد برر استراتيجيو ادارة جورج دبليو بوش ذلك التزخيم بالوقائع التالية: التوزع الجديد للقوى الاقليمية والعالمية الصاعدة، وخارطة انتشار العدو الذي تم اختياره ليأخذ دور العدو السوفياتي السابق، أي الإسلام الجهادي، وقد دعاه جورج بوش في بعض خطبه "الإسلام الفاشي"، اضافة لخارطة انتشار مصادر الطاقة وطرق امدادها، دون نسيان الحاجات الأمنية للكيان الصهيوني الحليف. لذا كان لا بد والحال هذه، أن تنال المنطقة العربية والإسلامية، أو ما أسماه الأميركيون " الشرق الأوسط الكبير"، الحصة الأكبر من تداعيات التوجه الأميركي والأطلسي المشار إليه، خاصة بعد أحداث 11 أيلول 2001، في ظل عنواني (الحرب على الإرهاب ونشر الديموقراطية). فدخلت، والأصح أدخلت، منطقتنا في مرحلة تاريخية جديدة نوعياً، قد تكون من أصعب مراحل تاريخها المعقد والمضطرب والدامي. فإلى جانب أزماتها الموروثة، من تخلف شامل، اقتصادي واجتماعي، وتفكك سياسي، وركود علمي وتقني وثقافي، وسيطرة أنظمة سياسية، أوتوقراطية من مخلفات القرون الوسطى، وعسكرية من مخلفات الحرب الباردة، واستهدافها المتواصل بالعدوانية الاسرائيلية المدعومة من الغرب، باتت تحت الاحتلال الأميركي - الأطلسي - الاسرائيلي العسكري المباشر، مما أعادها إلى الواقع الاستعماري السابق الذي اعتقدت أنها فد تخلصت منه.
صفحة 3
ولا تخفي القيادات الأطلسية هدفها بادامة تمركزها العسكري في أرضنا، إلى عقود مقبلة. والأرجح أنها لن تتراجع عن قرارها الاستراتيجي هذا، على الرغم من الأزمة المالية والاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تواجهها. فالمناورات السياسية والدعائية الهادفة إلى تمويه هذا القرار الضمني، و"الاتفاقات الأمنية" التي وقعتها مع بعض حكومات المنطقة المتعاونة، بحجة التمهيد للانسحاب، ليست سوى ذر الرماد في العيون. فهي تتناقض كلياً مع واقع زيادة عدد القوات الأطلسية في المنطقة وخاصة في أفغانستان، إضافة لبدء تراجع الرئيس الأميركي الجديد أوباما عن وعوده بالانسحاب العسكري السريع، تاركاً أمر التوقيت إلى القيادات العسكرية. فالخطة الحقيقية التي تنفّذ على مختلف المستويات السياسية والعسكرية والديبلوماسية والاعلامية، تتمثل بارغام المنطقة على الاعتياد على واقع الاحتلال الأطلسي والتعايش مع فقدان حريتها الاقتصادية والسياسية والثقافية، أي الرضوخ لعبوديتها المتجددة، في ظل أنظمة مستبدة وتابعة، بعد انكشاف خدعة نشر الديموقراطية. ولكن الاهتزاز المتزايد للمشروع الامبراطوري الأميركي وتعبه، وقد ساهمت فيهما المقاومات الوطنية والإسلامية والديموقراطية في المنطقة، يجعل افشال ذلك أمراً ممكناً في المدى المنظور. قد يبالغ بعضهم في تقديره لسرعة الحاق الهزيمة بالمشروع الاستعماري الأميركي - الأطلسي، وقد يبالغ بعضهم الآخر، في تجاهل عمق التبدلات الجارية، وثبات وجهتها. ولكن القراءة الموضوعية للوقائع، تدفع إلى النأي عن الرأيين المتطرفين. فالتراجع الأميركي والغربي على الصعيدين العالمي والاقليمي، تراجع حقيقي ولكنه بطيء ونسبي. لذا فالمواجهة مع الاحتلال الأطلسي للمنطقة، ستأخذ وقتها. والتحالف الغربي يدرك خطورة انسحابه السريع من المنطقة، ولكنه يقدر أكلاف استمرار احتلالها، خاصة اذا تفاقمت أزمته الاقتصادية، وتصاعدت المقاومة التي يواجهها. وهذا ما يتوجب على القوى الاستقلالية الحية في المنطقة، وفي مقدمتها قوى اليسار، وضعه دوماً نصب أعينها. فادراك هذه الحقيقة الاستراتيجية، بل التاريخية، هو أساس استراتيجية الثبات على خيار المقاومة. وهذه القوى مدعوة دون استثناء، لاجراء تحليل شامل للتحولات التي تجري على صعيد الواقع الدولي والاقليمي، ورصد الفرص الجديدة التي تلوح في الأفق. على أن يتم هذا بموازاة تقييمها لتجاربها السابقة، بجرأة وموضوعية وشفافية. وذلك من أجل تعميق رؤيتها النظرية، وتدقيق استراتيجيتها، وعصرنة خطابها السياسي والاجتماعي، وتطوير أشكال نضالها، وارساء علاقاتها التحالفية، على أسس أقل فئوية وأكثر ديمقراطة، لأنه السبيل شبه الوحيد، لضمان نجاحها في الاستفادة من الفرص المتاحة، وايجاد الشروط الأنسب لمواصلة المواجهة مع قوى الاحتلال وحلفائه المحليين من جهة، وبناء عوامل القوة والتكامل والوحدة والتقدم الاقتصادي والاجتماعي لشعوب المنطقة من جهة أخرى. والقراءة الواردة في هذا العمل، تحاول القاء نظرة سريعة على الخلفيات التاريخية، الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية والاستراتيجية، للتطورات الراهنة، وتحاول استشراف المرحلة القادمة، ضمن حدود الممكن. ولعلنا لا نجانب الحقيقة في اعتقادنا، أنه بمقدار ما ساهمت صدمة انهيار الاتحاد السوفياتي، في أزمة اليسار العالمي والعربي، وانحسار وزنه الجماهيري، وتراجع دوره النضالي، فان التطورات والتحولات العالمية والاقليمية الراهنة والمتوقعة، تفعل العكس. انها توجد فرصاً حقيقية لاستعادة دور متجدد وفاعل لليسار العربي، تفتقده المواجهة الحالية بنسبة كبيرة. مع الاشارة إلى أن انقضاء فترة كافية من الزمن، على انهيار المعسكر الاشتراكي، بات يسمح بقدر أكبر من الموضوعية، في النظر إلى أسبابه ومقدماته وتداعياته. وقد التبست إلى حد كبير، في خضم ردود الفعل المباشرة والمتسرعة أحياناً، التي انزلق اليها محللون ومفكرون، بعضهم يساريون سابقون، غداة ذلك السقوط. وقد بلغ قسم من هؤلاء، حد نعي مفاهيم وقيم التحرر الوطني والاشتراكية، والتهليل لليبيرالية الجديدة، والاستعمار الجديد، وتحول عن قصد أو عن غير قصد، إلى طرف في الحرب الأيديولوجية التي شنتها آلة الدعاية الأميركية والغربية لفرض أحادية سيطرتها على المشهد الفكري والثقافي العالمي. وساهمت تلك الآراء المتسرعة والملتبسة، بشكل مباشر وغير مباشر، في تفاقم أزمة اليسار العربي وتراجع دوره. ولكن الصراع بين امبراطورية رأس المال وبين أخصامها مستمر بغض النظر عن الاجتهادات. وهو صراع لن يدور بالاسلحة النارية فقط، بل ستكون الأسلحة الأيديولوجية والثقافية موازية لها من حيث الفعالية. وسيكتب النصر النهائي في هذا الصراع الشامل، ليس لمن يملك الترسانات الاكبر في لحظة ما، بل لمن يعبر عن مصالح القوى الاجتماعية الصاعدة، بغض النظر عن النكسات المؤقتة لهذا الطرف، والنجاحات العابرة للطرف المقابل.
رياض صوما
صفحة 4

الثورة التقنية تعيد صناعة العالم

بدايات التقنية والمجتمع

بعد مقدمة ابن خلدون، وكتابات أوغست كونت والاشتراكيين الأوروبيين الأوائل، ومادية كارل ماركس وفريديريك انجلز التاريخية، بات أي تحليل لحركة التاريخ على المستويات السياسية والاستراتيجية والأيديولوجية، يستند بالضرورة إلى البعد الاقتصادي- الاجتماعي لتلك الحركة. هذا البعد المرتبط بدوره بمستوى تطور القوى المنتجة، أي بتطور العلوم والتقنيات بصورة عامة. فمن المرتكزات الأولى للاقتصاد السياسي، والاقتصاد السياسي الماركسي تحديداً، الانطلاق من مستوى التطور التقني لأدوات الانتاج، كأحد معايير تحديد مستوى تطور القوى المنتجة، وبالتالي فهم طبيعة التناقضات الاجتماعية والسياسية المواكبة لها. يرقى هذا القول إلى مستوى البداهة بالنسبة إلى معتنقي الفكر الماركسي، ويحظى بقدر من القبول، من جانب أنصار العقلانية في ميدان الفكر الاقتصادي-السياسي وفلسفة التاريخ. فعندما كتب فريديريك انجلز مؤلفه (جدل الطبيعة)، لم يكن تركيزه على استعراض أهم المنجزات العلمية المتحققة آنذاك، سوى التأكيد العملي على المنهجية الجديدة في النظر إلى مجرى التاريخ البشري. وقد أوضح الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لتلك المنجزات، بهدف صياغة خلاصات تدعم مفاهيم المادية التاريخية التي شارك كارل ماركس في صياغتها، وكانت الثورة العلمية الحديثة حينها، ما زالت تخطو خطواتها الأولى. فما كان عساه يكتب اليوم في هذا المجال، لو قيض له أن يشهد القفزات المذهلة التي حققها العلماء والبحاثة والتقنيون، منذ مطلع القرن العشرين وحتى يومنا هذا؟ في سياق المنهجية ذاتها، من المفيد الإضاءة على دور الثورة التقنية المعاصرة في مجرى التطورات العالمية الراهنة، اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً واستراتيجياً، والنظرالى الطابع المزدوج لوجهي هذه الثورة، الوجه الدافع إلى التقدم من جهة، والوجه المولد للأزمات من الجهة المقابلة، ارتباطاً بطبيعة القوى الاجتماعية الممسكة بزمامها، حيث أن فهمنا للتحولات العالمية العاصفة راهناً ومستقبلاً، يتطلب ربطها بالشروط التاريخية التي تجري في اطارها، وفي مقدمتها وتيرة الثورة التقنية المشار اليها. وهنا لا بد من التذكير بأن هذا الترابط بين طبيعة التحولات التاريخية وبين مستوى نضج تقنيات الانتاج والتبادل، قد رافق التقدم البشري منذ فجر التاريخ، ولكنه دخل طوراً نوعياً متميزاً مع بزوغ عصر الأنوار وولادة الرأسمالية في أوروبا. وهي الفترة التي شهدت مقدمات الثورة العلمية الحديثة. إذ بدأ آنذاك رهط من العلماء الاوروبيين الأفذاذ، أمثال باولو توسكانيللي ونيكولاس الكوساي وجورجيو برونو وكوبرنيكوس وغاليلي، وغيرهم، يطرحون على أنفسهم، وعلى الوعي البشري أسئلة كهذه: ما هي بالضبط العلاقة بين الأرض والشمس؟ كيف يمكن قياس حركة الشمس بدقة حسابية؟ كيف تتحرك الكواكب السيارة كمجموعة مرتبطة بالشمس؟ ومع تلك الأسئلة، بدأت ثورة علمية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، استمرت مندفعة بقوة وزخم حتى يومنا هذا. لم يكونوا وحدهم في بداية تلك الثورة المعرفية، بل ساهم فيها إلى جانبهم، عدد من الرحالة، أمثال ماركو بولو وكريستوف كولومبوس ولورنزو بونينكوتري وغيرهم، فوسعوا حدود اليابسة ورسموا خريطة جغرافية جديدة للكرة الأرضية. وكذلك آخرون، أمثال اسحق نيوتون وباسكال وتوريتشيللي الذين قاموا بصياغة عدد من قوانين الفيزياء الحديثة، وأمثال لافوازيي وبروست وبيرثولي الذين نجحوا باكتشاف، عناصر أساسية من عناصرالطبيعة، وطرق متنوعة لاستخراج العديد من المركبات الكيميائية، كما نجحوا في تحديد صفاتها واستخداماتها الصناعية والعلاجية. هذا دون أن ننسى، بعض أبرز رواد الطب والبيولوجيا وعلم الأجناس، أمثال لامارك وداروين وباستور. وواكب طليعيي العلوم الاختبارية هؤلاء، عدد آخر من مفكري العلوم الإنسانية، ممن تركوا بصمات لا تمحى على التاريخ الإنساني، نذكر منهم: كانت، هيوم، هوبز، ديكارت، هيجل، آدم سميث، ريكاردو، فيورباخ، كارل ماركس، انجلز، كونت، وغيرهم، مما لا يتسع المجال لذكرهم، على الرغم من أهمية الدور الذي قاموا به. نعود إلى تلك المساهمات، لأنه لا يصح منهجياً وعملياً، فصل تاريخ الحداثة الرأسمالية في أوروبا، أولاً، ثم في العالم، عن تلك الثورة المعرفية والتقنية، التي غيرت ولاتزال تغير كل جوانب الحياة الإنسانية، من اساليب الانتاج والاستهلاك، إلى النظم السياسية والحقوقية، مروراً بالتصورات الأيديولوجية والقيم الأخلاقية، دون أن ننسى وسائط القتال والاستراتيجيات العسكرية. فكما ارتبطت ولادة الرأسمالية ببدايات الثورة العلمية التقنية، ارتبطت قفزاتها وأزماتها بوتائر تقدم التقنيات وسرعة انتشارها، وسترتبط نهايتها بمستقبل هذه الثورة التقنية المتسارعة. فهل يمكن فهم ديناميات العولمة الراهنة، وحتى الأزمة المالية الاقتصادية الخطيرة التي يمر بها العالم اليوم، بعيداً عن الثورة المعلوماتية التي أتاحت تحريك آلاف مليارات الدولارات يومياً على نطاق العالم بما عقد ويعقد القدرة على مراقبتها عملياً؟ أو تفسير استراتيجية السيطرة على منابع النفط وممراته خارج إطار أهمية الطاقة لتحريك عجلة الحياة في العالم، وصعوبات نشر تقنيات الطاقة البديلة وكلفتها العالية خلال العقود القادمة؟ أو تخيل مشاريع الانتشار العسكري للقوى العظمى في العالم، وخاصة مشاريع الولايات المتحدة، بمعزل عن ثورة المواصلات والاتصالات؟ الخ.... يصعب ذلك بالتأكيد. خاصة اذا أخذنا بعين الاعتبار ما ينتظرنا على هذا الصعيد. فمع أن الاكتشافات العلمية والتطبيقات التقنية التي أنجزت خلال القرن العشرين، قد تجاوزت مجمل ما توصلت اليه البشرية منذ فجر التاريخ المدون، فان ما يتوقعه العلماء والباحثون للقرن الحالي، الواحد والعشرين، سيفوق ما تحقق طوال القرن السابق بكثير، وفي مختلف مجالات المعرفة النظرية والتطبيقات العملية. فالعالم يقف على أعتاب حقبة من التقدم العلمي المتسارع، ستحكم في النهاية مجمل التطورات العالمية المقبلة، سواء على صعيد أنماط الانتاج والتبادل، أو الادارة والسيطرة، أو بناء القوة واستخدامها، أو انتاج المعرفة وتعميمها، أو التأثير على الرأي العام وتوجيهه، الخ.... ودون الانزلاق إلى نوع من الرؤية الميكانيكية للعلاقة بين طبيعة ووجهة الأحداث العالمية، وبين مستوى تقدم الثورة التقنية، يمكننا التأكيد على عمق الترابط بينهما. ولم يكن عبثاً أو مبالغة على كل حال، تسمية الاقتصاد المتقدم، منذ الآن، اقتصاد المعرفة. فالنسبة الكبرى من زيادات الانتاج الراهنة والمتوقعة، على المستويات العالمية والإقليمية، ستأتي عن طريق زيادة الانتاجية، المرتبطة مباشرة بمعدلات التطور العلمي والتقني، أكثر من ارتباطها بزيادة حجم القوى العاملة. لذا يلاحظ في أغلب الدول المتقدمة، ثبات الاهتمام بمستوى الانفاق على البحث العلمي، النظري والتطبيقي، ومستوى نوعيته ومردوديته. بل أكثر من ذلك، يرى كثيرون أنّ صورة العالم القادم، بخطوطها العامة، ستتحدد من خلال طبيعة الانجازات والتطبيقات العلمية والتقنية المقبلة. وتراتبية القوة بدورها ستزداد ارتباطاً بمستويات الانجاز العلمي والتقني. والمجتمعات التي لن تعي أهمية انخراطها في معركة استيعاب التكنولوجيا، أو التي ستفشل بذلك، نتيجة عجزها عن تأمين الانفاق اللازم لاكتساب القدرات العلمية الحديثة، أو لأي سبب آخر، ستجد نفسها أشد تخلفاً وتهميشاً، وربما ستصبح خارج التاريخ. فالسباق إلى تملك التقنيات الحديثة يصبح أكثر فأكثر، قضية حياة أو موت، سواء بالنسبة للأفراد أو للمجتمعات. من هنا أهمية القاء نظرة سريعة على الامكانات والتحديات التي يواجهها وسيواجهها عالمنا، كما يراها المختصون، لأنها ستحدد مستقبله، ومستقبلنا. من المؤكد أن التطورات العلمية والتقنية القادمة لن تستثني بآثارها المباشرة وغير المباشرة، أي جانب من جوانب الواقع المحيط بالكرة الأرضية، من البنى المادية، إلى البنى البيولوجية، وصولاً إلى البنى الاقتصادية والاجتماعية. ليس المقصود هنا القيام باستعراض شامل وتفصيلي لكل السيناريوهات المحتملة للتطور العلمي والتقني القادم، وانعكاساته المختلفة من أجل استخلاص ما يرتبط بموضوعنا. فالمهم، استشراف الوجهة العامة للتطورات المحتملة، خاصة تلك المتوقع منها أن تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر، على الشروط الموضوعية للحياة، وعلى طبيعة التطورات في مجال الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة، وكذلك على صعيد التوازنات الاستراتيجية، وعلى أوضاع المنتجين بعقولهم وسواعدهم.
صفحة 5

مجالات الثورة العلمية التقنية الجارية

تأتي في المقدمة، الأبحاث والانجازات المتعلقة بالبيولوجيا الجزيئية والهندسة الوراثية، لأنها تطال جوهر أواليات الحياة لمختلف الكائنات الحية ولأشكال تجددها وتطورها، وحتى شروط استمرار بقائها. وقد جرى تقدم مذهل في هذا المجال خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، ويتوقع المزيد منه خلال العقود القادمة. فمنذ منتصف القرن السابق، وغداة انتهاء الحرب العالمية الثانية بالتحديد، أي منذ حقق العالمان الكيميائيان واطسن وكريك، كشفهما العلمي الكبير، المتمثل بتحديد التركيب الكيميائي لبنية اللولب المزدوج للكروموزومات الحاملة للبرنامج الوراثي لمختلف الكائنات الحية، افتتح ذلك المسار الذي أكمله علماء آخرون، وأوصلوه عند نهايات القرن العشرين، إلى حد فك كامل شيفرة البرنامج الوراثي البشري؛ ويتابع بعضهم، كشف البرامج الوراثية لبقية الكائنات الحية. ولن يمضي وقت طويل، حتى تكون بحوزة البشرية جداول بكل الشيفرات الوراثية الهامة. بموازاة ذلك، تتعزز بسرعة القدرات التقنية النظرية والعملانية لتحليل تركيبات البنى البروتينية ووسائل تصنيعها مختبرياً، مما يفتح أفقاً يكاد العقل يعجز راهناً عن تخيل كل احتمالاته الممكنة. والتي تشمل تصميم وصناعة أدوية جديدة نوعياً لمختلف أنواع الأمراض الناتجة عن الاصابات البكتريولوجية والفيروسية، أو تلك الناتجة عن أسباب وراثية، أو الأمراض السرطانية، وغيرها. كما تشمل، تعديل الصفات الوراثية للكثير من الكائنات الحية الموجودة في الطبيعة نباتية أو حيوانية، مما يضاعف انتاجيتها مرات عديدة. بل أكثر من ذلك، يمكننا توقع اعادة احياء بعض المنقرض منها. ويذهب بعض المطلعين، ودون مبالغة، إلى حد الجزم، بقرب التوصل في المدى المنظور، إلى تصميم وتصنيع عدد من الكائنات الحية البسيطة، دون الاعتماد على الشيفرات الوراثية الموجودة في الطبيعة، ودون اللجوء إلى آليات التزاوج والتلقيح والانجاب الطبيعية، بل من خلال التركيب المختبري الكامل. ويتصور آخرون امكانية اعتماد تقنيات الهندسة الوراثية القادمة، من أجل انتاج اسلحة بيولوجية موجهة لشل أو تشويه أو إبادة نوع معين من الكائنات الحية، أو سلالة بشرية محددة. وهكذا تتضح آفاق الإمكانات المتاحة، أمام البشرية، ايجاباً وسلباً، فأية امكانات ستتحقق؟
ويمكننا توقع إنجازات مشابهة في مجالات الفيزياء وتقنيات انتاج الطاقة وتوزيعها. فعمليات سبر التركيب الدقيق للذرات ومكوناتها تتواصل وتكشف المزيد والمزيد من اسرار المادة والكون.
ويتفاجأ الفيزيائيون مع كل اكتشاف، بمدى تعقد البنية ما دون الذرية للمادة، ولكنهم يقتربون شيئاً فشيئاً من ادراك طبيعة المادة وصفاتها العميقة، ويمتلكون قدرة متزايدة على التحكم بهذه الصفات وتسخيرها لتحقيق أهداف متزايدة الأهمية. ولم يعد الوقت الذي يتوصلون فيه إلى استغلال أواليات الاندماج النووي لانتاج الطاقة الكهربائية بعيداً. اضافة إلى تحقيق خطوات نوعية، في ميدان الاستفادة من مصادر الطاقات المتجددة والصديقة للبيئة، كطاقة الرياح، والطاقة الشمسية، وطاقة الينابيع الساخنة، والطاقة المتولدة من الفضلات العضوية، بما في ذلك امكانية وضع محطات تحويل الطاقة الشمسية في مدارات حول الأرض. وكذلك تطبيق اساليب وتقنيات جديدة لخزنها ونقلها وتوزيعها، وصولاً إلى انشاء شبكة كهربائية عالمية واحدة تضمن الاستفادة القصوى من القدرات الانتاجية المتنوعة المتاحة. اضافة لامكانية استعمال الطاقة النووية في دفع المركبات الفضائية، أو انشاء مدن مدارية حول الأرض أو حول الشمس، مما يسهل مشاريع ارتياد أرجاء المجرة والفضاء البعيد. خاصة وأنه قد تأكد وجود مئات وآلاف الأنظمة الكونية الشبيهة بنظامنا الشمسي. ولا يستبعد كثير من علماء الفيزياء والبيولوجيا، احتواءها أجراماً تعيش فيها أشكال من الكائنات الحية، أو على الأقل صالحة لايوائها. ولكن في المقابل، نجد أن ذات المعارف والتقنيات والقدرات المتوقعة، ستتيح تطوير وتعميم أنظمة عسكرية أكثر فاعلية في مجال التدمير والابادة. فماذا ستختار البشرية؟
وإذا انتقلنا إلى مجال آخر، هو مجال الالكترونيات والأتمتة والروبوتيك، فان ما أنجز، خلال الربع الأخير من القرن العشرين، قد غير وجه الكرة الأرضية، وما يتوقع انجازه، سيغيره أكثر فأكثر. لقد جعل الراديو، والتلفزيون، والهاتف المحمول، والكومبيوتر، والانترنت، العالم، إلى جانب وسائل النقل الحديثة، قرية صغيرة، كما بات شائعاً في الأدبيات المختلفة. ولعل الأبحاث المتسارعة في ميدان الذكاء الاصطناعي، تبشر بمفاجآت مذهلة. فقد توقع مدير أحد أهم المختبرات اليابانية في هذا المجال، أن يتوصل العلماء إلى تركيب روبوت بذكاء النحلة بحدود العام 2010، وروبوت بذكاء الفأرة بحدود 2020، وروبوت بذكاء القرد بحدود 2030، وروبوت بذكاء الإنسان البدائي حوالى العام 2050. سواء صحت هذه التوقعات أم لا، ضمن المهل الزمنية المقدرة، فان التقدم المتسارع في هذا الحقل البالغ الأهمية، سيسمح بتحققها ولو بتاريخ أبعد قليلاً. وستفرض قفزة تقنية بهذا الحجم تغيرات اجتماعية عميقة غير مسبوقة من حيث الأهمية، يصعب تحديد تداعياتها، على الرغم من أن بعض تباشيرها قد بدأت بالظهور منذ الآن، سواء على صعيد معدلات زيادة الانتاجية وبنية الانتاج، أو على صعيد التوزع الجغرافي للقدرات الاقتصادية، أو على صعيد شروط العمل وديمومته، أو معدلات البطالة،.... وليست الأزمة المالية - الاقتصادية التي يمر بها العالم راهناً ببعيدة عن ذلك. ولن تمضي عقود قليلة إلا وتصبح الآثار هذه، شديدة الوطأة على التوازنات الاجتماعية والاستقرار السياسي لمختلف المجتمعات المتقدمة والنامية والمتخلفة. فكيف سيعالج العالم ذلك كله؟ حتى الآن، نجحت الرأسمالية في تحفيز الثورة العلمية - التقنية، وفي الاستفادة منها. وستواصل ذلك لفترة من الزمن على الأرجح، على الرغم من الأضرار التي تسبب بها جموح صيغتها الليبيرالية المتطرفة خلال العقود الثلاثة المنصرمة. ولكن يبقى السؤال: إلى متى؟ وبأي ثمن اقتصادي وبيئي وإنساني؟ وفي خدمة من؟ وهل ستستفيد البشرية من الثورة التقنية لفهم ومعالجة المشاكل والمعضلات العالمية التي باتت تتطلب حلولاً عاجلة في المدى المباشر، وحلولاً أكثر جذرية في المدى الأبعد؟ وهل سيبقى من مبرر، أو امكانية فعلية للاحتفاظ بنظام انتاج قائم على حافز الربح، بعد تطور الروبوتات إلى مستوى يقارب قدرات العقل البشري؟ إنها ليست مسألة متعلقة بالمستقبل البعيد، بل بالعقود القليلة القادمة. إنه اختبار تاريخي ستخضع له الرأسمالية العالمية، وسيتوقف عليه مستقبلها ومستقبلنا.
صفحة 6

الحرب الباردة وما بعدها

مقدمات الحرب الباردة

في تشرين الثاني عام 1943، اجتمع قادة الحلفاء الثلاثة الكبار (قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية)، فرانكلين روزفلت وجوزيف ستالين وونستون تشرشل، في مؤتمر طهران، لمناقشة كيفية اعادة، تشكيل نظام ما بعد الحرب، وخاصة المستقبل السياسي للقارة الأوروبية. ولكن الحرب لم تكن قد انتهت بعد، فلم يتوصل المؤتمرون إلى أية نتائج هامة، ولكنها كانت البداية. وفي تشرين الأول من عام 1944، أي بعد عام تقريباً، سافر ونستون تشرشل إلى موسكو، وطرح على ستالين أفكاراً حول رسم دوائر النفوذ الممكنة للقوى المتحالفة، خاصة على الصعيد الأوروبي. رفض الأميركيون تلك المقترحات عندما اطلعوا عليها. ولكن نهاية الحرب، أرست ميدانياً، مستقبل الخريطة السياسية لأوروبا والعالم لحقبة طويلة نسبياً، انطلاقاً من الخطوط التي توقفت عندها الجيوش المتحاربة. فالدول التي حررها الحلفاء، اصطفت وراء الولايات المتحدة، والدول التي حررها الجيش الأحمر، وقفت خلف الاتحاد السوفياتي. ولكن بينما كانت الولايات غداة الحرب العالمية الثانية في أوج قوتها، كان الاتحاد السوفياتي منهكاً بفعل الثمن الباهظ الذي دفعه خلال تلك الحرب. حيث فقد من جرائها عشرين مليون مواطن، ودمر ثلثا قدرته الصناعية، وأتلف نصف أراضيه الزراعية. لذا كان أكثر ميلاً من الولايات المتحدة للابتعاد عن المجابهة، وتكريس كل جهوده لترميم ما دمرته الحرب. وكان أصلاً، قد حسم خياره على الصعيد الفكري والأيديولوجي، منذ فترة طويلة لصالح نهج بناء الاشتراكية في بلد واحد، وتخلى عن فكرة تصدير الثورة. ولم تكن لديه بالتالي لا المصلحة ولا الدافع الأيديولوجي لمباشرة الحرب الباردة. كان يرغب بالاكتفاء من هزيمة ألمانيا النازية ودول المحور، باستعادة ما سبق وتنازل عنه من الأراضي الروسية للألمان قبل عشرين سنة، واعادة الوضع إلى ما كان عليه في الشرق الاقصى قبل عام 1905، أي استعادة ما كان قد استولى عليه اليابانيون. أما في ما تعلق بأوروبا الشرقية، فقد حرصت القيادة السوفياتية وستالين شخصياً، على قيام أنظمة موالية في دولها، ليس من اجل استخدامها منصة للانقضاض على أوروبا الغربية في سياق مخطط هجومي، كما كانت تشيع الدعاية الأميركية، بل لجعلها حاجزاً دفاعياً بوجه الغرب الذي لم تكن مطمئنة لا لنيّاته ولا لسياساته العملية. وقد أتت التطورات اللاحقة لتؤكد صحة تلك المخاوف لدى القيادة السوفياتية. وكان مشروع مارشال لاعادة اعمار أوروبا، من أولى تلك السياسات المثيرة للقلق. أما هذا المشروع، فقد اقترحه الوزير الأميركي جورج. س. مارشال في محاضرة له ألقاها بجامعة هارفرد في حزيران 1947. وعلى الرغم من أنه لم يستثن الاتحاد السوفياتي ودول اوروبا الشرقية منه صراحة، الا أن أهدافه الحقيقية اتضحت عندما أقر الكونغرس مصادر التمويل وكانت كلها تقريباً من قبل أولئك الذين رأوا إلى المشروع كاحدى وسائل الرد على ما اعتبروه تهديداً سوفياتياً لأوروبا الغربية. فردت موسكو على مشروع مارشال بانشاء مكتب الاستعلامات الشيوعي (الكومنفورم). وهو المنظمة التي جمعت تحت راية الحزب الشيوعي السوفياتي، القسم الأكبر من الاحزاب الشيوعية في العالم، وخاصة في أوروبا.
صفحة 7

بداية الحرب الباردة

لقد اعتبر أغلب المحللين السياسيين، أن إقرار مشروع مارشال من جهة، وتأسيس الكومنفورم من جهة أخرى، حسما انقسام أوروبا إلى معسكرين متصارعين. لقد بات جلياً منذ ذلك الوقت، أن الجانبين الأميركي والسوفياتي قد وضعا نفسيهما في خندقين متقابلين، وباشرا صراعاً شاملاً أعطي لاحقاً اسم "الحرب الباردة". وقد وضع جورج. ف. كينان، الاطار النظري لتلك الحرب، في مقال تحت عنوان "مصادر سلوك السوفييت". انطلق كينان من حقيقة كون الاتحاد السوفياتي أكثر ضعفاً من الولايات المتحدة، وأن المجتمع السوفياتي ونظامه يحملان عوامل قصور ستزيد من ضعفه. لم يكن يرى في 1947، أي تهديد عسكري مباشر من قبل السوفيات، ولكنه كان يتوقع مخاطر ذات طبيعة أيديولوجية - سياسية، كتلك التي ظهرت بوادرها، من خلال صعود الأحزاب الشيوعية الحليفة للسوفيات في ايطاليا وفرنسا ودول أخرى في أوروبا وخارجها. فاقترح اعتماد استراتيجية احتواء طويلة الأمد للاتحاد السوفياتي، لمنعه من استغلال تناقضات المجتمعات الرأسمالية، واثارة الاضطرابات والانتفاضات داخلها. وقد أوضح كينان لاحقاً في عام 1987، خلال مناقشة حول سياسة الاحتواء التي سبق وطرحها بعيد الحرب العالمية الثانية وعشية الحرب الباردة، أنه كان يعتقد يومها بوجود احتمال لوصول أحزاب شيوعية إلى السلطة في بعض الدول الهامة، وخاصة ايطاليا وفرنسا وربما اليابان. ولكنه أكد أن مقالته قد تعرضت للتحريف. فالساسة الأميركيون قد ضخموا الخطر العسكري السوفياتي، وأعطوا الأولوية للجانب العسكري من استراتيجية الاحتواء المقترحة. وترجموا ذلك بسلسلة من القرارات والتدابير والخطط التي فاقمت من مخاوف الاتحاد السوفياتي، ودفعته للانخراط في الحرب الباردة. تصرف الرسميون الأميركيون وكأن السوفيات، بدفع من عقيدتهم الثورية، سيعتمدون بالضرورة سياسات عدوانية توسعية. في المقابل رأى هؤلاء، أن الأميركيين يسعون لاستغلال تفوقهم الاقتصادي والعسكري من أجل التضييق عليهم وخنقهم. فقد وصفت الأدبيات السوفياتية آنذاك مشروع مارشال بأنه جزء من سياسة الولايات المتحدة للسيطرة على العالم. وجاء في البيان التأسيسي للكومنفورم "أن الامبريالية تتبع خطة عامة من أجل التوسع العالمي". ولم تكن تلك القناعات بدون أساس. فقد كان من أولى القرارات التي اتخذها ترومان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، قطع مساعدات "الاعارة والتأجير" للاتحاد السوفياتي، كان روزفلت قد وافق في يالطا، حيث عقد أحد أهم الاجتماعات بين قادة الحلفاء لتنظيم العالم بعد الحرب العالمية الثانية، على تأمين تعويضات لا تقل عن عشرين مليار دولار يخصص نصفها تقريباً لموسكو، ولكن عندما اجتمعت لجنة التعويضات في بوتسدام في شهر حزيران 1945، تراجعت الولايات المتحدة عن تعهداتها وتدنى المبلغ إلى أقل بكثير من توقعات السوفيات. ثم طرأ حدث آخر، عزز انطباع القيادة السوفياتية باتجاه الأميركيين لحصارهم اقتصادياً، عندما تقدمت موسكو بطلب قرض من واشنطن بقيمة 6 مليارات دولار، ولدى مراجعة مولوتوف بمصير القرض، جاءه الجواب بأن الطلب قد قدم إلى المرجع الخطأ. وبعد مدة طلب السوفيات قرضاً بقيمة مليار دولار، في اجتماع لوزراء خارجية الدول الحليفة، فلم يحصلوا على رد.ولم تقف المسألة عند حدود الحملات الإعلامية والضغط المالي والاقتصادي، بل تعدت ذلك إلى حدود الضغط والحصار العسكري. الخطوة الأولى بدأت باتفاق دنكرك، عندما وقع الأنجليز والفرنسيون على اتفاق ينص على ترتيبات دفاعية بوجه ألمانيا شكلياً. ولكن في آذار 1948، تم توسيع الاتفاق المذكور بضم دول البنيلوكس، وصار موجهاً بوضوح ضد الاتحاد السوفياتي.
وفي تموز 1948، أي بعد شهر من من تنفيذ حصار برلين، بدأت المفاوضات لاعلان تحالف رسمي مع الولايات المتحدة. وفعلاً، بعد تسعة أشهر تالية، أي في نيسان 1949، وقع في بروكسل اتفاق حلف شمال الأطلسي، الذي ضم اضافة للخمسة الأصليين، كلاً من كندا والدانمارك وايسلاندا وايطاليا والبرتغال والولايات المتحدة. وفي نيسان من العام التالي، تبنى مجلس الأمن القومي الأميركي تقريراً اعتبر السلوك السوفياتي خطراً، ويستهدف "فرض سيطرة موسكو على باقي العالم". ودعا إلى تعزيز بناء القدرات العسكرية الأميركية بما يحول دون امتلاك السوفيات زمام المبادرة الهجومية ضد الولايات المتحدة. وجاء هجوم كوريا الشمالية التي كان يدعمها السوفيات على كوريا الجنوبية في حزيران 1950، كما لو أنه تأكيد لصحة ذلك التقرير. فقد اعتبرت واشنطن أن الحرب الكورية "بداية لاندفاعة توسعية للاتحاد السوفياتي"، بينما اعتبرت موسكو أن الرد العسكري الأميركي المباشر في كوريا، تهديداً للسوفيات في منشوريا وشرق سيبيريا. لم تكن الترتيبات العسكرية الأميركية في أوروبا وحدها ما أزعج موسكو، فقد أعقبتها سلسلة من الترتيبات والمعاهدات الدفاعية المشتركة مع اليابان عام 1950، والفيليبين عام 1951، وكوريا عام 1953، والصين الوطنية عام 1954، ومع ايران وتركيا وباكستان عام 1959. وعندما تسلم الرئيس نيكسون مقاليد الحكم سنة 1969، كانت الولايات المتحدة قد أصبحت شريكاً في اتفاقات عسكرية متنوعة مع أكثر من 43 بلداً.
وكان من حق الاتحاد السوفياتي أن يرى في تلك الاتفاقات عملية تطويق استراتيجي، قد يعقبها تفكير أميركي بامكانية تحقيق انتصار عسكري عليه في أية مجابهة مباشرة. علما بأن الجنرال جروفز مدير مشروع مانهاتن، الذي أسفر عن صناعة القنبلة النووية الأميركية، اقترح في مداولات رسمية جرت عام 1946، أن تبادر الولايات المتحدة إلى ضرب أي مشروع لانتاج السلاح النووي في أية دولة من دول العالم. أما المخطط العسكري فليت وود، فقد اقترح سنة 1948، أن تتولى الطائرات الأميركية شن حملة جوية شاملة على مدن الاتحاد السوفياتي تستخدم فيها القنابل النووية. وفي عام 1950، طرح وزير البحرية الأميركي فرنسيس ماتشو أن يبادر الأميركيون لتوجيه الضربة الأولى، حتى لا يسبقهم السوفيات اليها. وعادت مثل هذه الاقتراحات المجنونة لتطرح على الهيئات المقررة وعلى الرأي العام، خلال حرب فييتنام. وكان أبرز الداعين إلى ذلك المرشح إلى رئاسة الجمهورية الاميركية باري غولدووتر. ويستطيع أي مراقب أن يتخيل شعور السوفيات حيال طروحات كهذه. ولكن لحسن حظهم وحظ الأميركيين والعالم بأسره، أن هذه الدعوات المجنونة لم تتحول إلى قرارات.
صفحة 8

نهاية الحقبة الستالينية

استطاع الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية، وتحت قيادة ستالين الصارمة، أن يحقق انجازات استراتيجية كبيرة. فقد رد على قيام الحلف الأطلسي بانشاء حلف وارسو. ثم حصل عل دعم استراتيجي غير متوقع بانتصار الثورة الشيوعية في الصين بقيادة ماو تسي تونغ. ومنع الأميركيين من القضاء على النظام الشيوعي في كوريا الشمالية. ولكن النظام الستاليني أعطى العالم صورة قاتمة عن الاتحاد السوفياتي، فاقمتها الدعاية الأميركية القوية والمهيمنة. وبعد وفاة جوزيف ستالين سنة 1953، اتجهت القيادة الجديدة إلى تجديد علاقاتها مع الغرب وتحسين صورتها في العالم. ففي 15 آذار 1953، صرح جورجي مالنكوف السكرتير الأول للحزب الشيوعي السوفياتي، " ليس هناك خلافات غير قابلة للحل مع الدول الأخرى بالوسائل السلمية، بما في ذلك الولايات المتحدة ". وفي اليوم التالي كرر أندريه غروميكو الفكرة ذاتها في الولايات المتحدة، داعياً إلى الاسراع في التفاوض حول الهدنة في كوريا. ترافق ذلك مع اعادة العلاقات الديبلوماسية مع اسرائيل، وتبادل السفراء مع يوغوسلافيا واليونان، وحل الخلافات مع تركيا. كما ترافق مع تطور ايجابي في العلاقة مع الهند واليابان، ودول أخرى. كل تلك التطورات كانت مؤشراً على تغير المناخ في موسكو بعد وفاة ستالين. وفي أيار 1955، أقدمت القيادة السوفياتية على خطوة لم تكن متوقعة، اذ بادرت إلى توقيع معاهدة سلام مع النمسا، تلاها انسحاب كامل لكل القوات الغربية واعلان حياد النمسا المطلق. وكان السوفيات يأملون أن تشكل تلك الخطوة وسيلة لاغراء شرق وغرب ألمانيا لاعادة الوحدة واعلان الحياد. ولكن عملية اعادة تسليح ألمانيا الغربية ودمجها في نطاق منظومة الدفاع الأطلسية، كانت قد قطعت شوطاً كبيراً، وبات تحقق الرغبة السوفياتية بعيد المنال. لقد أرسى الانسحاب السوفياتي من النمسا الخطوط النهائية لأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبدا كما لو أن العالم مقبل على فترة من الهدوء.
وفعلاً، شهدت العلاقات بين الشرق والغرب، خاصة بعد مؤتمر الأقطاب الاربعة الذي عقد في جنيف في تموز 1955، مزيداً من التحسن. وفي شباط 1956، ألقى نيكيتا خروتشيف خطابين هامين أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، تميّزاً بثلاث أطروحات مفاجئة.
الأولى: تعرية المرحلة الستالينية، بكل ما رافقها من تعسف وأخطاء وجرائم. الثانية: اعلان تحويل تكتيك التعايش السلمي بين الاشتراكية والرأسمالية التي كان لينين أول من اعتمده، إلى استراتيجية ثابتة ودائمة. الثالثة: الموافقة على حق كل دولة ومجتمع باختيار طريقه الخاص إلى الاشتراكية. وقد أطلقت تلك الطروحات جدلاً واسعاً داخل صفوف الحركة الشيوعية واليسارية في العالم، وانقسمت الأوساط التقدمية في العالم بين مؤيد ومتحفظ ومعارض. وكان من الممكن أن تفسح أفكار خروتشيف الجديدة في المجال لزيادة فرص التهدئة التي كانت قد بدأت على صعيد العلاقات بين الشرق والغرب، ولكن ما حصل فعلا كان مغايراً. كان من النتائج المباشرة لتلك الطروحات، انفجار اضطرابات واسعة في عدد من دول أوروبا الشرقية، أخطرها في بولونيا والمجر حيث استطاع جومولكا استيعابها في بولونيا، دون اضطرار السوفيات للتدخل، ولكن القيادة المجرية عجزت عن ذلك. ففي 30 تشرين الأول 1956، أعلن رئيس وزراء المجر ايمري ناجي، أن المجر لن تستمر بقيادة الحزب الواحد، وستخرج من حلف وارسو وتعلن حيادها. ولكن في 4 تشرين الثاني، أي بعد خمسة أيام، قامت القوات السوفياتية بسحق الانتفاضة الموالية للغرب، وسلمت السلطة إلى جانوس كادار. أدانت الدول الغربية التدخل السوفياتي في المجر، ولكنها كانت متورطة في العدوان الثلاثي على مصر، الذي كان قد تم في 29 تشرين الأول 1956، حيث أقدمت اسرائيل وفرنسا وبريطانيا على شن هجوم منسق على مصر لاعادة السيطرة عل ادارة قناة السويس التي كان الرئيس جمال عبد الناصر قد أعلن تأميمها. لم يكن التأميم سوى الذريعة المباشرة للعدوان، التي غطت الأسباب الأخرى التي لا تقل أهمية. منها صفقة السلاح الشهيرة التي كانت القيادة المصرية الجديدة قد عقدتها مع التشيك بموافقة السوفيات، والتي كسر جمال عبد الناصر بموجبها حصار التسليح الذي كان الغرب قد فرضه على الثورة المصرية. ومنها الحذر، بل النقمة، على سياسات ناصر الجديدة على صعيد المنطقة العربية وعلى صعيد العالم الثالث عامة. فقبل سنة تقريباً من العدوان الثلاثي على مصر كان زعماء آسيا وافريقيا، قد عقدوا مؤتمرهم التاريخي في باندونغ. وكانوا قد اتفقوا، على الرغم من تبايناتهم الأيديولوجية والسياسية، على حد أدنى من التوجهات التي تسمح باستكمال استقلالهم السياسي الحديث العهد وتثبيته. وكانوا جميعاً مقتنعين بأن طموحهم لبناء اقتصاد وطني مستقل ومجتمع متحرر، سيضعهم في مواجهة الغرب الأطلسي المهيمن، خاصة وأن غالبيتهم لم تكن مقتنعة بالمشاركة في استراتيجية محاصرة الاتحاد السوفياتي، دون أن يعني ذلك استعدادهم للانضمام إلى صف السوفيات. وهكذا نشأت فكرة الحياد الايجابي، ولم تكن بعيدة عن التوجهات الصينية غير المتبلورة بعد آنذاك. وقد حقد الغرب على قادة باندونغ البارزين وفي مقدمتهم (ناصر وسوكارنو ونكروما وموديبو كيتا)، وقد تخلص منهم تباعاً عبر الانقلابات العسكرية أو القتل والتصفية الجسدية. ولم يكن العدوان الثلاثي على مصر سوى احدى المحاولات الأولى لوأد روح باندونغ، لحقته محاولات أخرى عديدة، منها العدوان الاسرائيلي في 5 حزيران 1967 حيث انتقم الغرب عبرها بقيادة الولايات المتحدة من قادة باندونغ جميعاً، بين 1956 و1968. ولكن المشروع الذي طرحه أولئك القادة، والذي أكد على: تنمية القوى المنتجة وتنويع أوجه الانتاج والتصنيع، وعلى دور الدولة الوطنية في ادارة النهوض الاقتصادي، وعلى تأمين قدر من العدالة الاجتماعية ومراعاة حقوق المنتجين والفقراء، والحد من التبعية للمراكز الرأسمالية العالمية، بقي حتى اليوم عنوان نضال العالم النامي. لقد فشل العدوان الثلاثي في اسقاط نظام عبد الناصر، وقد ساهم في افشاله، المقاومة المصرية القوية، والتهديد السوفياتي بالرد على العدوان، والتردد الاميركي بدعم المعتدين. وأدى ذلك إلى تسريع عملية الانكفاء الشامل للاستعمارين الفرنسي والبريطاني عن المنطقة العربية، التي انتقلت بعده إلى حقبة الاستقطاب الثنائي الأميركي- السوفياتي. كما أدى إلى صعود سريع لحركة القومية العربية بقيادة مصر الناصرية، والى تعزيز النفوذ السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط. مما دفع بالأميركيين لاعلان مبدأ أيزنهاور الخاص بمنطقة الشرق الأوسط، في كانون الثاني1957، الذي تضمن استعدادهم لتقديم المساعدة الاقتصادية والعسكرية لاي بلد في المنطقة، يرغب في تأمين حماية نفسه من "خطر الشيوعية الدولية". وترجم الأميركيون ذلك، بزيادة شحنات السلاح إلى دول المنطقة، وخاصة اسرائيل والأردن، وأقدموا على انزال بحري في لبنان عام 1958. وكان التوتر قد ازداد تصاعداً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي اعتباراً من تشرين الأول 1957، بسبب نجاح الاخير باطلاق اول قمر صناعي في تاريخ البشرية. حيث انتقل الاميركيون من حالة الاستهانة النسبية بالقدرات السوفياتية إلى مرحلة القلق الشديد من قدرتهم التقنية المتصاعدة والتي وضعت الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها تحت مرمى النيران، المتمثلة بالصواريخ النووية البالستية السوفياتية. في آب 1958، قامت الصين الشعبية بقصف ثقيل لجزيرتي كيجوي وماتسو المتنازع عليهما مع تايوان، مما أدى لتصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة. ودفع ذلك الصين لتسريع برنامجها النووي لخلق توازن نسبي مع القوة الأميركية. وبات على الأميركيين مواجهة قوتين نوويتين في الوقت عينه. وفي السنة ذاتها، اندلعت الأزمة الثانية حول برلين، وتطورت إلى فرض حصار سوفياتي عليها. وقد هدد السوفيات باعتبار أي محاولة غربية لكسر الحصار بمثابة اعلان حرب على الاتحاد السوفياتي. لقد كانت القيادة السوفياتية تريد خلال تلك الأزمة، انتزاع اعتراف من الغربيين بألمانيا الشرقية. وبعد سلسلة من الاجتماعات لوزراء الخارجية، قبلت بفك الحصار، وتابعت مطالبتها بالحصول على اعتراف بألمانيا الشرقية. وتواصلت الأزمات الاقليمية والدولية بعد ذلك بصورة متقطعة، كما جرت حروب اقليمية ومحلية عديدة، تخللتها فترات قصيرة من الهدوء والانفراج. وكانت أزمة اسقاط السوفيات لطائرة الاستطلاع الأميركية (يو 2) في أيار 1960، فاتحة تلك الحقبة من الأزمات. تلتها أزمة أكثر خطورة، بعد فشل عملية الغزو لخليج الخنازير في كوبا، وذلك في 22 تشرين الاول 1962، عندما فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على كوبا اثر اكتشافها لمنصات صواريخ نووية سوفياتية في الجزيرة المعاندة. ورد السوفيات باعلان استنفار نووي لقوات حلف وارسو. واقتضى الأمر خمسة ايام من المفاوضات الصعبة، قادها خروتشيف من الجانب السوفياتي وجون كينيدي من الجانب الأميركي. وفي النهاية توصلا إلى حل تم بموجبه سحب منصات الصواريخ، لقاء تعهد أميركي بعدم الاعتداء على كوبا مجدداً. وتنفس العالم الصعداء، لأن تلك الأزمة كانت قد وضعت الدولتين العظميين على حافة الصدام.ولكن تلك التجربة أظهرت للقادة الأميركيين والسوفيات حجم المخاطر التي تنتظرهم اذا واصلوا سياسات المجابهة. فبادر كينيدي في حزيران 1963، وفي خطاب ألقاه باحدى جامعات واشنطن إلى اعلان رغبة الولايات المتحدة بخفض التوتر مع الاتحاد السوفياتي، وفتح صفحة جديدة من العلاقات الايجابية بين البلدين.
صفحة 9

حقبة الانفراج

بعد ستة اسابيع فقط من خطاب كينيدي، أي في 25 تموز 1963، وقع الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وبريطانيا على ميثاق وقف التجارب النووية في الجو أو الفضاء أو تحت الماء.
وقد تابع ليندون جونسون نهج كينيدي في خفض التوتر مع السوفيات. وأكد في رسالة وجهها إلى الشعب السوفياتي في أيلول 1966، حرص الأميركيين على ما تم انجازه بين البلدين، في سبيل تجنب الحرب وبناء علاقات صداقة وتعاون بين الشعبين الأميركي والسوفياتي. وفي نهاية عام 1968، وقعت الدولتان العظميان، معاهدة وقف سباق التسلح النووي (سالت)، على الرغم من أن العدوان الاسرائيلي على الدول العربية الذي كان قد حصل قبل سنة من ذلك تقريباً، أي في حزيران 1967، وأحداث تشيكوسلوفاكيا التي جرت في آب 1968، والتورط الأميركي في فييتنام الذي كان يتوسع، ألقت ظلالاً على المناخ الدولي، وأبطأت مسيرة الانفراج إلى حد ما. اضافة إلى أن الصين كانت تعيش حالة اضطراب سياسي واجتماعي واسع في سياق ما عرف بالثورة الثقافية. وكذلك أوروبا التي كانت تمر بحقبة توترات سياسية أثارتها حركة شبابية واسعة، أطلقت عليها الصحافة العالمية آنذاك الثورة الطالبية. لقد صمد الوفاق الدولي، وتابعت واشنطن، وموسكو سياسة لجم التوترات والبحث عن الحلول السلمية للصراعات المختلفة التي كانت تندلع في أكثر من منطقة في العالم، لأن توازن القوى بينهما، وحجم الخطر النووي كانا يدفعان بهذا الاتجاه. فتم توقيع معاهدة سلام بين ألمانيا الغربية والاتحاد السوفياتي سنة 1970، وبينها وبين بولونيا سنة 1972. وهكذا كرست الحدود النهائية في أوروبا كما رسمتها الحرب العالمية الثانية. وتوجت تلك الفترة من الوفاق بتوقيع نيكسون وبريجنيف عام 1972 على جملة معاهدات للحد من الصواريخ النووية العابرة للقارات، والصواريخ المضادة للصواريخ، عرفت بمعاهدات (سالت). لقد برر كيسينجر في مذكراته، تجاوب الأميركيين مع رغبات السوفيات بتطوير نهج الانفراج، بحاجتهم لمساعدة موسكو من أجل وضع نهاية مشرفة لتورطهم في فييتنام. أما من الجانب السوفياتي فكان يرغب بخفض التوتر مع الولايات المتحدة للالتفات أكثر إلى مشكلته المتصاعدة مع الصين، وللاهتمام بمصاعبه الاقتصادية المتفاقمة، التي قد تساهم بعض التقنيات الأميركية بتسهيل حلها. ولكن الأمور لم تسر كما رغب الطرفان. فبعد سقوط نيكسون في فترة ما بين 1973 - 1974، اثر انفجار فضيحة ووترغيت، عادت خطوط التماس الدولية بين موسكو وواشنطن للاشتعال سريعاً.
صفحة 10

استئناف الصراع

في نهاية عام 1974، وافق الكونغرس على مقترحات جاكسوم- فانيك، التي تتضمن رفض مساواة الاتحاد السوفياتي بالدول ذات الرعاية بالنسبة للولايات المتحدة، ومنع بنك الاستيراد الأميركي من تمويل العمليات الخاصة بالسوفيات. وجاء ذلك في سياق عودة التصلب للعلاقات السوفياتية - الأميركية. حيث رأى السوفيات أن الولايات المتحدة تلجأ مجدداً إلى استعمال العلاقات التجارية، كوسيلة ضغط عليهم. وأنها تستأنف سياسة سباق التسلح وتشديد الحصار الاستراتيجي ضدهم. كما أنها تحاول اقامة تنسيق مع الصين في مواجهتهم. وأخيراً وليس آخراً، تزيد من تدخلاتها المباشرة في شؤون أوروبا الشرقية، وشؤون الاتحاد السوفياتي الداخلية.
بينما كان الأميركيون منزعجين من استمرار الدعم السوفياتي لفييتنام ولباقي القوى المتمردة على الهيمنة الأميركية، وأنهم يحسنون دفاعاتهم التقليدية والنووية في شرق أوروبا، خاصة عبر نشرهم لمنظومة صواريخ (أس.أس.20)، اضافة لاستمرار نشاطهم في العالم الثالث، ومحاولاتهم الدؤوبة لتوسيع نفوذهم داخله. هذا النشاط الذي كان قد بدأ في منتصف الخمسينيات، باقامة علاقات تعاون أو تحالف مع هند نهرو، ومصر جمال عبد الناصر، واندونيسيا سوكارنو، وجزائر بن بيلا، تحت عنوان ضرورة اسناد الأنظمة البرجوازية الوطنية بوجه ضغوطات الامبريالية الغربية والأميركية على الأخص. وما فاقم من تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والسوفيات اقدام هؤلاء، على تشجيع ردود واسعة على النجاح الأميركي باسقاط الأنظمة الوطنية في الدول المشار اليها، أدت إلى تحولات سياسية جذرية قادتها قوى وأحزاب تتبنى الفكر الماركسي بهذا القدر أو ذاك، وتعلن تحالفها الصريح مع الاتحاد السوفياتي، في العديد من دول العالم الثالث.
- في ربيع 1975، سحقت قوات فييتكونغ بدعم من قوات فييتنام الشمالية، جيش فييتنام الجنوبية المعد من قبل الأميركيين، وتم الاستيلاء على السلطة في سايغون. وفي ذات الوقت كانت قوات الباتيت لاو تستولي على السلطة في لاوس.
- في مطلع 1976، الحقت الحركة الشعبية لتحرير أنغولا بقيادة أغسطينو نيتو، المدعومة من السوفيات، هزيمة كاملة بالقوى الأخرى التي كانت تنافسها على السلطة.
- في شباط 1977، قبض الكولونيل منغستو هيلا مريام على السلطة في أثيوبيا، ثم تلقى مساندة مباشرة من الجيش الكوبي، لمواجهة الأخطار الاقليمية التي تعرض لها.
- في نيسان 1978، سيطر حزب نور محمد تراقي الحليف للسوفيات على مقاليد الحكم في أفغانستان. - في حزيران 1978، قام الجناح الماركسي في اليمن الجنوبي بازاحة القوى الأخرى من السلطة وتفرد بها.
- في كانون الثاني 1979، دخلت قوات فييتنام الشمالية إلى كمبوديا وأقامت فيها نظاماً موالياً مكان نظام بول بوت الدموي.
شكلت تلك النجاحات التي حققتها قوى صديقة أو حليفة للسوفيات، تعويضاً للخسائر التي كان الأميركيون قد ألحقوها بهم في أمكنة أخرى، في سياق التنافس المتواصل بينهما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. كما شكلت دليلاً على تحول في ميزان القوى لصالح الاتحاد السوفياتي، الذي كان قد استطاع آنذاك، بلوغ مستوى التعادل العسكري الاجمالي مع الولايات المتحدة. اضافة إلى حالة الضعف النسبي الذي كان قد لحق بالادارة الأميركية اثر فضيحة ووترغيت. وكانت ادارة كارتر مسؤولة إلى حد كبير عن تسارع منحى التدهور في العلاقات الأميركية السوفياتية، حيث أقدمت عام 1977، على تعديل موقف الولايات المتحدة من اتفاقات (سالت 2). وعملت على استبعاد الاتحاد السوفياتي عن المشاركة في عملية السلام في الشرق الأوسط، ونظمت عملية الانقلاب الساداتي على التحالف المصري - السوفياتي الذي كان جمال عبد الناصر قد أرسى دعائمه. وضاعفت الجهود لاستغلال الخلاف الصيني - السوفياتي. وجمدت مبلغ ملياري دولار كانت مخصصة لتمويل مشتريات الاتحاد السوفياتي من القمح. وباشرت عام 1979، تقديم المساعدات العسكرية لقوات الطالبان التي كانت تقاتل الجيش السوفياتي. وفي عام 1980، منعت رياضييها من المشاركة في أولمبياد موسكو. ثم أوقفت بيع المعدات التقنية للمؤسسات السوفياتية، الخ..... وما أن أطل عقد الثمانينيات حتى كانت العلاقات بين الجبارين الدوليين قد اقتربت من القطيعة، فدفعها اليها مجيء رونالد ريغن إلى رئاسة الولايات المتحدة. ففي أول مؤتمر صحفي له بتاريخ 29 كانون الثاني 1981، قال: "إنّ قادة الاتحاد السوفياتي احتفظوا لأنفسهم بحق ارتكاب أي جريمة، اضافة لتميزهم بالكذب والخداع ". ثم قال في خطاب آخر ألقاه في آذار 1983: "إن الاتحاد السوفياتي ليس سوى امبراطورية للشر". ولامست العلاقات الأميركية - السوفياتية حدود الاصطدام مرة أخرى، في أول أيلول 1983، عندما اسقطت قوات الدفاع الجوي للجيش السوفياتي طائرة الخطوط الجوية الكورية (007)، وقتل في الحادث 269 راكباً كانوا على متنها. وكانت الطائرة قد اخترقت المجال الجوي السوفياتي، وحلقت عبره لعدة ساعات. وقد حملت القيادة السوفياتية الولايات المتحدة المسؤولية عن حياة الركاب الأبرياء، لأنها كلفت طاقم الطائرة بمهام تجسسية. وفي نهاية شهر أيلول ذاته، أعلن يوري أندروبوف بصفته رئيس الحزب والحكومة: " أن التطورات السياسية في العالم تزيل أي وهم بامكانية تحسين العلاقات الأميركية - السوفياتية بظل ادارة ريغن". وكان هذا الأخير قد ضاعف قبل مدة غير بعيدة، أرقام الموازنة العسكرية للبنتاغون، وأعلن استراتيجيته العسكرية الطموحة التي اشتهرت بخطة "حرب النجوم". في تلك الفترة من مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، وفي ظل ريغن وأندروبوف، كانت الحرب الباردة قد بلغت أوجها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وكانت قد كلفت الدولتين العظميين طيلة أربعة عقود، آلاف مليارات الدولارات، وساهمت باندلاع عشرات الحروب في أرجاء متعددة من العالم، أزهقت فيها أرواح ملايين البشر. لقد ربحت الولايات المتحدة تلك الحرب، ليس من خلال الانتصار المباشر على الاتحاد السوفياتي، وقد كان ذلك مستحيلاً بفعل توازن الرعب النووي، ولكن بفعل الانهيار السياسي للنظام السوفياتي بفعل تناقضاته الخاصة. وقد جرى ذلك اثر تجربة البيريسترويكا، التي قادها غورباتشيف في المنتصف الثاني من عقد الثمانينيات المشار اليه. لقد تميزت الرأسمالية الأميركية، والنظام السياسي الأميركي، طيلة تلك الحرب، بروح قتالية عالية ودينامية لافتة حيث نجحت القيادات الأميركية المتتابعة باستغلال الظروف الجغراسية والمعطيات الدولية الملائمة للولايات المتحدة بصورة منهجية، وكذلك نقاط ضعف الخصم السوفياتي. وقد مكن ذلك القيادات الأميركية على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، من خوض حرب استنزاف طويلة الأمد ضد السوفيات، أنهكتهم وفاقمت مصاعبهم وأدت في النهاية إلى سقوطهم. فأفسح هذا السقوط في المجال أمام الأميركيين، لترسيخ وضعية امبراطوريتهم المهيمن، دون منافس جدي، وباتوا القوة العالمية الأولى دون منازع منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، فأداروا صراعاً حاداً لم يتوقف، بكل الوسائل الاقتصادية والتقنية والعسكرية والأمنية والأيديولوجية للحفاظ على هذا الوضع لأطول فترة ممكنة من القرن الحالي.