eKtab
EN ع
فتاة التلال
اقرأ عينة مجانية

فتاة التلال

بقلم جودت عيد

صفحة 1
زخّـــات
 
       زخّات ... هذا كل ما في الأمر... والبرد قارص يلفح وجه القمر وجذوع الشجر، يجول بين أحواض النعناع الرطبة ويطارد الكلمات والعصافير... والسماء تنتظر المطر وقلب الزنبق ينتظر دفء المطر ويرسم لوحة سريالية على نافذة الحاكورة المسيجة بالصمت، المطلة على  لقائهما " غير الشرعي"...  المطلة على زوبعات الأقحوان!
 
هل يقبّل القمر الليل في هذه العتمة الباردة؟ أم أن كلاسيكيّة الحال بيضاء أو سوداء... وليس بينهما وسط ! هل سيهطل المطر هذا الموسم؟ ويخبيء قُبلهما وجسديهما ويغسل المعادلات الكونية وكل البديهيات!   
 
 
 
زخّات... لا أكثر ولا أقل، تطارد دفء الهمسات في شوارع الوهم المزخرف بقوانين العتمة المكدسة عند مفارق الزمن... وهما ما زالا يمارسان الشوق ويزرعان جدارات الليلك عند حفاف الطرقات الباردة، وينامان في جسد بعضيهما للحظات دون خوف. 
 
 تتقلب ملامحها بين حروفه، في عروقه، في ذاته رغم الممنوعات، يراها ولا يراها، يقترب من أحواض القرنفل حول جسدها ولا يلمس جدائلها، يعيشها حتى الهوس... ويحبها حتى التعب. لكن البرد قارص في العتمة!
صفحة 2
زخّات... ليس إلا... تسقط فوق أرضه وفوق شتاته ! إعتقد أن شتاته قد سئم منه ولم يعد ليزور منـزله أو أوراقه... إعتقد أن شتائه لن يأتي والوقت يتباطأ أو يتواطأ معه... لكن البرد بدأ يعربش عند قدميه... فالدقائق تسير في دائرية باردة مجنونة والساعة تحمل ساعة تلو الساعة ... فيستسلم للشوق ليقتحم زقاقات تفكيره المغبرّة باستفهامات اللاواعي... 
 
يلملم أوراقه ويعود لدفاتره ليبحث عنها وعن ذاته المشردة بين حضن القرنفل وميناء القمر... ودفء المطر!! ... لكن  البرد قارص في العتمة ! 
 
 
 
مجرد زخّات... لكنه يحلم بأنه يتساقط كالورق الأصفر المثقل بالمطر... وينهمر بين أصابعها يتجرد من كل شيء ليمارس عُريه في مدينة نسي فيها الشوارع والمقاهي وشرفات القمر القرميدية وراء الغيم في المغيب... نسي زوايا العشاق السريّة بين الشجر أو في الغرف الصغيرة المتناثرة عند مشارفها! 
 
يستحوذ الشوق على كل شرايينه فيركب أجنحة الفراش التائه وينهمر نحو زهور وجنتيها، رغم أن البستان لا ينتظره... لكنه يحلم بقطرات الندى فوق جفون الورد، كأنها طوفان فوق صفحات الشوق البيضاء... ويعود لمحاولات الانتظار وتقصّي الأخبار هائما بين البرد والهذيان! والبرد قارص في العتمة...
 
            
 
يستفزه ذلك الزمان... تستفزه محدودية المكان! يستفزّه نوم الشمس في عز الظهيرة، يستفزّه انهمار المطر في الصحراء! يستفزّه اليوم العادي في قلب شتاء محمل بمجرد زخات متفرقة... هكذا الحال حتى اليوم السابع فيستريح... ليقوم في الغد من جديد بدائرية بديهية. هل سيهطل المطر ويبلل قُبلَهما وجسديهما ويغسل المعادلات الكونية وكل البديهيات؟! 
 
هل سيهطل المطر في أرض الخير هذا الموسم؟!
صفحة 3
فـتــاة التـــلال
 
تجسَّدت الرؤيا وصارت كلمة ...
 
إلى مهـا وحبيـب، أرفع هذه القصة... 
 
مع الشكر
 
       
 
       كانت تلك ليلة غريبة، عندما وقف الملك في شرفة القصر الكبير ونظر نحو الضفّة المقابلة للنهر حيث رأى شعلة من نار بعيدة تشع من بين شجيرات إحدى التّلال السّبعة قبالته.
 
منذ أن تولّى هذا الملك زمام الحكم  في المملكة بعد والده والأمور تسير على  أحسن ما يرام، فوالده قرر أن يتنحى عن العرش ليتفرَّغ للعمل الجماهيري والاجتماعي والمناسبات واللقاءات الكثيرة وأما هو فتولى العمل الاداري والتنفيذي وكان يساعده كادر من المستشارين والوجهاء. 
 
واعتاد الملك أن يعقد اجتماعا أسبوعيا لكل معاونيه في القاعة البيضاء الكبيرة، المطلَّة على النهر وعلى التلال السبعة في الضفة المقابلة. في كل اجتماع يستمع إلى التقارير المختلفة ويتداول أمور المملكة مع معاونيه وإذا كان اختلاف في الرأي أو احتدم الحديث فيما بينهم، كان يقف ووجهه نحو التلال عبر شرفته الكبيرة ويغرق بالمنظر الخلاب، فيعيش فنتازيا ترفعه من كل الجدالات اللامتناهية إلى أسطورة التلال السبعة وحسناء تائهة في تلال حلَّت بها لعنة ولا يمكن لأحد أن يقترب منها، وتقول الأسطورة، أن كل من حاول وصول الضفة المقابلة لم يعد وفي أفضل حال كانت تعود بعض عظامه مع مياه النهر!
صفحة 4
كانت ليلة غريبة، حيث تأخر معاونوه في نقاشاتهم، حينما وقف كعادته ليسافر في رحلة ميتافيزيقية مع أسطورة الحسناء في التلال المسحورة ورأى تلك الشعلة في التل الثالث، وراح  يحدِّق في الضوء الآتي من بعيد علَّه يدرك مصدره. 
 
لم يصل أي أحد لتلك التلال، غير الحسناء التي لا يعرف عنها أي شيء، لذلك... حتما ستكون تلك الحسناء هي التي قد أشعلت نارًا في هذه الليلة الرمادية الباردة، فكَّر بصمت وسط زحام النقاش اللامتناهي في أثير القاعة البيضاء. 
 
الغريب في الأمر أنها لم تشعل النار من قبل بتاتا، وقد تكرر هذا المشهد في الليلة التي تلتها، وصار الملك الشاب يأتي ليلا إلى الشرفة المطلة على النهر ويراقب شعلة النار تلك حتى صارت جزءًا من طقوسه ومن أحلامه البعيدة عن رتابة الزمكان الذي يزاوله مع معاونيه، صار بالنسبة له تحديًا ليليًّا يحاول فيه أن يرصد أي حركة لتلك الصبية التي رسم ملامحها الأسطورية دون أن يراها. بعد مرور سبعة أيام قرر أن يشعل شعلة نار ويلوح بها ليرسل إشارة إلى تلك الصبيّة!
 
يعيش هذا الملك حالة من شتات ما بين تاجه وحلمه، يعشق الطبيعة ويسافر إلى مرافيء تيه وحنان، يلتحف أوراق الياسمين ويحلِّق في العبير، لكنه يضع فوق رأسه تاجا ذهبيا ثقيلا، يحمل فيه دوامة من اجتماعات ونقاشات يتركها لكل المعاونين ويخرج إلى رحلات فكرية تحمله بعيدًا إلى التلال الواقفة أسطورة منذ الأزل بُعيد ولادة الآلهة المقدسة.
 
صارت هذه الشعلة طقسه اليومي المحترق مع جزيئات الضوء التائهة في فضاء التلال، المتصاعدة مع دخان يتلاشى عند ضفاف النهر. في كل ليلة، كان يجلس في شرفته وينتظر الاشارة فيشعل شعلته ويرفعها عاليا علَّها تنقل شوقه، رغبته وأحلامه في حوار غير عادي بين جزيئات اللهب المتصاعدة دخانا في الأثير الرطب، حتى تعب من دوامة استحضار غير عادية لصور جميلة، عن فتاة غضة جذابة وعن بيت مسحور. لم يعد يعرف، هل هو يهذي؟ أم أنه صار جزءا من تلك الأسطورة التي تسحر الناس؟ لم يجد إجابة عن أسئلته الكثيرة التي تحوم في رأسه حول هذه التلال وسحرها والفتاة التي ولدت هناك بحسب الأسطورة من تزاوج الشمس مع أبواق الزنبق في زمن يلتقي فيه الجبل مع البحر... 
صفحة 5
في الليلة السابعة لهذا اللقاء "الأفلاطوني" السِّري، تحضر الملك لطقسه العادي ولبس تاجه الذهبي الكبير واستعد لهذا اللقاء المثير الذي يزيِّن عالمه الخاص بشيء من خصوصية لم يعرفها من قبل، وجلس ينتظر الضوء البعيد الآتي بكل المتاهات الحالمة التي تحمله إلى مملكة جديدة! وليشعل مشعله مُعلنًا استعداده لغياهب هذه المتاهات. في تلك الليلة، انتظر وانتظر ووقف وجلس، ثم قرر أن يشعل النار علَّه يحث الشعلة قبالته أن تستجيب لانتظاره لكن دون جدوى. ومرَّ اليوم تلو الآخر وليلة تلو الأخرى دون أن تكون أية إشارة من التلال المسحورة...
 
لم يعد هذا الملك على طبيعته. لم يخرج من غرفته أبدًا طوال أيام ثلاثة بلياليها،لم يأكل بها ولم يشرب، ولم يتحدث مع أي أحد غير صمت الصباح وتيه الليل، جلس مقابل التلال ساهِم العينين يبحث عن إجابات لكل أسئلته المتراكمة المتزاحمة في خلايا تفكيره المرهق ليغرق في استفهام جديد... لماذا توقف ضوء الشعلة؟ مَن وراء هذه الشعلة... أهي فتاة؟ ساحرة؟ أشباح؟ ... أصابه الهلع من كثرة الاستفهامات ومن فقدان سيطرته على مجريات كل شيء... هذا الملك المحبوب العادل الذي يثق بكل معاونيه لادارة مملكته على أفضل وجه، هذا الملك الذي لديه كل ما يريد وكل ما يشتهيه، يقف عاجزًا غير قادرٍ على التفكير أكثر فقرر أن يفهم الحكاية من بدايتها، فاستدعى معاونيه ومستشاريه وحكماء مملكته ليفسروا له ماذا يجري في تلك التلال؟ وما هو كُنه الأسطورة؟ ولماذا لا يستطيع أحد الوصول إلى التلال؟ وهل هناك فتاة؟ وما هو هذا الضوء؟... إنهال بالأسئلة اللامتناهية ليخرجها من دماغه المرتصّ بالتناقضات ليرميها في أيدي الحكماء علَّهم يريحون تفكيره.
 
لم يعطه الحكماء أي شيء! غير الحكاية ذاتها وكل الطقوس حول تلال مسحورة في أسطورة قديمة يهابها الكبار والصغار، وكل من حاول الاقتراب من تلك التلال ابتلعته مياه النهر ولفظته مطرًا من غيم الشتاء في الموسم الذي يليه!!
صفحة 6
قالوا له أيضا أن السحر غطى التلال بكل ما فيها ومن فيها ولم يستطع أحد العيش فيها، عدا زهرة واحدة صغيرة كانت تمتد جذورها تحت صخرة بيضاء، فحوَّلها السحر إلى فتاة جميلة جدًّا بعد تزاوج نور الشمس مع أبواق الزنبق لتعيش وحدها في تلك التلال!
 
لم تسعفه كل تلك الحكايات، بل أنها "زادت الطين بلّة" اذ لم يجد إجابة بحجم استفهامه، وظل في دوائر التيه ينتظر الضوء... لكن دون جدوى.
 
في صباح أحد الأيام الرطبة، قام من فراشه وذهب إلى شرفته الكبيرة المطلّة على التلال المسحورة وراح يراقب خيوط الشمس الأولى ترتفع من وراء التلال لتتمدّد فوق صفحة مياه النهر كأنها جسورا سحرية لتحمل شوقه واضطرابه إلى سحر تلك التلال! عندها قفز من مكانه في حالة استبصار "أرخاميديسية" يصرخ "وجدتها! وجدتها!" واستدعى معاونيه إلى جلسة اضطرارية في ساعة فجر رائع! وقال لهم بصوت واثق قويّ:"أنظروا إلى خيوط الشمس الممتدة فوق سطح مياه النهر، كتلك أريد خيوطًا نمدّها بين الضفتين، سنبني جسرًا كبيرًا بين القصر وبين الشاطيء المقابل، تماما مثل خيوط الشمس تلك التي تطفو فوق المياه".
 
ذُهلوا من هذا الطلب، ومنهم من قال إن النَّهرَ مقدَّس والتلال مسحورة ولا نستطيع العبث في ألوهية المكان، ومنهم من قال إن الأمرَ مستحيل ولا نستطيع بناء أيَّ جسر فوق هذه المياه التي ستبتلع كل شيء وتلفظه مطرا من غيم الموسم القادم، ومنهم من قال في نفسه أن الملك مدلَّل ولا يعي ما يطلب، وبئس المصير للمملكة مع هذا الملك المتهوِّر، ومنهم من تمتم في نفسه مستنكرا هذا الهذيان... لم يوافقه أحد، وحاولوا أن يشرحوا له صعوبة الأمر تقنيًّا وفنيًّا والمصاعب التي سيواجهها الناس، لأن السِّحر قد يحل على المملكة إذا تمَّ الجَسر بين الضفتين!
صفحة 7
لقد صمَّم الملك بناء الجسر رغم كل النقاشات التي دارت حوله ورغم الخوف من العبث بأسطورة التلال، لقد أصرَّ الملك الإقدام على أهم مشروع في حياته وفي مملكته ليكسر جدارات التيه والشتات والذعر الذي استوطن غياهب بيوت الناس على مدار سنين طويلة وأصدر أوامره بعدما كسب تأييد الناس الحذِر، فاستدعى أمهرَ المهندسين لتخطيط الجسر الذي سيجلب معه الحلول لأسئلته وبدأ العمل بعدما وضع الخرائط وجنَّد العمال لبناء الأسس الكبيرة لتحمل أضخم جسر عرفه تاريخ المنطقة حيث ارتكز على أربع أقواس كبيرة تحمل معبرًا كبيرًا للعربات وممرًا للمشاة وحدائق معلقة.
 
وافتتح الملك ورشة العمل لاختراق عقود الريبة ولاقتحام سكون النهر الغامض والتلال الواقفة بجبروت بديهي في أذهان الناس.
 
دخل الملك النهر وشعر بمياهه تحمم ذاته في هذه اللحظة التي بدأ فيها تحقيق الحلم... شعور باللذة... لذة الانتصار، لذة تحقيق الذات، خلع حذاءه وعباءته وتاجه وحمل حجرًا كبيرًا ووقف جزءًا من سلسلة بشرية لتمكين الأسس في قاع النهر، غاصت قدماه بالوحل وتبلَّلت أطراف بنطاله وحمَّمه العرق... مثل كل الناس والعمال، ووقع في الماء وفي الوحل. تعب وأكل وجبته مع العمال وضحك معهم وشرب معهم، وعادوا للعمل حتى ساعات الليل المتأخرة وهكذا استمر العمل على مدار سبعة أيام متواصلة.
 
وقف معاونوه ضد ما يجري وكان وزير الخزنة على رأس المعارضة، وكان ممتعضا جدا لانفاق الأموال الطائلة لبناء هذا الجسر الملعون الذي يصل المملكة الهادئة الوادعة في الضفة المسحورة الملعونة المسكونة بأساطير وأشباح ولعنة قد تحرق كل المملكة. وراح يبعث برسائل لا متناهية للملك ويحثّ الناس على عدم التعاون مع الملك الحالم وعدم مشاركته الذهاب إلى الجحيم وصوَّر الأمر بأنه سيكون نهاية العالم وستحل اللعنة على بيوتهم وأولادهم.
 
غير أن الناس آمنوا بقرار الملك وصنيعه، منذ زمن بعيد وهُم ينتظرون الرَّجل الشجاع ليخترق غياهب الأسطورة. هكذا بدأ العمل بحسب خطة تقضي ببناء الجسر على مراحل، بحيث أنه في كل مرحلة  يتوقف العمل لبرهة للتأكد من أنه لم يتسبب أي سوء أو لعنة للمملكة وبحسب ذلك يستمر العمل أو يتوقف. 
صفحة 8
عند الانتهاء من القوس الأولى فرح الناس وفرح الملك في تلك الليلة بالذات، عندما ظهر ضوء الشعلة من جديد، فقرر أن يشعل شعلته فوق القوس الأولى وكرَّر الأمر عند الانتهاء من بناء القوس الثانية، وعندما انتهى العمل في القوس الثالثة رفع الشعلة أيضا، لكن لم تُشعل أي شعلة في التل المقابل الذي صار قريبا. 
 
انتظر طوال الليل لقد اختفى الضوء ولم يعد يرى في الليل، غير ملامح كوخ صغير مهجور، كما يبدو، هو مصدر الضوء. بقي الملك جالسا عند حافة القوس الثالثة التي انتهى بها العمل، يرقب انهيار حلمه بعد كل الذي مرّ به من عناء ومشقَّة ومعارضة وألم وجهد، بعدما وعد الناس بالخيرات ودعاهم للدخول، من الأبواب الواسعة، إلى حلمه... لم يضيء الضوء في تلك الليلة ولا في الليلة التي تلتها، ذلك الضوء هو المنارة الوحيدة التي أرشدت سفن حلمه الكبير في أوقيانوس الاستفهام والشتات. لقد كان مقتنعا تماما بأن حلّ الأسطورة يكمن هناك في ذلك الضوء من ذلك الكوخ الصغير. لقد بنى مملكة كاملة من الأحلام ومن التوقعات، زيَّنها وفرشها بكل الأمل، بكل الورد، بكل الشوق... بكى الملك واختلطت دموعه مع أسئلته الكبيرة في تلك اللحظة، ما هو الهدف من الجسر؟ هل كان يستحق كل هذا العناء؟  كيف سيتقبل الناس فكرة إيقاف العمل؟ هل كان قراره متهوِّرا كما أشار معاونوه؟ هل كان مجرَّد هذيان كما قال عنه الوزير؟ دخل دوامة لا متناهية في لعنة الاستفهام... سيطر الحزن على تفكيره وتركزت عيناه في التلِّ الثالث من الجهة المقابلة القريبة منه حيث الكوخ... أوقف العمل بذريعة الحاجة إلى إستراحة، ولم يُشرك أحدا بأمر الضوء وأهميَّته بالنسبة له ولم يُشرك أحدا بما يمرّ به، فسبق أن قالوا بأنه يلهث وراء سراب ووهم وبأن هورموناته قد جنّ جنونها!!
 
ذهبَ إلى غرفته في قصره الكبير ولم يخرج منها إلاّ في اليوم الثالث، حيث قرَّر النهوض وصمَّم على أن يكمل العمل ويصل الجسر إلى الضفة المقابلة لأنه اذا لم يحقق هذا الحلم الذي اعتراه وسيطر على كل مملكته، سيلتهمه حزنٌ أسطوري الذي سيُلبس مملكته لعنة أبدية...
 
لقد بقيت القوس الأخيرة ويصِلون إلى الضفة المقابلة... لقد صار الحلم قريبا ولم يحدث أي لعنة لكل الَّذين عملوا معه، حتى أن مستشاريه قد حضروا للاحتفال عند إنتهاء العمل عندما وضع الملك الحجر الأخيرة في القوس الرابعة. وصل الملك إلى الشاطيء فأسرع وقفز إلى الرمل الرطب لتدوس قدماه أرض الأسطورة، ومن بعده نزل كل الناس عندما تأكدوا بأن المكان آمن وليس هناك أي شيء مخيف، غير أن المياه بلورية حالمة والحدائق مزينة بشتى أنواع الثمار، والتلال تكسوها ألوان الأزهار البريَّة الخلابة!!، لا يوجد أي شيء يثير الريبة.
صفحة 9
في تلك الليلة أقاموا احتفالا كبيرا على الشاطيء استمر حتى ساعات الصباح... لقد حققوا الحلم، انتصروا على أسطورة احتلت أيامهم وأحلامهم وأعمالهم وأفكارهم... فناموا في سحر ليلة مسحورة بكل ما يحمله الانتصار للانسان...
 
قُبيل ظهيرة اليوم التالي، قام الملك ونفر من مرافقيه وبدأوا بتسلق التلّ الثالث نحو الكوخ الصغير، ذلك الاشارة الوحيدة لوجود كائن حي في تلك الضفة. لقد مشوا باصرار ورافقهم بعض خوف السحر الذي يفوح في أثير المكان...
 
وصلوا الكوخ ولم يجرؤ أحد دخولَه غير الملك الذي اندفع وسط حوض صغير يزينه الورد والقرنفل والنعناع الأخضر... دفع الباب الخشبي واستقبلته سكينة الكوخ وصمت الزوايا المعتمة، دخل وعيونه تتفحص بحذر كل موجودات الكوخ...
 
لم يكن هناك أحد، غير الصمت الذي يختبيء من لهاث الملك ودقات قلبه المتوتر من هذا المكان الذي يفوح فيه عطر عذب.
 
كان كل شيء مرتَّب وكان من الواضح بأنه يسكنه شخص، لقد شعر الملك باحساس جميل لم يشعر به من قبل، اختلطت في أنفه رائحة الصنوبر المحيط بهذا الكوخ مع رائحة ثمار الأشجار، وراح يجول في جوانب البيت بعدما تأكد بأنه لا يوجد أحد. وجد مرآة وبجانبها قارورة عطر ووجد سريرا صغيرا واحدا وبعض الملابس، كما يبدو، تعود لصبيَّة صغيرة.
 
لقد دخل المكان وحده، وبعدما اطمئن من دفء المكان أمر مرافقيه الانتظار في الخارج وأغلق الباب وبقي وحده في عالم حالم جميل، بين جدران معطرة تحمل بعض الصور القديمة لعائلة تتكون من والدين وابنة وجدة، كما يبدو... أحب هذا الاقتحام وشعر كأنه يلامس جسدًا مثيرًا شهوانيَّا، بدأ يبحث بشغف عن أشياء... أي شيء يكشف له أكثر عن هذا المكان وعن هذا الانسان الذي يسكنه وقد تأكد بأن هذا الكوخ تسكنه صبيّة، حين وجد ملابسها ومجموعة من الحلي  الخشبية معلقة في غرفتها، وبدأ البحث عن معالم أخرى لهذه الأنثى المثيرة التي كانت تشعل شعلة نار كل ليلة... وهو في دائرة الاستفهام، أين هي؟ ربما ذهبت إلى مكان ما؟... قرَّر البقاء والانتظار، بالذات عندما وجد دفترا صغيرا قرب سريرها الوردي وأدرك أنه دفترها الشخصي الذي تسجل فيه مذكراتها... جلس في المقعد عند زاوية معتمة في الكوخ وبدأ يقرأ بشغف ما كتبته الصبية من مغامرات التي تدور غالبها حول هذا الكوخ الصغير والقصر الكبير في الجهة المقابلة من النهر وعن النار التي تشعلها كل ليلة،لم يكن أي ذكر لأي انسان آخر في مذكراتها... هل الأسطورة حقيقية؟ هل الحكاية عن تلك الفتاة فعلا حقيقية؟ راودته تلك الأسئلة واختلطت بشيء من الريبة... خرج من الكوخ وطلب من مرافقيه العودة إلى الشاطيء لأنه سيبقى وحده في الكوخ هذه الليلة، لقد قرر أن ينتظر الفتاة حتى عودتها...
صفحة 10
أراد أن يواجه الحكاية ويكشف أسرار التلال والفتاة المثيرة، تلك التي رسمت أحلامها في دفتر مذكراتها الذي عاد ليقرأه بِنَهم... ريثما تعود. شعر بالجوع، فتوجَّه إلى سلَّة التفاح الكبيرة الموضوعة على الطاولة في إحدى جوانب الكوخ وأكل تفاحة وعاد إلى المقعد في الزاوية المعتمة ليكمل القراءة، وكان المساء قد بدأ يطرق أبواب الكوخ ولم تعد الفتاة بعد... شعر بالتعب الكبير وبالحزن لأن الفتاة، ظن، كما يبدو أنها قد هربت وهرب معها كل جهده وحلمه. ماذا سيقول عنه الناس الذين آمنوا به وعملوا معه؟ هل ستحل اللعنة؟ ولن يعودوا أبدا إلى القصر بعد اليوم... كما تقول الأسطورة بأن من يصل إلى تلك التلال لن يعود؟ هل ستبقى حكاية التلال المسحورة سرًّا غامضا أسطوريا؟
 
ومرَّ يومان ولم يحضر أحد ولم يحصل الملك على أي إجابة عن أي شيء، فسيطر على تفكيره حزن كبير وقرر البقاء في الكوخ حتى لو كلفه ذلك كل شيء، فخرج في الصباح الباكر إلى الشاطيء وأمر كل مرافقيه العودة إلى الضفة الأخرى وتحطيم القوس الرابعة للجسر... على أن يعودوا ويبنوها بعد مرور ثلاثة أشهر، لأنه قرر البقاء وحده حتى يكتشف سرَّ المكان وسرَّ التلال وسرَّ الفتاة... وعاد إلى الكوخ ليمارس الانتظار والأحلام والتحليق في عالم مسحور لفتاة تدوِّن ذاتها وأحلامها فوق صفحات دفتر مذكرات أصفر... صار إدمانه اليومي دون توقف لاكتشاف معالم فتاة مثيرة شعر أنه يعرفها منذ البدء...
 
مرَّت ستة أيام على إنتظاره وكان يزداد تلهفه كل يوم لرؤيتها والالتقاء بها وكان مقتنعا أنها ستعود... وصار يحضر طعامه كل صباح من حديقتها الغنّاء ثم يجلس عند الباب ويقرأ في مذكراتها وفي الليل يشعل النار وينتظرها... دون جدوى.
 
في نهار اليوم السابع وكان قد استسلم لحزن عميق حيث رأى كل أحلامه وخيالاته تتحطم شيئا فشيئا... جلس في مقعده في زاوية الكوخ المعتمة، وما أن حلَّ المساء حتى استسلم للنوم.
 
وبينما كان في سباته بين الارهاق والأسئلة، بين الحزن واليقظة في صمت الكوخ وحيرته المعتمة، تحركت يد الباب الخشبي بحذر وهدوء. فتح عينيه بصمت وبقي ساكنا في العتمة، دخلت صبية إلى الكوخ لم يستطع أن يقرأ ملامحها، غير أنه فهم من حركة جسدها بأنها خائفة ومترددة، تحاول أن تتأكد بأنَّ المكان آمنٌ.