eKtab
EN ع
في البال
اقرأ عينة مجانية

في البال

بقلم غصون رحال

صفحة 1
(1)
 
تعالي فما زال لون السحاب
 
حزيناً··· يذكّرني بالرحيل
 
رحيل
 
تعالي تعالي نذيب الزمان
 
وساعة في عناق طويل
 
ونصبح بالأرجوان شراعاً وراء المدى
 
وننسى الغدا·
 
بدر شاكر السيّاب
 
وراء الباب، ليل يذوي بصمت·
 
في الخارج، مطر يطرق زجاج النافذة بعنف، وريح هوجاء تصرّ على النفاذ عبر شقوقه الجانبية مثبتة حضورها·
 
في الجو، رائحة رطوبة لزجة ترشح من ثنايا الجدار·
 
في الركن، مصباح معدني طويل يسعل ضوؤه العليل، فتتراقص فوق جدران الحجرة البيض خيالات شاحبة، مسبغة على المشهد حسّاً جنائزياً مبكراً·
 
فوق السرير، يسترخي جسدها نصف حيّ، نصف ميت!
 
الحرام الصوفيّ المرقّط يلفّها بوبره الغزير، مغيباً ما تبقى من معالم الجسد المغيبة أصلاً، ورأسها الحليق يختفي تحت قبّعة قطنية ناعمة لا تفارقه ليلاً أو نهاراً·
 
عيناي تلتقطان مشهدين متعاكسين· عين على شاشة التلفزيون، وعين على وجهها الشاحب، يطلّ من مرآة طاولة الزينة المقابلة للسرير· الشاشة التي لا ترحم تواصل قصفنا بأخبار الموت، والفسفور الأبيض· دويّ القنابل الهادر دون انقطاع منذ يومين، موصلاً الليل بالنهار، ينذر بمجزرة محققة، بمذبحة فاخرة تعتزم احتلال أروقة الفضاء لزمن غير معلوم··· أوركسترا من آلات القتل والدمار تعزف، براً وبحراً وجواً، سيمفونية الموت المدنّس·
 
تلتقط بيدها الواهنة جهاز التحكم عن بعد، وتضغط على أزراره متجوّلة ما بين القنوات الفضائية·
 
قناة الجزيرة تبث صورا لبيوت متهالكة، وأجساد ممزقة··· زووم إن، ويظهر وجه طفل مغطى بالدماء فوق نقّالة يحملها رجال الإسعاف· زووم أوت، ويظهر بيت يلتصق بالأرض وامرأة تولول فوق أنقاضه···
 
نيتانياهو، وباراك، وليفني يعقدون اجتماعاً مصغّراً وهم يتبادلون الابتسامات على قناة CNN
 
خبر عاجل على شاشة العربية: حزب الليكود يتصدر قائمة استطلاعات الرأي للفوز بالانتخابات القادمة·
 
وزيرة الخارجية تسيبي ليفني تطل على شاشة BBC، في بث محموم للمؤتمر الصحفي الذي عقدته برفقة وزير الخارجية المصري من قلب القاهرة قبل أيام قليلة، معلنة بحزم: لن تتهاون حكومة اسرائيل مع صواريخ حماس بعد اليوم··· Enoght is enough
 
أطفأتُ أنوار تلك الشاشة اللعينة، إلا أنها أصرّت على أن تعيد إليها بريقها المحموم، متذرّعة بأنها تريد أن تتفقد الشهداء، وتحفظ أسماء المنكوبين، على الرغم من علمها التام أن الشهداء والمنكوبين لا أسماء لهم، فقد تحولوا إلى مجرد أرقام تحتلّ الشريط المتحرك في أسفل الشاشة، تتكاثر بصمت وتصميم لا يردعه إلا موت مماثل!
صفحة 2
منذ أيام، أشياؤها الصغيرة لم تبرح مكانها· تمترست داخل إطار ثابت تمّ اختزاله في صورة فوتوغرافية، التقطت على حين غرّة، ثم تركت جانباً· زجاجة العطر على طاولة الزينة لم تنقص رشّة واحدة، شالها الحريري ما زال يحتضن كتف الكرسي، حقيبتها الجلدية السوداء الصغيرة، التي رافقت نزهاتنا، تقبع في مكانها على الأرض، معطفها الرمادي الأثير يتعلّق بإهمال على علاّقة الملابس الخشبية في الركن البعيد· هي الغائبة الوحيدة عن المشهد، وكأنها مومياء تعرّت للتو من أشيائها الصغيرة تلك، وتركتها على أمل العودة إليها في حياة أخرى!
 
أضع بصري جانباً، وأطلق لبصيرتي عنانها· إنه موسم الموت بلا أدنى مراوغة· إنه عام الموت كما وصفته! أرقبها تئنّ بصمت، وتحرّك رأسها ذات اليمين، وذات اليسار فوق الوسادة، قبل أن تذهب في نوبات غياب، تطول أو تقصر، وفقاً لمفعول المسكّن الذي وقع عليه اختيارها من بين كمّ المسكنات الملقاة على الطاولة الجانبية·
 
أتساءل في نفسي: أيّ مسكّن بوسعه أن يحول بينها وبين هول ما يجري على الشاشة؟ وكأن المرض الذي يفتك بجسدها غير كاف، حتى تختتم حياتها بمثل هذا الخراب الذي لا يوصف!
 
في لحظة فاصلة ما بين ليل دخاني السواد، وفجر فسفوري البياض· استردّت وعيها، فتحت عينيها على اتساعهما، استجمعت أنفاسها ونطقت برغبتها الأخيرة:يا غريب، إن متّ، فألّف نشيد أناشيد لي، واحفر اسمي على جذع قبر قرب شجرة ياسمين
 
أمسكتُ برأسي بين يديّ مانعاً إياه من سقوط محتّم· ابتلعت دمعة عالقة في حلقي، وأطلقت تنهيدة حارقة· تأملت هذيانها هامساً: أيتها الغريبة، ما أنا بمنشد، فأي إرث تحمّلينني؟!
 
ما أنا إلا عابر سبيل على أرض باعت ضميرها، أجّرت غيماتها للطائرات المقاتلة، ومنحت شواطئها للبوارج المدجّجة بالقنابل، طوّقت أطرافها بالعسس والحراس، واختارت الانقسام إلى نصفين لا ثالث لهما: شماليّ فاحش الغبن، وجنوبيّ غارق في اليتم··· حتى وإن حاولت تنفيذ رغبتك الغريبة هذه، فلن أستطيع· إذ لست أدري كيف أبدأ، ولا من أين أبدأ، وعلى أي شكل سيأتي نشيدك هذا؟ ملهاة أم مأساة؟ ربما ملهاة سوداوية تليق بما يجري في هذا العالم، أو مأساة هزلية تضفي على الحكاية بعداً أسطورياً غامضاً·
 
تمتمت لنفسي: لابد أنها تهذي، ولا تعي ما تقول، أو أن الأمر التبس عليها بفعل ما تتناوله من أدوية ومسكّنات!
 
دسست نفسي إلى جوارها في السرير، أغمضت عيني في محاولة للوصول إلى نوم خاطف مريح، غير أن النوم ضلّ سبيله اليّ، ولم تجد نفعا كل الخراف التي عددتها، وذبحتها، وسلختها بغية استجلابه· كل خروف من الخراف التي عددتها كان يثغو في أذني قبل ذبحه: ماذا لو لم تكن تهذي؟ ماذا لو كانت جادة في رغبتها؟
 
اعتدلت في السرير، أشعلت سيجارة، وسحبت أنفاسها ببطء شديد، سحقت عقبها في منفضة السجائر الزجاجية القابعة على الطاولة الجانبية للسرير، رشفت رشفة من كوب الماء قبل أن أعود لمطاردة النوم ثانية· أفرغت ذهني من أية فكرة مزعجة، بحلقت في السقف وتخيّلت أنني أمتطي بساط الريح المزركش وأعلو به فوق السحاب، أنفذ من غلاف الكرة الأرضية إلى حيث فضاء شاسع مرصّع بالكواكب والنجوم، نجوم كثيرة لا تحصى تلمع في البعيد، أطوف حولها وأكاد ألمسها بأصابعي···
 
فجأة، اختفت النجمات المضيئة عن ناظري، وارتسمت على اتساع سقف الغرفة صور ومشاهد تمثّل ما مضى من عمري بما اعتراه من اهتراء، وما لحق به من خدوش، معروضة أمامي في فيلم تسجيليّ محايد ونزيه· رأيت حياتي بكل تفاصيلها ماثلة أمام عيني كما لو كنت أرى حلماً بعينين مفتوحتين·
 
نهضت من الفراش مفزوعاً، جرعت ما تبقى من كوب الماء، جلست على حافة السرير حاملاً رأسي بين كفيّ، هززته بشدة في محاولة لنفض ما يمكن أن يكون قد علق به من وساوس وتهيؤات· أسندت رأسي إلى الوسادة وحاولت العودة إلى النوم مجدداً دون فائدة، ضربت بقبضتي الهواء ساخطاً: كيف أخلّص رأسي من هذا الجحيم؟
صفحة 3
دوّى صوت في أذني مصدّعا جمجمتي: نفّذ رغبتها، قد لا تكون منشداً كما تدعي، ولكن الحكاية، أية حكاية، لابد لها من منشد! إنها رغبتها الأخيرة، لن تخذلها بالتأكيد·
 
قفزت من السرير وكأن قوة خفيّة تحرّكني، خطوت إلى وسط الغرفة، ألقيت نظرة شاملة على محتوياتها، أزحت طاولة المكتب الصغيرة لأجل أن تقابل النافذة، وجهّزتها بمستلزمات بدت لي ضرورية لإنجاز المهمة: علبة السجائر، دلة القهوة، قلم حبر حالك السواد، وأوراق بيض· أعددت للنشيد طقوسه، ثم جلست خلف المكتب أرقب شروق الشمس خلف زجاج النافذة، فطالعتني شجرة تقف عارية دونما خجل على الرصيف· فروعها الطويلة الجرداء تحجب عني الرؤية، وتحيل الحقل الذي يمتد خلفها إلى صورة مشقّقة أمام ناظري·
 
منذ أن حططت رحالي على هذه الأرض، لم يكن بإمكاني تمييز الفصول بسهولة، لا الشمس ولا المطر بدليل واضح على الفصول، فقد تسطع شمس زائفة، باردة،كأنها لوحة معلّقة في السماء في منتصف كانون الثاني، وقد تهطل أمطار غزيرة محدثة فياضانات كارثية في عقر تموز·
 
الأشجار وحدها هي دليلي على الفصول!
 
راقبتها طويلاً، رصدت مزاجها، وتقلبات طباعها وأحوالها· تبدأ أوراقها الخضراء اليانعة، بالتحول إلى اللون الأحمر، فالأصفر، تتيبس ببطء وتتساقط تدريجياً، مثل راقصة تعرّ تخلع ثيابها قطعة تلو الأخرى فوق حلبة رقص خافتة الإضاءة، فأعرف أنها إشارات الخريف· تتعرى مما تبقى على أغصانها من وريقات حتى تصبح جرداء بالكامل، وبذلك يكون فصل الشتاء قد حلّ· وعندما تعود أوراقها الصغيرة إلى البروز والتكاثف من جديد، لتغطي كامل غصونها، أعرف أنه الربيع· أما الصيف، فيأتي عندما ترتدي كامل ثوبها الأخضر السميك الذي يحجب لون فروعها الداكنة·
 
أشعلت سيجارة، وشربت فنجاناً من القهوة، والأوراق البيض على الطاولة تطالعني بجفاء وتحمّلني وزر بياضها الآثم، وزر نقائها وخلوّها من خطوط تزيّن بها عنقها أو تزنّر بها خصرها· واجهت بياضها وقلمي في يدي، كأني أواجه موعداً مع خريف أبديّ ضاعت من حوله الفصول، خريف يخلو من أول الغيث وآخره، أعبر اليه أعزل من دون عتاد، إلا من رأس يؤوي جهنّم، أصابع من عيدان الكبريت، وروح تسابق الزمن···
 
حرقت سيجارة أخرى، أفرغت دلّة القهوة في جوفي، والأوراق البيض ما زالت تحتفظ ببياضها وجفائها· أصابعي تخشبت، والقلم في يدي يحرن عن كتابة حرف واحد· ألقيته من يدي فوق الطاولة، ورحت أجوب الغرفة طولاً وعرضاً كأني بانتظار ولادة طفل يماطل في الخروج من رحم أمه، في تحدّ سافر لمحاولات الطبيب الحثيثة لطرده عنوة من مأوى ألفه وسكن إليه· ألقيت نظرة سريعة إلى حيث هي ممددة فوق السرير بوجهها الهزيل، وجسدها العليل فانفطر قلبي لوعة وأسى· أغمضت عيني ووليت وجهي صوب الطاولة من جديد·
 
الموت من خلفي والأوراق من أمامي، ولا بد لي من أن أفرغ هذه الجهنم من رأسي، أن أصبّها كلمة كلمة حتى تنضب، ثم أشعلها بعيدان الكبريت· أمسكت بقلمي بيد وبرأسي باليد الأخرى أعصر ما به فوق الورقة···
 
أما آن لي أن أخلع أوجاعي وأستريح؟
 
سؤال ظلّ غائباً عني حتى تلك اللحظة، غير أنها لحظة فاصلة دون ريب، لحظة تستولد العدم من رحم اليقين!
 
طالما كنت على يقين من أن أوجاعي هي جزء مني، عضو من أعضائي، فقد كانت، قبل تلك اللحظة، تشبه إلى حد كبير، أنفي المدبب، أو كفي الخشنتين، أو حتى إصبع قدمي الكبير المنزوع الإظفر، غير أنها في تلك اللحظة، انفصلت عني لتصبح امتداداً لي! كبرت وتفاقمت حتى صارت تشبه سناماً محدّباً يعتلي ظهري· عضوي الجديد هذا، لا يمكنني رؤيته، لكني أشعر بجسامة ثقله فوق كتفي، وأكاد أجزم أنني أتلمّس وبر هضبته، ونتوءات قمته تحت أصابعي بجلاء كلما تحسّست ظهري، فتحدوني رغبة لأن أبادر أحدهم بالسؤال: هل ترى هرماً فوق ظهري؟ وكلما أمعنت في تكذيب شكوكي، ازداد يقيني بأن عضوي الجديد هذا قد غدا قدراً لا مفرّ منه، تماماً كما الهرم أو الشيخوخة·
صفحة 4
قبل تلك اللحظة، كنت على يقين من أن نهايتي حتماً ما ستكون فوق صدرها، لأنني كنت قد خطّطت بالفعل لأن أمضي معها حياة طويلة، تنتهي بشيخوخة هانئة كحال غالبية الناس هنا· وكثيراً ما كنت أغمض عينيّ لأرانا عجوزين يتعكزان على بعضهما، يتمشيان في ظهيرة مشمسة في أنحاء حديقة عامة، يرتاحان على مقعد خشبي حين ينهكهما التعب، يطعمان الحمام ما يتساقط من فتات خبزهما، وما إن تغرب الشمس، حتى أسبل عينيّ، ثم ألقي برأسي فوق صدرها لأموت ميتة سعيدة، فيما تتولى الحكومة تأمين كل ما يلزمها من مسكن وعلاج، ومصاريف دفن···
 
قبل تلك اللحظة، كنت على الأقل، على يقين من أنها هنا· صحيح أنها ما زالت ممزّقة ما بين الهنا والهناك، ولكنها تظل ضمن الجهات الممكنة، الجهات التي يمكن تحديدها والوصول إليها، أما بعد تلك اللحظة، فلست أدري··· إنها لحظة مختلفة دون شك، لحظة قائمة بذاتها، كأنها يوم قيامة، لا تاريخ لها، نزعت عنوة عن قائمة الوجود، شقّها عن مسيرة الزمن رنين هاتف وزجّ بها خارج حسابات الوقت···
 
رنّ جرس الهاتف مبدّداً صمت الجدران· فنجان القهوة الذي تبتدئ به صباحاتها لم تمسّه بعد· تحركت ببطء لتجيب على الهاتف·
 
وصل إلى مسمعها صوت رقيق يتحدث بلسان إنجليزي فصيح: Mrs Faris؟
 
همست: Yes
 
جاءها الصوت متابعاً: أنا آن من العيادة المحلية·
 
لم تنطق، أومأت برأسها وهمهمت للمرأة على الطرف الآخر بأن تكمل·
 
تابع الصوت: الدكتور وايت يود مقابلتك بعد الظهر إن أمكن·
 
بلّت ريقها برشفة من فنجان القهوة، استجمعت قواها مستفسرة: بخصوص ماذا؟
 
أجاب الصوت: بخصوص الكشف الذي أجراه لك الأسبوع الماضي·
 
زفرت زفرة طويلة وقالت: حسناً·
 
جاءها الصوت خافتاً: نراك لاحقاً· إلى اللقاء·
 
تعرف ما وراء مثل هذا الاستدعاء· بالأحرى، لم يفارق تفكيرها منذ أخبرها الطبيب العام أنه يمكن استدعاؤها ثانية من أجل إجراء فحوصات شعاعية لثديها· تيقنت حينها أن تلك الندبة التي اصطدمت بها أناملها فجأة قبل أسابيع قليلة على جانب ثديها الأيسر وهي تستحم، لن تتركها بسلام·
 
حينها، لم تلتفت كثيراً للأمر، ظنّتها ندبة عابرة نبتت للتوّ بفعل رشاش الماء الدافق· أينعت على غفلة منها منتشية بقطرات الماء الدافئة، وأنها لابد وأن تذوي وتذهب إلى حال سبيلها قريباً· غير أن الندبة لم تذهب، بل اشتّدت صلابة وتحجّراً، وأصبح لونها مريباً ومنفّرا على نحو يستدعي القلق··· ماذا لو أنه السرطان؟
 
استحضرت جميع القصص التي سمعتها عن سرطان الثدي، واستعرضت أسماء النساء اللواتي أصبن به من قريباتها ومعارفها، وتلك القصص التي سمعتها عن نساء لا تعرفهن أصبن به وفقدن أحد الثديين أو كلاهما، وربما حياتهن أيضا· كل مكالمة تلفونية مع إحدى قريباتها أو صديقاتها في عمّان، تحمل لها خبراً عن إصابة جديدة، حتى غدت على يقين من أن هذا المرض سينال من جميع نساء الأرض، إنها مسألة وقت لا أكثر، وعلى جميع النساء انتظار أدوارهن برباطة جأش·
 
لسوء الحظ، أو لسبب آخر يصعب فهمه، حان دورها بأسرع مما توقعت· ورغم التحصينات التي أحاطت بها نفسها طيلة هذه السنين لمواجهة أي ضعف أو انهيار في حال إن وقع عليها الدور، إلا أن حالة من الجزع اجتاحت كيانها· ألقت برأسها إلى الخلف وأسندته إلى حافة المقعد وتساءلت في نفسها: وهل هذا وقته؟ ليس الآن··· ليس هذه السنة على الأقل···· لم أتمّ فرحتي بعد، ما زلت عروساً وإن تجاوزت الأربعين!
 
قامت إلى أعمالها اليومية مسرعة، رتّبت الفراش، نفضت الغبار، غسلت الأطباق التي في حوض المطبخ، نظّفت المنزل بالمكنسة الكهربائية، أخرجت كيساً من اللحم من المجمّدة مفكرة فيما عساها ستعد لوجبة العشاء، استقرت إلى تحضير وجبة من الفاصولياء الخضراء بالإضافة إلى الأرز·
صفحة 5
خرجت إلى الحديقة الصغيرة خلف المنزل، الجو غائم، الهواء راكد لكنه محمّل برطوبة ثقيلة، نشرة الأخبار الجويّة أنبأت بسقوط أمطار في المساء· تفقّدت الأزهار التي كانت قد زرعتها مع بداية الربيع، تحسسّت أزهارها التي تفتّحت وانتشر أريجها مع حلول شهر آب، رشّتها ببعض الماء، قلعت بعض الأعشاب التي تصرّ على النمو رغماً عن أنف المبيدات القاتلة التي دلقتها فوقها كي تقطع نسلها·
 
توجهت إلى شجرة الياسمين· غمرتها بنظرة مشفقة، لم يتبق فوق أغصانها زهرة واحدة· سقطت جميعها· تناثرت أوراقها الصغيرة وانحشر بعضها في حواف السور طلباً للدفء· كانت تعرف مذ غرستها أنها لن تحتمل هذا الجو اللعين، ولكنها جازفت بشرائها وغرسها طمعاً في الحصول على شمّة واحدة من رائحة الياسمين·
 
تفقدت بريدها الإلكتروني، فوجدت رسالة من لورا تخبرها: خرجت قبل قليل من مركز الأمن الإسرائيلي بعد أن تم اعتقالي لثلاثة أيام· كنت ضمن المسيرة السلمية التي شارك فيها العديد من المواطنين الفلسطينيين والعشرات من المتضامنين الدوليين ضد السلطات الإسرائيلية في مواجهة بناء الجدار الفاصل ومصادرة أراضي قرية نعلين أثناء ما كانت المسيرة تتوجه إلى الاعتصام في الأراضي التي قررت السلطات الإسرائيلية مصادرتها، قامت قوات الجيش الإسرائيلي بإطلاق قنابل الغاز والأعيرة المعدنية باتجاه المتظاهرين· أصيب 15 منهم بعيارات معدنية، ثلاثة منهم في الرأس، وأصيب عشرات آخرين بحالات اختناق· تصوري أن الجنود لم يكتفوا بهذا، بل لاحقوا المواطنين إلى داخل القرية واقتحموا العيادة الرئيسية فيها ومنعوا سيارات الإسعاف من نقل المصابين!
 
لابد من فضح هذه الممارسات أمام العالم· أظن أنه ينبغي عليّ الآن إعادة النظر في المشروع الذي أعمل عليه·
 
قبلاتي لك ولوليد،
 
لورا·
 
كتبت لها على الفور: عزيزتي لورا، قرأت عن المسيرة في الصحف، ولكني لم أكن أتصور أن الاعتقالات ستطالك· ما الذي زجّ بك في المظاهرة؟ وفق علمي، مشروعك لا يتضمن المشاركة في المظاهرات· انتبهي لنفسك· قبلاتي·
 
عادت إلى الهاتف، أخذت نفساً عميقاً وتنحنحت لتمنح صوتها رنّته المعهودة· رفعت سماعة الهاتف محاولة استرجاع الرقم من ذاكرتها· خذلتها الذاكرة، قامت لإحضار دفتر الهواتف الصغير مرددة في نفسها: شكلي ختيرت·
 
أزاحت خصلة من الشعر تدلّت فوق عينها وهي تقلّب أوراق الدفتر· عثرت على الرقم· ضغطت على الأرقام وأنفاسها تكاد تخذلها هي الأخرى·
 
همست: مرحباً وليد·
 
قلت: أهلاً حبيبي· استحلي مناداتها حبيبي لسبب أجهله·
 
ضحكت وأجابت: بل أنت حبيبي·
 
قلت مختصراً: كيف أنت اليوم؟
 
تنهدت وهمست: طلبوني في العيادة··· يبدو أن الأمر غير سار··· أكيد عندي·
 
قاطعتها: لا تستبقي الأمور· إن شاء الله بسيطة·
 
ضخّت بعضاً من القوة إلى صوتها مرددة: إن شا الله·
 
قلت: طمنيني بعد عودتك·
 
همست: طبعاً·
 
كانت قد هبطت علينا، مثل طيف جميل، في منتصف شهر أيلول ما قبل الماضي، محمّلة بما لم نعتد وجوده في محلات البضائع الكبيرة المنتشرة هنا ؛ ميرمية، زعتر أخضر، جبنة نابلسية بيضاء، وبقلاوة· كان صديقاً قديماً لوالدي منذ أيام الكويت قد زوّدها بها، وصادف أن يكون هذا الصديق جاراً لها· ما إن علم بسفرها إلى لندن حتى حمّلها ما لذّ وطاب مما يندر الحصول عليه هنا· وحمّلها سلامه إلى صديقه أبو عماد، والسيدة أم عماد، وجميع أفراد عائلة رضوان الفارس فرداً فرداً·
صفحة 6
لم تعنني أسباب حضورها بقدر ما أسعدني وجود امرأة من هناك في بيتنا· عندما علمت بوصولها ذهبت لزيارة والديّ، وكانت قبل وصولي قد تعرّفت على أمي وأبي وأخي وائل وزوجته وأطفاله الثلاثة·
 
قلت معرفاً بنفسي: أنا سعيد·
 
ضحكت وقالت: وأنا أيضا سعيدة!
 
شاغبتها: اسمي سعيد!
 
تدخل وائل مصحّحاً: لا تصدّقيه، اسمه وليد وليس سعيد، لكنه يظن أن دمه خفيف·
 
أجبته معترضاً: كنت سأخبرها بنفسي، لكنك تصرّ على أن تحشر نفسك دائماً·
 
قطعت علينا مناكفتنا: أهلاً وليد· ثم سألت: ماذا عن الباقين؟
 
أجاب وائل على الفور: عماد يقيم في أمريكا مع عائلته، أما لميس فما زالت تقيم في الكويت مع زوجها وأولادها·
 
تفحصتها بنظرات خفيّة، جمال عادي لا يثير انتباه النظرة الأولى، لكنه يحفز ّ على المزيد من التفحص الدقيق·عينان صغيرتان ثائرتان، شعر كستنائي مشاكس، لا هو أملس تماماً ولا متموّج بالكامل، شفتان رقيقتان، قوام متناسق· تتحدث مصوّبة النظر إلى عينيّ محدّثها كأنها قنّاص محترف· أعترف أنه لم يكن بوسعي أن أرد لها نظراتها بمثلها· أحيد بنظري عن مواجهة عينيها خوفاً من سهم كيوبيد الطائش الذي طالما تجنّبته· متحدّثة بارعة· تبادر بالسؤال وفتح مواضيع جديدة كلما هدأ الكلام ومال إلى الصمت· تعرف كيف تشدّ محدّثها وتبقيه تحت سحر كلماتها بعكسي تماماً· أنا بطبيعتي ميّال إلى الصمت، أفضّل الاستماع أكثر من الحديث· أتكلّم بنبرة خفيضة يتذمر منها الآخرون· مجامل إلى الحد الذي يجعل من حولي يتّهمني بكبت مشاعري الحقيقية والتخفي وراء الكليشيهات الجاهزة·
 
استضافها والداي لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في بيتهما، فأمضت يوم السبت في مساعدة أمي في أعمالها المنزلية وإعداد الطعام، والتعرف على أزهار الحديقة التي قدمتها لها أمي بشرح مستفيض وهي تتحسس أوراقها بحنان غامر، وفي عقد صداقة سريعة مع والدي· في المساء، وأثناء ما كانت أمي تجهّز لها مكاناً للمبيت، اعتذرت لها عن ضيق البيت قائلة: أتصدقين أنني لم أتعود على هذا البيت الصغير رغم كل هذه الأعوام؟ كم أشعر بالحرج كلما استضفنا أحداً·
 
تنهدت أمي بحسرة وأضافت: كان بيتنا واسعاً في الكويت· والله تخلّيت عن كل شيء، حملت معي ما استطعت شحنه في الطائرة فقط· عمك أبو عماد اضطر إلى بيع الأثاث بسعر التراب·
 
شدّها الفضول لمعرفة أصل الحكاية فسألت: خالتي أم عماد، هل يزعجك أن تحكي لي عمًا حدث أثناء الحرب بالتفصيل؟
 
هزت أمي رأسها نافية، تركت الوسادة من يدها وجلست على الصوفا، سحبتها من يدها وأجلستها إلى جوارها وتساءلت من أين تبدأ· زفرت بحرقة وقالت: والله، لا أعرف كيف أحكي عن تلك الأيام! كانت أياما سوداً··· ذات صباح وجدنا أنفسنا مشتّتين في بقاع الأرض· عماد وزوجته، بحكم أنهما مضيفان، كانا في رحلة إلى أمريكا بينما ظل طفلهما الذي لا يتجاوز السنتين في عهدتي·
 
تمهلت قليلاً قبل أن تتابع: حتى إننا لم نعرف عن الحرب إلا عندما اتصل عماد في الصباح الباكر· سأل عن أبيه، فأخبرته أنه ذهب إلى عمله في قصر الأمير، فصرخ بي مستغرباً: أي أمير ماما؟! لم يبق في الكويت أمراء··· لقد فروا جميعا· كان يتكلم بسرعة كبيرة خوفاً من انقطاع الاتصال· شرح لي حالهما في أمريكا: ماما، الخطوط الجوية الكويتية أوقفت جميع رحلاتها إلى الكويت، نحن عالقان هنا في نيويورك، ديري بالك على قيس، لا أعرف إن كنت ونجوى سنتمكن من العودة إلى الكويت مرة أخرى، يقولون لنا في مكتب الشركة إن على جميع المضيفين والمضيفات الانتظار إلى أن تصل التعليمات من مكتب الشركة الرئيسي في الكويت···
 
عدّلت أمي من جلستها وأكملت: ولم ألتق بهما إلا بعد أن تمكنت من الخروج من الكويت قبل القصف الأمريكي على العراق بأيام ومعي الطفل، فحضرا إلى هنا لاستقبال طفلهما· أما وليد فكان في قبرص· انقطعت بيننا الاتصالات ولم نعد نعرف عنه شيئاً·
 
سألت: وماذا عن وائل ولميس؟
 
أجابت أمي: لميس ووائل كانا يعملان في شركة WG Towel في الكويت· هل تصدقين أن لميس وزوجها هما اللذان أنقذا أوراق الشركة ومستنداتها من عبث الجيش العراقي بعد أن فرّ صاحب الشركة؟
 
شنّفت آذانها مستفسرة: كيف؟
 
تابعت أمي: كانت لميس السكرتيرة التنفيذية لمدير الشركة وتعرف أسرار شركته كافة ومكان حفظ المستندات الخاصة بها· اتصل بها الشيخ صاحب الشركة عبر السفارة الأمريكية وطلب منها أن تخفي مستندات تسجيل الشركة في مكان آمن، فخاطرت وزوجها بنقل المستندات من مقرّ الشركة وإخفائها في شقة هجرها أصحابها وفرّوا إلى بلدهم·
صفحة 7
أضافت وهي تضحك: حين استوقفها جندي عراقي عند حاجز التفتيش، أخبرته أن هذه المستندات هي أوراقها الشخصية وشهاداتها الدراسية· تفحّصها الجندي بنظرات متشكّكة، وضع مسدسه فوق الصندوق، وتناول أحد الملفات، نظر إليه قليلا ثم أعاده إلى مكانه· لحسن الحظ كان الجندي لا يحسن القراءة، فلم يتمكن من قراءة الوثائق، وسمح لها بالمرور··· الله وحده حماها·
 
علّقت قائلة: آه والله، معك حق·
 
وبعد برهة سألت: وهل بقيتم في الكويت طيلة فترة الحرب؟
 
هزّت أمي رأسها نافية وتابعت: غادرت الكويت قبل القصف الأمريكي على العراق بحكم أنني أحمل الجنسية البريطانية، وهذه حكاية أخرى···
 
قاطعتها: عن جدّ؟ وكيف حصلت عليها؟
 
ابتسمت أمي مستذكرة: غادر والدي فلسطين أيام الانتداب البريطاني إلى قبرص بجواز سفر بريطاني مؤقت، كان الإنجليز يمنحونه حينها لمساعدة الناس على السفر· استقرّ في منطقة نائية في شمال الجزيرة حيث تكثر مناجم النحاس· عمل في أحد المناجم، وسرعان ما وجد له عروساً من سكان المنطقة تزوجها وأنجب ثلاثة أولاد وأنا، بعد زمن قصير حصل على الجنسية البريطانية، وهكذا أصبحت أنا وإخوتي بريطانيين لأن قبرص كانت مستعمرة بريطانية وقتها·
 
فتحت عينيها على اتساعهما بذهول وعلّقت: حكاية غريبة فعلاً! ولكن كيف تعرّفت على عمي أبو عماد؟
 
تثاءبت أمي قائلة: هذه حكاية طويلة، اطلبي من عمك أبو عماد أن يحكيها لك لاحقاً·
 
أجابت على مضض: طيب، لنرجع إلى قصة الكويت·
 
سردت أمي ما تبقى من القصة دفعة واحدة قبل أن تذهب إلى سريرها: قبل القصف الأمريكي على العراق، ذهبت إلى السفارة البريطانية للحصول على تأشيرة سفر لأبي عماد والأولاد، فرفضوا منحي التأشيرة· طلبت مقابلة القنصل وأظهرت له جواز سفري البريطاني، فوافق على إخراجي من الكويت بمفردي، بحكم أنني من الرعايا البريطانيين، أما زوجي وأولادي فقال إنهم غير مشمولين بهذه الرعاية· طلبت منه أن يمنح الطفل أيضاً تأشيرة لأتمكن من إيصاله إلى والديه، فوافق على اعتبار أنها حالة إنسانية·
 
بعدها، شرح لي الخطة التي سينقلون بها الرعايا البريطانيين بعيداً عن أنظار القوات العراقية· طلب مني التواجد في مقرّ جمعية تعاونية في منطقة حولّي، ليتم نقلنا إلى المطار ومن ثم إلى لندن· وهكذا خرجت وبقي أبو عماد ولميس ووائل·
 
التفتت إلى أبي والفضول يدفعها لمعرفة المزيد من التفاصيل· سألته: عم أبو عماد، كيف أمضيتم الوقت تحت الاحتلال؟ هل كانت هناك مظاهر احتلال حقيقية؟ هل تعرضتم للأذى؟
 
ابتسم أبي الذي قارب على الثمانين وأوضح: يا بنتي، الله بكسر وبجبر!·
 
نظرت إليه نظرة تدل على عدم الفهم وسألت: كيف يعني؟
 
رغم كبر سن أبي إلاّ أنه يحب الدعابة والمواربة في الكلام· لكنه سايرها مجاملاً ربما لكي ينهي تساؤلاتها، ويتمكن من الذهاب إلى النوم: لم يكن احتلالاً بمعنى الكلمة، أنا أعرف ما هو الاحتلال منذ أيام الاحتلال الإسرائيلي في يافا، حين كان الجيش الإسرائيلي يداهم البيوت ويعتقل سكانها، يطوّقون القرى يومياً ويقتلون الناس في الطرقات، أما الجنود العراقيون فكانوا يوجدون في نقاط معينة للتفتيش، لا يطلقون النار إلا إذا تعرضوا لإطلاق النار عليهم من قبل مجموعات من الكويتيين والعرب سمّوا أنفسهم بالفدائيين····
 
يضحك أبي وهو يكمل: كما قلت لك، الله بكسر وبجبر، يعني، كنت كلما مررت بحاجز يسألني الجندي: من أين أنت؟ أجيب: فلسطيني، فيضرب لي تحية ويسمح لي بالمرور·
 
سرح أبي مستحضراً تفاصيل مضى عليها ما يقارب الأربعة عشر عاماً، ثم تابع: قليلاً ما كنت أخرج من البيت، فقط لأجل شراء الخبز والمواد الغذائية· أحياناً كنت أخرج لأبحث عن أشخاص يستخدمون خطوطاً للاتصالات الدولية لا أعرف كيف يحصلون عليها· أنتظر لساعات حتى يصلني الدور، فأتكلم دقيقتين أو ثلاثاً مع أم عماد هنا في بريطانيا، كانت هذه الدقائق تكلّفني عشرة أضعاف المكالمة في الأيام العادية·
 
واصلت استفسارها: وكيف خرجتم؟
 
أسند أبي ظهره إلى المقعد مسترخياً وقال: الله لا يعيد هديك الأيام··· حاولت الحصول على تأشيرة إلى مصر، ولكن السفارة المصرية رفضت· تصوّري! مصر لم تسمح لحملة وثائقها بالدخول إلى أراضيها وحكمت علينا بالموت تحت الحصار! قالوا لنا أولاد ال···: إذهبو إلى فلسطين، أو اعرضوا أمركم على الأمم المتحدة لطلب اللجوء·
 
زفر بألم وأكمل: آخ يا بنتي، الله يسامحهم· لو كانت فلسطين غير محتلّة لما كنا غادرناها أصلاً· منذ أن هربت أسرتي من منشية يافا في العام 1948، إلى غزة وكنت مازلت فتى في السادسة عشرة، ثم رحيلنا إلى الكويت بوثائق سفر مصرية في منتصف الخمسينات، لم أعرف لي بلداً غير الكويت·
صفحة 8
تسارعت أنفاسها وهي تقترب من غايتها: وكيف عايشتم الضربة الجوية على بغداد؟
 
هزّ أبي رأسه أسفاً وقال: أخ، ماذا أقول الآن؟ عندما علمنا بالضربة، صعد سكان البناية إلى السطح وتابع صغيرنا وكبيرنا ما أسموه عملية التحرير قابلناها بالهتافات والزغاريد، ليس كرهاً بالنظام العراقي بقدر ما هو الأمل بإعادة الأمور إلى نصابها والعودة إلى حياتنا الطبيعية التي ألفناها·
 
- وما الذي حصل بعد التحرير؟
 
- بعد أن انتهت الحرب وعاد الأمراء وأصحاب الشركات· حضر الشيخ صاحب الشركة التي كانت تعمل بها لميس إلى منزلنا ليشكر لميس على جميلها· كانت الحكومة الكويتية قد أصدرت قراراً بالغاء إقامات جميع الفلسطينين في الكويت؛ فعرض مساعدتنا في الحصول على الإقامة لي ولوائل، أما لميس فمنحت الإقامة ليس اعترافاً بجميلها، ولكن لأن زوجها يحمل الجنسية المصرية· فكّرتُ في عرضه فوجدته لا يتعدى طعنة في الظهر· أبعد كل هذا الإخلاص والولاء يعرض علينا الإقامة فقط؟! والله عيب· حفيدي، ابن يوم واحد فقط، حصل على الجنسية الأمريكية لأنه ولد على الأرض الأمريكية، بينما لم تشفع لي ثلاثون عاماً من التفاني للحصول على أية جنسية عربية! كظمت غيظي وانتظرت أن يأتيني بالإقامة·
 
- وهل نجح؟
 
تابع أبي بمرارة: فيما نحن ننتظر، عادت أم عماد إلى الكويت وحاولت الحصول على تأشيرات سفر إلى بريطانيا لي، ولوائل· ولكن السفارة لا تمنح تأشيراتها لمن هم دون إقامة، وبعد سلسلة من الوساطات، نجحت المحاولة الثالثة التي قام بها الشيخ وحصلنا ثلاثتنا على إقامة لمدة سنة، وعلى إثرها حصلنا على تأشيرات السفارة البريطانية، وغادرنا الكويت في ربيع عام 1992· ومن حسن حظّنا جميعاً ان أم عماد تحمل الجنسية البريطانية، ويحق لها حسب القوانين البريطانية أن تضم عائلتها· تقدمنا بطلب الحصول على الجنسية البريطانية وبعد سنتين فقط حصلنا عليها· صرفت لنا الحكومة معاشاً أسبوعياً ثابتاً، ووفّرت لنا المسكن والعلاج المجاني، وها نحن نعيش في هذه الغربة منذ أربعة عشر عاما·
 
غيّرت الموضوع بسرعة باتجاه استكمال تفاصيل الحكاية السابقة قبل أن يرخي النعاس بثقله على أبي وسألت: عمي أبو عماد، سؤال أخير من فضلك··· كيف التقيت بخالتي أم عماد؟
 
تفاجأ أبي بسؤالها غير المنتظر، تلعثم هامساً: سأجيب عن سؤالك، ولكن باختصار·
 
قاطعته: ماشي·
 
تابع أبي: كان ذلك في أواخر الخمسينات، وكنت في حوالي السادسة والعشرين من عمري، حين طلب مني أحد أصدقائي أن أصطحبه إلى المطار لاستقبال خاله القادم من قبرص· في المطار وجدت امرأة وصبية برفقة الرجل، عرفت أنهما زوجة خاله وابنته· في حياتي لم يقع بصري على فتاة بمثل هذا الجمال··· صبية في العشرين، بطول فارغ، وعينين واسعتين، واسعتين، هما أكبر ما رأيت طوال عمري، تحتلان نصف وجهها الأبيض المشرب بحمرة طبيعية رائعة···
 
همست: آه، إذن هو حب من النظرة الأولى!
 
تابع أبي متجاهلاً تعليقها: طلبتها من والدها قبل موعد عودتهم إلى قبرص بأيام، ولولا صديقي وشهادته أمام والدها بحسن سلوكي وأخلاقي، لكانت رحلت إلى قبرص إلى الأبد· تزوجنا في ثلاثة أيام، وأشرف والدها على جميع التحضيرات الخاصة بالمسكن والأثاث بما فيها الجهاز الشخصي للعروس·
 
نامت ليلتها تلك وهي تفكر في كل ما سمعته، وربما تحلم بزمن تتشابك فيه المسافات وتختفي فيه الحدود الفاصلة ما بين الهنا والهناك··· زمن تلغى فيه جميع الخرائط والحدود، وينتفي معه الاعتراف بقدسية جوازات السفر·
 
أبي وأمي أكتفيا من الحياة بما مضى· توقفت مسيرة الزمن بالنسبة إليهما في الثاني من آب عام 1990· كل ما يستحق استحضاره أو الحديث عنه، هو تفاصيل حياتهما في الكويت لأكثر من ثلاثين عاما· كان أبي السائق الخاص للأمير جابر الصباح، قبل وبعد تولّيه الإمارة، موضع سرًه، والأمين على أسرته· يوصل نساءه وأولاده إلى حيث يرغبون· يستقبل ضيوفه من القادة والأمراء والرؤساء والملوك· وكان الأمير يغدق عليه من كرمه وعطاياه في كل المناسبات، بالإضافة إلى الهدايا الخاصة التي يمنحها له الزعماء والضيوف، والتي لا يزال يحتفظ بها ويتذكر مناسبات تقديمها، حتى إنه بكاه بحرقة يوم وفاته تماماً كما بكى والده، بالرغم من تخلّيه عنه بعد الحرب·
 
أما أمي، فانصبّ همّها الأول على تربية أبنائها وتعليمهم· وبعد أن كبرنا، باشرت بأخذ نصيبها من الحياة الاجتماعية الحافلة بشتى المناسبات، وقضاء أشهر الصيف في أوروبا·
 
منذ أربعة عشر عاما، وأبي وأمي يبنيان السدود والحواجز التي تحول بينهما والعالم الخارجي في هذا البلد· بيتهما حصن منيع في مواجهة الغرباء، لا يفتحان الباب لأي طارق إلا إذا كان هناك موعد من أجل كشف أو صيانة أو تصليح خراب ما· لا يخرجان من البيت إلا لقضاء حاجة ضرورية، أو ابتياع الحوائج المنزلية· في أعياد الميلاد يكتفيان بوضع بطاقة معايدة على أبواب الجيران ذوي القربى والجار الجنب، وإن رنّ الهاتف لأمر ما، يعتذران عن الحديث بسبب عدم تمكنهما من اللغة الإنجليزية بكلمات قليلة: sorry, donصt speak English· أخي وائل وأنا من يتكفل بالتعامل مع الرسائل البريدية المتعلقة بالفواتير، وإصلاح الأعطاب التي قد تلحق بمنزلهما·
 
راكم أبي خلال هذه السنوات عدداً من أمراض الشيخوخة، بالإضافة إلى استبدال ركبتيه الطبيعيتين بركبتين حديديتين· أما أمي فتصيبها نوبات من ارتفاع ضغط الدم· فجأة، يتأجج وجهها الأبيض بوهج أحمر، ويصعب عليها التنفس، فتخرج إلى الحديقة مسرعة لاستنشاق الهواء·
صفحة 9
أبي بأعوامه التي قاربت على الثمانين، وشعره الذي ابيضّ بالكامل رغم أنه ما زال غزيراً، يصرّ على قيادة سيارته الصغيرة لقضاء مشاويره التي يراها ضرورية· لم يستطع نسيان مهنته السابقة· تقدم بطلب الحصول على إجازة لقيادة السيارة رغم أن مقود السيارة على اليمين ومسار الطرق على اليسار بعكس ما اعتاد عليه في الكويت· اجتاز الفحص النظري شفاهة، لأنه لا يحسن قراءة اللغة الانجليزية وكتابتها، ورافقه أخي وائل أثناء الفحص العملي متوليّا مهمة الترجمة بينه وبين مسؤول الفحص· يومها خبأ الصورة التي تجمعه بالملكة اليزابيث أثناء زيارة لها إلى الكويت في جيب سترته· لم يكشفها لمسؤول الفحص إلا بعد أن اجتاز امتحان القيادة بنجاح· تفاجأ الرجل بها، واستغرب كتمانه لها قبل الفحص· أراد أبي من خلال تلك الصورة، التلميح ضمناً إلى مهاراته الفائقة في القيادة، التقط مسؤول الفحص تلميحه بسرعة، وحرّر له رخصة القيادة على الفور·
 
يتمتع أبي بحنكة أحسده عليها، أحيانا تشعرني بعض تصرفاته بالحرج، إلا أنني سرعان ما أكتشف أن للرجل خبرة في الحياة تستعصي على أمثالي· ورغم أنه لم يتعلم من اللغة الإنجليزية إلا النزر اليسير في مدرسة لتعليم الكبار، إلا أنه يدأب على زيارة السوق الشعبي الذي يقام يوم الأحد من كل أسبوع market Sunday لعقد صفقات بسيطة· يقود سيارته التي أصبحت تحمل إشارة ذوي الاحتياجات الخاصة رغم تحذيرات أمي، ويذهب إلى السوق ليدور به دورة أو دورتين مستنداً على عكّازه الخشبي·
 
يفاصل الباعة: How much?
 
وعندما لا يعجبه السعر، وغالباً ما يكون السعر غير مناسب له، يبادر إلى الاعتراض: No. No. Very much!
 
وحين يصرّ البائع على السعر، يتركه ويمضي قائلاً: I do not want
 
فيرضخ البائع لإرادته ويبيعه السلعة بالثمن الذي أراده· كثيراً ما كان يعود حاملاً سلعاً قيّمة بأبخس الأثمان، حتى تكدست حاجياته في الكوخ الصغير الذي في طرف الحديقة، فقام بإدخال بعض منها إلى البيت أمام اعتراضات أمي وتذمرها من ضيق المكان· أبي يبتاع كل شيء تقريباً، من مفكّات ومسامير وبراغي، وقطع السجاد، والتحف الصغيرة والمزهريات التي بلغ عددها ما يقارب العشرين، إلى أدوات المطبخ والكهربائيات··· وربما كانت جولاته تلك، وما يتبعها من مقتنيات عشوائية غير مترابطة، وسيلة من وسائل تعبيره عن الرفض، أو انعدام الأمان الذي لا يدركه أحد سواه·
 
وحين يغضب، أو يضيق ذرعاً بأرجاء البيت، يزمجر ناقماً: أنا عائد إلى يافا·
 
يقود سيارته إلى قرية قريبة أطلق عليها اسم يافا، لأنه يرى أن طبيعتها تشبه مدينة يافا باستثناء البحر· ينتبذ هناك مقهى صغيراً لساعات، والله وحده يعلم ما يدور بخلده من هواجس·
 
في صبيحة يوم الأحد، هاتفتُ والدتي لأستفسر إن كان هناك ما ينقصها من حاجيات، فطلبت منى أن أحضر خبزا طازجا وأسرع لتناول وجبة الفطور معهم· أخذت حمامي الصباحي، حلقت ذقني، ارتديت ثيابي، ورششت قليلاً من العطر فوق وجهي قبل أن أستقل سيارتي إلى أقرب دكان، تناولت الخبز واتجهت إلى بيت والدي· كانت أمي قد أعدّت إفطاراً حافلاً، أشهى ما فيه الزيت والزعتر، قطع الجبنة النابلسية البيضاء، والشاي المفعم بنكهة الميرمية الطازجة·
 
بعد أن أنهينا أكواب الشاي، لم أقوَ على المغادرة وتركها تمضي يوماً آخر برفقة عجوزين، فهمست لها أن تستعد للخروج· وكأنها قرأت ما يدور داخل رأسي، سارعت إلى وضع سترة خفيفة فوق كتفيها، مشت بضع خطوات باتجاه حذائها، فلاحظت عرجاً خفيفاً في مشيتها، ما إن ارتدت حذاءها حتى تلاشى· دققت النظر في حذائها، فكان نعل الفردة اليمنى أغلظ قليلاً من الفردة اليسرى· حملت حقيبة يدها الصغيرة، ووقفت عند الباب معلنة استعدادها للخروج·
 
نقيم على أطراف مدينة لندن، في الجهة الغربية منها، حيث تكثر أحياء الأقليات العرقية من مختلف الشعوب التي هجرت أوطانها هرباً من حرب ما، أو خوفاً من طاغية ما· توجهنا إلى أقرب محطة أنفاق، ابتعت تذكرتين من تلك التي يمكن استعمالها على مدار اليوم· صعدنا إلى القطار ولم نجد مقعداً فارغاً، فوقفنا مستندين إلى العمدان الحديدية التي تتوسط عربة القطار، وتعلقنا بالحلقات الجلدية المثبتة في السقــف تفاديـــاً للاهتـــزارات العنيفـــة· عنـــد محطة Westminster غادرنا القطار، وصعدنا الدرجات المؤدية إلى الشارع، فطالعنا مبنى البرلمان وساعة Big Ben بعقاربها العملاقة·
 
تسكعنا قليلاً في ذلك الشارع المكتظ بالمشاة والسائحين من دون أن نتبادل كلمة واحدة حتى وصلنا إلى جسر البرلمان· توقفت وتدلّت بجذعها على حافة الجسر الإسمنتية، ونظرت طويلاً إلى مياه نهر التايمز الرمادية العكرة، وكأنها تفتّش عن لونه الحقيقي، وحين عجزت عن تمييزه، التقطت صورة للنهر، وأخرى لمبنى البرلمان والساعة الضخمة ثم أكملت سيرها· عبرنا النهر إلى الجهة المقابلة حيث تقف London Eye تسمّرت أمامها مثل طفلة صغيرة تحلم بالطيران· فردت ذراعيها وحركتهما كأنهما جناحان وسألتني ضاحكة: أترغب بالتحليق معي؟
 
قلت: لم لا؟
 
توجهنا إلى شباك التذاكر، اشترينا بطاقتين ووقفنا ننتظر دورنا في الصعود· وحين ارتفعت بنا العربة الزجاجية إلى السماء، التصقنا بواجهة الكبسولة الزجاجية الواسعة، مشفقين على تلك المدينة العريقة وهي تتضاءل تحتنا بنهرها ومبانيها القديمة، وشوارعها وسياراتها، وأشجارها، بينما الضباب يلفّنا بعباءته الرمادية الثقيلة·
صفحة 10
أخذنا القطار ثانية إلى محطة Oxford Circus، قطعنا شارع أكسفورد المزدحم بالسياح والمتبضعين مشياً على الأقدام، تفرّجنا على البضائع المعروضة خلف واجهات المحال الزجاجية، إلى أن وصلنا إلى Marble Arch أشرت بيدي إلى الشارع المجاور في الاتجاه الأيمن متسائلاً: هل ترغبين بالذهاب إلى شارع إجوار روود لتناول وجبة في أحد المطاعم العربية؟
 
هزّت رأسها نفياً وأضافت مبررّة: لم أفتقد الطعام العربي بعد، ما رأيك بوجبة سريعة؟
 
أشرت بيدي مخيّراً: ماكدونلدز أم كنتاكي؟
 
قالت جازمة: كنتاكي، لا أتعامل مع ماكدونلدز·
 
دلفنا إلى المطعم، وحين جاء دورنا سألتها: كوكاكولا أم سبرايت؟
 
ردّت بسرعة: لا أتعامل مع هذا ولا ذاك، سأشتري عصير برتقال·
 
نقدتُ البائع ثمن الساندويشات وجاءت هي بالعصير وخرجنا· على باب المطعم، سألتها: ما معنى أنك لا تتعاملين مع ماكدونلدز وكوكاكولا؟ لا تحبينها؟
 
فتحت زجاجة العصير وارتشفت رشفة ثم قالت: بل أقاطعها ولا أشتريها لأن أصحابها يدعمون إسرائيل·
 
قلت ساخراً: فهمت، موقف سياسي يعني···أتظنين أن تلك الشركات ستفلس إن لم تشتري بضائعها؟!
 
ألقت إليّ بنظرة مشفقة دون أن تجيب، مفضّلة عدم الدخول في جدل لا طائل من ورائه· تلفّتت حولها تستطلع المكان· ثواني وكانت تشير إلى اتجاه ما معلنة: أترى تلك الساحة؟ سنتناول طعامنا هناك· عبرنا نفق المشاة إلى حيث ساحة القوس الرخامي الشهير وجلسنا نأكل طعامنا· تقضم من رغيفها وتلقي ما يتناثر من فتات الخبز على الأرض إلى أن تجمّع سرب من الحمام عند قدميها· فتحت حقيبة يدها، أخرجت آله التصوير والتقطت صورة للحمام المنهمك بالتقاط الفتات، وصورة أخرى للبوابة الرخامية·
 
سألتها: هل ألتقط لك صورة مع الحمام؟
 
هزّت رأسها بالنفي، أعادت آله التصوير إلى حقيبتها، وعادت هي إلى طعامها·
 
أردت فتح موضوع للحديث فاستفسرت: رهام، هل هذه أول زيارة لك إلى لندن؟
 
قبل أن تتمكن من بلع اللقمة التي في فمها أجابتني بإشارة نافية من يدها· بلعت لقمتها وقالت بصوت واثق: أعرف لندن بكل تفاصيلها··· زرتها مرات عدّة·
 
بعــد أن أنهينا غداءنا، استكملنا نزهتنا إلى حديقة Hyde park ، اشترينا فنجانين من القهوة من إحدى ماكنات القهوة الجاهزة التي تملأ الشوارع و سرنا حتى وصلنا إلى بحيرة صغيرة، تعوم على جنباتها بجعات ناصعات البياض، جلسنا على العشب· تربعت واضعة فنجان القهوة إلى جوارها·
 
تربّعتُ بدوري وصوّبت نظري إلى البحيرة· ارتشفتُ رشفة من كوب القهوة الكرتوني، أشعلتُ سيجارة، نفثت دخانها ثم سألت: ما الذي جاء بك إلى بلاد الثعالب؟
 
أجابت بتلكؤ: هل تريد الأسباب المعلنة··· أم الخفية؟ وابتسمت·
 
ابتسمت وقلت: الاثنين·
 
رشفت من قهوتها وقالت: أما عن الأسباب المعلنة، فتسطيع أن تقول إنني جئت إلى بلاد الثعالب لأجل الدراسة والبحث···
 
قاطعتها: البحث عن ماذا؟
 
مدت ذراعيها إلى الخلف فوق العشب الندي، ومالت بجذعها إلى الوراء· صوّبت نظرها نحو ماء البحيرة قائلة: لست أدري بالضبط، ربما جئت أبحث عن زمن مفقود!
 
نظرت إليها باستغراب وقد بدت مثل حورية خرجت من الماء لتشارك الكائنات نشيدها·