eKtab
EN ع
في البدء كانت الحرية
اقرأ عينة مجانية

في البدء كانت الحرية

بقلم شريف رزق

صفحة 1

الإهـــداء

إلى أمي : من علمتني ما هو الحب غير المشروط

وإلى والدي: من أظهر لي ما هو العطاء بلا حدود

وإلى كل من يقدِّس الحرية

و كل من يصبو ويعمل لأجلها

أهدي هذا الكتاب

صفحة 2

في البدء كانت الحرية

دائمًا ما نتساءل عن أهم ما في الحياة، والإجابات كثيرة ومتعددة، والتفسيرات تختلف من فردٍ لآخر، ومن مجتمعٍ لآخر، ومن زمنٍ لآخر، ومهما أُحاول أنْ أُفسر تلك الأشياء، فدائمًا ما أجد أنَّ الحُرِّية هي القيمة الأهم في تلك الحياة، الحُرِّية بمعناها الشامل غير المحدود، فالحُرِّية هي الحياة، دون الحُرِّية تصبح الحياة والموت متشابهين، وتتسم الحُرِّية باللامحدودية، وهنا تكمن إشكالية تدور حولها كثير من المشاحنات، وحتى الآن سوف نجد فكرة الحُرِّية مسار جدل في كل مكان، ولا نستطيع أنْ نتوقع أنْ تقلَّ حدة الحوار والجدل حول فكرة الحُرِّية.

إنَّ فكرة اللامحدودية هي أصل فكرة الحُرِّية، فلا توجد حرية حين تُكبل بالقيود، ومهما حاول الكثيرون تقييد الحُرِّية فلن يفلحوا، والحُرِّية ليستْ بالسهولة التي قد يتخيلها البعض، قد تحيا في مجتمعٍ ديمقراطي، وأنتَ مفتقد للحرية كفردٍ، وقد تستمتع بالحُرِّية كفردٍ، وأنتَ في مجتمعٍ ديكتاتوري، ومع ذلك فإنَّ المجتمعات التي تتوفر بها الحريات الفردية، تظل مجتمعات إنمائية وقوية ومدعِمة للفرد في كل مكانٍ.

أسئلة كثيرة تطرحها فكرة الحُرِّية، والإجابات نفسها تطرح أسئلة جديدة، ووجود أسئلة هو أحد أشكال النمو المستمر للمجتمعات، فوجود إجابات محددة سلفًا ينتفي معها وجود حقيقي للحرية، فالحياة بالأساس حالة من التساؤل المستمر المؤدي بالضرورة للحراك الواجب حدوثه في المجتمعات.

إنَّ القيام بأي نشاطٍ حياتي، يستلزم معه وجود حرية مُطلقة حتى يتم بنجاح وموضوعية، إذا أردتَ مثلًا أنْ تبحث في أي حقيقة تاريخية، فعليكَ التسلُّح بعددٍ من الحريات:

أولًا: حرية البحث، وهذا حق أصيل لكل البشر، وأحد الأركان الأساسية للمعرفة الحقيقية، وليس هذا في حد ذاته هو الأهم، وإنما التحرر من كل الأفكار المسبقة والأنماط الجاهزة، وهذا هو العامل الأساسي في نجاح البحث التاريخي، فعند قيام باحث تُركي بالبحث في مذابح الإبادة العِرقية للأرمن لعددٍ يتراوح بين مليون إلى مليون ونصف أرمني، فهذا الباحث عليه التجرُّد والتحرر تمامًا من كل المشاعر الوطنية حتى يتعامل مع تلك الأحداث التاريخية بحيادٍ تام، فالبحث الموضوعي يتطلب الحياد التام، والحياد يتطلب الحُرِّية المطلقة.

ثانيًا: حرية الاعتقاد، والاختيار، والسفر، والزواج، والشراء، والامتلاك، ولو تعاملنا مع الفكرة بجدية سوف ندرك مدى توغلها، وتداخلها في كافة مناحي الحياة.

وهنا أجد أنَّ علي القول بأنَّ الحُرِّية هي الحياة، فنحن نحيا بفخرٍ حين نشعر أننا مسئولون تمامًا عن اختياراتنا في الحياة، ونشعر بانتماءٍ لذواتنا حين يكون مصيرنا بأيدينا، فالإحساس بالحُرِّية هو المُحرِّك الأساسي للنشاط الإنساني.

صفحة 3

(1)

الحُرِّية والإبداع 1

لا يوجد إبداع بدون حرية، وحين نستخدم كلمة الحُرِّية فالمعنى هنا مطلق، والإبداع هو المُحرِّك الرئيسي لشريان الحياة، ففي كافة مجالات الحياة ترتبط الحُرِّية ارتباطًا تلازميًا حتميًا بالإبداع.

حين تُبدع، تنطلق من داخلكَ طاقات كثيرة، وفي تلك الحياة تتآمر أشياء كثيرة كي تُحاصر إبداعكَ، مَنْ يختلف عنكَ يحاول دومًا أنْ يجعلكَ مثله لا لشيءٍ سوى لأنه يستشعر الأمان حين يتشابه معه الآخرون، حين تحب وتقتنع تمامًا، فلن يستطيع أحد أنْ يقترب من حدودكَ، وتلك الحدود هي الحُرِّية، وتلك الحدود بلا حدود، أنتَ تضعها ولا يراها غيركَ.

فالمبدع يتألق عند ازدهار الحريات، الإبداع يتطلب ازدهار كل أنواع الحريات.

فقد توصل جاليليو إلى الكثير من المكتشفات؛ لأنه لم يكن مقيد بأيَّة أفكارٍ مسبقة، ولأنه كان واضحًا وعالمًا بأنَّ الكتاب المقدس، لم يكن ولن يكون في أي وقتٍ من الأوقات كتاب علومٍ أو تاريخٍ، وحدث ذلك في وقتٍ كانت الكنيسة بأوروبا تتحكم في معظم الأشياء الحياتية، فقد اتهمتْ الكنيسة جاليليو بالهرطقة، والخروج عن أفكار الكتاب المقدس، وذلك عندما دعم أفكار كوبر نيقوس التي تدور حول أنَّ الشمس هي مركز الكون، وليستْ الأرض، كما زعمتْ الكنيسة في ذاك الوقت أنَّ هذا ما يقوله الكتاب المقدس.

هنا تصبح القضية أكثر تعقيدًا، تفسير الكتب الدينية تفسيرًا حرفيًا بمعزلٍ عن الواقع الحياتي المُعاش، يجعل الحياة منعزلة عن الفكر الديني، فالفكر الديني يجب أنْ يعطي رؤية حياتية، أما التفاصيل الحياتية فيجب أنْ تُترك لكل مجتمعٍ مع المنطق الذي يتفق مع تلك النظرية.

إذ يجب أنْ يسود الفكر المنطقي في تفسير النشاطات الحياتية اليومية، وما يتعارض مع المنطق يجب إعادة فحصه حتى يتسنى الأخذ بالمرجعية المنطقية.

الفكر الديني بالأساس، هو محاولة لتغيير الإنسان نحو الأفضل، لا أعتقد أنَّ غياب المنطق قد يضيف أي شكلٍ إيجابي لحياة الإنسان.

العلم أساسًا يقوم على الملاحظة والتجريب ثم التغيير، فالثبات فكرة لا تنتمي للحياة أو العلم، والعلماء في حالة بحثٍ دائم، فدائمًا توجد أسئلة جديدة، والإجابات تطرح أسئلة أخرى.

وحتى يُبدع العلماء لابد من التحرر من المادي والفكري، فليس من المنطق أنْ يكون المفكر، العالم، رجل الدين في حالة احتياجٍ مادي، ثم تطلب منه التكريس التام للعمل أو الخدمة الدينية، كما أنه ليس من المنطق بأي حالٍ من الأحوال أنْ يشترك رجل الدين ـ المفترض أنه منقطع للبحث العلمي ـ في أي عملٍ تجاري، أو أنْ يعمل لدى الحكومة، فهذا يقتنص الكثير من تلك الحُرِّية المطلقة التي يجب أنْ يتمتع بها دائمًا.

حين يخلط الفنان بين الربح المادي والفن المطلق، يقل الإبداع ويقل توهجه، فالفنان الحقيقي يُكرِّس حياته لفنه؛ لأنه هو والفن يصبحا شيئًا واحدًا.

حين رأيتُ الفنانة الكبيرة أمينة رزق على مسرح الهناجر في عام 2002م، تمثِّل في مسرحية اللَّيلة الثانية بعد الألف للكاتب عبدالله الطوخي، وكانت جالسة وهي تمثِّل طوال المسرحية، وكانت قد بلغتْ الرابعة والتسعين من العمر، فلن نستطيع أنْ نجد سببًا آخر غير العشق الشديد للفن، فالتمثيل بالهناجر عمومًا لا يُدر مالًا كثيرًا، ولكنه ذلك العشق الذي يجعل الحياة حياة، ويجعل أمينة رزق تقاوم آلام المرض، وتتحدى الزمن، وتُبدع، فقد وجدتْ الحياة في إبداعها، وتوحدتْ مع فنها، فأصبح الفن هو الطاقة والقوة الدافعة خلف النشاط الحياتي الذي قامتْ به.

فلحظات الإبداع للمبدع هي لحظات نشوى وذوبان، وقد ينسى الزمان والمكان، ويتوحد مع الفن في حالة إخلاصٍ يتسم بالنقاء، لذا فالحُرِّية المطلقة هي ملاذ كل فنان.

صفحة 4

(2)

الحُرِّية والإبداع 2

• التأمل في السائد:

الإبداع هو بالأساس عملية خلق، والخلق هو أساسًا رحلة من التحدي لكل ما هو سائد، والسائد دائمًا ما يكتسب هالة قدسية بلا أسبابٍ واضحة سوى أنه سائد، وما إنْ تبدأ بتحليل ذلك حتى تفاجأ بأنَّ الكثير منه لا يقترب من المنطق بأي حالٍ من الأحوال، وبداية الإبداع هي التحرر من خرافة قدسية السائد، لنقترب أكثر من الواقع؛ لنرى أمثلة أكثر وضوحًا، وهذا سائد في وسائل الإعلام حين نتحدث مثلًا في الرياضة، لو أنَّ فريق السعودية يلعب مباراة كرة قدم ضد فريق الكاميرون، فسنجد المعلِّق الرياضي، يطالبنا أنْ نشجِّع فريق السعودية، وذلك لأنهم عرب ونحن عرب، كما لو أنَّ هذا سبب كافٍ!.

إنَّ استخدام القدرة الإبداعية هنا لتحليل ذلك الموقف والتأمل فيه، يجعلنا ندرك مدى عنصرية هذه الفكرة التي يرددها المعلِّق، وليس بالضرورة أنْ يكون ذلك المعلِّق مدركًا مدى عنصرية الفكر الذي يطرحه، ولكنه يطرحه على أيَّة حال.

وإذا تابعتَ الموقف الرياضي أكثر، ستجد أنَّ نفس المعلِّق يطالبكَ بتشجيع فريق الكاميرون حين يلعب ضد فريق إيطاليا، وذلك لأننا أفارقة مثلهم، أما حين يلعب فريق إيطاليا ضد فريق تركيا فسينادي نفس المذيع بتشجيع تركيا؛ لأنهم مسلمون، وتتغير تلك القصة العبثية حسب الميول والتوجهات، ليس فقط في المحيط العربي بل وفي المجتمع الغربي أيضًا، لكنْ بأشكالٍ أخرى، ولحظة من التأمل في تلك الأشياء وتلك التوجهات، نجد أنَّ كثيرًا من المفاهيم السائدة لا تتفق مع مبادئ حقوق الإنسان، ونجد أنَّ التقسيمات العِرقية الدينية والمادية، ما هي إلَّا تحريف للطبيعة الأصيلة للإنسان الذي يسعى أساسًا نحو الحبِّ المطلق، وحين يمتلئ القلب بالحبِّ المطلق، تنتفي أفكار الاختلاف القائم على العِرق الديني أو الجنسي، فالنظرة الأكثر شمولية للكون تتراجع معها التجمعات المبنية على العِرق والدين، لنتأمل أكثر بهجة الحياة القائمة على الحبِّ المطلق.

حين تسافر حول العالم سوف تندهش كثيرًا، ولكنكَ أيضًا تتعلَّم كثيرًا عن الآخرين، سوف ترى مدى التنوع في الحياة في كل شيءٍ، أساليب الحياة، الموسيقى، عادات الزواج، الملبس، المأكل والمشرب، ومن ثمَّ تدرك بما لا يدع مجالًا للشك أنَّ التنوع والاختلاف هما أساس الحياة، وما تراه أنتَ حقٌّ مطلق هو فقط كذلك بالنسبة لكَ أنتَ، أما الآخرون فلهم معطيات أخرى، وإدراك ذلك هو أمر عظيم في حد ذاته، فتصبح أكثر تقبلًا لفكرة وجود الآخر، ولن يزعجكَ أنْ ترى اختلاف الآخرين، إذ يصبح ذلك أحد مكونات الحياة، فمنطق الأشياء، ومنطق الحياة هو الاختلاف، ومن ثمَّ تصبح أكثر قدرة على رؤية ذاتكَ أفضل، إذ أنكَ حينئذ تستطيع تغيير أو تعديل أو إبقاء حالكَ كما هو، وتلك هي بهجة الحياة.

الحياة هي السير للأمام والتعثُّر، وأحيانًا يكون السقوط جزءًا أساسيًا من الغوص في أعماق الحياة.

صفحة 5

(3)

الحُرِّية والمعتقدات

ما يعتقد الإنسان هو حق أصيل لكل فردٍ في هذا العالم، فمنذ القِدَمِ والناس تتوارث ما يعتقده الأهل، وكلما ضاقتْ مساحة الحُرِّية كلما قلَّ التفكير في هذا الاعتقاد، أو تحليله تحليلًا موضوعيًا، أو حتى التفكير في ملائمة ذلك لطريقة الحياة التي يسلكها الفرد، فيصبح دائمًا الخروج عمَّا تعتقده الجماعة دربًا من الجنون، والجموح الذي قد يؤدي إلى نبذ ذلك الفرد، وقد يصل الأمر في بعض المجتمعات إلى إهدار الدم.

والسؤال المحير الآن هو.. لماذا ينزعج أو ينفعل أو يغضب؟ ومن ثمَّ قد يستخدم العنف، أو حتى القتل لشخصٍ ما حين يختلف آخر معه، كان سابقًا له نفس المعتقد، ويدعي ذلك الغاضب من الاختلاف أنه يريد مصلحة الشخص الآخر، وهنا تبرُّز قضية الحُرِّية، وهي دائمًا الحل الأمثل في اعتقادي لمثل هذا الادعاء، فكل شخصٍ حر فيما يعتقد مهما اختلف مع الآخرين، المربك في تلك الحكاية، هو انزعاج بل وغضب الآخرين، فمن الواضح أنَّ هذا الاختلاف يخيف البعض، إذ يروا فيه تهديدًا للسلطة التي يتمتعون بها، فأول المتضررين من هذا الاختلاف هم بعض رجال الدين؛ وذلك لأنهم يرون في ذلك تهديدًا لسلطاتهم.

والادعاءات الأخرى كثيرة، مثل: معرفة مصلحتكَ أكثر منكَ، وذلك على أساس أنكَ ستظل طفلًا مدى الحياة طالما بقوا هم كبارًا، ولن تعرف أبدًا متى ستكبر؛ لأنه ليس بالإمكان أنْ تصبح أنتَ وهم كبارًا في نفس الوقت، والادعاء الأكثر غرابة، هو أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، وذلك في حد ذاته هدم لفكرة البحث والتساؤل، فما يعتبر مطلقًا، أو من الثوابت لدى البعض ليس بالضرورة كذلك لدى الآخرين، ومن زمنٍ لآخر أيضًا.

تصوَّر مثلًا وضع المرأة قبل مائة عام في مصر، وقبل مائتي عام في أوروبا، وأيضًا فكِّر في كثير من المعايير الأخلاقية على مستوى العالم على مدار التاريخ، تجد أنَّ النسبية والتغيير هما الأكثر حدوثًا وتأثيرًا.

هنا يَبرز تساؤل منطقي.. ما هو الحق المطلق إذًا؟

الحقيقة التي لا تناقش!

المطلق هو مطلق فقط في الوقت الآني لشخصٍ ما، في مكانٍ ما، في ظرفٍ ما، ولا ينسحب المطلق لفردٍ ما، أو مجموعةٍ ما على باقي الأفراد أو المجتمع، وقد يظل ذلك المطلق مطلقًا لهذا الشخص مدى الحياة، أو قد يتغيَّر إذا تغيَّر الشخص، واحتمالية تغيُّر الشخص تعتمد بدرجة كبيرة على مدى الحُرِّية المتاحة في المجتمع الذي يعيش فيه، ومدى التعرُّض لخبرات متعددة.

فكلما زادتْ مساحة الحُرِّية في مجتمعٍ ما، كلما زاد صدق الأفراد في التعبير عمَّا يعتقدون فيه، وكلما زاد القهر المطلق، كلما زاد النفاق والرياء. إذ كيف تطلُّب من شخصٍ أنْ يتبع طريقًا واحدًا في الحياة، وإنْ لم يتبعه فعليه تحمُّل عواقب ذلك، مثلما كان يحدث في أوروبا في العصور الوسطى، ويحدث الآن في بعض بلدان العالم.

فمثلًا قيام الهيئة الدينية في إيران بتحديد شكل تسريحة شعر الرجال، ومَنْ يخالف ذلك يعاقب، وهذا العبث بالحُرِّية الذي يجعل الإنسان غير قادرٍ على اختيار شكل تسريحة الشعر التي يرتاح لها، إذ يجد هيئة دينية تحدد له ذلك.. أليس هذا هو العبث ذاته؟! وقيام بعض الجماعات الدينية في أماكن مختلفة من العالم، وعلى وجه الخصوص المملكة العربية السعودية بضرب مَنْ تجده في أي مكان أثناء مواقيت الصلاة، أليس هذا أيضًا عبثًا بالحُرِّية الشخصية؟! وهل يقبل الله صلاة من شخصٍ هو مجبور عليها؟ أليس من القهر أنْ تُجبر المرأة في السعودية على عدم قيادة السيارة؟ ثم يعفو جلالة الملك عن إحدى السيدات حين قُبِضَ عليها متلبسة بقيادة السيارة!.

في أيَّة دولة في هذا العالم، في هذا القرن، يقبض على إنسان؛ لأنه يقود أو تقود سيارة، ويعفو عنها الملك! لا يبدو لي أنه توجد جريمة كي يتم العفو عنها، أيضًا مُنِعَ بيع المشروبات الروحية؛ لأنها محرمة دينيًا، هو عبث بالحُرِّية الدينية والشخصية، فدينيًا المعيار الحقيقي هو وجود الشيء، ثم قراركَ الشخصي أنْ لا تمسسه رغم أنه متاح، وتلك هي الحُرِّية التي تفسح الطريق لمعرفة حقيقية، والقرار النابع من القلب هو قرار حياة، أما المجبر على فعل الشيء، فهو في حالة موتٍ محقق.

صفحة 6

(4)

الحُرِّية والهوية

• ما هي الهوية؟

دائمًا ما يُطرح هذا السؤال على عدة أصعدة، الهوية هي الشخص ذاته بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهي الشخص بكل كيانه، التربية، الأهل، التعليم، الدين، وسائل الإعلام، التوجهات، والسلوك، وغير ذلك الكثير.

أما السؤال الثاني فهو.. هل تُحدَّد الهوية سلفًا من الآخرين أم أنَّ للشخص مطلق الحُرِّية في أنْ يُحدِّد هويته دون قيود؟!.

والإجابة: هي وجود ارتباط وثيق بين الهوية والحُرِّية، فبدون الحُرِّية تتكون هوية مشوهة حيث إنها تكوَّنتْ بناءً على قناعات الآخرين من ناحية، والضغوط المجتمعية والصور النمطية من ناحية أخرى.

فنحن نسلُّك بطريقةٍ ما نتيجة التعوُّد على سلوكٍ ما، ثم يُدعَّم هذا السلوك بقبول الآخرين له، وهؤلاء الآخرين غالبًا ما يكونون القوة المؤثرة في ذاك المجتمع المعني، وهذا لا يعني بالضرورة أنَّ ذاك السلوك إيجابي أو سلبي، ولكنه يعني أنه السلوك المقبول، فقبول سلوكٍ ما، في مجتمعٍ ما، في وقتٍ ما، يظل دائمًا وأبدًا أمرًا نسبيًا.

وبناءً على هذا نجد الكثير من السلوكيات المقبولة، أو غير المقبولة في كل المجتمعات، طريقة تناول الحساء في المملكة المتحدة وفي كوريا مثلًا، ففي المملكة المتحدة من غير المقبول بأي حالٍ من الأحوال أنْ يصدُّر عنكَ صوتًا خلال تناول الحساء، والعكس مقبول تمامًا في كوريا، في هذه الحالة تتوقف الإجابة عن سؤالٍ.. ما هو السلوك المحبب، والأكثر قبولًا اجتماعيًا على ثقافتكَ أنتَ، ومدى قربه أو بعده عن إحدى الثقافتين، وليس بالضرورة عن السلوك في حد ذاته؟.

ومن هنا نطرح السؤال التالي عن الحُرِّية ودورها في نقد وتغيير السلوك، فقبول كل أشكال السلوك كما هي دون فحصٍ، وتمحيصٍ غالبًا ما يؤدي إلى التمسُّك ببعض السلوكيات والاتجاهات شديدة السلبية.

وهذا لا يعني تفضيل سلوكٍ عن سلوكٍ آخر، لكنَّ ذلك يعني أنَّ على كل شخصٍ مراجعة كافة السلوكيات التي يقوم بها، وتتم هذه المراجعة في إطار الوعي بالمنطق، وليس ما تمَّ استلامه من الأجداد، وهذا الأمر ليس باليسير، ولكنه يتطلب جهودًا مضنية، وصراعًا مع القوى المحافظة، إذ أنَّ تلك القوى المحافظة غالبًا ما تحاول أنْ تحافظ على معظم الأشياء دون تغيير.

وهنا تكمن قيمة وصلابة فكرة الحُرِّية، إذ أنَّ الحُرِّية هي المحك الأساسي لكل سلوكٍ إنساني يتم عن قناعة تامة، وليس عن عادة أو قدسية وهمية.

والإنسان هو المسئول الأول عن تكوين هويته وكينونته، وليس من حقِّ كائنٍ مَنْ كان أنْ يُحدِّد له سلفًا الطريق الذي سوف يسلُّكه، فلو قرر شخص مصري يعيش في إحدى قرى صعيد مصر أنْ يطيل شعره، فسوف يجد الكثير من المضايقات والتحرُّشات من معظم الناس، بدءًا من أقرب الأهل إلى أي عابر سبيل، سيكون لديهم الحق في وصفه بأبشع الصفات، والمسألة تكمن في اختفاء أي شكلٍ من أشكال الدعم، ولا أقصد هنا دعمًا للشعر الطويل، فهذا ليس بيت القصيد، المعنى هنا بالمناقشة هو دعم الحُرِّية الشخصية تحت أيَّة ظروفٍ، فكلما زاد دعم الحريات، كلما تحددتْ الهوية الحقيقية للأفراد، فالقهر يمحي الهوية، وعليه فلن نستطيع تبيُّن حقيقة هوية الأفراد إلَّا في وجود الحُرِّية المطلقة.

فالإنسان يعيش حياة طبيعية بقدر ما يتمتع بحرية في اتخاذ كل قراراته المصيرية وغير المصيرية، فإذا كان الإنسان وهويته شيئًا واحدًا، فلن تكون الهوية إلَّا مع حرية الإنسان، فعلى كل إنسان إذًا أنْ يقبض على حريته تمامًا، فالحياة لا تعاش حقًا إذا قُيدنا بما يحدده الآخرون.

وقد قال سارتر سابقًا: "الآخرون هم الجحيم" فهل هم حقًا كذلك أم نحن ـ المسئولين ـ عن تدخل الآخرين في حياتنا بطريقة سافرة؟ فها قد آن الأوان أنْ نقرر وحدنا كيف سوف تكون شكل حياتنا وتوجهاتنا، المتعة الحقيقية في هذه الحياة هي أنْ تصبح ما تريد أنْ تكونه.

صفحة 7

(5)

" رُبَّ فضلٍ كان في بعض الذنوب "

ما الكمال للنزيه ربَّ فضلٍ كان في بعض الذنوب

"جبران خليل جبران"

كثيرًا ما يشعر الإنسان أنه ليس من حقه أنْ يتحدث عن الفضيلة إلَّا إذا كان هو ذاته يمتلك تلك الفضيلة، وفي هذا الشأن يترك الحديث لآخرين، يعتقد أنهم أصحاب الحق الأوحد في الحديث عن الله والفضيلة، وإذا تأملنا للحظاتٍ سندرك أنَّ في كل شخصٍ حولنا فضيلة ما.

والفضيلة هي أساسًا كلها خير، ولن تتحقق فضيلة إلَّا إذا ارتبطتْ ارتباطًا وثيقًا بفكرة الحُرِّية، ويحق لكل إنسان أنْ يحاول أنْ يصبح فاضلًا بطريقته هو، فتحديد أشكال ثابتة ومحددة سلفًا لما هو فاضل أم لا، هو أمر يحتاج لكثير من التساؤل.

فالإجبار على الفضيلة هو الرذيلة ذاتها، فالفضيلة تصاحب الحُرِّية في كل مكان، فإذا أعطيتَ الفقراء للتباهي، أو لأنكَ في ضيقٍ ما وتود أنْ يساعدكَ الله، أو لأنكَ تشعر بالذنب لكثرة الرشاوى المدفوعة للكثيرين، فما أعطيته للفقراء لن يساعدكَ، فما هو إلَّا أحد أشكال غسيل الأموال، العطاء عطاء فقط حين ينبع من القلب، وحين يصبح جزءًا من حياتكَ.

حين ترتبط الحُرِّية بالفضيلة تدوم الفضيلة، ويسعد بها الإنسان مدى الحياة، فالأم تريزا كانت تعطي بصدقٍ وحب؛ لأنها أرادتْ ذلك، فالإرادة الحرة تُخرج أجمل ما فينا.

• الكاتراز :Alcatraz

القهر يُخرج أسوأ ما في الإنسان، إذ يحكي فيلم الكاتراز أشهر السجون الأمريكية عن سجينٍ قضى سنواتٍ طويلة داخل حفرة كحبسٍ انفرادي، وحين عاد إلى السجن العادي، وبسبب القهر الشديد الذي عانى منه كثيرًا، قام بقتل مَنْ وشى عنه مستخدمًا معلقة، فالقهر يحوِّلنا إلى أشخاصٍ آخرين، والحُرِّية تُخرِّج أفضل ما فينا، وكلما زادتْ الحُرِّية، أصبحتْ الفضائل جلية، واختفى الرياء والنفاق.

حين نتزوج عن قناعة وحرية، فإنَّ احتمالات الخيانة الزوجية تكون في أقل معدلاتها، وحين نتنفس حرية في كل مناحي الحياة، ستظهر فضائلنا بوضوح، فالحُرِّية هي الطبيعة الفطرية، ونظرة على سلوك الأطفال وردود أفعالهم التلقائية، نتأكد كم الأسى الذي يعيشه الكثير من الكبار، فالطفل يتعامل مع الحياة بحرية وتلقائية وبدون أقنعة، فيسعد تمامًا، ويأتي الآباء والأقارب والمجتمع خصوصًا في الدول الديكتاتورية القمعية الأبوية، فيكبلوا، ويقيدوا أولادهم بالكثير من الأغلال، التي تحوِّلهم من أطفال سعداء يعيشون بعفوية إلى أشياء أخرى كثيرة، وتخيل معي كم الصدمات التي يصاب بها الأطفال، حين يرون مدى التناقض بين ما يفعله الآباء وما يتحدثون به إلى أولادهم.

فحين يكون الآباء أحرارًا، فإنَّ كل ما يقدموه لأبنائهم يكون صادقًا، فإذا قلَّتْ الحُرِّية قلَّ الصدق، وليس من المطلوب أنْ يكون الأب بطلًا في نظر أبنائه، وإنما هو شخص عادي يحبهم كثيرًا، يعطي ما لديه، يصيب ويخطئ، ليس دائمًا على صواب، لكنه يقر بخطئه، فاضطرار الآباء أنْ يقولوا أشياء لا يعنوها، يرسل الكثير من الصور السلبية للأبناء.

صفحة 8

(6)

الحُرِّية والزواج

فبما أنَّ الزواج من أكثر العلاقات تعقيدًا في الحياة، فوجود حرية الاختيار أحد أهم الأسس التي تساعد فعليًا في بناء علاقة قادرة على الاستمرار، وعدم وجود حرية كاملة يجعل لتلك العلاقة مُسمى آخر غير الزواج، والاستمرار في تلك العلاقة لابد وأنْ يبنى على الحُرِّية، فشعور طرف من الاثنين في وقتٍ ما أنه مكبل بقيد تلك العلاقة، يصيب قدسية العلاقة بشروخٍ، تؤدي إلى كسرٍ يستحيل إصلاحه.

فحين تحب آخر قانعًا تمامًا، عندئذ تزيد قدرتكَ على التسامح وقبول الآخر كما هو، والحُرِّية في الوجود مع الآخر، هي ما تجعل السعادة حقيقية فعلًا، فالزواج هو أنْ ترغب حقًا في قضاء بقية الحياة مع شخصٍ آخر في كل أحواله وظروفه، وذلك يستتبع بالضرورة احتمالٍ وصبرٍ والتزامٍ، فكما ترتبط فكرة الحُرِّية بالاختيار، فهي ترتبط أيضًا ارتباطًا وثيقًا بالالتزام، والحُرِّية هي ما يجعلنا نحاول بجدٍّ أنْ نحافظ على تلك العلاقة القائمة أساسًا على الاختيار، ففكرة الاختيار هي ما تجعل الحياة تستحق أنْ نحياها، فحالة الاختيار هي حالة الحُرِّية، يستتبعها مسئولية تجاه ذلك الاختيار، والحُرِّية في الاختيار تزيد الدافعية والحماس لإكمال تلك العلاقة رغم وجود الصعاب، لن يتحمس شخص لشيءٍ لم يختره، سيظل دومًا يشعر بثقل هذا الهمَّ الجاسم فوق الصدر، ولن يسعد على أي مستوى للعلاقة.

ففي كل مستويات العلاقة الزوجية، يظل الاختيار هو المحك الأساسي لمدى النجاح المتوقع، فمثلًا على مستوى العلاقة الجنسية، لن يستمتع بها الطرفان إلَّا إذا أحبا القيام بها حقًا، حين تختار أنْ تلتصق جسديًا بالآخر، فتلك رغبة صادقة في الالتصاق بالآخر، والذوبان داخل الآخر حتى تصبحا جسديًا وروحيًا شيئًا واحدًا، وهذا ما يجعل العلاقة أعمق وأكثر روحانية، وإذا تمَّ قهر أحد الشريكين على ممارسة العلاقة الجنسية، فهو أشبه بالاغتصاب لكنْ في إطار شرعي.

ويتعين علينا أنْ نتأمل ما يسمى بزواج المصلحة، وعمَّا إذا كان يختلف عن الدعارة، فأوجه الشبه كثيرة بين الدعارة وزواج المصلحة، فمَنْ يتزوج لأسبابٍ تتعلق بالمال، فإنه بكل تأكيد يفقد حريته التي هي أغلى ما يملك.

ولكي يختار الشخص أنْ يتزوج أو لا يتزوج، عليه أنْ يعرف نفسه جيدًا، ويكون واقعيًا في اختياره، ففكرة الوقوع في الحبِّ، والقول بأنَّ ذلك لم يكن بإرادتكَ هي فكرة ضد الحُرِّية والمنطق والنضج النفسي.

إذا كنتَ حُرًّا فإنكَ تختار، أما إذا استعبدتَ بشهوة الامتلاك أو المال أو الجنس، أي: أنكَ تزوجتَ شخصًا فقط لأحد تلك الأسباب، فإنكَ بعيد جدًا عن تلك الحُرِّية التي تجلب السعادة.

فحين يحاول رجل شديد الثراء أنْ يستميل قلب فتاة، وهذا مشهد كلاسيكي في كثير من العلاقات، ربما قد شهده كثير منا، فهذه حالة ابتزاز رخيصة للمشاعر ـ ليس إلَّا ـ وقد يصاحبها حالة سعادة وهمية، ورسم دائم للابتسامات، لكنْ في لحظات الهدوء والتأمل بعمق في الحياة، يدرك الفرد مدى الكذِّب الذي يحيا فيه، ومدى القيد المدمي والأسوار المحيطة بحياة أشبه بالزيف الحقير.

فالزواج أساسًا مثله مثل أغلب العلاقات البشرية تعتمد على الحُرِّية، فالحُرِّية وحدها هي ما تحدد مدى مسئولية الإنسان عمَّا يقوم به.

لا يقدِّس الزواج الطقوس الدينية المصاحبة للزواج بقدر ما يقدِّسه سلوك الزوجين داخل إطار الزواج، فليستْ المراسم الدينية سوى مراسم إلَّا إذا سلكنا في الحياة بروح تلك المراسم، والخصوصية الشديدة للزواج هي ما تجعل هناك قواعد ثابتة وغير قابلة للنقاش أو التعديل، لوجود صبغة دينية تضفي قدسية ما، هو أمر في غاية التعقيد حيث إنَّ قداسة الفكرة لا يتبعها بالضرورة قداسة الأشخاص، وعليه فعلينا توخي الحذر، والتعامل مع كل حالة على حده.

ومفهوم وممارسة فكرة الزواج، لابد وأنْ يعتريهما التغيير مع تغيُّر الزمان والمكان، وليس أدل على ذلك من اختلاف فكرة الزواج، وممارسته مع اختلاف المكان في العصر الحالي حتى مع ثبات عوامل أخرى.

ليملأ كل واحدٍ منكم كأس رفيقه، ولكنْ لا تشربوا من كأسٍ واحدة

"النبي" / جبران خليل جبران

في معنى الزواج والحياة المشتركة، ينبغي وجود مساحة من الحُرِّية للفردين حتى يحاول كلاهما تحقيق ذاته، والاستمتاع بالهوايات الخاصة، في حديثٍ لي مع صديقة، قالتْ لي عن رغبتها في السفر قبل أنْ تتزوج. إذ أنها تعتقد أنها ستكون متزوجة خلال عام، وقد أبديتُ دهشتي لهذا الربط غير المنطقي، فقالتْ لي إنها عند الزواج ستقوم بعمل كل الأشياء مع زوجها.

وهذا في حد ذاته تفكير منطقي، إذا كان الاثنان لديهما نفس الميول ومواعيد عمالهما تتناسب، فليس من المنطق في شيء أنْ يقوم الزوجان بكل الأشياء معًا، توجد أشياء خاصة بكل فرد، قد تحب أنْ تستمتع بنوعٍ ما من الموسيقى، أو الألعاب، أو الرياضة، وهذه المساحة لا تقلِّل من قيمة المشاركة بين الزوجين، فمن الطبيعي وجود الكثير من الأشياء المشتركة، وقد يكون من المستحيل أنْ تكون كل الأشياء مشتركة، وكلما زادتْ الحُرِّية، كلما زادتْ فرص نجاح العلاقة الزوجية.

صفحة 9

(7)

الحُرِّية والخوف

حين يشعر الإنسان بالخوف، تتراجع خطواته وترتعش يديه، الخوف يجعلنا لا نتحرك للأمام، فالخوف من المستقبل يجعلنا في حالة قلقٍ دائم، يستحيل معه حين ذاك أنْ نستمتع بالحاضر المُعاش.

لن يتحرك الإنسان إلى الأمام إلَّا إذا نُزِعَ عنه كل أشكال الخوف، وحين يتحرر الإنسان من الخوف، فإنه يستطيع أنْ يحيا بثقة، ويخطو للأمام كاسرًا كل قيود الخوف.

• ما هي الأشياء التي تخيف الإنسان؟

يخاف الإنسان أنْ يخطئ فيخسر الحياة، بعد الموت الجنة أو الفردوس، وهذا ما يجعل الإنسان في حالة من التوتر التي تفسد بدورها الحياة، فالخوف من الخطأ ما هو إلَّا خوف من المحاولة والتجريب، وبالتالي فهو يؤدي إلى جمودٍ شديدٍ، حين يخاف الإنسان لا تقوى قدميه على السير، يقف وتقف الحياة من حوله.

توجد كثير من الأشياء التي يخشى أنْ يفكِّر بها الإنسان، فقد قيل دائمًا "توجد حدود للأفكار" وهذا محض افتراء، إذ أنَّ الأفكار تتكون أساسًا في رحاب الحُرِّية، والأفكار تنمو وتتنوع حين نلقي الخوف جانبًا، والحُرِّية تعطي الإنسان الثقة فيما يقوم به حتى إذا أخطأ، فهذا جزء من الحياة.

ومن الخطايا الرهيبة المنتشرة في العالم الإيذاء الجسدي للأطفال، وهي تضر الطفل ضررًا شديدًا، إذ أنَّ الطفل ـ وهو الأجمل في تلك الحياة، حيث الحُرِّية متجسدة بأدق معانيها في حياته ـ ترتعش يداه قبل القيام بأبسط الأشياء، وحين تعاقب الطفل جسديًا، فقد قمتَ ببناء سور بينكَ وبينه، ويصبح بعد ذلك من الصعب العبور له، كما أنكَ قمتَ بتقييد بعضٍ من الحُرِّية في داخله، وتكرار فعل الضرب يخلِّق طفلًا مهزوزًا سرعان ما يتحول إلى شابٍ لديه مشاكل نفسية واجتماعية، يفقد الثقة في نفسه في مواقف اجتماعية بسيطة.

وتربية ثقافة الخوف تعطِّل نمو الحُرِّية داخل الإنسان، فيحيا مهزوز الثقة، إذ عليه دومًا مراجعة أفعاله وفقًا لمعايير لم يكن له دور في وضعها.

فحينما نضع نسقًا أخلاقيًا لأولادنا، لابد من أنْ نشرحه لهم، ولماذا يجب عليهم أنْ يتبعوا سلوكًا ما، فقناعة شخصٍ ما بما يقوم به، تجعل من القيام بذلك سلوكًا أصليًا وليس عرضيًا، والسلوك يصبح جزءًا أصيلًا من حياتنا، ومن ثمَّ تقهر الحُرِّية كل أشكال الخوف، فالإنسان الخائف هو إنسان ميت، يسير على قدميه، يأكل ويشرب وينام، فمَنْ يخلِّق الخوف في الآخرين كمعظم الأنظمة الديكتاتورية يسرِّق الحياة منهم، وتأتي لحظة ينفجر فيها الخائف، فكثير من الثورات في العالم كان أحد أسباب قيامها كسر حاجز الخوف.

أحد أهم أسباب نجاح القيِّم والمبادئ الديمقراطية في كثير من أنحاء العالم، هي بناؤها على فكرة الحق المطلق في التعبير عمَّا بداخل الفرد، وحين تستمتع بحقِّ التعبير، الاعتراض والرفض، وحين تجد رد فعل إيجابي تجاه أمرٍ، قد قمتَ بالاعتراض عليه، سوف تشعر في تلك اللحظة بأهمية ما لوجودكَ، وتلك أحد مميزات المجتمع الديمقراطي، فقط حين لا تخشى أنْ تعبِّر عن نفسكَ، سوف تتغير أشياء كثيرة داخلكَ وداخل الآخرين.

صفحة 10

(8)

الحُرِّية والتغيير

غالبًا ما يخشى الإنسان التغيير، حيث إنَّ الأسهل أنْ نعيد ما جربه الآخرين، والتغيير مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحُرِّية، حين يفكِّر الإنسان بحرية فإنَّ فكرة التغيير تصبح أكثر قابلية للحدوث، والحُرِّية هنا مرتبطة بالبحث الموثق وعدم قبول المسلَّمات، ويتغير الإنسان لِما يريده حين يصبح قادرًا على تحليل المسلَّمات التي زُرِعَتْ داخله، وهل هي تقترب أو تشبه ما يريد أنْ يكون أم لا؟ فهل كل ما زُرِعَ داخلنا هو ما نريد أنْ نصبحه فعلًا.

قد يعيش شخص ما حياة طويلة دون أنْ يتغير، ويكتشف أنَّ ما مرَّ به ما هو إلَّا وهمٌّ، قد قضى معظم حياته في ذلك الأسر، إنَّ تلك الحياة هي ما يجب أنْ يحياها.

• لماذا لا يتغير الكثيرون؟

التغيير يحتاج إلى جهدٍ شاق، بادئ ذي بدء يحتاج التغيير إلى وعيٍ بوجود مشكلةٍ ما، وهذه هي المرحلة الأولى التي من خلالها يتغير الشخص، ثم يبدأ الشخص في تحليل الواقع، ومن ثمَّ يستطيع انتقاد ما يعيقه عن التغيير، والانتقاد الذاتي يحتاج إلى الحُرِّية التي تؤدي إلى فهم أعمق للذات.

والشيء الصادم في كثيرٍ من الأحيان، هو أنَّ رفض التغيير ينبع من كسلٍ في أنْ نفكِّر في الواقع الحياتي، فقد يقبل البعض أنْ يحيا كما هو؛ وذلك لأنَّ عملية تغيير السلوك ذاتها تتطلب جهدًا ومثابرة دائمة، والرغبة الشديدة في التغيير تنبع أساسًا من قناعة شديدة، ورغبة حقيقية في تغيير الواقع.

• ماذا نحتاج لكي نتغير؟

المعضلة الأساسية في التغيير هي أنكَ تحاول تغيير عادة، هي أساسًا تكاد تكون متأصلة أو هي فعلًا متأصلة، فتغيير تلك العادة سوف يحتاج إلى جهدٍ شاق وصبرٍ وإيمانٍ بمدى فاعلية وأهمية التغيير في حياتنا، والذي لا يرغب في التغيير إما من شدة الكسل، أو غياب الهدف، أو العشوائية التي يحيا فيها، ذلك الشخص ستجده دائمًا يحاول جاهدًا أنْ يقلِّل، وقد يحقِّر مما يقوم به الآخرون من محاولات جادة للتغيير، غالبًا ما نجد المحبطين والفاشلين، يستخدمون جملة (كل الناس بتعمل كده) وهذا يريحهم إلى حدٍ كبير، فإذا كان الجميع مثلهم فلا عيب فيهم.

نحتاج أشياء كثيرة، تبدأ من الحُرِّية حيث إنها تفتح الآفاق نحو التغيير، فالحياة أساسًا في حالة تغيُّر مستمر ودائم، وأحد الأسباب الأساسية للانقراض، هي عدم القدرة على مواكبة الواقع المتغيِّر بسرعة وشدة، يقول داروين: (ليس البقاء للأقوى أو الأذكى، وإنما للأكثر تكيُّفًا مع التغيُّر) فالتغيير أمر حتمي، ويهرب منه البعض لأسبابٍ كثيرة.

الواقعية في فِهم الذات، وتبدأ من فِهم أوجه القصور، وبالتالي تُحدِّد خطة واضحة المعالم، وتستطيع معرفة ما يجب أنْ تحاول تحسينه، وما عليكَ أنْ تلفظه، وما يجب البدء في تعلُّمه، فالتغيير ليس بالشيء اليسير أو البسيط، فهو يستغرق وقتًا طويلًا ومليئًا بالتحديات، وهي تلك الحياة حالة من الحركة المستمرة، ومن ثمَّ الوعي بالمشكلة، ثم تحديد خطة محددة المعالم، والجهد والمثابرة لتحقيق الهدف، هي معالم الوصول للتغيير المنشود.