eKtab
EN ع
في الحديث الشريف والبلاغة النبوية
اقرأ عينة مجانية

في الحديث الشريف والبلاغة النبوية

بقلم محمد سعيد البوطي

صفحة 1

كلمة الغلاف

في الحديث الشريف والبلاغة النبوية

ON THE HONOURABLE HADITHS AND PROPTHTIC RHETORIC

Fi al-Hadith al-Sharif wa-al-Balaghah al-Nabawiyah

في الحديث الشريف والبلاغة النبوية

كتب كثيرة تناولت بالدراسة والتحليل كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم..

وباحثون كثيرون تحدثوا عن البلاغة النبوية.

فما الجديد الذي يقدمه هذا الكتاب؟

وما النقاط الهامّة التي يشير إليها ويقف عندها؟

هذا الكتاب على صغر حجمه يتوفر على دراسة أهم ما يجب معرفته عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لغير المختصين وعن أهم ما في تاريخ الحديث الشريف وتدوينه.

وهو يتوقف عند خصائص البلاغة في كلام النبوة المتميز عن كلام العرب الفصحاء والمنتهي إلى مستوى الذروة فيهم.

ما معنى جوامع الكلم الذي اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ما النماذج التي تعرفنا بأسلوبه عليه الصلاة والسلام؟

كيف كان يعبّر عن المعنى بكلامٍ يجلّ عن الصنعة ويتنـزه عن التكلف، لا يتأتى لأي من بلغاء العرب السمو إليه.

كل ذلك تقرؤه في صفحات جامعة موجزة هي هذا الكتاب، الذي ينبغي ألا يفوت أحداً من الذي يُعَنْون بشخصية محمد عليه الصلاة والسلام محاوراً ومتحدثاً وخطيباً.

صفحة 2

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربِّ العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فهذه فصول وجيزة عن الحديث النبوي، والبلاغة النبوية، كتبتها لطلاب قسم اللغة العربية من كلية الآداب في جامعة اللاذقية، عندما كنت أدرِّس مقرر الإعجاز القرآني والبلاغة النبوية في تلك الكلية، وذلك في السبعينات من القرن الماضي.

لقد كنت عظيم السعادة بتدريس هذا المقرر في تلك الكلية، وأعتقد أن الطلاب أيضاً كانوا سعداء بدراسته، فعلى الرغم من أن بضاعتهم في تلاوة القرآن والاطلاع على الحديث النبوي كانت مزجاةً، إلا أن حسّهم الأدبي كان شديد التفاعل مع كل منهما..

لقد كان مساءُ السبت من كل أسبوع، ميقاتاً محبَّباً منتَظَراً مني ومنهم على السواء، نتذوق خلاله بلاغة القرآن في عجيب سبكه وعظيم تأثيره، ونستبين جلال الربوبية في حواراته المتنوعة للإنسان، حتى إذا هيمنت علينا أجواء أُنْسِه ممزوجةً بجلال قُدسه، تحولنا إلى الحديث عن أدب النبوة، ورحنا نصغي إلى البيان الذي يتسامى على الحوشي الثقيل من نثر العرب آنذاك وشعرهم، ونستبين من خلال ذلك صفاء نفس المصطفى صلى الله عليه وسلم ورقّة طبعه، وسموّ ذوقه، وبليغ تبيانه، ومظاهر الفرق بين البلاغة النبوية والقرآن.

خلال تلك الأمسيات الأسبوعية، توطدت معرفتي بمدينة اللاذقية، وكثير من أهلها. وما ليلةٌ تمرُّ من تلك الأمسيات في أعقاب محاضراتي القرآنية والنبوية، إلاّ وأُدعى فيها إلى سهرة في دارٍ واسعةٍ عامرة لعميد أسرة ساعي، مع ثلة من كرام الشخصيات، في مقدمتهم الدكتور بسام ساعي وإخوته، والدكتور محمد خير حلواني عميد كلية الآداب رحمه الله، والدكتور محيي الدين رمضان وبعض وجهاء المدينة..

ولقد أعجبت ولا أزال بأسرة «ساعي» هذه التي تغلغل في نفوس أفرادها حب الأدب والشعر، وتمركزت العبقرية العلمية المبدعة في أفكارهم ونفوسهم جميعاً.

لقد كانت تلك الأمسيات أسماراً، بل ندوات شعرية أدبية علمية دينية فكاهية، تمتد إلى الهزيع الأخير من الليل، ولقد كنت أحسبها من فيض الأنشطة الواسعة المتميزة التي تتحلّى بها آنذاك كلية الآداب، التي كنت أراها الدعامة الأولى بل الكبرى لجامعة اللاذقية. ولقد كنت واحداً من أقطابها المدرسين الذين واكبوا نشأتها.

والحق أنها وُلِدَت، خلافاً للمألوف، مزدانةً في مرحلة القوة والشباب!.. ولا ريب أن الدكتور محمد سليم ياسين الذي كان أول مدير لها، قد أولاها من جهده ووقته وفكره وسائر طاقاته، ما جعلها تتخطى مرحلة الضعف والطفولة، مستقرة في أوج الشباب مباشرة.

لقد كان تدريسي لمقرر البلاغة القرآنية والنبوية في كلية الآداب من جامعة اللاذقية، وما كان يتلوه من الأسمار والندوات الأسبوعية مع ثلة من كبار وكرام العلماء والأدباء والمثقفين، خلال العقد السابع من القرن الماضي، مَعْلَمةَ أنس متميزة أظل أذكرها ولا أنساها من حياتي، لم يغيبها عن الفكر ظلال النسيان، ولكن طوتها أحداث مفاجئة فرّقت ولم تجمع، فككت ولم تبْنِ، أفسدت ولم تصلح.

وهكذا انفضّ السامر، وطويت المرحلة، وغاض الأنس، وانقطعت سلسلة اللقاءات والمحاضرات.

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

سمير ولم يسمر بمكة سامر

* * *

صفحة 3

كل ما بقي لدي من ذكرى تلك الليالي، هذه الفصول التي هي خلاصة محاضراتي التي ألقيتها على طلاب تلك الكلية في الحديث النبوي والبلاغة النبوية، ولقد عثرت عليها اليوم بعد طول إعراض عنها في واحد من دفاتري التي تضم أمشاجاً من أفكاري وطائفة من محاضراتي.

وأما محاضراتي التي كنت ألقيها في البلاغة القرآنية، فقد أثبتّها في كتابي «من روائع القرآن» وهو معروف ومتداول.

لقد ذهبت تلك الأيام والليالي، وبقيت ذكراها، وأسأل الله أن يديم لي مع عزيز ذكراها، وارف ثمارها، ثواباً وقبولاً لديه، وأنا أعلم أني لا أنالهما باستحقاقي ولكني آمل أن أتلقاهما منه بمحض فضله وإحسانه.

محمد سعيد رمضان البوطي

في غرة جمادى الثانية 1432

صفحة 4

1- معنى الحديث والفرق بينه وبين ما قد يلتبس به

كلمة «الحديث» تعني في اللغة العربية ما يقابل القديم؛ وتطلق أيضاً على الكلام الذي يخاطب به الناسُ بعضُهم بعضاً.

ولكنه في اصطلاح علماء الحديث النبوي يطلق على ما صحّ عن رسول الله ، من قول أو فعل أو تقرير أو صفة. فالكلمات التي تُعزى إلى رسول الله  قولاً، والتصرفات التي تُنسب إليه فعلاً، وسكوته على تصرفات الآخرين إقراراً، والمعاني التي تتلبس به وصفاً، كل ذلك يسمى في الاصطلاح حديثاً .

ويستعمل أرباب هذا الاصطلاح كلمة «السنة» فيريدون بها نحو ما يريدون بالحديث مع فروق دقيقة يحفل بها الفقهاء وعلماء الحديث لا غرض لنا بذكرها في هذا المقام.

كما أنهم قد يستعملون كلمة «خبر» و «أثر» ويريدون بهما المعنى الذي يراد بالحديث، وربما أطلقوهما على ما هو أعم من معنى الحديث الذي ذكرناه، بحيث يشمل ما يضاف إلى الصحابة والتابعين أيضاً. والخراسانيون يفرقون بين الكلمتين: فيطلقون الخبر على الحديث المرفوع إلى النبي ، ويطلقون الأثر على ما كان موقوفاً على الصحابي أو التابعي.

إذا تبين لك هذا، فلتعلم أن مرادنا بالحديث فيما سنتناوله في أبحاثنا التالية إنما هو الأقوال التي أثرت عن رسول الله ، وهي جزء من مضمون «الحديث» في معناه الاصطلاحي المذكور، إذ ليس لنا هنا من غرض عند الحديث عن البلاغة النبوية بما أثر عنه  من فعل أو وصف أو تقرير.

ولعلك تسمعهم يقولون: الحديث .. والحديث القدسي، وتسأل عن الفرق بينهما.. فاعلم أن المراد بالحديث ما قد أوضحته لك من قول الرسول وفعله وإقراره وصفاته. أما الحديث القدسي فهو كل قول يضيفه النبي  إلى الله عز وجل ويحكيه عنه، فصياغةُ ألفاظه وتراكيبه من النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنَّ العزْوَ فيه إلى الله عز وجل. ولو كانت صياغته من الله مباشرة لكان قرآناً، ولو لم يكن العزو فيه إلى الله على سبيل الحكاية عنه لكان حديثاً مُطلَقاً.

مثال الحديث القدسي ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال: قال الله تعالى: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنتُ خصمه خصمتُه: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حُرّاً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفِّه أجره».

فقد تبيّن لك إذن الفرق بين كل من القرآن والحديث القدسي والحديث المطلق عن هذا القيد.

صفحة 5

2- كيف حُفظ الحديث وكيف تمَّ تدوينه

قلنا بصدد الحديث عن كيفية وصول القرآن إلينا، إن سبيل ذلك إنما كان كلاًّ من التلقي الشفهي والتدوين الكتابي.

ويقال مثل ذلك بصدد الحديث أيضاً.

إلاّ أن الوسيلةَ الأولى لضبط الحديث إنما كانت الحفظَ عن طريق التلقي، وكان للصحابة من السليقة العربية والصفاء الذهني ما يجعلهم يعتمدون على حفظ الصدور أكثر مما يعتمدون على قيد السُّطور، ولولا هذه السليقةُ الصافيةُ لما وصَلَنا شيء من شعر الجاهلية ولا معلقاتها، فضلاً عن نثر الخطباء وحكمة الحكماء وأقوالهم المأثورة.

ثم إن الصحابة كان لهم من التعلق برسول الله ، والإيمان بنبوته وبأنه إن تكلم فإنما يتكلم من مِشْكاة النبوة، ما يحملهم على بذل كل ما لديهم من جهد لحفظ ما يتلقونه من حديثه عليه الصلاة والسلام.

قال أنس بن مالك: كنا نكون عند النبي  فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه. وروى الخطيب البغدادي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: جزأت الليل ثلاثة أجزاء؛ ثلثاً أصلي، وثلثاً أنام، وثلثاً أذكر فيه حديث رسول الله  .

ومعنى هذا الذي نقول أن الصحابة لم يكونوا يستعينون لحفظ الحديث بالكتابة في أول الأمر.. فلماذا؟

والجواب أن النبي  كان ينهى أصحابه في صدر الإسلام عن أن يكتبوا شيئاً مما قد يسمعونه منه غير القرآن، خشية أن يلتبس عليهم القرآن بالحديث إن هم كتبوا كلاًّ منهما. روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله  قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فلْيَمحُه».

فلما تجمّع من آي القرآن عند الصحابة قدْرٌ وفير، نبههم إلى أسلوبه وإعجازه ومظاهر الفرق بينه وبين بقية أنواع الكلام، بحيث لم يعد يُخشَى عليهم أن يخلطوا بين الحديث والقرآن؛ أذن لهم النبي عليه الصلاة والسلام عند ذلك بكتابة الحديث، وأخذ كل من أوتي حظّاً من القدرة على الكتابة يكتب ما قد وعاه صدره من حديث رسول الله .

وفي ذلك يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله  أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء سمعته عن رسول الله  ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضى؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله  فأومأ بأصبعه إلى فيه وقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حقّ .

ويقول أبو هريرة: ما من أصحاب النبي  أحدٌ أكثرَ حديثاً عنه مني، إلاّ ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب .

وهذا أصح مذهب في التوفيق بين الأحاديث التي تمنع من كتابة السنة، والأحاديث التي تحبذها. يقول الرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل:

«وحديث أبي سعيد: «حرصنا أن يأذن لنا النبي  في الكتابة فأبى» أحسب أنه كان محفوظاً في أول الهجرة حين كان لا يؤمَنُ الاشتغال به عن القرآن» . وقال البيهقي وابن الصلاح وغير واحد: لعل النهي عن ذلك كان حين يُخاف التباسه بالقرآن، والإذن فيه حين أمن ذلك .

صفحة 6

وفي عهد التابعين، وهم الذين رأوا الصحابة ولم يروا النبي ، شاعت كتابة الحديث، فأقبل إلى كتابته كثير منهم، ومن أشهرهم الحسنُ البصري، والشعبيُّ، وسعيدُ بن جبير، وعبد الرحمن بن حرملة، وهمّام بن منبه..

إلا أن الكثير من هؤلاء كانوا يجمعون مع الحديث ما أُثِرَ من أقوال الصحابة وفتاواهم، فلما تولى الخلافةَ عمرُ بن عبد العزيز، كتب إلى علماء الأمصار وحفاظ الحديث يأمرهم بجمع الحديث مجرداً عن غيره. فكتب إلى أبي بكر بن حزم، وكان في المدينة: انظر ما كان من حديث رسول الله  فاكتبه، فإني خفت دروس العلم والعلماء. ونهض أبو بكر بن حزم بما كلفه به عمر بن عبد العزيز، إلا أنه لم يفرغ من عمله في ذلك إلا بعد وفاة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

ثم إنه أخذ يظهر بين المشتغلين بالحديث من هو ضعيف الفهم أو سيئ الحفظ أو من يتستّر بالإسلام ويُبطن الكيدَ له، فنجم عن وجود هؤلاء ظهورُ أحاديثَ نُسبت إلى رسول الله  دون أن يكون للحفاظ المحققين علم بها، فرأوا أن من واجبهم - حفظاً لأحاديث النبي  - أن ينبهوا الناس إلى هذه الأحاديث المدسوسة، وأن يكشفوا لهم عن حال رواتها، من ضعف في الذاكرة، أو سوء في القصد، أو زندقة في القلب.

ثم وضعوا للحديث قواعد راسخة، كما ضبطوا فن الرواية بشروط دقيقة قاسية من شأنها أن لا تدع أي ثغرة قد يَتسلل منها إلى حديث رسول الله  ما هو مكذوب عليه.

ولا يفوتُك أن الأمرَ الذي اقتضى ضبطَ هذا الفن بالقواعد والشروط، هو الأمر ذاته الذي اقتضى ضبطَ العربية ولسانها بالقواعد والأحكام.

وسنَعْرض في هذه المقدمة لبيان شيء من هذه القواعد إن شاء الله.

ولم يلبث هذا النشاط أن تطور صُعُداً في طريق من التنظيم والتنسيق. فبعد أن كان أهل الحديث يَجْمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، دون تنظيم أو تنسيق، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب وحَسَب المواضيع. إلا أن الكثير منها كان يضم مع الحديث، الكثيرَ من فتاوى الصحابة وأقوالهم، كما يتجلى ذلك في كتاب الموطأ للإمام مالك.

ثم رُئيَ أنْ تُفرَدَ أحاديث النبي  في مؤلفات خاصة، لا يمتزج بها غيرُها من أقوال الصحابة وفتاواهم.

وفي خلال القرن الثاني وأوائل القرن الثالث ظهرت مدوَّناتٌ لحديث رسول الله  مختلِفَة في الطريقة والمنهج وكيفية الاستقصاء. وهي في مجموعها تنقسم إلى ما يسمى بالمسانيد، والصحاح، والسنن، والمعاجم. وسأشرح كلاًّ منها بكلمة موجزة وأعرّفك عليها أو على نماذج منها، وأحيلك في تفصيل ذلك كله إلى المراجع الخاصة بهذا الفن:

( المسانيد ) هي المدوَّنات التي اتَّبع أصحابها في استقصاء الأحاديث، ما رواه كل صحابي عن رسول الله  بقطع النظر عن المواضيع والأبواب المختلفة، فأحاديث المسانيد منسَّقة حسب أسماء الصحابة واحداً إثر آخر، لا حسب الموضوعات وتقسيمها إلى أبواب.

وأول من ألف المسانيد أبو داود الطيالسي (133 - 204هـ) وأشهر المسانيد وأوفاها وأوسعها مسند الإمام أحمد بن حنبل (164 - 241هـ) وهو مطبوع متداول.

صفحة 7

وهذه المسانيد خالية من الأحاديث الموضوعة، إلا أنها لا تخلو من أحاديث ضعيفة سرعان ما يتبينها الباحث بواسطة النظر في أسانيدها وطرقها.

( الصحاح ) كتب اقتصر أصحابها على رواية الصحيح فقط من حديث رسول الله ، فهي مصنفة حسب ترتيب الأبحاث والمواضيع، لا حسب أسماء الصحابة كما هو الشأن في المسانيد. وكان أولُ من صنف في الصحاح الإمامَ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (194 - 256هـ). ثم تلاه من بعده الإمامُ مسلم بن الحجاج القشيري (204 - 261هـ).

وقد قامت لهذين الكتابين شهرة كبرى ومكانة عظيمة في صدور المسلمين في كل عصر، إذ كانا أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، لما امتاز به كل منهما من دقة في الرواية وحيطة في انتقاء الصحيح وشدة في تتبع القيود والشروط، وقد اشتهر اسم «الصحيحين» عَلَماً لهذين الكتابين الجليلين.

على أن صحيح الإمام البخاري يعتبر في الدرجة الأولى من الحيطة والضبط، يليه في الدرجة صحيح مسلم. إذ كان البخاري يشترط لقبوله رواية المحدث عمن قد أخذ عنه أن تثبت معاصرته له ولقاؤه به زيادةً على شروط العدالة والضبط التي سنتحدث عنها إن شاء الله.

أما مسلم فكان يشترط المعاصرة وحدها، بعد تأكده من توافر الشروط الأخرى، إذ كان يعتبر رواية أحدهما عن الآخر دليل اللقاء.

وهو اعتبار سليم ووجيه بعد ثبوت العدالة والصدق. غير أن البخاري كان أكثر شدةً في الحيطة والحذر .

( السنن ) تعتبر كتب السنن امتداداً للصحاح ولطريقتها في الجمع والتأليف، فكل منها رتبت أحاديثه على المواضيع والأبواب لا على أسماء الصحابة.

إلاّ أن السنن تفترق عن الصحيحين بأن مؤلفي السنن لم يشترطوا الاقتصار على الصحيح بل أخرجوا الصحيح والحسن والضعيف في بعض الأحيان، ولكنهم بينوا ذلك وربما ألمحوا إلى أسباب الضعف إن اقتضى الأمر.

وكتب السنن أربعة إن جردتها عن الصحيحين، وهي:

1- سنن أبي داود السجستاني (202 - 275هـ) وكان أبو داود قد كتب خمس مئة ألف حديث انتخب منها أربعة آلاف وثمان مئة حديث ضمّنها كتابه. وقد بين أبو داود منهجه في كتابه فقال: «ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بيّنته».

2- سنن الإمام الترمذي (209 - 279هـ) واسمه أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وقد سمى كتابه «الجامع». وقد أخرج فيه - رحمه الله - الصحيح وما دونه من الحسن والضعيف والمنكر، ولكنه بيَّن الضعيف ووجه ضعفه والمنكر وسبب نكارته، وبيَّن الثقات من المتروكين في السند الذي يرويه.

3- سنن الإمام النسائي (251 - 303هـ)، واسمه أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب الخراساني النسائي. وكان قد صنف كتاباً أسماه «السنن الكبرى» وقدمه إلى أمير الرملة فقال له: أكلُّ ما فيها صحيح؟ فقال: فيها الصحيح والحسن وما يقاربهما. فقال له: فاكتب لنا الصحيح منه مجرداً، فاستخلص منه «السنن الصغرى» وسماها «المجتبى من السنن» وهي التي بين أيدينا اليوم والتي يطلق عليها سنن النسائي.

صفحة 8

وإذن فسنن النسائي أقل الكتب بعد الصحيحين حديثاً ضعيفاً وراوياً مجروحاً .

4- سنن الإمام ابن ماجه (209 - 273هـ) واسمه أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني. وهو كغيره من أصحاب السنن لم يلتزم إخراج الصحيح فقط، بل جمع إليه الحسن والضعيف أيضاً، إلا أن نسبة الأحاديث الضعيفة بل الواهية في سننه تعتبر أكثر منها في بقية الكتب السالفة الذكر، وإن كانت غير خافية على علماء الحديث بواسطة أسانيدها وأسباب الضعف الواضحة فيها.

وجملة الأحاديث الواردة في سنن ابن ماجه (4341) حديثاً. والمزيد فيها على مجموع ما رواه أصحاب الكتب الخمسة السابق ذكرها (1339) حديثاً.

هذه هي كتب السنن، وإذا أضفت إليها الصحيحين؛ أي صحيح البخاري وصحيح الإمام مسلم، أصبحت كتباً ستة.

واعتماداً على هذا الاعتبار، يُجْمِل العلماءُ كتب السنن والصحاح بقولهم : الكتب الستة. وهي الكتب الأولى المعتمدة في الحديث، وأصحها كما قد علمت صحيحا البخاري ومسلم.

( المعاجم ) وأشهرها المعجم الكبير والصغير والأوسط للإمام أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (... - 360هـ). ويقوم ترتيب المعاجم على نحو مما يقوم عليه ترتيب المسانيد، مع فارق الاعتماد هنا على ترتيب حروف المعجم.

وقد أدار الطبراني معجمه الكبير على أسماء الصحابة حسب ترتيب حروف المعجم، فاشتمل على نحو خمس مئة وعشرين ألف حديث. أما معجمه الأوسط والصغير، فقد أداره على أسماء شيوخه حسب حروف المعجم أيضاً. ولا ريب أن فيها الصحيح والضعيف والواهي، إلا أن اقتران كل منها بالإسناد وأسماء الرواة يكشف الصحيح منها عن غيره.

صفحة 9

3- أهم أقسام الحديث من حيث درجات الصحة والضعف

قلنا إنه ظهر بين المشتغلين بالحديث من قد اتصفوا بسوء الحفظ أو سوء الطوية والقصد، فظهرت بسببهم أحاديث نسبت إلى رسول الله  دون أن يكون لعلماء الحديث علم بها.

فاقتضاهم الأمر أن يضبطوا سبيل الرواية عن رسول الله  بضوابط وقيود، وأن يضبطوا المقبولين في الرواية عنه  بشروط وصفات لا بد أن تتوافر فيهم.

وقد تم لهم من ذلك إنشاء قواعد علمية تألف منها علم «مصطلح الحديث»، وكان لهذا العلم أهمية عظمى في نفي الخبث والأكاذيب والأحاديث الضعيفة والمنكرة عن أن تتسلل إلى حيث يمكن لها الامتزاج بالأحاديث الثابتة الصحيحة. بل كان لهذا العلم أهمية بالغة في شأن الرواية ومنهج البحث التاريخي عموماً، حتى أصبح جميع علماء التاريخ والأدب لا يَرْوُون خبراً أو حادثة إلا عن طريق سلسلة الرواية والإسناد مهما طال السند أو قصر.

وبذلك يُبْرِئ الراوي ذمته مما قد يكون في الخبر من دسّ أو كذب أو ضعف، إذ إن الباحث المحقق الذي لم يَفُتْه الاطِّلاع على علم الرجال والجرح والتعديل يستطيع أن يتبين الإسناد الصحيح من غيره، كما يستطيع أن يتبين الثغرات التي قد توجد في الرواية بناء على ما قد علمه من قواعد هذا العلم. ولذلك كانوا يقولون: من أسند فقد أسلمك.

ولا يتسع المجال هنا لعرض هذه القواعد ودراستها، ولكنا نستعرض أقسام الحديث التي تكونت بناء على هذه القواعد.

وجملة الأقسام الكبرى للحديث محصورة فيما يلي:

1- الحديث الصحيح.

2- الحديث الحسن.

3- الحديث الضعيف.

4- الحديث الموضوع.

صفحة 10

- الحديث الصحيح:

فالحديث الصحيح هو الذي اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله بدون شذوذ ولا علة، إلى منتهاه.

فالإسناد يتكون من الأشخاص الذين يتناقلون الحديث إلى مصدره الأول.

واتصالُه يعني أن لا تقعَ فجوة انقطاعٍ في سلسلة هؤلاء الأشخاص.

والعدلُ هو كل من لم يرتكب معصيةً من المعاصي الكبيرة، ولا ثابر على معصية من المعاصي الصغيرة.

والضبط هو الحفظ والوعي مع سلامة الذاكرة.

والشذوذ هو أن يروي الرجل حديثاً على نحو يخالف فيه من هو أقوى منه وأضبط. كالحديث الذي رواه أبو داود والترمذي بسنده عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه» قال البيهقي: انفرد عبد الواحد من بين الثقات بهذا اللفظ، وإنما يروي الناس هذا من فعل النبي  لا من قوله.

والعلة هي أن يوجد في السند وصف قادح له، كأن يكون أحدُ أفراده غيرَ موثوق أو ضعيفَ الحفظ، أو يثبت عدمُ معاصرته لمن رَوَى عنه..

فإذا كان الحديث خاضعاً لهذا التعريف والقيود، سمي حديثاً صحيحاً. وهو ينقسم بعد ذلك إلى قسمين:

1- حديث آحاد.

2- حديث متواتر

فالحديث الآحاد هو الذي رواه فرْدٌ عن مثله عن مثله إلى منتهاه، أو رواه اثنان عن اثنين .. إلخ أو ثلاثة .. أو أربعة.