صفحة 1
مقدمة
* *
رافقني شبح فرانس كافكا نحو عشرين عامًا داخل العاصمة التشيكية براغ: في دروب مالاسترانا، ستاروناميستي، قلعة هراتشاني، هضبة بترشيني، شواطئ فلتافا، جسر كارلوف، حانة أوفليكو، والمكان الأحب لدي: مقهى سلافيا، المقابلة للمسرح الوطنــي·
الكاتب الذي أعتبره شقيق كافكا الروحي صوموئيل بيكيت· عالج المشكلة الجوهرية ذاتها: اغتراب الإنسان والوجود الملتبس· بطله مقهور، ضائع، عاجز، ومعزول كسمكة خرساء في حوض ضيق· أرى في (الصمت) غير الاعتباطي، الملازم لمسرح بيكيت، وظيفة تشبه وظيفة (الفراغ) في منحوتات جياكوميتي·
*
صفحة 2
القصة والرواية
عاتبني الصديق الشاعر شريف الربيعي بالتلفون:
- لماذا لا تكتب رواية ؟
هذا العتاب يعكس تصورا، لا أتفق معه، يفيد أن القصة القصيرة إنجاز يسير، أو كما يشاع، إجازة استجمام للكاتب ما بين روايتين· وهي برأيي فن صعب ومستقل، كالرواية والقصيدة والمسرحية ومقالة النقد· إنها تضطلع بما ليس من اختصاص الرواية ولا ضمن قدراتها· الروائي الجيد ليس بالضرورة كاتب قصة جيدًا· هناك من يرى - مثل ترومان كابوت - أن قصص همنغواي القصيرة أجدر من الطويلة باستثناء (الشيخ والبحر)·
ولعل من الطريف الاستشهاد بالروائي الحائز على جائزة نوبل، وليم فولكنر، الذي صرح بما يلي: ربما كل روائي يريد في البداية أن يكتب شعرا، ثم يكتشف أنه لا يقدر، فيحاول كتابة القصة القصيرة التي هي الشكل الأكثر تطلبا بعد الشعر، وحين يفشل في ذلك أيضا، يمضي أخيرا إلى كتابة الرواية !
*
صفحة 3
مطاردة السراب
بطل قصصي أنا - وأنت: العاشق، الفرحان، المشوش، المنتصر، والمهزوم··· يقول أراغون: الأدب الصادق والحقيقي، الأوحد، هو ذلك الذي يصدر عن إنسان يحكي أسرار تجربته الحياتية الخاصة، بكل حميميتها، بكل محاسنها ومساوئها···
لا أكترث جدًا بوصف المكان· لكن إحساسي حاد بالزمن وعدم الثبات والمفارقة· كل تجربة سعيدة أعيشها تستحيل برمشة عين إلى ماض بعيد· كأنني أعيش الحاضر بذاكرة مستقبل مـــراوغ·
للإبداع بواعث وغايات غامضة· مخيلة المبدع أداة للتغلغل المنطقي والمتخبط في دهاليز المجهولات وفوضاها· والكاتب المبدع - كأي إنسان - دائم التعطش إلى أهم وأخطر ما في صحراء الوجود: السراب !
بغداد، مسقط رأسي· براغ، مسقط حبي· غوثنبرغ، ملاذ شيخوختي··· وقد تغدو لندن مثواي الأخير· إلا أن روحي تشتاق، بلا جدل، إلى هناك، إلى نخلة، حتى ولو عجفاء··· نخلتنا لا تنبت في كل مكان·
*
صفحة 4
التجربة الفنية في القص
* *
التجربة جسر معلق بين الطموح والنتيجة· إلا أن النجاح ليس نتيجة طبيعية للطموح· فلا بد أن تتضافر معه شروط أخرى، مثل: استعداد فطري ومدروس، قدرة على الإنصات بانتباه إلى وقائع التاريخ العظمى، تفحص منجزات العصر في الأدب والفن والفلسفة والعلوم والتكنولوجيا الخ···
لم يكن ممكنا إضاءة المصابيح قبل أن نحك حجرا بحجر، ونعرف القبس، والشعلة، والسراج، والشموع·
ما الذي يحفزني على أن أكتب رغم النعاس والمرض وملاهي الحياة ؟
ربما الحاجة إلى معرفة: من أنا ؟ أو الرغبة في التواصل مع الآخرين، أو التآلف مع فكرة الموت، أو السعي لإحباط ألاعيب الجنون، أو البحث عن معنى الوجود وسبل تلطيفه، أو مداواة قروح العشق···
في كل الحالات تبقى الكتابة زحفًا، في ميدان إنساني عام، وعر وشاسع، نحو هدف يقع بعيدًا وراء ظهرنا· وللكتابة، كما أظن، جانب لا إرادي، كالضحك، كصراخ الفزع، كتأوهات النشوة· وهي بالنسبة لي كالأفيون أيضا·
يستعين القاص بمعايير نقد تعكس ذوقه ممزوجًا بالذوق الجماعي· غير أن الشك يلازم الإيمان بجودة ما يكتب· لذا يُخضع الكتابة إلى عمليات تجميل - تجويد متلاحقة (شطب، إضافات، شطب، إضافات···) بين ساعة وساعة، يوم ويوم، سنة وسنة، بلا توقف، حتى تصبح (مقبولة) من كليهما، منه هو (القاص) أولاً، ثم من القارئ - الذوق السائد·
لكل منا نموذج في فن القص· ولديه أسرار كذلك· فأنا أتعلم من اللوحات التشكيلية والموسيقى والغناء والبليارد وحتى الملاكمة· إن الفائز ليس بالضرورة المهاجم، ولا صاحب القامة الأطول، والعضلات الأكبر· لعل إتقان المراوغة وتفادي الضربات يحسم المنازلة لصالح الأضعف بدنيا !
الكتابة شهيق وزفير، قد تخلو من المتعة، لكنها - كالتنفس- ضرورية لبقائي على قيد الحياة·
صفحة 5
رولان بارت
*
1- على الرغم من تعقيدات قصتي والانزعاج والريبة واليأس، وعلى الرغم من رغبتي الجامحة في إيجاد مخرج ما··· على الرغم من هذا كله فإنني لا أكف في داخلي عن التأكيد على الحب كقيمة· أصغي إلى جميع البراهين التي تتوسلها الأنظمة المختلفة في محاولة منها لإعتاق الحب من أوهامه أو للحد منها أو لمحوها، أي في اختصار للتقليل من شأن الحب، أصغي إليها ولكني أعاند: *أعرف، أعرف، أعرف جيدا ولكن···*; وأعزو السبب في الإنقاص من شان الحب وقيمته إلى نوع من أخلاقية ظلامية، أو إلى واقعية مضحكة· وأقيم في مواجهة هذا كله حقيقة القيمة: أواجه كل *ما لا يسير جيدا*; في الحب بالتأكيد على القيمة التي يساويها، هذه المعاندة هي احتجاج الحب واعتراضه· فمن بين جوقة *الحجج الوجيهة*; التي تدعو إلى الحب بشكل مختلف، إلى الحب من دون عشق، يتصاعد صوت معاند يدوم وقتا أطول بقليل: إنه صوت العاشق الذي لا يردع ولا ينثني·
يخضع العالم كل تجربة لخيارين لا ثالث لهما: النجاح أو الفشل، النصر أو الهزيمة· أما أنا فأعترض متسلحا بمنطق آخر: أشعر في الوقت نفسه وبصورة متناقضة بأنني سعيد وتعيس(*)· *فالنجاح*; أو *الفشل*; لا يرتديان بالنسبة إلي إلا معنى اتفاقيا وعابرا (ولكن هذا لا يمنع أن تكون رغباتي وآلامي عنيفة)، إن ما يحركني بصورة خفية وثابتة ليس شيئا تكتيكيا· حين أرضى أو أؤكد فهذا بمعزل عن قوانين الصواب والخطأ، وبمعزل عن الفلاح والإخفاق· ذلك أنني أتنصل من أي غائية وأعيش وفق الصدفة (والدليل أن صور خطابي تأتيني (كضربات النرد)· وإذ أواجه المغامرة (وهذا ما يحدث لي)، لا أخرج منها لا هازما ولا مهزوما، فأنا مأساوي·
( يقولون لي: هذا النوع من الحب غير قابل للحياة· ولكن ما هو المقياس لتقويم قابلية الحياة ؟ ولماذا يكون *الخير*; في ما هو مقابل للحياة· لماذا يكون الاستمرار أفضل من الاحتراق ؟)·
2- هذا الصباح، علي أن أكتب في الحال رسالة مهمة يتوقف عليها نجاح مشروع معين· ولكني بدلا منها أكتب رسالة حب لا أرسلها· أتخلى جذلا عن مهمات مضجرة ووساوس متعلقة وسلوكيات ارتكاسية يمليها العالم علي· أتخلى عن كل ذلك من أجل مهمة غير مجدية ولكن نابعة من *واجب*; صارخ، واجب الحب·
*
صفحة 6
قلــق
في مواجهة هذا الاحتمال أو ذاك، تجد الذات العاشقة نفسها منجرفة بالخوف من خطر أو جرح أو هجر أو تحول· هذا الشعور تعبر عنه بكلمة قلق·
1- هذا المساء، عدت وحدي إلى الفندق، قرر الآخر أن يرجع في وقت متأخر من الليل، وها هي طعوم القلق (الغيرة والهجر وانشغال البال) حاضرة منذ وقت هنا، كما السم الجاهز، ترتقب فقط تصرم بعض الوقت حتى تستطيع الإعلان عن نفسها بلياقة· أتناول··· بهدوء *كتابا ودواء منوما· صمت هذا الفندق الكبير صاخب، لا مبال، أبله (خرير بعيد لمغاطس تفرغ)· الأثاث أحمق، المصابيح حمقاء، لا شيء أليف يمكن الاستدفاء به· القلق يتنامى· أراقب تصاعده وأشعر به (وأنا اقرأ) كما كان سقراط يشعر، وهو يثرثر مازحا، صعود برد السم إليه، أصغي إلى التحلق يعلن عن اسمه ويتعالى مثل صورة لا ترحم مطروحة على خلفية الأشياء التي هنا·
(وماذا لو نذرت أمنية من أجل أن يحدث شيء ما ؟)·
2- يعيش مريض الذهان في خوف من الانهيار (فالذهانات على أنواعها قد لا تكون إلا شكلا من أشكال الدفاع)· لكن *الخوف السريري من الانهيار هو خوف من انهيار اختبر من قبل (···) وثمة أوقات يحتاج فيها المريض لأن نقول له إن الانهيار والخوف منه، هذا الخوف الذي ينخر حياته، قد حدث من قبل*;· كذلك الأمر بالنسبة إلى قلق الحب: إنه الخوف من حداد حدث في ما مضى، منذ ابتداء الحب، منذ اللحظة التي افتتنت· ربما ينبغي على أحدهم أن يقول لي: *لا تستمر في القلق، لأنه سبق لك أن فقدت حبيبك (حبيبتك)*;·
*
صفحة 7
السفينة الشبح(*)
مــع أن كـل حـب يعاش وكأنه الحب الوحيد· ومع أن العاشق يستهجن فكرة تكرار الحب لاحقا في مكان آخر، إلا أنه يفاجئ نفسه أحيانا متلبسا بحالة من ذيوع رغبة العشق في داخله· ويفهم عندئذ أنه منذور للتسكع من حب إلى حب· حتى المــــوت·
1- كيف ينتهي الحب ؟ ماذا أو أين ينتهي اذًا ؟ لا أحد إجمالا - باستثناء الآخرين - يعرف شيئا من ذلك· إن هالة من البراءة تقنع هذا الشيء، الذي تكون وترسخ وعُيِّش محاكيا الأبدية· ومهما يؤول موضوع الحب، كأن يختفي أو ينتقل إلى منطقة الصداقة، فلن يتسنى لي، في جميع الأحوال، أن أراه يتلاشى: الحب المنتهي يبتعد إلى عالم آخر مثل مركبة فضائية توقفت عن الإيماض· كان الكائن المعشوق يضج صاخبا، وها هو الآن يرتد فجأة إلى دمدمة مخنوقة (الآخر لا يختفي أبدا في الوقت الذي توقعنا ولا بالطريقة التي تصورنا)· هذه الظاهرة ناتجة عن قيد ملازم لخطاب العشق: لست شاعر هذه القصة (منشدها) إلا في البداية· أما نهاية القصة، مثلها مثل موتي، فتنتمي إلى الآخرين· إليهم يعود أمر كتابة روايتها أي سردها الخارجي، الأسطــورة·
ما إن أكتشف نقصاني ولا أتجرأ في الوقت ذاته على قتل نفسي، حتى يصبح التجوال في الحب محتما· ورثر نفسه خبر هذه الحالة متنقلا من *ليونور البائسة*; إلى شارلوت· صحيح أن الحركة توقفت عند هذا الحد· ولكن، لو تسنى لورثر البقاء على قيد الحياة، لأعاد كتابة الرسائل نفسها إلى امرأة اخرى·
3- للتسكع في العشق جوانب مضحكة: إنه يشبه رقصة باليه تحتدم وتيرتها كلما زادت سرعة العاشق الخائن· حكم على الهولندي الملعون أن يجوب البحار طالما لم يعثر على المرأة ذات الوفاء الأبدي· أنا أيضا هذا الهولندي الشريد، ومثله لا أستطيع التوقف عن التجوال (الحب) بموجب سمة قديمة نذرتني في الأزمنة البعيدة لطفولتي، لأله خيالي، وأرغمتني على تكرار عبارة *أحبك*; من محطة إلى محطة، أملاً بأن يتقبل أحدهم هذه العبارة ويردها لي· لكن لا أحد يستطيع تعهد الجواب المستحيل (ذا الكمالية التي لا تحتمل) ويتابع التجوال·
*
_______________________
(*) كُتبتُ هذه القصص، التي نُشر معظمها في جريدة *الحياة*; اللندنية، ما بين 1984 - 2007، وستليها قصص كُتبت في الفترة ذاتها، لكن تختلف في الأجواء والمضمون·
صفحة 8
حنان
لا يمكن لهذا الغياب المحتمل كما يجب، أن يكون شيئا آخر إلا النسيان· أنا خائن بتقطع وهذا هو شرط بقائي، لأنني إذا لم أنس أمُتْ، العاشق الذي لا ينسى أحيانا يموت من فرط التعب وإجهاد الذاكرة (كما هي حال ورثر)·
5- أحكي للغائب خطاب غيابه من دون انقطاع· وهذه المغايبة غريبة إجمالا· فالآخر غائب بصفته مرجعا، وحاضر بصفته مخاطبا· وينشأ من هذا الانعطاف الخاص حاضر لا يحتمل· فأنا محاصر بين زمنين، زمن الإرجاع وزمن التخاطب: لقد رحلت (وهذا ما اشتكى منه) لكنك هنا (لأنني أتوجه بالكلام اليك)·
6- قد يأخذ *الحرمان*; صورة الحضور (أرى الآخر كل يوم من دون أن أشعر مع ذلك بالاكتفاء· موضوع رغبتي موجود هنا أمامي، ولكنني أفتقده باستمرار وبطريقة خيالية)·
7- أجلس وحيدا في أحد المقاهي· يأتي الآخرون لتحيتي· أشعر أنني محتضن ومرغوب بي ومثير للإعجاب· لكن الآخر غائب· أستحضره في داخلي لكن يردعني عند حافة السقوط في هذه الممالقة الاجتماعية التي تقف لي بالمرصاد· أحتكم إلى *حقيقة*; الآخر (الحقيقة التي أشعرني بها) لأواجه هستيريا الإغراء التي أشعر بأنني أنزلق فيها· أعزو لغياب الآخر مسؤوليته عن تهتكي الاجتماعي، أتوسل حمايته وعودته: فليظهر الآخر ولينتشلني كأم جاءت تسترد ولدها، من التألق الاجتماعي والتبجح الاجتماعي، وليُعِدْ لي الحميمية الدينية لعالم العشق *فداحتــه*;·
8- قـال راهـب بـوذي: *أمسـك المعلــم برأس تلميذه تحت الماـء لفتـرة طويلـة جـدا· وشيئـا فشيئـا أخـذت الفقاعات تتناقـص، لكـن المعلـم انتشـل فـي اللحظة الأخيرة تلميذه وأنعشه· عندما ترغب في الحقيقة رغبتك في تنشق الهواء، عندئذ تعرف كنهها*;·
وغياب الآخر يمسك برأسي تحت الماء، هوائي يندر وأصبح على شفير الاختناق· لكني أعيد من هذا الاختناق بناء حقيقتي وأهيء للمستعصي في الحب·
*
***
* * * * * * * * * * * * *