صفحة 1
في بلاد الدخان
التّقديم
يقول الشاعر الناقد والأديب الكبير أدونيس (1) «ليس كلّ من يكتب يمكن أن يعدّ كاتباً. وليس كلّ من يعرف أن يعالج فكرة أو ينظم قصيدة يمكن أن يعدّ مفكّراً أو شاعراً، فأن يكون الإنسان كاتباً أو مفكراً أو شاعراً أمرٌ خطيرٌ ومرتبةٌ صعبة...».
هو أمر خطيرٌ أن تمسك القلم في محاولة لسطر كلماتٍ قد تصل وقد لا... قد تفلح في التّعبير عمّا تريد، عمّا تشعر وقد تخطىء، قد تتمكّن من بثّ إرهاصات ذاتك وقد تموت دون أن تفعل!!! ولكن... تبقى الكتابة امتيازاً ومتعة، تبقى محاولة مستميتة لنقلةٍ ما، قد تكون على مستوى المأمول أولا... إنها رِحْلَةٌ في قلب المجهول بحثاً عن حقيقة من نوع جديد تحمل لوناً من الاختلاف...
إلى كل من قد يؤمن إيماني بالكلمة... في زمن تُغتالُ فيه الكلمات.
هدى عيد نيسان 2001
(1)
يدهشه المجلس بمن يضمّه ويرفع عينيه بين تارة وأخرى يسترق من وجهها نظرة.
تظهر اللاّمبالاة لكنْ يتولّدُ لديه إحساسٌ خفيٌّ بأنها شديدة الاهتمام بنظراته المسترَقَة تلك وتكاد عيناهما تلتقيان للمحة ولكنها تسرع بالفرار.
يعود ينصت لمن حوله، يسمع التّعليقات ويحاول أن يستعيد إلى ذهنه شَتات الموضوع المطروح. ويعلّق الأستاذ «علي» محامي القرية القديم وقد بدا ببدلته الرّمادية وياقته التي أحكمت ربطتها شديد الأناقة حيال من ضمّهم المجلسُ مِنْ غيره مِن الرّجال، فالكلّ كان يبدو مرتاحاً في جلسته يرتدي البنطال والقميص ويضع في رجليه ــــــ مشاية ــــــ خفيفة زيادة في طلب الرّاحة بينما كان هو يجلس معتدّاً بذاته، يلقي نظراتٍ متعالية من حين لآخر ــــــ طبعاً يحقّ له أن يتزوّج ثانية ما دام فقد الأمل في إنجاب زوجته الأولاد، يحقّ للرجل أن تكون له ذرية، والدّين لم يحرمه هذا الحق «مثنى وثُلاث ورُباع» أليس كذلك، ما قولك يا دكتور؟
يفجؤُهُ السؤالُ، يجد نفسه في موقع المستمع المراقب أفضل منه متكلماً ولكن لا مناص:
ــــــ الواقع هذه مسألة دقيقة يا سيد «علي»، ولها ظروفها الخاصة. أنا شخصياً أجد مسألة الأولاد ثانوية حيال مسائل أخرى.
يحاول المحامي ابتلاع امتعاضه ويتعمّد تغيير دفّة الحديث.
ــــــ وماذا فعلت بعيادتك الجديدة، كيف تجري الأمور معك في بيروت؟
باسماً يجيب:
ــــــ الحمد للَّه؛ لا زالت الأمور في بدايتها، وأعتقد أنّي أحتاج وقتاً ما لكي أجتذب الزبائن، إذ يبدو لي هذا البلد محتاجاً للدّعاية في كلّ شيء.
وأكمل يخاطب نفسه، ومحتاجاً للمظاهر والبريق في كل شيء، ولا بدّ أن تكون للطبيب سيارة، أن تكون له شقةٌ فاخرة وأن يضع نظارات شمسية لكي يكتسب ثقة الزبائن.
يعنيه أن يسترقَ النّظر مجدداً إلى وجهها، أيّة مصادفة ألقت بها في بيتهم اليوم؟!
تقول والدته أنّ أمها تزورها دائماً ولكن ما شأنها اليوم ترافقها بالزيارة ويعلو صوت «أبي مالك» محشرجاً ولكن فيه طيبة:
ــــــ كلنا زبائن عندك يا حكيم. يعجبه وجه الرجل فيه بساطة قروية ودعة تغيبها في عيون من سكنوا المدينة ادعاءات التّحضّر.
يبتسم ولا يجيب. ينصرفون فيشيعهم إلى البوابة الحديدية العتيقة ولا ينسى أن يشملها بنظرة لفتها من قمة رأسها ولمحت ساقيها.
لا زالت كما عاشت أياماً في خياله: جميلة...
اقتطع غصناً صغيراً بورقِهِ من شجرة «الفيكوس» العتيقة أمام بوابة الدار وعاد إلى موضعه ــــــ أتى بها والده من بيروت حين كان قيّماً على العمّال في البلدية ــــــ تلتفّ حوله العائلة مجدداً يَقْتَعِدُ الحائط الحجري الوطيء، وقد تعرّشت وراءه ورودٌ تُعنى بها أمّه؛ تسرح عيناه إلى البعيد، تقترب منه أمّه برائحتها المميزة، لطالما أحبّ هذه الرائحة ولطالما زرعت أماناً غريباً بداخله: لستَ هنا! تقول له، يحبّ منها أنها تفهمه على أميّتها، يجد إدراكها لبعض الأمور يعكس وعياً يفتقده بعض من تعلّموا.
لطالما كشفت ستراً عنْ أمورٍ أراد إخفاءها، كشفتها بحدسها بدفق الأمومةِ في داخلها لكنها كانت أكرم من أن توقعه في إحراج المصارحة اكتفت بمجرد التّتبع الصّامت لمُجرياتِ الأمور.
ربت كتفها وقد سرق الحزنُ ابتسامتَه: أنا إلى جوارك. وكأنها تكمل إجابة عمّا سألها: تزوجتْ فجأةً رجلاً غريباً، يُقال إنه من «جباع» آخرون ذكروا أنه من «جويّة»، أهله قضوا عمراً في أفريقيا وتكدست من تجارتهم هناك الأموال. جاء خطفاً إلى القرية زيارتين، ثلاث وتمت الزيجة وسافرا كذا سنة هناك قضتها وها هي تعود، قبل شهرين من عودتك أتت والدتها إليّ زائرةً وفي عينيها لمحت بريقاً: وفيقة عادت لزيارتنا. وما أكملت وغيّرتُ أنا مجرى الحديث، وتجاهلتُ ما أرادت منّي عنه السؤال.
التّقديم
يقول الشاعر الناقد والأديب الكبير أدونيس (1) «ليس كلّ من يكتب يمكن أن يعدّ كاتباً. وليس كلّ من يعرف أن يعالج فكرة أو ينظم قصيدة يمكن أن يعدّ مفكّراً أو شاعراً، فأن يكون الإنسان كاتباً أو مفكراً أو شاعراً أمرٌ خطيرٌ ومرتبةٌ صعبة...».
هو أمر خطيرٌ أن تمسك القلم في محاولة لسطر كلماتٍ قد تصل وقد لا... قد تفلح في التّعبير عمّا تريد، عمّا تشعر وقد تخطىء، قد تتمكّن من بثّ إرهاصات ذاتك وقد تموت دون أن تفعل!!! ولكن... تبقى الكتابة امتيازاً ومتعة، تبقى محاولة مستميتة لنقلةٍ ما، قد تكون على مستوى المأمول أولا... إنها رِحْلَةٌ في قلب المجهول بحثاً عن حقيقة من نوع جديد تحمل لوناً من الاختلاف...
إلى كل من قد يؤمن إيماني بالكلمة... في زمن تُغتالُ فيه الكلمات.
هدى عيد نيسان 2001
(1)
يدهشه المجلس بمن يضمّه ويرفع عينيه بين تارة وأخرى يسترق من وجهها نظرة.
تظهر اللاّمبالاة لكنْ يتولّدُ لديه إحساسٌ خفيٌّ بأنها شديدة الاهتمام بنظراته المسترَقَة تلك وتكاد عيناهما تلتقيان للمحة ولكنها تسرع بالفرار.
يعود ينصت لمن حوله، يسمع التّعليقات ويحاول أن يستعيد إلى ذهنه شَتات الموضوع المطروح. ويعلّق الأستاذ «علي» محامي القرية القديم وقد بدا ببدلته الرّمادية وياقته التي أحكمت ربطتها شديد الأناقة حيال من ضمّهم المجلسُ مِنْ غيره مِن الرّجال، فالكلّ كان يبدو مرتاحاً في جلسته يرتدي البنطال والقميص ويضع في رجليه ــــــ مشاية ــــــ خفيفة زيادة في طلب الرّاحة بينما كان هو يجلس معتدّاً بذاته، يلقي نظراتٍ متعالية من حين لآخر ــــــ طبعاً يحقّ له أن يتزوّج ثانية ما دام فقد الأمل في إنجاب زوجته الأولاد، يحقّ للرجل أن تكون له ذرية، والدّين لم يحرمه هذا الحق «مثنى وثُلاث ورُباع» أليس كذلك، ما قولك يا دكتور؟
يفجؤُهُ السؤالُ، يجد نفسه في موقع المستمع المراقب أفضل منه متكلماً ولكن لا مناص:
ــــــ الواقع هذه مسألة دقيقة يا سيد «علي»، ولها ظروفها الخاصة. أنا شخصياً أجد مسألة الأولاد ثانوية حيال مسائل أخرى.
يحاول المحامي ابتلاع امتعاضه ويتعمّد تغيير دفّة الحديث.
ــــــ وماذا فعلت بعيادتك الجديدة، كيف تجري الأمور معك في بيروت؟
باسماً يجيب:
ــــــ الحمد للَّه؛ لا زالت الأمور في بدايتها، وأعتقد أنّي أحتاج وقتاً ما لكي أجتذب الزبائن، إذ يبدو لي هذا البلد محتاجاً للدّعاية في كلّ شيء.
وأكمل يخاطب نفسه، ومحتاجاً للمظاهر والبريق في كل شيء، ولا بدّ أن تكون للطبيب سيارة، أن تكون له شقةٌ فاخرة وأن يضع نظارات شمسية لكي يكتسب ثقة الزبائن.
يعنيه أن يسترقَ النّظر مجدداً إلى وجهها، أيّة مصادفة ألقت بها في بيتهم اليوم؟!
تقول والدته أنّ أمها تزورها دائماً ولكن ما شأنها اليوم ترافقها بالزيارة ويعلو صوت «أبي مالك» محشرجاً ولكن فيه طيبة:
ــــــ كلنا زبائن عندك يا حكيم. يعجبه وجه الرجل فيه بساطة قروية ودعة تغيبها في عيون من سكنوا المدينة ادعاءات التّحضّر.
يبتسم ولا يجيب. ينصرفون فيشيعهم إلى البوابة الحديدية العتيقة ولا ينسى أن يشملها بنظرة لفتها من قمة رأسها ولمحت ساقيها.
لا زالت كما عاشت أياماً في خياله: جميلة...
اقتطع غصناً صغيراً بورقِهِ من شجرة «الفيكوس» العتيقة أمام بوابة الدار وعاد إلى موضعه ــــــ أتى بها والده من بيروت حين كان قيّماً على العمّال في البلدية ــــــ تلتفّ حوله العائلة مجدداً يَقْتَعِدُ الحائط الحجري الوطيء، وقد تعرّشت وراءه ورودٌ تُعنى بها أمّه؛ تسرح عيناه إلى البعيد، تقترب منه أمّه برائحتها المميزة، لطالما أحبّ هذه الرائحة ولطالما زرعت أماناً غريباً بداخله: لستَ هنا! تقول له، يحبّ منها أنها تفهمه على أميّتها، يجد إدراكها لبعض الأمور يعكس وعياً يفتقده بعض من تعلّموا.
لطالما كشفت ستراً عنْ أمورٍ أراد إخفاءها، كشفتها بحدسها بدفق الأمومةِ في داخلها لكنها كانت أكرم من أن توقعه في إحراج المصارحة اكتفت بمجرد التّتبع الصّامت لمُجرياتِ الأمور.
ربت كتفها وقد سرق الحزنُ ابتسامتَه: أنا إلى جوارك. وكأنها تكمل إجابة عمّا سألها: تزوجتْ فجأةً رجلاً غريباً، يُقال إنه من «جباع» آخرون ذكروا أنه من «جويّة»، أهله قضوا عمراً في أفريقيا وتكدست من تجارتهم هناك الأموال. جاء خطفاً إلى القرية زيارتين، ثلاث وتمت الزيجة وسافرا كذا سنة هناك قضتها وها هي تعود، قبل شهرين من عودتك أتت والدتها إليّ زائرةً وفي عينيها لمحت بريقاً: وفيقة عادت لزيارتنا. وما أكملت وغيّرتُ أنا مجرى الحديث، وتجاهلتُ ما أرادت منّي عنه السؤال.
صفحة 2
عيناه سارحتان في سفر طويل «وذَهَب» البحر يشده بعيداً عن المكان، يترك لناظريه أن تغيبا مرتاحتين وتنسحب الأم بخفّة حانيةٍ من المكان وتروح تشمر ساعديها لتتوضّأ استعداداً للصلاة.
ليته ملك مثلها راحة الإيمان وعمقه، لكانت له هدأة بالها! أخوه إلى جواره لا يتكلم لكنّ نحنحة والده تستعيده مجدداً:
ــــــ أهلا بالحاجّ، يحيّ والده خجلاً من عدم قدرته على بثّ إحساس الرّاحة لمن حوله. يكتفي والده بطرح سؤال بسيط:
ــــــ ما بالك يا بني، أراك ضائعاً منشغل البال، لا تحمل همّ العمل كلّه يتدبّر بإذن اللَّه.
ــــــ إن شاء اللَّه يا أبي، لا تحمل لي همّاً، أتعبني مشوار العودة فقط.
rmele «أرمال» تبدو وهي تقترب منهما وقد أطبقت يدها على يد الصغيرة الحلوة، نظرة التعالي باتت لا تفارق عينيها منذ وطئا أرض القرية، أين كانت تخبىء كلّ هذا الصلف وهي تلاحقه من مكان إلى آخر في «فرنسا»! أحياء «مونبيلييه» تشهد عليها، جدران كلية الطب حفظت ملامح وجهها الباحث أبداً عنه. تقتعد كرسياً في المكان بينما تقترب الصغيرة ذات السنتين من ساقيه، تتمرّغ بفخذيه رافعة يديها طالبة الصعود إلى حجره، يقبلها باسماً فتفرّ بوجهها الملائكي مشيرة إلى شعر ذقنه وقد آلمها فيضحك لها ويمرح.
ــــــ أين كنت؟ يسأل زوجته وقد عاد إلى وجهه شبح الحزن، أما زلت في الغرفة تحادثين نفسك؟
ــــــ أفضل من محادثة ضيوفك!!
ــــــ لا أعتقد أن أحداً كان سيعضّك لو فكّرت في مجالستهم.
ــــــ قلت لك مراراً لا أريد الحديث في هذا الموضوع.
وتركت كرسيها الغاضب مهتزّاً وقد كاد يقع متجهة من جديد إلى الداخل. والده لا يفهم الفرنسية لكنما عيناه تعكسان إحساساً أليماً بالفهم. تدخل مرّة في مسألة زواجه ولا يزال الندم حتى يومه يلاحقه ويقرع صدره ويعاقبه على تدخّله ذاك، لذا لم يسمح لنفسه ثانية بالتدخل، يكفيه أن ينظر الصغيرة الجميلة، يكفيه أن يحس بها في أحضانه ــــــ وقد سمحت له مرة أن يفعل منذ وصولها ــــــ وفي المرات التي تلت حين كان يحاول الاقتراب والمداعبة كانت تهرب متغتغة إلى حضن والدتها: مامي.
عينه تسرق نظرة من وجه ولده الحبيب، يسحبها سريعاً لئلا يلحظه؛ دائماً كان «إبراهيم» مميزاً لديه، أحبّه ــــــ أكثر قليلاً ــــــ من سائر إخوته وخجل من نفسه مراراً وهو يحس قلبه يميل إلى صبيه هذا دون من تبقى من الأبناء، حاسب نفسه مراراً وتكراراً لكنه عاد وسامحها محاولاً أن يبقي ما أضمرت سراً بينه وبينها. لمَ كان ذاك؟ ألأنَّ فيه شبهاً كبيراً منه، أم لهدوئه وترفّعه منذ صغره أو لأنّه تَوسَّم فيه ذكاء ونبوغاً يعوضان يوماً عن تقصيره في جعلهم يعيشون الحياة التي طالما تمنّاها لهم.
كان يصطحبه أيام الجمع معه إلى بيروت ــــــ يوم عطلته المدرسية في القرية ــــــ ويلحظ إبراهيم ــــــ الأولاد وقد خرجوا من مدارس ذات نوافذ وأبواب حمراء فينقل بصره بينها وبين وجه أبيه فيتولّد في نفسه تصميم على إكماله مشوار الصبي الذي يبزّ أقرانه في مدرسة القرية، وأستاذها الوحيد «الأستاذ حسن» طمأنه إلى أن الولد ــــــ فِتِح ــــــ ومقدرته على الاستيعاب كبيرة وأنْ لا بدّ من أنْ يكون له شأن في المستقبل. تلك الأيام زرعت في نفسه إحساساً بالمسؤولية حيال تعليم ولده وضرورة تأمين المال لذلك، وقد وفّر عليه ولده كثيراً من المشقة باجتهاده وتفوقه ولم يستطع كبح دموعه من التساقط ــــــ وهو الجلود المتماسكُ أبداً ــــــ أمام أولاده الخمسة حين علم أن ابنه نال منحة من الجامعة الوطنية لدراسة الطبّ في فرنسا وذلك لتفوقه.
تعود عيناه إلى مجلسه، يرقب ابنه وهو يلاعب الحبيبة الصغيرة يسعده أن تنفرج شفتا ولده عن الابتسامات ولو كان ابتسامُهُ لحين.
ليته ملك مثلها راحة الإيمان وعمقه، لكانت له هدأة بالها! أخوه إلى جواره لا يتكلم لكنّ نحنحة والده تستعيده مجدداً:
ــــــ أهلا بالحاجّ، يحيّ والده خجلاً من عدم قدرته على بثّ إحساس الرّاحة لمن حوله. يكتفي والده بطرح سؤال بسيط:
ــــــ ما بالك يا بني، أراك ضائعاً منشغل البال، لا تحمل همّ العمل كلّه يتدبّر بإذن اللَّه.
ــــــ إن شاء اللَّه يا أبي، لا تحمل لي همّاً، أتعبني مشوار العودة فقط.
rmele «أرمال» تبدو وهي تقترب منهما وقد أطبقت يدها على يد الصغيرة الحلوة، نظرة التعالي باتت لا تفارق عينيها منذ وطئا أرض القرية، أين كانت تخبىء كلّ هذا الصلف وهي تلاحقه من مكان إلى آخر في «فرنسا»! أحياء «مونبيلييه» تشهد عليها، جدران كلية الطب حفظت ملامح وجهها الباحث أبداً عنه. تقتعد كرسياً في المكان بينما تقترب الصغيرة ذات السنتين من ساقيه، تتمرّغ بفخذيه رافعة يديها طالبة الصعود إلى حجره، يقبلها باسماً فتفرّ بوجهها الملائكي مشيرة إلى شعر ذقنه وقد آلمها فيضحك لها ويمرح.
ــــــ أين كنت؟ يسأل زوجته وقد عاد إلى وجهه شبح الحزن، أما زلت في الغرفة تحادثين نفسك؟
ــــــ أفضل من محادثة ضيوفك!!
ــــــ لا أعتقد أن أحداً كان سيعضّك لو فكّرت في مجالستهم.
ــــــ قلت لك مراراً لا أريد الحديث في هذا الموضوع.
وتركت كرسيها الغاضب مهتزّاً وقد كاد يقع متجهة من جديد إلى الداخل. والده لا يفهم الفرنسية لكنما عيناه تعكسان إحساساً أليماً بالفهم. تدخل مرّة في مسألة زواجه ولا يزال الندم حتى يومه يلاحقه ويقرع صدره ويعاقبه على تدخّله ذاك، لذا لم يسمح لنفسه ثانية بالتدخل، يكفيه أن ينظر الصغيرة الجميلة، يكفيه أن يحس بها في أحضانه ــــــ وقد سمحت له مرة أن يفعل منذ وصولها ــــــ وفي المرات التي تلت حين كان يحاول الاقتراب والمداعبة كانت تهرب متغتغة إلى حضن والدتها: مامي.
عينه تسرق نظرة من وجه ولده الحبيب، يسحبها سريعاً لئلا يلحظه؛ دائماً كان «إبراهيم» مميزاً لديه، أحبّه ــــــ أكثر قليلاً ــــــ من سائر إخوته وخجل من نفسه مراراً وهو يحس قلبه يميل إلى صبيه هذا دون من تبقى من الأبناء، حاسب نفسه مراراً وتكراراً لكنه عاد وسامحها محاولاً أن يبقي ما أضمرت سراً بينه وبينها. لمَ كان ذاك؟ ألأنَّ فيه شبهاً كبيراً منه، أم لهدوئه وترفّعه منذ صغره أو لأنّه تَوسَّم فيه ذكاء ونبوغاً يعوضان يوماً عن تقصيره في جعلهم يعيشون الحياة التي طالما تمنّاها لهم.
كان يصطحبه أيام الجمع معه إلى بيروت ــــــ يوم عطلته المدرسية في القرية ــــــ ويلحظ إبراهيم ــــــ الأولاد وقد خرجوا من مدارس ذات نوافذ وأبواب حمراء فينقل بصره بينها وبين وجه أبيه فيتولّد في نفسه تصميم على إكماله مشوار الصبي الذي يبزّ أقرانه في مدرسة القرية، وأستاذها الوحيد «الأستاذ حسن» طمأنه إلى أن الولد ــــــ فِتِح ــــــ ومقدرته على الاستيعاب كبيرة وأنْ لا بدّ من أنْ يكون له شأن في المستقبل. تلك الأيام زرعت في نفسه إحساساً بالمسؤولية حيال تعليم ولده وضرورة تأمين المال لذلك، وقد وفّر عليه ولده كثيراً من المشقة باجتهاده وتفوقه ولم يستطع كبح دموعه من التساقط ــــــ وهو الجلود المتماسكُ أبداً ــــــ أمام أولاده الخمسة حين علم أن ابنه نال منحة من الجامعة الوطنية لدراسة الطبّ في فرنسا وذلك لتفوقه.
تعود عيناه إلى مجلسه، يرقب ابنه وهو يلاعب الحبيبة الصغيرة يسعده أن تنفرج شفتا ولده عن الابتسامات ولو كان ابتسامُهُ لحين.
صفحة 3
(2)
لا زال يتصفح جريدة «النهار» والنادل لم يحضر فنجان قهوته. اجتذبته دائماً قهوة «الومبي» إلى جلستها ومقعده فيها لا يكاد يتغير، وقد رحب به النادل الأشيب طويلاً حينما علم أنه عاد ليستقر نهائياً في لبنان، ولن يعود للسفر مجدداً. طوال الفترات التي كان يعود فيها إلى بلده، كان يختص هذا المقهى ولو بزيارة سريعة يجلس فيها قرب النافذة الزجاجية ويراقب الناس في شارع الحمراء. كان يحلو له أحياناً أن يعد الأقدام المارة قبل أن ينتقل إلى الوجوه، لم يكن يحب الوجوه هناك. كان يفقد الإحساس بالانتماء وهو يرقبها لشدة اختلاطها وفقدانها عنصر التمايز، فهو لا يستطيع أن يحدد المار هل هو لبناني أو سوري أو مصري أم فرنسي، سيريلانكي أو بريطاني؛ بيروت مدينة مفتوحة مشرّعة الأبواب، وهو أحياناً يفقد فيها حس الاتصال! تبثّ فيه إحساساً مغايراً لذاك الذي يشبع منه في قريته.
يقرّب النادل فنجان قهوته، يشتم عبيرها بشغف ويحاول تأنياً في الارتشاف يستطعم مرّها، يجده ألذّ من مرارته الدفينة التي تأبى عنه الرحيل.
يسقط عينيه مجدداً على الصحيفة لكنّ أفكاره تأبى أن تركن إلى قراءة السطور. زيارة البارحة هزّته وأكّدت له حقيقة البعث من جديد.
ما أتى بها إلى منزلهم، وفيقة الجميلة؟!؟! وفيقة!! يا له من زمن ولّى! حانت منه التفاتة إلى ساعته، الثانية عشرة والربع يا له من أرعن سيتأخر عن السمسار الذي وعده برؤية العيادة، أخفى عن والديه أنّه ما استطاع استئجاراً للعيادة حتى الآن لئلا يزعجهما! في كلماتٍ أنهى الموضوع: وُفّقت بعيادة بسيطة في منطقة «المزرعة» وأنا أعمل الآن على تأثيثها! والحقيقة غير ذلك فلقد هالته الأزمة السكنية في بيروت، ليس في وجود الشقة أو العيادة وإنّما في الأسعار الخيالية التي تُطلب لقاء الواحدة منها ولم يشأ أن يرهق فكر والديه بمثل هذه الأمور. يترك باب المقهى ويطرق بلاط الرصيف مستعداً لقطع الشارع وإذ بسيارة مرسيدس سوداء تتوقف أمامه، الزجاج الخلفي ينزلق ببطء، فيبدو من خلفه رأس أسمر صغير أكرت الشعر ينظر من خلف نظارتيه السوداوين اللتين أسقطتا على أرنبة الأنف:
ــــــ إذن وجودك في لبنان ليس إشاعة، أنت حقاً ههنا!!
«عصمت سليمان» من أي زمن تنبعث، يا لضيق الأرض على رحبها!
ــــــ أهلاً، أهلاً كيف حالك يا عصمت؟
مدّ يده محاولاً التسليم من النافذة لكنما الرجل فتح الباب قائلاً في شبه حزم:
ــــــ إركب، إركب يا رجل، يا لها من صدفة، أنظر كنت سأطلب من السائق أن يسلك الطريق البحري بدل أن نمرّ في هذه الشوارع المزدحمة يا لها من صدفة، أهلاً أهلاً يا إبراهيم، كيف حالك يا رجل، مر زمن طويل، كم؟ خمس عشرة سنة، عشرون سنة؟ لا أراك، ولا أسمع عنك، عاتب عليك أنا، لكن لا بأس، سأعرف كيف أخلّص حقي منك، ملتفتاً نحو السائق، إلى «البريستول» سنتغدى في «البريستول» ما رأيك موافق، ها موافق، إلى هناك.
ــــــ ما زلت كما أنت، لم تتغير! دائماً على عجلة من أمرك!
ــــــ بلى تغيّرت كثيراً يا صديقي، ها، ها، لقد زاد وزني وغزا الشيب فوديَّ وأنت ما زلت محتفظاً بالتماع شعرك وسواده، ها أخبرني قل لي ما أخبارك، قيل لي أنهيت اختصاصك، آه عال جيد، أنت طبيب على ما أذكر، ولكنْ الأطباء، الأطباء باتوا كثيرين في هذي البلاد يا عزيزي، باتت البلاد تغصّ بهم، تكاد تتقيؤهم، ها، ها آسف أنا أمزح فقط.
من أي زمن انبعثت يا عصمت، وما هذه النعمة التي حلت عليك؟ كيف وأين ومتى؟ ولم؟ آخر أخبارك التي علمت بها والتي لم أستهجن كانت سرقتك كمية من الذهب ضُبطت لأجلها بعدها انقطعت عني أخبارك، وينقصني الآن التفسير!!
ــــــ أنهيت اختصاصي، وأنت ما بالك...
كانت السيارة قد وصلت أمام الفندق سريعاً، بعد أن كان عصمت يوجه سائقه مؤشراً بيده. نزل عصمت وشد به للنزول وكان إبراهيم لا يملك إلا الموافقة في غمرة الضجة والزوبعة التي أثارها صاحبه بلقائه المفاجىء ذاك...
لا زال يتصفح جريدة «النهار» والنادل لم يحضر فنجان قهوته. اجتذبته دائماً قهوة «الومبي» إلى جلستها ومقعده فيها لا يكاد يتغير، وقد رحب به النادل الأشيب طويلاً حينما علم أنه عاد ليستقر نهائياً في لبنان، ولن يعود للسفر مجدداً. طوال الفترات التي كان يعود فيها إلى بلده، كان يختص هذا المقهى ولو بزيارة سريعة يجلس فيها قرب النافذة الزجاجية ويراقب الناس في شارع الحمراء. كان يحلو له أحياناً أن يعد الأقدام المارة قبل أن ينتقل إلى الوجوه، لم يكن يحب الوجوه هناك. كان يفقد الإحساس بالانتماء وهو يرقبها لشدة اختلاطها وفقدانها عنصر التمايز، فهو لا يستطيع أن يحدد المار هل هو لبناني أو سوري أو مصري أم فرنسي، سيريلانكي أو بريطاني؛ بيروت مدينة مفتوحة مشرّعة الأبواب، وهو أحياناً يفقد فيها حس الاتصال! تبثّ فيه إحساساً مغايراً لذاك الذي يشبع منه في قريته.
يقرّب النادل فنجان قهوته، يشتم عبيرها بشغف ويحاول تأنياً في الارتشاف يستطعم مرّها، يجده ألذّ من مرارته الدفينة التي تأبى عنه الرحيل.
يسقط عينيه مجدداً على الصحيفة لكنّ أفكاره تأبى أن تركن إلى قراءة السطور. زيارة البارحة هزّته وأكّدت له حقيقة البعث من جديد.
ما أتى بها إلى منزلهم، وفيقة الجميلة؟!؟! وفيقة!! يا له من زمن ولّى! حانت منه التفاتة إلى ساعته، الثانية عشرة والربع يا له من أرعن سيتأخر عن السمسار الذي وعده برؤية العيادة، أخفى عن والديه أنّه ما استطاع استئجاراً للعيادة حتى الآن لئلا يزعجهما! في كلماتٍ أنهى الموضوع: وُفّقت بعيادة بسيطة في منطقة «المزرعة» وأنا أعمل الآن على تأثيثها! والحقيقة غير ذلك فلقد هالته الأزمة السكنية في بيروت، ليس في وجود الشقة أو العيادة وإنّما في الأسعار الخيالية التي تُطلب لقاء الواحدة منها ولم يشأ أن يرهق فكر والديه بمثل هذه الأمور. يترك باب المقهى ويطرق بلاط الرصيف مستعداً لقطع الشارع وإذ بسيارة مرسيدس سوداء تتوقف أمامه، الزجاج الخلفي ينزلق ببطء، فيبدو من خلفه رأس أسمر صغير أكرت الشعر ينظر من خلف نظارتيه السوداوين اللتين أسقطتا على أرنبة الأنف:
ــــــ إذن وجودك في لبنان ليس إشاعة، أنت حقاً ههنا!!
«عصمت سليمان» من أي زمن تنبعث، يا لضيق الأرض على رحبها!
ــــــ أهلاً، أهلاً كيف حالك يا عصمت؟
مدّ يده محاولاً التسليم من النافذة لكنما الرجل فتح الباب قائلاً في شبه حزم:
ــــــ إركب، إركب يا رجل، يا لها من صدفة، أنظر كنت سأطلب من السائق أن يسلك الطريق البحري بدل أن نمرّ في هذه الشوارع المزدحمة يا لها من صدفة، أهلاً أهلاً يا إبراهيم، كيف حالك يا رجل، مر زمن طويل، كم؟ خمس عشرة سنة، عشرون سنة؟ لا أراك، ولا أسمع عنك، عاتب عليك أنا، لكن لا بأس، سأعرف كيف أخلّص حقي منك، ملتفتاً نحو السائق، إلى «البريستول» سنتغدى في «البريستول» ما رأيك موافق، ها موافق، إلى هناك.
ــــــ ما زلت كما أنت، لم تتغير! دائماً على عجلة من أمرك!
ــــــ بلى تغيّرت كثيراً يا صديقي، ها، ها، لقد زاد وزني وغزا الشيب فوديَّ وأنت ما زلت محتفظاً بالتماع شعرك وسواده، ها أخبرني قل لي ما أخبارك، قيل لي أنهيت اختصاصك، آه عال جيد، أنت طبيب على ما أذكر، ولكنْ الأطباء، الأطباء باتوا كثيرين في هذي البلاد يا عزيزي، باتت البلاد تغصّ بهم، تكاد تتقيؤهم، ها، ها آسف أنا أمزح فقط.
من أي زمن انبعثت يا عصمت، وما هذه النعمة التي حلت عليك؟ كيف وأين ومتى؟ ولم؟ آخر أخبارك التي علمت بها والتي لم أستهجن كانت سرقتك كمية من الذهب ضُبطت لأجلها بعدها انقطعت عني أخبارك، وينقصني الآن التفسير!!
ــــــ أنهيت اختصاصي، وأنت ما بالك...
كانت السيارة قد وصلت أمام الفندق سريعاً، بعد أن كان عصمت يوجه سائقه مؤشراً بيده. نزل عصمت وشد به للنزول وكان إبراهيم لا يملك إلا الموافقة في غمرة الضجة والزوبعة التي أثارها صاحبه بلقائه المفاجىء ذاك...
صفحة 4
(3)
المائدة ازدحمت سريعاً بالمشهّيات وأفخر أنواع الأسماك نُثرت عليها يرأسها القريدس وقد بدا منظره مثيراً للشّهية لدرجة عظيمة، وظهر عصمت من سلوكه وطريقة تعامله مع من يحيطون به ألوفاً للمكان واضح النفوذ فيه، تابع:
ــــــ قلتُ أنهيت اختصاصي، اختصاص الهندسة، البلد في أيدينا الآن ورشة عمار لا تنتهي ولن تنتهي والشاطر من يتقن أصول اللعبة وأنا لاعب جيد، تعرفني، ها ــــــ مستغرقاً في الضحك ــــــ كنت أتفوّق عليكم دائماً، ويبدو لي أني ما زلت أفعل، أمزح، أمزح فقط يا صديقي.
ــــــ لقد كنت تتفوّق علينا، لكن بأن تغش هذا وتخدع ذاك. قال إبراهيم بصوت ضاحك.
ــــــ آه (بعينين متسعتين على ضيقهما) ها لا زلت تذكر كانت أياماً جميلة ولكن ما هو اختصاصك؟ أعرف أنك درست الطبّ لكن الاختصاص لا أدري ما هو؟
ــــــ لقد تخصصت في طب الأسنان وحصلت على دبلوم في التجميل والتقويم.
ــــــ ستجد مجالاً لتضع قدمك في هذه المدينة المزدحمة؟!!
ــــــ سأحاول جاهداً، وإن كان الشكّ قد بدأ يداخلني فحتّى الآن لم أحصل على العيادة ولا على شقة للإقامة، أضف إلى ذلك أنَّ الحصول على المعدّات والآلات اللازمة سيكلّفني مبالغ يستعصي عليّ التفكير فيها، ما كنت أعلم أن العودة ستكون باهظة هكذا.
ــــــ لا تُبد وجهاً حزيناً كهذا، كلّ المسائل تُحل. قد أساعدك أنا في الحصول على شقة وبالنسبة للعيادة لِمَ لا تبدأ العمل مع زميل لك تشاركه عيادته مدة بعد الظهر مثلاً، إعتمد أيّ حل، لا تضع يدك على خدك كالعجائز، أنا أرفض منطق الاستسلام لليأس.
ــــــ دعك مني، حدّثني عنك، يبدو أنه قد فاتني الكثير من أخبارك!!
ــــــ فاتك الكثير، الكثير، أنا الآن ابن هذه المدينة الكبيرة، لم أعد أذهب إلى القرية إلا فيما ندر. معظم أيامي أقضيها ههنا. بيروت مدينة عظيمة. صدرها رحب معبّأ بالكنوز!! تذكر أيام صبانا حين كنا ننزل إلى بيروت، نستغرب، ونستهجن، ويدوخ رأسانا الصغيران من مرأى السيارات الملتمعة؟ كنتم تعودون عصراً إلى قراكم، ووحدي أعود إلى حجرة أبي الحقيرة، تذكرها ــــــ مشيراً بيده ــــــ على «البسطة» تلك الغرفة التي آذت عيني لظلمتها وكان لها أكبر الفضل في خسارتي نسبة كبيرة من نظري. أجلس على المقعد المهترىء الجوانب وقد رقّعت والدتي غطاءه مئات المرات، أحاول أن أدرس ويلسعني البعوض الذي اجتذبته رطوبة المكان، أحاول أن أنام فإذا بالمطارق تهوي على رأسي والأقدام التي تتغندر في الطّابق الذي علا ذاك القبو الأرضيّ تدوس أفكاري، وتشعلها، فأخرج متمرداً، تقودني قدماي إلى الروشة. هل رأيتها ليلاً قبل الحرب وقد انتشرت في أنحائها الأضواء!؟! أتمشّى على الأرصفة ذهاباً وإياباً وعيناي لا تفارقان الشقق التي شعت في داخلها آلاف الشموس؛ أضواءٌ ملونة باهرة تشد ناظري وتجعل من فكري أسيراً لها بكل ما فيها ومَنْ حولها، ما مَلّت قدماي يوماً الرحلة المكرّرة حتى أقسمت في ساعة ما أن سيكون لي هناك مكان، شقة، فيلا، دوبلكس. لم أكن أعرف يومها أن هناك ما يسمّى كذلك، تعرف يا صديقي، ثمة أشياء لا تموت في دواخلنا، أمتلك الآن شقة رحيبة في «مار الياس» شقة تشعّ في أنحائها آلاف الأضواء، وتتوزّع في زواياها عشرات المرايا تعكس تلك الأضواء وتشعلها، لكن أضواء الرّوشة لا زالت تزعجني وقد تزورني في الأحلام مشاهد أضواء تبهر عيني. أثقل عليك؟ لا أدري لم أحدثك بكل ذا ــــــ مبتسماً ابتسامة صفراء! ــــــ أوَ تدري ما أخبرتُ أحداً بكل ما قلتُ سابقاً. المهم ــــــ كُلْ يبدو لي أنَّ شهيتك باتت قليلة على الطعام الذي كنا نختصم عليه أتذكر، ألا يعجبك ما على المائدة؟!
أجاب إبراهيم ضاحكاً:
ــــــ لا تبالغ، المائدة فاخرة لكنك تسرقني منها بالحديث، ولم تخبرني بعد كيف أنهيت اختصاصك؟
ــــــ تحاول إحراجي، لكني لن أُحرج، اشتغلت كثيراً وتلاعبت أحياناً واجتهدت أحياناً أخرى، وبين كل ذا التحقت بكلية الهندسة غير آبه باعتراض أبويَّ لكثرة المصاريف. سأكون مهندساً وأمتلك الشقة التي أريد وهناك تعرّفت عليها، زوجتي الآن، سأعرّفك يوماً عليها.
ــــــ قالها بفمّ قد التوى طرفه ثم ضُمَّ ــــــ كانت في السنة الثالثة (لا أدري كيف انتهت إليها) وأنا كنت في السنة الأولى تكبرني بأربعة أعوام، لا بأس فالمرأة المجرّبة ضرورية، يطلق ضحكة ساخرة تخرج من أنفه، كانت زوجتي مجرّبة لكل شيء: جرّبت المال فهي إحدى ساكنات الشقق الفخمة في بيروت، جرّبت السيارات وتمرّست بقيادتها، وجرّبت الحب بل واختبرت الرجال ــــــ آه، نسيت أن أخبركَ أنّها ليست جميلة ــــــ قالت في بدايات لقائنا أنها كانت مخطوبة فلم أعبأ ولم أستفهم، وفيما بعد اكتشفت أنها ما اكتفت إطلاقاً بمجرد الخطبة وكذلك لم أعبأ، اتخذتها سلماً أرتقي عليه تنفق عليّ من أموال أبيها الطائلة، وأشبع جسدها النّهم أبداً لغير المال، وذكائي لا يعرف حدوداً ــــــ بيني وبينك أملك ذكاءً يُوزّع على أبناء قريتنا كلّهم! المهم أنهيت اختصاصي وهي تركت الكلية مكتفية بي مغنماً من دخولها إليها. تسألني عنها بعدُ، إنّها في منزلي تقيم الحفلات التي تمتدّ طويلاً، تُمارس السباحة وتسافر دائماً لا أدري إلى أين ولا مع من؟ تشد بشرتها وأنا أرفض منها أن تنجب لي الأولاد.
ــــــ تبدو قاسياً.
ــــــ ليست قسوة، سمه تحدياً، أو محاولة اختيار المصير، تصفية حساب مع الزمن ربما، سمه ما شئت، ولا زالت لي مع الحياة جولات.
ــــــ مشاريع قادمة؟ ورش بناء جديدة؟
ــــــ خطط، مشاريع، لم لا، أحلام، طموحات لم لا، فأنا أطمح للوزارة اليوم؛ ــــــ مبتسماً ــــــ لا تدع عينيك تشعّان هكذا. أجل أطمح للوزارة ولم لا، من يصلون إليها أفضل مني؟! تعتقد ذلك؟ أنا لا أعتقد، المسألة يا صاحبي مسألة ذكاء وأنا أمتلكه وأمتلكه، ولا شيء يستعصي في الحياة ما دمت تطمح للأمام. ما أكلت كثيراً بعد؟
ــــــ الحمد للَّه، بطني امتلأ لأيام.
ــــــ تحافظ على صحتك ها، أنتم الأطباء، يا لكم من أشخاص!
المائدة ازدحمت سريعاً بالمشهّيات وأفخر أنواع الأسماك نُثرت عليها يرأسها القريدس وقد بدا منظره مثيراً للشّهية لدرجة عظيمة، وظهر عصمت من سلوكه وطريقة تعامله مع من يحيطون به ألوفاً للمكان واضح النفوذ فيه، تابع:
ــــــ قلتُ أنهيت اختصاصي، اختصاص الهندسة، البلد في أيدينا الآن ورشة عمار لا تنتهي ولن تنتهي والشاطر من يتقن أصول اللعبة وأنا لاعب جيد، تعرفني، ها ــــــ مستغرقاً في الضحك ــــــ كنت أتفوّق عليكم دائماً، ويبدو لي أني ما زلت أفعل، أمزح، أمزح فقط يا صديقي.
ــــــ لقد كنت تتفوّق علينا، لكن بأن تغش هذا وتخدع ذاك. قال إبراهيم بصوت ضاحك.
ــــــ آه (بعينين متسعتين على ضيقهما) ها لا زلت تذكر كانت أياماً جميلة ولكن ما هو اختصاصك؟ أعرف أنك درست الطبّ لكن الاختصاص لا أدري ما هو؟
ــــــ لقد تخصصت في طب الأسنان وحصلت على دبلوم في التجميل والتقويم.
ــــــ ستجد مجالاً لتضع قدمك في هذه المدينة المزدحمة؟!!
ــــــ سأحاول جاهداً، وإن كان الشكّ قد بدأ يداخلني فحتّى الآن لم أحصل على العيادة ولا على شقة للإقامة، أضف إلى ذلك أنَّ الحصول على المعدّات والآلات اللازمة سيكلّفني مبالغ يستعصي عليّ التفكير فيها، ما كنت أعلم أن العودة ستكون باهظة هكذا.
ــــــ لا تُبد وجهاً حزيناً كهذا، كلّ المسائل تُحل. قد أساعدك أنا في الحصول على شقة وبالنسبة للعيادة لِمَ لا تبدأ العمل مع زميل لك تشاركه عيادته مدة بعد الظهر مثلاً، إعتمد أيّ حل، لا تضع يدك على خدك كالعجائز، أنا أرفض منطق الاستسلام لليأس.
ــــــ دعك مني، حدّثني عنك، يبدو أنه قد فاتني الكثير من أخبارك!!
ــــــ فاتك الكثير، الكثير، أنا الآن ابن هذه المدينة الكبيرة، لم أعد أذهب إلى القرية إلا فيما ندر. معظم أيامي أقضيها ههنا. بيروت مدينة عظيمة. صدرها رحب معبّأ بالكنوز!! تذكر أيام صبانا حين كنا ننزل إلى بيروت، نستغرب، ونستهجن، ويدوخ رأسانا الصغيران من مرأى السيارات الملتمعة؟ كنتم تعودون عصراً إلى قراكم، ووحدي أعود إلى حجرة أبي الحقيرة، تذكرها ــــــ مشيراً بيده ــــــ على «البسطة» تلك الغرفة التي آذت عيني لظلمتها وكان لها أكبر الفضل في خسارتي نسبة كبيرة من نظري. أجلس على المقعد المهترىء الجوانب وقد رقّعت والدتي غطاءه مئات المرات، أحاول أن أدرس ويلسعني البعوض الذي اجتذبته رطوبة المكان، أحاول أن أنام فإذا بالمطارق تهوي على رأسي والأقدام التي تتغندر في الطّابق الذي علا ذاك القبو الأرضيّ تدوس أفكاري، وتشعلها، فأخرج متمرداً، تقودني قدماي إلى الروشة. هل رأيتها ليلاً قبل الحرب وقد انتشرت في أنحائها الأضواء!؟! أتمشّى على الأرصفة ذهاباً وإياباً وعيناي لا تفارقان الشقق التي شعت في داخلها آلاف الشموس؛ أضواءٌ ملونة باهرة تشد ناظري وتجعل من فكري أسيراً لها بكل ما فيها ومَنْ حولها، ما مَلّت قدماي يوماً الرحلة المكرّرة حتى أقسمت في ساعة ما أن سيكون لي هناك مكان، شقة، فيلا، دوبلكس. لم أكن أعرف يومها أن هناك ما يسمّى كذلك، تعرف يا صديقي، ثمة أشياء لا تموت في دواخلنا، أمتلك الآن شقة رحيبة في «مار الياس» شقة تشعّ في أنحائها آلاف الأضواء، وتتوزّع في زواياها عشرات المرايا تعكس تلك الأضواء وتشعلها، لكن أضواء الرّوشة لا زالت تزعجني وقد تزورني في الأحلام مشاهد أضواء تبهر عيني. أثقل عليك؟ لا أدري لم أحدثك بكل ذا ــــــ مبتسماً ابتسامة صفراء! ــــــ أوَ تدري ما أخبرتُ أحداً بكل ما قلتُ سابقاً. المهم ــــــ كُلْ يبدو لي أنَّ شهيتك باتت قليلة على الطعام الذي كنا نختصم عليه أتذكر، ألا يعجبك ما على المائدة؟!
أجاب إبراهيم ضاحكاً:
ــــــ لا تبالغ، المائدة فاخرة لكنك تسرقني منها بالحديث، ولم تخبرني بعد كيف أنهيت اختصاصك؟
ــــــ تحاول إحراجي، لكني لن أُحرج، اشتغلت كثيراً وتلاعبت أحياناً واجتهدت أحياناً أخرى، وبين كل ذا التحقت بكلية الهندسة غير آبه باعتراض أبويَّ لكثرة المصاريف. سأكون مهندساً وأمتلك الشقة التي أريد وهناك تعرّفت عليها، زوجتي الآن، سأعرّفك يوماً عليها.
ــــــ قالها بفمّ قد التوى طرفه ثم ضُمَّ ــــــ كانت في السنة الثالثة (لا أدري كيف انتهت إليها) وأنا كنت في السنة الأولى تكبرني بأربعة أعوام، لا بأس فالمرأة المجرّبة ضرورية، يطلق ضحكة ساخرة تخرج من أنفه، كانت زوجتي مجرّبة لكل شيء: جرّبت المال فهي إحدى ساكنات الشقق الفخمة في بيروت، جرّبت السيارات وتمرّست بقيادتها، وجرّبت الحب بل واختبرت الرجال ــــــ آه، نسيت أن أخبركَ أنّها ليست جميلة ــــــ قالت في بدايات لقائنا أنها كانت مخطوبة فلم أعبأ ولم أستفهم، وفيما بعد اكتشفت أنها ما اكتفت إطلاقاً بمجرد الخطبة وكذلك لم أعبأ، اتخذتها سلماً أرتقي عليه تنفق عليّ من أموال أبيها الطائلة، وأشبع جسدها النّهم أبداً لغير المال، وذكائي لا يعرف حدوداً ــــــ بيني وبينك أملك ذكاءً يُوزّع على أبناء قريتنا كلّهم! المهم أنهيت اختصاصي وهي تركت الكلية مكتفية بي مغنماً من دخولها إليها. تسألني عنها بعدُ، إنّها في منزلي تقيم الحفلات التي تمتدّ طويلاً، تُمارس السباحة وتسافر دائماً لا أدري إلى أين ولا مع من؟ تشد بشرتها وأنا أرفض منها أن تنجب لي الأولاد.
ــــــ تبدو قاسياً.
ــــــ ليست قسوة، سمه تحدياً، أو محاولة اختيار المصير، تصفية حساب مع الزمن ربما، سمه ما شئت، ولا زالت لي مع الحياة جولات.
ــــــ مشاريع قادمة؟ ورش بناء جديدة؟
ــــــ خطط، مشاريع، لم لا، أحلام، طموحات لم لا، فأنا أطمح للوزارة اليوم؛ ــــــ مبتسماً ــــــ لا تدع عينيك تشعّان هكذا. أجل أطمح للوزارة ولم لا، من يصلون إليها أفضل مني؟! تعتقد ذلك؟ أنا لا أعتقد، المسألة يا صاحبي مسألة ذكاء وأنا أمتلكه وأمتلكه، ولا شيء يستعصي في الحياة ما دمت تطمح للأمام. ما أكلت كثيراً بعد؟
ــــــ الحمد للَّه، بطني امتلأ لأيام.
ــــــ تحافظ على صحتك ها، أنتم الأطباء، يا لكم من أشخاص!
صفحة 5
(4)
السيارة تفرّ مسرعة وقد نجت من زحام الأوزاعي، أنزل زجاج النافذة وقد كان أغلقه خشية الغبار، تاركاً للهواء الرطب المشبع برائحة البحر أن يعبث بشعره ويداعب صدره؛ بحاجة هو للاسترخاء ومحاولة لَمّ الأنفاس، يستشعر جوعاً لا يشبع للاسترخاء والراحة، رأسه مجهد والصّور تتهاوى من ذاكرته وتتوالى ولا تستطيع يده الإطباق على أي منها، وفيقة، عصمت، rmele ، العيادة، السمسار الذي تخلف عن موعده معه، يبرز وجه عصمت من بين هذه الوجوه: وجه أسمر صغير تحيطه هالة من الشعر الأسود الأكرت وعينان سوداوان صغيرتان لا تهدآن ولا تستقران كأنما صاحبهما عالق في فخ أبداً، وهو يحاول منه الفرار وفمٌ متسع يظهر وَلَعَ صاحبه بالحياة، بكل ما هو بالنسبة له الحياة طعام ــــــ تذكَرَ كم أكل وهو إلى المائدة! ــــــ مال، نساء وفساد. بيروت مدينة «عظيمة»، تستطيع أن تبتلع كلّ وصوليتكم، كل طموحاتكم الشريفة والتي لا شرف فيها، كل استهتاركم وكل مشاريعكم التي ليس لها انتهاء.
إذن عصمت لا يتوقف، لم تشبعه ألاعيب الطفولة والصبا، أدمن استغلال الآخرين واتخاذهم جسوراً، يعبر عليها في سبيل ما يريد، يذكره في الثانوية يغشّ، يفسد بين الأصحاب، يسرق أحياناً الامتحانات، وينال غيره القصاص بسبب ادعاءاته وكذبه على المدرسين، يكرهه زملاؤه وقد يشفقون عليه، وها هو اليوم يبرز من ركام الأيام، ليعلن طمعه بالسلطة ولِمَ لا فالسباق بالنسبة له قائم ولا بأس من الاشتراك!! أين أنتِ يا وفيقتي من كلّ ذا، لم هزّه لقاء البارحة وقد اعتقد منذ فترة أنه لم تعد لهذه المخلوقة القدرة على فعل ذلك!؟
يزعجه الدخان الذي يعبق به جوّ السيارة، وهذا السائق الأحمق يكاد لا يطفىء سيجارة حتى يشعل الأخرى، ويستغرب كيف أن الناس في بلاده لا يكادون يكفون عن التدخين ولا في أي مكان حتى ولو كان الحمام، يدمنون العادات ويفقدون حِسَّ النظر والقدرة على إعادة التفكير في ما يفعلون! وأدهشه أكثر صالون إحدى المستشفيات ــــــ وقد مرَّ يحاول مقابلة زميل له قيل له أنه يُعاينُ مرضاه هناك ــــــ وقد عبق برائحة الدخان الذي تعالى دوائر متراكمة تدمع منها العيون وخُيِّل إليه لحظة أنه في أحد المقاهي الشعبية التي تتداول فيها النراجيل، لا في مستشفى يطلب فيها الناس الدواء، وتعالج في أنحائها منهم الأمراض!
شيئاً فشيئاً تبدو لناظريه التلال، إرتفعت به السيارة ثلاثمئة متر عن سطح البحر، وها هو الآن يلمح سفوح تلال قريته وقد رُصّت بالبيوت الحجرية، بعضها تعلوها القراميد؛ كم حملت حناياها من مشاعره، وكم بثّها من أشواق!
«قرية الورد» قيل إنها اكتسبت اسمها لكثرة ما كان يُزرع بها قديماً من الورد الجوري وسواه من الورود؛ أبناؤها كادحون، عملوا منذ القديم في زراعة الزيتون والخرّوب وكانت لهم منهما المواسم والخيرات، أبناؤها طيّبون تعلّموا حبّ الجمال من منظر البحر يرتمي تحت أقدام القرية ويلتمع ليلَ نهارَ؛ وهو فتى، فيها كبُر وامتلأ صدره بحبّ الجمال؛ منذ صغره والجمال يحرّكه، يثير منه المشاعر والأحاسيس: لطالما سخر منه رفاقه وهو يقضي وقتاً بينهم سارحاً يشدّه من بينهم منظر طبيعيّ ساحر، أو منظر البحر البعيد تمخره إحدى السفن، ويسرح منه الخيال.
في أنحاء تلك القرية الحديقة رآها، حوريةً في الرابعة عشرة من عمرها قمحية اللون تشبه السّنابل التي يزرعها صيفاً فلاحو قريته، في امتشاقها ورهافتها ورقتها وعسجديتها، وآلمته عيناها وهو ينظُرُهُما لكثرة ما أحسّ فيهما من الأعماق. وعجز لحداثته حينها أن يفهمهما أو أن يرى بوضوح ما فيهما، وتعجّب كثيراً لدقة أنفها كأنّما استكثر على قريته أن يجد فيها هذا الأنف الرّاقي الفنان. فاجأته وهو يسير بين حقول الزيتون قاصداً مساعدة أهله الذين سبقوه للقطاف ــــــ كان قد بدأ دراسته الثانوية في ثانوية الظريف في بيروت ــــــ لا يدري كيف وجدها أمامه، يكاد يصطدم بها وقد تمنّى فيما بعد لو فعل. نَظَرَتْهُ مغضبةً لسهوه وأدبرت، فيما بقي واقفاً لدقائق يرقبها وأشجار الزيتون تغيّب شبحها وهي تمضي قافزة من جلّ إلى جلّ. ما الذي كانت تفعله هناك؟
كم مضى على ذلك من السنوات، آه يا وفيقتي الجميلة!!
ــــــ أتحب أن تصل إلى منزلك يا أستاذ أم تنزل ههنا؟
يسأله السائق وهو غارق في أفكاره.
ــــــ ها، لا، لا شكراً، أنزل ههنا. ومدّ يده إلى جيبه ينقد السائق أجره ثم شدّ قامته وانطلق يسلك الطريق.
«سرقتك الذكرى يا رجل ونفضت عن خاطرك غبار النسيان»! يسلك الطريق الضيّق باتجاه منزل والديه، كم كبرت هذه الشجرات التي قامت على جانبيه، يبدو المنزل وهو على مسافة منه ذا رونق يضفيه عليه الحجر الجبلي الذي بنيت منه الجدران، وأعجبه منظر العريشة التي تسلقت معظم الواجهة الأمامية للدار وشكّلت ما يشبه قنطرة ورقية تستقبل القادم بحفيف ناعم كلما حرّكها الهواء.
رآها من بعيد: الصغيرة في باحة الدار تتراكض حول والدتها الجالسة، وشمس العصر تقبل وجنتيها الجميلتين أراد تسميتها «وفيقة» لكنما rmele رفضت بعناد فرنسي «فرنسواز» هو اسمها ولا مناقشة في ذلك!! باتت بعد زواجه منها ترفض النقاش في أمور كثيرة بعدما كانت ترجوه قبل زواجهما كي يفسح لها المجال للمشاركة في أي نقاش يطرحه. تهرع الصغيرة إليه ــــــ Pp ــــــ تشبك ذراعيها الصغيرتين حول عنقه وتتركه يرفعها عن الأرض فيما هي تحكم الإمساك برقبته:
ــــــ لقد تأخرت كثيراً.
ــــــ اشتقت لي؟؟
ــــــ كثيراً، كثيراً، كثيراً.
يقبلها ويشعر بقدر كبير من الحب يشده إلى هذه الطفلة الصغيرة. يحيي الجالسين، أمه، زوجته، امرأة أخيه «سعدى» ووالده. بدا له جلياً أن الجلسة ليست على ما يرام من طريقة جلوس كل من السيدات إذ ركّزت الواحدة منهن كرسيها بطريقة لا تضطر معها للنّظر إلى وجه الأخرى إذا ما حادثتها والحديث قليل! فزوجته لم ترتح لوالدته لأنه شديد التعلق بها ولم ترتح لزوجة أخيه لأنّها إنسانة غير مريحة أصلاً، وهو لا يدري حتى الحين كيف اتفق لأخيه الطيب المسكين أن يتزوج منها.
«سعدى» ذات الوجه الأصفر، والشعر القصير المائل للحمرة، صاحبة العينين الثعلبيتين فيهما خبث لا تستطيع صاحبته إخفاءه ــــــ لا يدري كيف خفي على أخيه ــــــ والأنف المعكوف كمنقار الغراب والشفتين المسطرتين تنفتحان وتطبقان دونما حياة، كيف يمكن لامرأته أن تتفق وهذه الإنسانة «الحيزبون»، امرأته التي أزعجتها فكرة الاستقرار في لبنان وقد أغضبتها وأدخلتها معه في جدال لا ينتهي ولم ينته بعد وأحسّت في الأيام القليلة التي سبقت سفرهما أنّها تكاد تفقد السيطرة على نفسها وعليه، وزمام الأمور يكاد يفلت من يديها فتراجعت إلى حين، وحينما وطئا أرض المطار ومن طريقة تسليمها على أهله المستقبلين تأكّد لديه أن تراجعها إنّما كان استعداداً لخوض معركة جديدة لا تراجع انهزام.
السيارة تفرّ مسرعة وقد نجت من زحام الأوزاعي، أنزل زجاج النافذة وقد كان أغلقه خشية الغبار، تاركاً للهواء الرطب المشبع برائحة البحر أن يعبث بشعره ويداعب صدره؛ بحاجة هو للاسترخاء ومحاولة لَمّ الأنفاس، يستشعر جوعاً لا يشبع للاسترخاء والراحة، رأسه مجهد والصّور تتهاوى من ذاكرته وتتوالى ولا تستطيع يده الإطباق على أي منها، وفيقة، عصمت، rmele ، العيادة، السمسار الذي تخلف عن موعده معه، يبرز وجه عصمت من بين هذه الوجوه: وجه أسمر صغير تحيطه هالة من الشعر الأسود الأكرت وعينان سوداوان صغيرتان لا تهدآن ولا تستقران كأنما صاحبهما عالق في فخ أبداً، وهو يحاول منه الفرار وفمٌ متسع يظهر وَلَعَ صاحبه بالحياة، بكل ما هو بالنسبة له الحياة طعام ــــــ تذكَرَ كم أكل وهو إلى المائدة! ــــــ مال، نساء وفساد. بيروت مدينة «عظيمة»، تستطيع أن تبتلع كلّ وصوليتكم، كل طموحاتكم الشريفة والتي لا شرف فيها، كل استهتاركم وكل مشاريعكم التي ليس لها انتهاء.
إذن عصمت لا يتوقف، لم تشبعه ألاعيب الطفولة والصبا، أدمن استغلال الآخرين واتخاذهم جسوراً، يعبر عليها في سبيل ما يريد، يذكره في الثانوية يغشّ، يفسد بين الأصحاب، يسرق أحياناً الامتحانات، وينال غيره القصاص بسبب ادعاءاته وكذبه على المدرسين، يكرهه زملاؤه وقد يشفقون عليه، وها هو اليوم يبرز من ركام الأيام، ليعلن طمعه بالسلطة ولِمَ لا فالسباق بالنسبة له قائم ولا بأس من الاشتراك!! أين أنتِ يا وفيقتي من كلّ ذا، لم هزّه لقاء البارحة وقد اعتقد منذ فترة أنه لم تعد لهذه المخلوقة القدرة على فعل ذلك!؟
يزعجه الدخان الذي يعبق به جوّ السيارة، وهذا السائق الأحمق يكاد لا يطفىء سيجارة حتى يشعل الأخرى، ويستغرب كيف أن الناس في بلاده لا يكادون يكفون عن التدخين ولا في أي مكان حتى ولو كان الحمام، يدمنون العادات ويفقدون حِسَّ النظر والقدرة على إعادة التفكير في ما يفعلون! وأدهشه أكثر صالون إحدى المستشفيات ــــــ وقد مرَّ يحاول مقابلة زميل له قيل له أنه يُعاينُ مرضاه هناك ــــــ وقد عبق برائحة الدخان الذي تعالى دوائر متراكمة تدمع منها العيون وخُيِّل إليه لحظة أنه في أحد المقاهي الشعبية التي تتداول فيها النراجيل، لا في مستشفى يطلب فيها الناس الدواء، وتعالج في أنحائها منهم الأمراض!
شيئاً فشيئاً تبدو لناظريه التلال، إرتفعت به السيارة ثلاثمئة متر عن سطح البحر، وها هو الآن يلمح سفوح تلال قريته وقد رُصّت بالبيوت الحجرية، بعضها تعلوها القراميد؛ كم حملت حناياها من مشاعره، وكم بثّها من أشواق!
«قرية الورد» قيل إنها اكتسبت اسمها لكثرة ما كان يُزرع بها قديماً من الورد الجوري وسواه من الورود؛ أبناؤها كادحون، عملوا منذ القديم في زراعة الزيتون والخرّوب وكانت لهم منهما المواسم والخيرات، أبناؤها طيّبون تعلّموا حبّ الجمال من منظر البحر يرتمي تحت أقدام القرية ويلتمع ليلَ نهارَ؛ وهو فتى، فيها كبُر وامتلأ صدره بحبّ الجمال؛ منذ صغره والجمال يحرّكه، يثير منه المشاعر والأحاسيس: لطالما سخر منه رفاقه وهو يقضي وقتاً بينهم سارحاً يشدّه من بينهم منظر طبيعيّ ساحر، أو منظر البحر البعيد تمخره إحدى السفن، ويسرح منه الخيال.
في أنحاء تلك القرية الحديقة رآها، حوريةً في الرابعة عشرة من عمرها قمحية اللون تشبه السّنابل التي يزرعها صيفاً فلاحو قريته، في امتشاقها ورهافتها ورقتها وعسجديتها، وآلمته عيناها وهو ينظُرُهُما لكثرة ما أحسّ فيهما من الأعماق. وعجز لحداثته حينها أن يفهمهما أو أن يرى بوضوح ما فيهما، وتعجّب كثيراً لدقة أنفها كأنّما استكثر على قريته أن يجد فيها هذا الأنف الرّاقي الفنان. فاجأته وهو يسير بين حقول الزيتون قاصداً مساعدة أهله الذين سبقوه للقطاف ــــــ كان قد بدأ دراسته الثانوية في ثانوية الظريف في بيروت ــــــ لا يدري كيف وجدها أمامه، يكاد يصطدم بها وقد تمنّى فيما بعد لو فعل. نَظَرَتْهُ مغضبةً لسهوه وأدبرت، فيما بقي واقفاً لدقائق يرقبها وأشجار الزيتون تغيّب شبحها وهي تمضي قافزة من جلّ إلى جلّ. ما الذي كانت تفعله هناك؟
كم مضى على ذلك من السنوات، آه يا وفيقتي الجميلة!!
ــــــ أتحب أن تصل إلى منزلك يا أستاذ أم تنزل ههنا؟
يسأله السائق وهو غارق في أفكاره.
ــــــ ها، لا، لا شكراً، أنزل ههنا. ومدّ يده إلى جيبه ينقد السائق أجره ثم شدّ قامته وانطلق يسلك الطريق.
«سرقتك الذكرى يا رجل ونفضت عن خاطرك غبار النسيان»! يسلك الطريق الضيّق باتجاه منزل والديه، كم كبرت هذه الشجرات التي قامت على جانبيه، يبدو المنزل وهو على مسافة منه ذا رونق يضفيه عليه الحجر الجبلي الذي بنيت منه الجدران، وأعجبه منظر العريشة التي تسلقت معظم الواجهة الأمامية للدار وشكّلت ما يشبه قنطرة ورقية تستقبل القادم بحفيف ناعم كلما حرّكها الهواء.
رآها من بعيد: الصغيرة في باحة الدار تتراكض حول والدتها الجالسة، وشمس العصر تقبل وجنتيها الجميلتين أراد تسميتها «وفيقة» لكنما rmele رفضت بعناد فرنسي «فرنسواز» هو اسمها ولا مناقشة في ذلك!! باتت بعد زواجه منها ترفض النقاش في أمور كثيرة بعدما كانت ترجوه قبل زواجهما كي يفسح لها المجال للمشاركة في أي نقاش يطرحه. تهرع الصغيرة إليه ــــــ Pp ــــــ تشبك ذراعيها الصغيرتين حول عنقه وتتركه يرفعها عن الأرض فيما هي تحكم الإمساك برقبته:
ــــــ لقد تأخرت كثيراً.
ــــــ اشتقت لي؟؟
ــــــ كثيراً، كثيراً، كثيراً.
يقبلها ويشعر بقدر كبير من الحب يشده إلى هذه الطفلة الصغيرة. يحيي الجالسين، أمه، زوجته، امرأة أخيه «سعدى» ووالده. بدا له جلياً أن الجلسة ليست على ما يرام من طريقة جلوس كل من السيدات إذ ركّزت الواحدة منهن كرسيها بطريقة لا تضطر معها للنّظر إلى وجه الأخرى إذا ما حادثتها والحديث قليل! فزوجته لم ترتح لوالدته لأنه شديد التعلق بها ولم ترتح لزوجة أخيه لأنّها إنسانة غير مريحة أصلاً، وهو لا يدري حتى الحين كيف اتفق لأخيه الطيب المسكين أن يتزوج منها.
«سعدى» ذات الوجه الأصفر، والشعر القصير المائل للحمرة، صاحبة العينين الثعلبيتين فيهما خبث لا تستطيع صاحبته إخفاءه ــــــ لا يدري كيف خفي على أخيه ــــــ والأنف المعكوف كمنقار الغراب والشفتين المسطرتين تنفتحان وتطبقان دونما حياة، كيف يمكن لامرأته أن تتفق وهذه الإنسانة «الحيزبون»، امرأته التي أزعجتها فكرة الاستقرار في لبنان وقد أغضبتها وأدخلتها معه في جدال لا ينتهي ولم ينته بعد وأحسّت في الأيام القليلة التي سبقت سفرهما أنّها تكاد تفقد السيطرة على نفسها وعليه، وزمام الأمور يكاد يفلت من يديها فتراجعت إلى حين، وحينما وطئا أرض المطار ومن طريقة تسليمها على أهله المستقبلين تأكّد لديه أن تراجعها إنّما كان استعداداً لخوض معركة جديدة لا تراجع انهزام.
صفحة 6
(5)
يحمله «المترو» ليلاً في أحشائه متجهاً من باريس نحو «مونبيلييه» المدينة الفرنسية الساحلية الجميلة التي سيبدأ فيها عالمه الجديد، ودراسته الهامة، لن يخيب أمل والده. آلمه مرأى الدموع في عيني الشيخ العجوز، أحب أن ينحني لأوّل مرة على يديه الخشنتين يقبلهما لكنه ما استطاع، لم يعتد التعبير عن مشاعره بسهولة. دائماً زخر صدره بمشاعر فياضة عميقة تهزّه وتتعبه، لكنه كان يعجز عن إخراجها وإظهارها للآخرين. وعده دون أن يُسمعَه الصوت أنه سيعود يوماً ما طبيباً كما يريد له هذا الأب الطيب، يعالج أبناء القرية ويرفع رأسه عالياً.
سامحه وغفر له إساءته التي لم يقصد أن تكون إساءة. فَقدت الرّحلة إلى فرنسا رونقها كلما كان يذكر الإشاعات التي ملأت القرية في الآونة الأخيرة قبل سفره، وموقف وفيقة منه، سامح اللَّه والده! لم يستطع أن يخفي فرحته بابنه الذي فاق سائر إخوته فطنة وعلماً. ابنه سيذهب إلى فرنسا، لكنّ فرنسا بلادٌ مخيفة: نساؤها يخفنه، وهو لا ينسى قصص من سافروا من قريته إلى أمريكا وكندا ولم يعودوا، اختطفتهم النساء وما عاد أحد يسمع عنهم شيئاً. فلم لا تكون فرنسا مثل تينيك الدولتين، ويتزوج ولده امرأة هناك تنسيه أهله وتمزّق كل ما حَاكَ لابنه من أثواب. سيخطب له ابنة خاله، خاله الحاج رضوان المقاول الثري، أثرى رجال القرية، وهو يحبّ أخته ولن يرفض تزويج ابنته من ابنها الذكي، فإبراهيم شاب وسيم: عيون فتيات القرية عليه، وابنة خاله لا يمكن أن تكون أفضل منه، والدها ثري، لكن ابنه ذكي مميز.
عرفت القرية كلها أنّ إبراهيم سيخطب إحسان، قبل أن يعرف إبراهيم، فَقَد صوابه، جُن جنونه، لم ينم ليلَهُ، ولأوّل مرة رفع صوته في وجه أبيه، احتجّ، غضب وأعلن رفضه، لكنّ القرية لم تسمع الرفض: إبراهيم سيخطب إحسان!! هذا ما سمعته القرية فقط!
ــــــ إبراهيم الوسيم يا له من شاب!
ــــــ وهي مم تشكو؟ فتاة مهذبة، سيترك لها والدها أراضي لا يحدّ آخرها النظر.
والإشاعات تملأ القرية، وتنتشر انتشار النّار تلتهم القش.
ــــــ هو يحبّها منذ زمن طويل، طالما التقاها عند أطراف القرية.
ــــــ يا ما رأوهما في ساعة متأخرة من الليل يتمشيان بمفردهما.
ووفيقة تصلها الأخبار وتطرق أذنيها الشائعات وترفض الإصغاء لتبريراته، ترفض دفاعه، هو الذي لم يعتد الدفاع، يقسم لها: الأمر ليس كما تسمعين فتبكي ثم ينتفض منها كبرياؤها فترحل عنه مغضبة وموعد السفر يقترب، ووفيقة لا زالت على غضبها! لم يدر ما يفعل مع صاحبة الكبرياء الجريح، تلك التي طلب ودّها شبان القرية الذين يعتزون بأنفسهم والذين أمّنوا مستقبلهم فقط، كانت لهم الجرأة على طلب يدها من أبيها، وهي ترفض ووالدها لا يستطيع أن يملي عليها شيئاً فهي فتاته الوحيدة المدلّلة التي تدرس في مدارس بيروت وتقيم في العاصمة ولا تزور القرية إلا أواخر الأسبوع.
وفيقة التي ما درى كيف بادلته النظرات بعد لقائهما الخاطف الأول ولم يصدق رغم وسامته أنها من الممكن أن تبادله بعضاً من أحاسيسه؛ ترقّبها بصمت، انتظر سيارة أبيها عند مدخل القرية يترقبها مساء كل جمعة مدعياً عدم الانتباه لكنها كشفته وبدا له أنّها تشجعه وإذا به يذوب في حب يستغرق كيانه بأكمله، يدرس لها، ينتقي ملابسه لها، يحبّ بيروت من أجل عينيها ويعشق نهايات الأسابيع كرامة لخاطرهما.
صدره يمور بمشاعر غريبة تحرّكها هذه المخلوقة الرقيقة وهي لا تدري كم يعذبه أن يراها باكية، رحلة الذهاب إلى فرنسا فقدت كل رونقها وقد بدأت برؤيته دموع وفيقة.
قبالته جلس شاب ملتح كثّ الشعر طويله، وقد انحشرت صديقته إلى جواره وبين الحين والآخر كانت ترفع شفتيها نحو صديقها فيغرقان في تبادل قبل وفي مناغشات فاضحة، وتمتد يدا الشاب متسللتين إلى فخذيها! غريبون هؤلاء الفرنسيون!!!
الثلاث ساعات هذه قد شارفت على نهايتها، وهو وحيد في قلب الليل، رغم الحركة التي لم تنقطع في المقصورة ورغم الضحكات التي تتعالى، بردُ اللّيل ينعش صدره، ليته يغسله ويخفف حرارة الجرح النازف، ليته يستطيع أن يفعل، لِمَ رفضت الإصغاء، تلك المتكبرة العنيدة، خمس سنوات قضاها يلاحقها، يلاحق الطرق التي تعرف قدميها، يخرج من جلده ويجري لاهثاً نحوها ــــــ هو الذي لم يجر ــــــ وراء إنسان أو شيء في الحياة!
وببساطة قالت كلماتها: لا شيء بيننا، أنت واهم ما أحببتك يوماً. وهو يدري أنّها أحبته وتحبّه: عيناها الواسعتان أقسمتا له ذات يوم أنّهما ما أحبتا يوماً سواه.
يحمله «المترو» ليلاً في أحشائه متجهاً من باريس نحو «مونبيلييه» المدينة الفرنسية الساحلية الجميلة التي سيبدأ فيها عالمه الجديد، ودراسته الهامة، لن يخيب أمل والده. آلمه مرأى الدموع في عيني الشيخ العجوز، أحب أن ينحني لأوّل مرة على يديه الخشنتين يقبلهما لكنه ما استطاع، لم يعتد التعبير عن مشاعره بسهولة. دائماً زخر صدره بمشاعر فياضة عميقة تهزّه وتتعبه، لكنه كان يعجز عن إخراجها وإظهارها للآخرين. وعده دون أن يُسمعَه الصوت أنه سيعود يوماً ما طبيباً كما يريد له هذا الأب الطيب، يعالج أبناء القرية ويرفع رأسه عالياً.
سامحه وغفر له إساءته التي لم يقصد أن تكون إساءة. فَقدت الرّحلة إلى فرنسا رونقها كلما كان يذكر الإشاعات التي ملأت القرية في الآونة الأخيرة قبل سفره، وموقف وفيقة منه، سامح اللَّه والده! لم يستطع أن يخفي فرحته بابنه الذي فاق سائر إخوته فطنة وعلماً. ابنه سيذهب إلى فرنسا، لكنّ فرنسا بلادٌ مخيفة: نساؤها يخفنه، وهو لا ينسى قصص من سافروا من قريته إلى أمريكا وكندا ولم يعودوا، اختطفتهم النساء وما عاد أحد يسمع عنهم شيئاً. فلم لا تكون فرنسا مثل تينيك الدولتين، ويتزوج ولده امرأة هناك تنسيه أهله وتمزّق كل ما حَاكَ لابنه من أثواب. سيخطب له ابنة خاله، خاله الحاج رضوان المقاول الثري، أثرى رجال القرية، وهو يحبّ أخته ولن يرفض تزويج ابنته من ابنها الذكي، فإبراهيم شاب وسيم: عيون فتيات القرية عليه، وابنة خاله لا يمكن أن تكون أفضل منه، والدها ثري، لكن ابنه ذكي مميز.
عرفت القرية كلها أنّ إبراهيم سيخطب إحسان، قبل أن يعرف إبراهيم، فَقَد صوابه، جُن جنونه، لم ينم ليلَهُ، ولأوّل مرة رفع صوته في وجه أبيه، احتجّ، غضب وأعلن رفضه، لكنّ القرية لم تسمع الرفض: إبراهيم سيخطب إحسان!! هذا ما سمعته القرية فقط!
ــــــ إبراهيم الوسيم يا له من شاب!
ــــــ وهي مم تشكو؟ فتاة مهذبة، سيترك لها والدها أراضي لا يحدّ آخرها النظر.
والإشاعات تملأ القرية، وتنتشر انتشار النّار تلتهم القش.
ــــــ هو يحبّها منذ زمن طويل، طالما التقاها عند أطراف القرية.
ــــــ يا ما رأوهما في ساعة متأخرة من الليل يتمشيان بمفردهما.
ووفيقة تصلها الأخبار وتطرق أذنيها الشائعات وترفض الإصغاء لتبريراته، ترفض دفاعه، هو الذي لم يعتد الدفاع، يقسم لها: الأمر ليس كما تسمعين فتبكي ثم ينتفض منها كبرياؤها فترحل عنه مغضبة وموعد السفر يقترب، ووفيقة لا زالت على غضبها! لم يدر ما يفعل مع صاحبة الكبرياء الجريح، تلك التي طلب ودّها شبان القرية الذين يعتزون بأنفسهم والذين أمّنوا مستقبلهم فقط، كانت لهم الجرأة على طلب يدها من أبيها، وهي ترفض ووالدها لا يستطيع أن يملي عليها شيئاً فهي فتاته الوحيدة المدلّلة التي تدرس في مدارس بيروت وتقيم في العاصمة ولا تزور القرية إلا أواخر الأسبوع.
وفيقة التي ما درى كيف بادلته النظرات بعد لقائهما الخاطف الأول ولم يصدق رغم وسامته أنها من الممكن أن تبادله بعضاً من أحاسيسه؛ ترقّبها بصمت، انتظر سيارة أبيها عند مدخل القرية يترقبها مساء كل جمعة مدعياً عدم الانتباه لكنها كشفته وبدا له أنّها تشجعه وإذا به يذوب في حب يستغرق كيانه بأكمله، يدرس لها، ينتقي ملابسه لها، يحبّ بيروت من أجل عينيها ويعشق نهايات الأسابيع كرامة لخاطرهما.
صدره يمور بمشاعر غريبة تحرّكها هذه المخلوقة الرقيقة وهي لا تدري كم يعذبه أن يراها باكية، رحلة الذهاب إلى فرنسا فقدت كل رونقها وقد بدأت برؤيته دموع وفيقة.
قبالته جلس شاب ملتح كثّ الشعر طويله، وقد انحشرت صديقته إلى جواره وبين الحين والآخر كانت ترفع شفتيها نحو صديقها فيغرقان في تبادل قبل وفي مناغشات فاضحة، وتمتد يدا الشاب متسللتين إلى فخذيها! غريبون هؤلاء الفرنسيون!!!
الثلاث ساعات هذه قد شارفت على نهايتها، وهو وحيد في قلب الليل، رغم الحركة التي لم تنقطع في المقصورة ورغم الضحكات التي تتعالى، بردُ اللّيل ينعش صدره، ليته يغسله ويخفف حرارة الجرح النازف، ليته يستطيع أن يفعل، لِمَ رفضت الإصغاء، تلك المتكبرة العنيدة، خمس سنوات قضاها يلاحقها، يلاحق الطرق التي تعرف قدميها، يخرج من جلده ويجري لاهثاً نحوها ــــــ هو الذي لم يجر ــــــ وراء إنسان أو شيء في الحياة!
وببساطة قالت كلماتها: لا شيء بيننا، أنت واهم ما أحببتك يوماً. وهو يدري أنّها أحبته وتحبّه: عيناها الواسعتان أقسمتا له ذات يوم أنّهما ما أحبتا يوماً سواه.
صفحة 7
(6)
بقي فترة يلحظها من طرف خفي، ثلاثة أشهر تحديداً، تلاحقه وتتعمد لفت نظره لكنه ظل يتجاهلها، صديقه وشريكه في الغرفة «عبد اللَّه» وهو طالب من «الجنوب» سافر إلى فرنسا في نفس الفترة التي انطلق فيها إبراهيم، وقامت صداقة حميمة بينهما لتشابه كبير في ظروف كل منهما. صديقه يغمزه ويحاول استثارته ولكنه يتعمد تغيير الحديث: ظهر يوم وهو يتغدى في كافيتريا الجامعة، وقد تخلّف صديقه عن الغداء، إذا به يجدها أمامه:
ــــــ أتسمح لي؟
ــــــ تفضلي.
ــــــ أرمال لورانس، زميلتك في الجامعة، لكن أدرس الصيدلة إضافة إلى أن لي شغفاً كبيراً بدراسة التّاريخ الشرقي، وقد علمت أنك لبناني.
ــــــ يبدو أنّك أجريت تحرياتك!
ــــــ أجل، ولم لا فأنت تستحق أنْ يخصص لك الإنسان وقتاً يتحّرى به عنك.
إذن هو لم يكن واهماً، وتبدو الفتاة الجالسة أمامه صاحبة إرادة وتصميم لا يوحي بهما شكلها.
وقد أكّدت له الأيام مقدار تصميم هذه المرأة، تلاحقه ولا تعرف مللاً ولا ضجراً، بات يجدها كثيراً إلى طاولته في الكافيتريا وقد حملت نفس أنواع الطعام التي يتناول عادة تفاجئه خارجاً مساء من إحدى قاعات الكلية منتظرة إياه تحت إحدى الأشجار التي ملأت أركان حديقتها، وأحس أنّ مطاردتها له بلغت حداً من الخطورة حينما بدأت تطرق باب غرفته ليلاً، هذه المرأة اللعينة، أدركت علّته، عرفته وحيداً، هارباً من شبح يؤرقه، جريحاً لا زال جرحه في حالة نزف مستديم، وهي تريد أن تقدم المساعدة، تظهر ذلك وتتلهف عليه وتملك أسلحة فتّاكة لولا إرادته وإظهاره البرود وانشغال قلبه لكانت نالت منه سريعاً.
ووفيقة تعذبه يرسل لها الرسائل ولا جواب...
يقدّم الاعتذار، ويطلب الصفح عن ذنب لم يرتكب، ولا جواب، فجبل الجليد ظل قائماً لا يطاله ذوبان.
كان ذلك في الفترة الأولى من سفره، إحساس مخيف بالوحدة والضياع تملّكه ولم يعرف شريكه في الغرفة كيف يخرجه من الحالة التي يغرق فيها:
ــــــ لا بأس يا رجل، كلّنا نترك خلفنا أهلاً نتشوق لهم ويشدنا إليهم الحنين وتحرقنا في غيابهم الأشواق، أتدري أحياناً ألعن دولنا وكل أنظمتنا التي تفرض علينا السفر فرضاً، ترانا نطلب العلم، ونتوخاه، وتجدنا قاصرين عن إكمال المسيرة في بلداننا، فنهرب إلى هذه الدول التي استعمرتنا ثم تركتنا نتحرر بعد أن سكنت فينا. نتغرب عن ذواتنا، نترك أهلنا واعدين بالعودة إليهم وقد رفعنا الشهادات. ننال الشهادات فما نطيق العودة عندها، نزور الأوطان لفترة قصيرة ثم نقع في الفخ المصيدة، ندعي بداية أنّا سنصلح الأحوال ونغير الأنظمة ونحارب الأوبئة والفقر والجهل، وحينما نجد أنفسنا في مواقع المواجهة مع ما ذكرت، نفر بجلودنا طالبين السلامة والغنيمة حامدين اللَّه على نعمة العلم التي اختصنا بها، ونعمة الغربة التي أتيحت لنا.
مأساة التمزق الذي نحيا تعذبني، لكني على ثقة أنْ عندما يحين استحقاق العودة، سأجري كل المعاملات اللازمة التي تضمن عودتي إلى هذا المكان بالذات غير آبه بكل الوعود التي قطعت لأبي ولوطني!!! إضحك يا صديقي، لا شيء يستحق كل هذا الحزن الذي تشعر به.
تحب امرأة، تفتقد أهلاً، تحنّ إلى مكان، لا بدَّ أنْ يذيب حزنك النسيان وتجد نفسك تسخر من ذاتك، وتستاء لأنك أمضيت وقتاً في التحسر على أمور لم يعد لها في حياتك وجود، وهذه الفتاة التي تسعى إليك لم لا تبادلها سعيها، متع وقتك يا صديقي، اسرق الأيام قبل أن تسرقك، ولا تترك فرصة تقتنص فيها من الحياة مغنماً حتى تستغلها. رحلة العمر قصيرة ولا تستحق منا أن نقضيها في عالم الأحزان. استمتع بكل ما في هذه الأماكن من جمال مصنوع وتحضر اختبأ خلفه أصحابه، لأنّك يوماً ما ستعود إلى أرضك وسيضايقك كثيراً أنْ تغرق عجلات سيارتك في حفر الطريق، وأن تمضي زوجتك ساعات في تنظيف الغبار عن الأثاث دون جدوى، وأن لا تتمكن من إدخال أبنائك مدرسة يتلقون فيها العلم حقاً إلا بوساطة من بعض المسؤولين أو المتمولين، وأن لا يصدُقَك أحدٌ الحديث في بلادٍ يعتنق ناسُها ديناً بل أدياناً تدعو إلى الصّدق في الحديث، تعود إلى هناك يسبقك الأمل في تعويض ما فات، لكنّ التعويض لن يكون إشباعاً أبداً! وقد تجد ذاتك تغرق في عالم من التّمزق والضياع!!
بقي فترة يلحظها من طرف خفي، ثلاثة أشهر تحديداً، تلاحقه وتتعمد لفت نظره لكنه ظل يتجاهلها، صديقه وشريكه في الغرفة «عبد اللَّه» وهو طالب من «الجنوب» سافر إلى فرنسا في نفس الفترة التي انطلق فيها إبراهيم، وقامت صداقة حميمة بينهما لتشابه كبير في ظروف كل منهما. صديقه يغمزه ويحاول استثارته ولكنه يتعمد تغيير الحديث: ظهر يوم وهو يتغدى في كافيتريا الجامعة، وقد تخلّف صديقه عن الغداء، إذا به يجدها أمامه:
ــــــ أتسمح لي؟
ــــــ تفضلي.
ــــــ أرمال لورانس، زميلتك في الجامعة، لكن أدرس الصيدلة إضافة إلى أن لي شغفاً كبيراً بدراسة التّاريخ الشرقي، وقد علمت أنك لبناني.
ــــــ يبدو أنّك أجريت تحرياتك!
ــــــ أجل، ولم لا فأنت تستحق أنْ يخصص لك الإنسان وقتاً يتحّرى به عنك.
إذن هو لم يكن واهماً، وتبدو الفتاة الجالسة أمامه صاحبة إرادة وتصميم لا يوحي بهما شكلها.
وقد أكّدت له الأيام مقدار تصميم هذه المرأة، تلاحقه ولا تعرف مللاً ولا ضجراً، بات يجدها كثيراً إلى طاولته في الكافيتريا وقد حملت نفس أنواع الطعام التي يتناول عادة تفاجئه خارجاً مساء من إحدى قاعات الكلية منتظرة إياه تحت إحدى الأشجار التي ملأت أركان حديقتها، وأحس أنّ مطاردتها له بلغت حداً من الخطورة حينما بدأت تطرق باب غرفته ليلاً، هذه المرأة اللعينة، أدركت علّته، عرفته وحيداً، هارباً من شبح يؤرقه، جريحاً لا زال جرحه في حالة نزف مستديم، وهي تريد أن تقدم المساعدة، تظهر ذلك وتتلهف عليه وتملك أسلحة فتّاكة لولا إرادته وإظهاره البرود وانشغال قلبه لكانت نالت منه سريعاً.
ووفيقة تعذبه يرسل لها الرسائل ولا جواب...
يقدّم الاعتذار، ويطلب الصفح عن ذنب لم يرتكب، ولا جواب، فجبل الجليد ظل قائماً لا يطاله ذوبان.
كان ذلك في الفترة الأولى من سفره، إحساس مخيف بالوحدة والضياع تملّكه ولم يعرف شريكه في الغرفة كيف يخرجه من الحالة التي يغرق فيها:
ــــــ لا بأس يا رجل، كلّنا نترك خلفنا أهلاً نتشوق لهم ويشدنا إليهم الحنين وتحرقنا في غيابهم الأشواق، أتدري أحياناً ألعن دولنا وكل أنظمتنا التي تفرض علينا السفر فرضاً، ترانا نطلب العلم، ونتوخاه، وتجدنا قاصرين عن إكمال المسيرة في بلداننا، فنهرب إلى هذه الدول التي استعمرتنا ثم تركتنا نتحرر بعد أن سكنت فينا. نتغرب عن ذواتنا، نترك أهلنا واعدين بالعودة إليهم وقد رفعنا الشهادات. ننال الشهادات فما نطيق العودة عندها، نزور الأوطان لفترة قصيرة ثم نقع في الفخ المصيدة، ندعي بداية أنّا سنصلح الأحوال ونغير الأنظمة ونحارب الأوبئة والفقر والجهل، وحينما نجد أنفسنا في مواقع المواجهة مع ما ذكرت، نفر بجلودنا طالبين السلامة والغنيمة حامدين اللَّه على نعمة العلم التي اختصنا بها، ونعمة الغربة التي أتيحت لنا.
مأساة التمزق الذي نحيا تعذبني، لكني على ثقة أنْ عندما يحين استحقاق العودة، سأجري كل المعاملات اللازمة التي تضمن عودتي إلى هذا المكان بالذات غير آبه بكل الوعود التي قطعت لأبي ولوطني!!! إضحك يا صديقي، لا شيء يستحق كل هذا الحزن الذي تشعر به.
تحب امرأة، تفتقد أهلاً، تحنّ إلى مكان، لا بدَّ أنْ يذيب حزنك النسيان وتجد نفسك تسخر من ذاتك، وتستاء لأنك أمضيت وقتاً في التحسر على أمور لم يعد لها في حياتك وجود، وهذه الفتاة التي تسعى إليك لم لا تبادلها سعيها، متع وقتك يا صديقي، اسرق الأيام قبل أن تسرقك، ولا تترك فرصة تقتنص فيها من الحياة مغنماً حتى تستغلها. رحلة العمر قصيرة ولا تستحق منا أن نقضيها في عالم الأحزان. استمتع بكل ما في هذه الأماكن من جمال مصنوع وتحضر اختبأ خلفه أصحابه، لأنّك يوماً ما ستعود إلى أرضك وسيضايقك كثيراً أنْ تغرق عجلات سيارتك في حفر الطريق، وأن تمضي زوجتك ساعات في تنظيف الغبار عن الأثاث دون جدوى، وأن لا تتمكن من إدخال أبنائك مدرسة يتلقون فيها العلم حقاً إلا بوساطة من بعض المسؤولين أو المتمولين، وأن لا يصدُقَك أحدٌ الحديث في بلادٍ يعتنق ناسُها ديناً بل أدياناً تدعو إلى الصّدق في الحديث، تعود إلى هناك يسبقك الأمل في تعويض ما فات، لكنّ التعويض لن يكون إشباعاً أبداً! وقد تجد ذاتك تغرق في عالم من التّمزق والضياع!!
صفحة 8
(7)
شهران كاملان قضاهما يبحث عن العيادة المطلوبة، أخيراً منّت عليه الحياة بالفرصة الذهبية، حينما أعلمه السّمسار أنّه وجد له عيادة «لقطة» في منطقة المزرعة، هي عبارة عن شقة شاب عازب تركها لأنه هاجر إلى السويد. الشقة تتوزّع ما بين صالة متوسطة الحجم، وحجرة نوم ومطبخ صغير، وحمام تآكلت جدرانه، المهم فيه أنّه اشتمل على مغطس يريح فيه جسده من حرّ العاصمة في أوقات الراحة.
سريعاً مضى والسمسار إلى كاتب العدل حيث أبرما العقد وتمّ الاتفاق واستأجر العيادة بعد شهرين من التّعب والجري وحرب الأعصاب! قهوة الومبي تجتذبه، لم لا يذهب يسترخي قليلاً ويتناول شراباً بارداً ففنجاناً طيباً من القهوة؟؟
إلى هناك اتجه سريعاً واقتعد الكرسي الملاصق للنافذة الزجاجية، وراح يمارس هوايته ويعدّ الأقدام قبل أن ينظر الوجوه، أقدام كثيرة عشرات الأقدام، مئات الأقدام، ووجوه مختلطة متشابهة، لا شيء يميز بينها، لا شيء... وكأنّما لسعته أفعى، يحملق مذهولاً، وتمتدّ يده للزجاج ماسحاً، من؟ ماذا ترى يا إبراهيم؟ هي، بشحمها ولحمها، وفيقة بعينها، لا إنسانة أخرى سواها، ماذا تفعل هنا؟ ماذا، ولم يطق، أزاح الطاولة بعيداً عنه، وانطلق كالسهم وراح يقفز قفزاً متخطياً الدرج، الكل راح ينظره وهو يجري، تخطّى عتبة القهوة وراح يجري، وكلّ عروقه تنتفض، أينها، أفّ لهذا الزحام البغيض، الزحام يخنقه، ابتعد يا هذا، يدفع الآخرين، لو سمحت، عن إذنك، الزحام يكاد يخنقه، أين وفيقة؟ أينها؟ يجري ويدفع الآخرين، لمحها، لا لم يكن واهماً، يجري لا لن تختفي ثانية، لن يتركها قبل أن يكلمها، ابتعد يا رجل وفيقة عمري أينها؟ طرف ثوبها، يبدو يكاد يختفي داخل الباب، يحثّ خطاه، يحثّ خطاه وها هو يقف قبالة الباب، Slon للحلاقة، ستصفف شعرها؟ سينتظرها، لا لن يطيق الانتظار، ليس مجدداً، فجأة وجد نفسه أمامها، هكذا داخل الصالون الذي يعج بالسيدات، ووفيقة لم يستقرّ بها المقام بعد على كنبة، تحاول التقاط مجلة لتتصفح أوراقها، يقف أمامها وقد ارتخى كتفاه العريضان، وتطاير شعره وتساقطت حبات العرق عن جبينه، تصيح مبهوتة بصوت خافت محشرج: إبراهيم ما الّذي أتى بك إلى هنا؟
رنّة صوتها، كم مضى من زمن لم يسمع به هذا الصوت وهذه الغنة! إقترب المزين منه:
ــــــ أية خدمة سيدي، سيدتي هل...
ــــــ إنّه زوجي وقد فاته إخباري أمراً ما.
انصرف الرجل، وبقي هو، ينظرها بحنان غريب، استمرأ ما قالت، وجد نفسه عاجزاً عن الكلام، وبإصرار وتصميم:
ــــــ أريد أن أتحدث معك.
ــــــ إبراهيم لا الزمان ولا المكان مناسبين للحديث.
ــــــ لا تتهربي مني، هيا بنا ننطلق إلى أي مقهى أو مطعم لن أغادر المكان إلا معك.
تتلفت حولها:
ــــــ لا تحرجني أرجوك، الكل يعرفني هنا، نلتقي في القرية حيث كنا نلتقي عند شجرة السنديان العتيقة، تذكرها، خافضة رأسها حيث كنا نلتقي.
عيناها لا زالتا جميلتين، لكنْ فيهما شيء غريب ما كان يلمحه قبلاً.
ــــــ ستكونين هناك ولن تخلفي موعدك.
ــــــ أقسم لك سأكون هناك عند التاسعة. ثق بي.
ينطلق تاركاً المكان، متجنباً إحراجها ومضايقتها.
ارتجاج السيارة حمله على الإغفاء أكثر من مرة خلال طريق العودة، فقد حرمه النوم المتواصل سقوط السيارة من آن لآخر في الحفر العميقة التي رقعت الطريق ويترافق ذاك السقوط مع صوت السائق غاضباً لاعناً منزعجاً على سيارته التي تكاد تتحطم، وصوت الركاب الذين ما انقطعوا عن الأحاديث التي سريعاً ما تجاذبوا أطرافها، وكأنّهم أصدقاء تفرقوا، وفي السيارة بالذات التقوا ليتبادلوا كل هذه الأحاديث التي لم يفتر حماسها. وكان بينهم سيدة قد اشترت (كعكاً عصرياً) فراحت «تضيّف» الركاب. ونظر الجميع إليه بغرابة حينما رفض شاكراً تناول شيء، وكأنما هو يفعل عيباً أو يرتكب بحقهم منكراً لترفّعه عن المشاركة في الحديث أو الأكل!
تعود إلى رأسه المجهد صورة العيادة التي انطبعت في رأسه، كان قد فكر في تأثيث العيادة، سيكون الصالون غرفة استقبال المرضى، وغرفة النّوم ستكون للكشف عن المرضى، إذن لا غرفة نوم تستقبل ــــــ أرمال ــــــ سيجنّ جنونها حينما تعرف حجم العيادة ومدى صغرها، ستغضب وتلعن وتشتم وتنام مولية ظهرها لأنّه لم يستأجر عيادة كبيرة، تريد السكن في بيروت، إذ يؤرّقها أنّها قد تبقى طويلاً في القرية، لذا تتعجّل النزول إلى العاصمة، وتلحّ عليه اليوم تلو الآخر بإصرار غريب، يغمض عينيه ثم يفتحهما. وأخيراً بدت شجرات قريته التي يحبّ، يعانقها بعينيه قبل أن يصل إليها، يشدّه الشوق الذي تغلب على كل الإغراءات التي قدمت ووعدت بها «أرمال» إذ هو بقي في فرنسا.
شهران كاملان قضاهما يبحث عن العيادة المطلوبة، أخيراً منّت عليه الحياة بالفرصة الذهبية، حينما أعلمه السّمسار أنّه وجد له عيادة «لقطة» في منطقة المزرعة، هي عبارة عن شقة شاب عازب تركها لأنه هاجر إلى السويد. الشقة تتوزّع ما بين صالة متوسطة الحجم، وحجرة نوم ومطبخ صغير، وحمام تآكلت جدرانه، المهم فيه أنّه اشتمل على مغطس يريح فيه جسده من حرّ العاصمة في أوقات الراحة.
سريعاً مضى والسمسار إلى كاتب العدل حيث أبرما العقد وتمّ الاتفاق واستأجر العيادة بعد شهرين من التّعب والجري وحرب الأعصاب! قهوة الومبي تجتذبه، لم لا يذهب يسترخي قليلاً ويتناول شراباً بارداً ففنجاناً طيباً من القهوة؟؟
إلى هناك اتجه سريعاً واقتعد الكرسي الملاصق للنافذة الزجاجية، وراح يمارس هوايته ويعدّ الأقدام قبل أن ينظر الوجوه، أقدام كثيرة عشرات الأقدام، مئات الأقدام، ووجوه مختلطة متشابهة، لا شيء يميز بينها، لا شيء... وكأنّما لسعته أفعى، يحملق مذهولاً، وتمتدّ يده للزجاج ماسحاً، من؟ ماذا ترى يا إبراهيم؟ هي، بشحمها ولحمها، وفيقة بعينها، لا إنسانة أخرى سواها، ماذا تفعل هنا؟ ماذا، ولم يطق، أزاح الطاولة بعيداً عنه، وانطلق كالسهم وراح يقفز قفزاً متخطياً الدرج، الكل راح ينظره وهو يجري، تخطّى عتبة القهوة وراح يجري، وكلّ عروقه تنتفض، أينها، أفّ لهذا الزحام البغيض، الزحام يخنقه، ابتعد يا هذا، يدفع الآخرين، لو سمحت، عن إذنك، الزحام يكاد يخنقه، أين وفيقة؟ أينها؟ يجري ويدفع الآخرين، لمحها، لا لم يكن واهماً، يجري لا لن تختفي ثانية، لن يتركها قبل أن يكلمها، ابتعد يا رجل وفيقة عمري أينها؟ طرف ثوبها، يبدو يكاد يختفي داخل الباب، يحثّ خطاه، يحثّ خطاه وها هو يقف قبالة الباب، Slon للحلاقة، ستصفف شعرها؟ سينتظرها، لا لن يطيق الانتظار، ليس مجدداً، فجأة وجد نفسه أمامها، هكذا داخل الصالون الذي يعج بالسيدات، ووفيقة لم يستقرّ بها المقام بعد على كنبة، تحاول التقاط مجلة لتتصفح أوراقها، يقف أمامها وقد ارتخى كتفاه العريضان، وتطاير شعره وتساقطت حبات العرق عن جبينه، تصيح مبهوتة بصوت خافت محشرج: إبراهيم ما الّذي أتى بك إلى هنا؟
رنّة صوتها، كم مضى من زمن لم يسمع به هذا الصوت وهذه الغنة! إقترب المزين منه:
ــــــ أية خدمة سيدي، سيدتي هل...
ــــــ إنّه زوجي وقد فاته إخباري أمراً ما.
انصرف الرجل، وبقي هو، ينظرها بحنان غريب، استمرأ ما قالت، وجد نفسه عاجزاً عن الكلام، وبإصرار وتصميم:
ــــــ أريد أن أتحدث معك.
ــــــ إبراهيم لا الزمان ولا المكان مناسبين للحديث.
ــــــ لا تتهربي مني، هيا بنا ننطلق إلى أي مقهى أو مطعم لن أغادر المكان إلا معك.
تتلفت حولها:
ــــــ لا تحرجني أرجوك، الكل يعرفني هنا، نلتقي في القرية حيث كنا نلتقي عند شجرة السنديان العتيقة، تذكرها، خافضة رأسها حيث كنا نلتقي.
عيناها لا زالتا جميلتين، لكنْ فيهما شيء غريب ما كان يلمحه قبلاً.
ــــــ ستكونين هناك ولن تخلفي موعدك.
ــــــ أقسم لك سأكون هناك عند التاسعة. ثق بي.
ينطلق تاركاً المكان، متجنباً إحراجها ومضايقتها.
ارتجاج السيارة حمله على الإغفاء أكثر من مرة خلال طريق العودة، فقد حرمه النوم المتواصل سقوط السيارة من آن لآخر في الحفر العميقة التي رقعت الطريق ويترافق ذاك السقوط مع صوت السائق غاضباً لاعناً منزعجاً على سيارته التي تكاد تتحطم، وصوت الركاب الذين ما انقطعوا عن الأحاديث التي سريعاً ما تجاذبوا أطرافها، وكأنّهم أصدقاء تفرقوا، وفي السيارة بالذات التقوا ليتبادلوا كل هذه الأحاديث التي لم يفتر حماسها. وكان بينهم سيدة قد اشترت (كعكاً عصرياً) فراحت «تضيّف» الركاب. ونظر الجميع إليه بغرابة حينما رفض شاكراً تناول شيء، وكأنما هو يفعل عيباً أو يرتكب بحقهم منكراً لترفّعه عن المشاركة في الحديث أو الأكل!
تعود إلى رأسه المجهد صورة العيادة التي انطبعت في رأسه، كان قد فكر في تأثيث العيادة، سيكون الصالون غرفة استقبال المرضى، وغرفة النّوم ستكون للكشف عن المرضى، إذن لا غرفة نوم تستقبل ــــــ أرمال ــــــ سيجنّ جنونها حينما تعرف حجم العيادة ومدى صغرها، ستغضب وتلعن وتشتم وتنام مولية ظهرها لأنّه لم يستأجر عيادة كبيرة، تريد السكن في بيروت، إذ يؤرّقها أنّها قد تبقى طويلاً في القرية، لذا تتعجّل النزول إلى العاصمة، وتلحّ عليه اليوم تلو الآخر بإصرار غريب، يغمض عينيه ثم يفتحهما. وأخيراً بدت شجرات قريته التي يحبّ، يعانقها بعينيه قبل أن يصل إليها، يشدّه الشوق الذي تغلب على كل الإغراءات التي قدمت ووعدت بها «أرمال» إذ هو بقي في فرنسا.
صفحة 9
أصر على العودة وأعلن قراره، رفضت هي، صرخت في وجهه، ذكّرته بزياراتها السّابقة إلى قريته، وبضيقها بأهله وبطريقة عيشهم التي تقترب من البدائية.
أمه لا زالت تغسل الثياب على يديها في زمن الميكانيك!! وقد تقضي أربع ساعات وربما أكثر في المطبخ تحضّر الطعام. لم؟ لتأكلوه؟ لم تضييع الوقت وهدره لم؟ ستضطر ثانية للنّوم في القرية حيث يلسعها البعوض وتنبح الكلاب جماعة، وفي النهارات تجتمع العائلة بأكملها في منزله والديه: أختاه المتزوجتان وأولادهما الخمسة وأخواه، الأكبر زوج «سعدى» اللئيمة التي ما فتئت تتحرّش بزوجته منذ وصولها لغيرتها منها، وتحرّض حماتها عليها: لم لا تساعدنا في المطبخ أو تشاركنا في أعمال المنزل أعَلى رأسها ريشة؟ من تظن نفسها لتحتقرنا وتتعالى علينا؟ تظنّ نفسها جميلة، إنها باهتة لا رونق بها؟!
و«أرمال» تسمع وتفهم فهي درست العربية في فرنسا، والتحقت بأكثر من دورة لتعلّمها، حتى باتت تسمع فتفهم سريعاً الكثير من العبارات بل تستطيع نطق البعض منها بسهولة، وسعدى الغبية تظنّها لا تفهم وتطوّل لسانها، حتى كادت امرأته في الزيارة الأخيرة تشعلها معركة لولا كياسة أمهِ وسعة صدرها وحبها له، إذ عملت جاهدة على تهدئة «أرمال» واسترضائها، وأجبرت ابنها الأكبر على لجم زوجته قدر الإمكان ــــــ لئلا يرحل أخوك إلى فرنسا ولا تعود هذه الأجنبية تسمح له بالعودة إلينا أبداً، ألا تفهمون هذا الأمر ــــــ الوحيد الذي كانت ترتاح له زوجته هو أخوه الأصغر مصطفى؛ هو فتى طيّب فعلاً، التحق بالجامعة يدرس العلوم السياسية، ويحاول كما يقول أن يفهم شيئاً مما يجري حوله في هذا العالم، لكن رغم كلامه الملتزم الذي يقول، كان يبدو ذا دخيلة صافية ككرة بلورية صافية لا تشوبها شائبة ولا تعلق بها أدران، فهو يتمتع بحالة من الصّفاء الدّاخلي والعذوبة الخالصة التي قلّ وجودها.
أحب أخوه الصغيرة ــــــ صغيرته ــــــ وهي ألفته، لذلك كان يقضي وقتاً ممتعاً يلاطفها ويلاعبها، وينطلق بها في الكثير من الأحايين إلى محال السكاكر يشتري لها ما يستدر به مزيداً من حبها، لذا استلطفته أرمال وارتاحت له، ولجأت إليه أحياناً في لحظات ضيقها تبثّه شكواها، وأسباب انزعاجها، وهو يصغي لمجرد الإصغاء تارة، وأخرى محاولاً ردم شيء من الهوة التي تفصل بينها وبين من حولها دون أن يفلح في تحقيق ذلك لاستحكام العداء الخفي بين الطرفين المشتبكين أو بين الأطراف المشتبكة.
لذا، الوضع كله لم يكن مريحاً بالنسبة لها، لِمَ تترك وطنها وأهلها، وتأتي إلى هذه البلاد، ما الذي يلزمها؟
«لم لا تبقى ههنا» ما الذي ينقصك، إلام تسعى هناك، المجال مفتوح أمامك للعمل في هذه البلاد، تبقى ملمّاً بكل حديث وجديد، بكل ما يكتشف في عالم الطب، وبكل ما يصدر من نتائج الأبحاث، وتذهب إلى هناك لتراوحَ مكانك، لا بل لتتأخّر وتأكلك القناعة ويقتلك الخمول، غريب أمرك أنا لا أفهمك أحياناً.
تعرف يا إبراهيم مكانة أبي ووظيفته ومركزه، إذا أردت، يتكلم مع بعض المسؤولين في وزارة الصحة لتعامل على الأقل كسائر الأطباء الفرنسيين فنعمل من ثم على استملاك شقة واسعة في هذه المدينة النظيفة المتحضرة أم أنك اشتقت لزحمة بلادك وقذارة طرقاته ورداءتها؟!
ــــــ سأعود رغم كل ما تقولين، ترفضين مغادرة أهلك وأرضك، لم تريدين مني أن أفعل ما ترفضين أنت فعله.
ــــــ ليس أهلك وأرضك الدافع لما تفعل، إنها هي التي تشدك إلى هناك، تظنني غبية، لا أدري واقع الأمور، لا لن أتركك تعود إليها.
ــــــ مَن هي التي تشدّني، أنا لا أدري عما تتكلمين، بتِّ إنسانة لا تطاق، تتوهمين أشياء لا وجود لها.
بحزن تجيب: لا يا إبراهيم ليس وهماً أنا متأكدة مما أقول، طويلاً استيقظت في الليالي، تؤرقني همساتك ويحزنني أنينك، وحديثك الخافت بعد أن بتّ أفهمه، أجلس في الفراش، أحاول التأكّد أنّي لا أحلم فإذا بي أجدني محقّة فأنت تتكلم ليلاً والحديث واحد لا يتغير، ماذا تقول: وفيكة لم تفعلين؟ لا تتركيني أرجوك، تحدّثها عن إشاعات وعن، عن ماذا، تأتي على ذكر أبيك «الحاج». أجدك عندها تتسرب من يدي ولا أعود أطبق عليك. أوَ تدري يا إبراهيم، كانت لي علاقاتي قبل أنْ ألتقيك وأنت تعرف ومتأكد أنه لم ينقصني الجمال يوماً لأجتذب الرّجال، وقد كنت أفعل، وأتسلى، أتمتع بكل دقيقة من حياتي، بكلّ لحظة من أيامي، ولم لا، فجمالي يوماً ما سيتحوّل، وتختفي ملامحه أو على الأقل يطالها شيء من التشويه ولا يعود للمتع عندها من سبيل.
إلى أن كان يوم ــــــ يوم لمحتك في الكافيتريا ــــــ أسمر الوجه، متطاير الشّعر أسوده، وعيناك عنيدتان سارحتان فيهما حزن شدّني. وقلت في ذاتي هذا هو صيدي الجديد، هذه طريدتي التي إليها أسعى منذ زمن طويل، لكني بعد فترة وجدتك صيداً مستعصياً، عصياً، بعيداً لا تُنال، فازداد شغفي بك وصممت على أن أنال منك، وما سئمت فرارك مني، بل زادني تصميماً وإرادة هذا الفرار، فرحت أتصيدك في كل مكان، ألاحقك في كل زاوية تذهب إليها، ولا أملُّ وأنت تبالغ في الصّدود والإهمال إلى أن قررتَ فجأة، ولا أدري لِمَ أنْ تقع في فخي، كأنّك قررت ذلك، كأنك سئمت الفرار منّي، فكانَ أنْ سقطت في فخي، ولكني لم أنتشِ بنصري، ففي الليلة التي تمّ فيها الاحتفال، علا صوتك بعد أنْ استغرقت في النوم، تنادي همساً امرأة سواي، وتؤكد لي هزيمتي وانكساري، وتحرقني أمام ذاتي.
لا يا صديقي لن أعود إلى هناك، لأراني أخسرك نهائياً؛ أحياناً يسعدنا أنْ نحتفظ بأشلاء أحبائنا ولو كانت محنطة.
ــــــ إذن سأعود بمفردي يا أرمال. وفرنسواز ستكون برفقتي.
ــــــ لن تفعل، لن أسمح لك. وأنت تعلم أنّ القانون بجانبي.
ــــــ حينما أقول أنّي سآخذها، لا أنت ولا قانون بلادك تمنعاني. إياك أنْ تتحديني وتجعلي نفسك في موقع المواجهة معي.
ــــــ إبراهيم، أرجوك، لا تجعل الأمور تصل بيننا إلى هذا الحد.
ــــــ أنت من يعقد الأمور عليّ، تعدّين عليّ أنفاسي، تحاسبينني على كلّ كبيرة وصغيرة، تدخلين أحلامي وتُجرين حسابات الواقع على أساسها، وحياتي يا صديقتي امتلأت بالصراعات حتى سئمتها.
لن ألزمك فعل شيء أرمال، فلا تكوني أنانية لتطلبي ما لا أطيق. قرار العودة نهائي ولن أتراجع عنه، فلا تتعبي نفسك في توخّي غير ذلك.
ــــــ حسناً سأعود معك، أنا لا أطيق الابتعاد عنك، وأنت تعرف ذلك، لو فعلت سأجنّ لكن عدني، عدني أرجوك أنْ تجد شقة في المدينة نسكنها، أرجوك.
ــــــ حاضر أعدك.
أمه لا زالت تغسل الثياب على يديها في زمن الميكانيك!! وقد تقضي أربع ساعات وربما أكثر في المطبخ تحضّر الطعام. لم؟ لتأكلوه؟ لم تضييع الوقت وهدره لم؟ ستضطر ثانية للنّوم في القرية حيث يلسعها البعوض وتنبح الكلاب جماعة، وفي النهارات تجتمع العائلة بأكملها في منزله والديه: أختاه المتزوجتان وأولادهما الخمسة وأخواه، الأكبر زوج «سعدى» اللئيمة التي ما فتئت تتحرّش بزوجته منذ وصولها لغيرتها منها، وتحرّض حماتها عليها: لم لا تساعدنا في المطبخ أو تشاركنا في أعمال المنزل أعَلى رأسها ريشة؟ من تظن نفسها لتحتقرنا وتتعالى علينا؟ تظنّ نفسها جميلة، إنها باهتة لا رونق بها؟!
و«أرمال» تسمع وتفهم فهي درست العربية في فرنسا، والتحقت بأكثر من دورة لتعلّمها، حتى باتت تسمع فتفهم سريعاً الكثير من العبارات بل تستطيع نطق البعض منها بسهولة، وسعدى الغبية تظنّها لا تفهم وتطوّل لسانها، حتى كادت امرأته في الزيارة الأخيرة تشعلها معركة لولا كياسة أمهِ وسعة صدرها وحبها له، إذ عملت جاهدة على تهدئة «أرمال» واسترضائها، وأجبرت ابنها الأكبر على لجم زوجته قدر الإمكان ــــــ لئلا يرحل أخوك إلى فرنسا ولا تعود هذه الأجنبية تسمح له بالعودة إلينا أبداً، ألا تفهمون هذا الأمر ــــــ الوحيد الذي كانت ترتاح له زوجته هو أخوه الأصغر مصطفى؛ هو فتى طيّب فعلاً، التحق بالجامعة يدرس العلوم السياسية، ويحاول كما يقول أن يفهم شيئاً مما يجري حوله في هذا العالم، لكن رغم كلامه الملتزم الذي يقول، كان يبدو ذا دخيلة صافية ككرة بلورية صافية لا تشوبها شائبة ولا تعلق بها أدران، فهو يتمتع بحالة من الصّفاء الدّاخلي والعذوبة الخالصة التي قلّ وجودها.
أحب أخوه الصغيرة ــــــ صغيرته ــــــ وهي ألفته، لذلك كان يقضي وقتاً ممتعاً يلاطفها ويلاعبها، وينطلق بها في الكثير من الأحايين إلى محال السكاكر يشتري لها ما يستدر به مزيداً من حبها، لذا استلطفته أرمال وارتاحت له، ولجأت إليه أحياناً في لحظات ضيقها تبثّه شكواها، وأسباب انزعاجها، وهو يصغي لمجرد الإصغاء تارة، وأخرى محاولاً ردم شيء من الهوة التي تفصل بينها وبين من حولها دون أن يفلح في تحقيق ذلك لاستحكام العداء الخفي بين الطرفين المشتبكين أو بين الأطراف المشتبكة.
لذا، الوضع كله لم يكن مريحاً بالنسبة لها، لِمَ تترك وطنها وأهلها، وتأتي إلى هذه البلاد، ما الذي يلزمها؟
«لم لا تبقى ههنا» ما الذي ينقصك، إلام تسعى هناك، المجال مفتوح أمامك للعمل في هذه البلاد، تبقى ملمّاً بكل حديث وجديد، بكل ما يكتشف في عالم الطب، وبكل ما يصدر من نتائج الأبحاث، وتذهب إلى هناك لتراوحَ مكانك، لا بل لتتأخّر وتأكلك القناعة ويقتلك الخمول، غريب أمرك أنا لا أفهمك أحياناً.
تعرف يا إبراهيم مكانة أبي ووظيفته ومركزه، إذا أردت، يتكلم مع بعض المسؤولين في وزارة الصحة لتعامل على الأقل كسائر الأطباء الفرنسيين فنعمل من ثم على استملاك شقة واسعة في هذه المدينة النظيفة المتحضرة أم أنك اشتقت لزحمة بلادك وقذارة طرقاته ورداءتها؟!
ــــــ سأعود رغم كل ما تقولين، ترفضين مغادرة أهلك وأرضك، لم تريدين مني أن أفعل ما ترفضين أنت فعله.
ــــــ ليس أهلك وأرضك الدافع لما تفعل، إنها هي التي تشدك إلى هناك، تظنني غبية، لا أدري واقع الأمور، لا لن أتركك تعود إليها.
ــــــ مَن هي التي تشدّني، أنا لا أدري عما تتكلمين، بتِّ إنسانة لا تطاق، تتوهمين أشياء لا وجود لها.
بحزن تجيب: لا يا إبراهيم ليس وهماً أنا متأكدة مما أقول، طويلاً استيقظت في الليالي، تؤرقني همساتك ويحزنني أنينك، وحديثك الخافت بعد أن بتّ أفهمه، أجلس في الفراش، أحاول التأكّد أنّي لا أحلم فإذا بي أجدني محقّة فأنت تتكلم ليلاً والحديث واحد لا يتغير، ماذا تقول: وفيكة لم تفعلين؟ لا تتركيني أرجوك، تحدّثها عن إشاعات وعن، عن ماذا، تأتي على ذكر أبيك «الحاج». أجدك عندها تتسرب من يدي ولا أعود أطبق عليك. أوَ تدري يا إبراهيم، كانت لي علاقاتي قبل أنْ ألتقيك وأنت تعرف ومتأكد أنه لم ينقصني الجمال يوماً لأجتذب الرّجال، وقد كنت أفعل، وأتسلى، أتمتع بكل دقيقة من حياتي، بكلّ لحظة من أيامي، ولم لا، فجمالي يوماً ما سيتحوّل، وتختفي ملامحه أو على الأقل يطالها شيء من التشويه ولا يعود للمتع عندها من سبيل.
إلى أن كان يوم ــــــ يوم لمحتك في الكافيتريا ــــــ أسمر الوجه، متطاير الشّعر أسوده، وعيناك عنيدتان سارحتان فيهما حزن شدّني. وقلت في ذاتي هذا هو صيدي الجديد، هذه طريدتي التي إليها أسعى منذ زمن طويل، لكني بعد فترة وجدتك صيداً مستعصياً، عصياً، بعيداً لا تُنال، فازداد شغفي بك وصممت على أن أنال منك، وما سئمت فرارك مني، بل زادني تصميماً وإرادة هذا الفرار، فرحت أتصيدك في كل مكان، ألاحقك في كل زاوية تذهب إليها، ولا أملُّ وأنت تبالغ في الصّدود والإهمال إلى أن قررتَ فجأة، ولا أدري لِمَ أنْ تقع في فخي، كأنّك قررت ذلك، كأنك سئمت الفرار منّي، فكانَ أنْ سقطت في فخي، ولكني لم أنتشِ بنصري، ففي الليلة التي تمّ فيها الاحتفال، علا صوتك بعد أنْ استغرقت في النوم، تنادي همساً امرأة سواي، وتؤكد لي هزيمتي وانكساري، وتحرقني أمام ذاتي.
لا يا صديقي لن أعود إلى هناك، لأراني أخسرك نهائياً؛ أحياناً يسعدنا أنْ نحتفظ بأشلاء أحبائنا ولو كانت محنطة.
ــــــ إذن سأعود بمفردي يا أرمال. وفرنسواز ستكون برفقتي.
ــــــ لن تفعل، لن أسمح لك. وأنت تعلم أنّ القانون بجانبي.
ــــــ حينما أقول أنّي سآخذها، لا أنت ولا قانون بلادك تمنعاني. إياك أنْ تتحديني وتجعلي نفسك في موقع المواجهة معي.
ــــــ إبراهيم، أرجوك، لا تجعل الأمور تصل بيننا إلى هذا الحد.
ــــــ أنت من يعقد الأمور عليّ، تعدّين عليّ أنفاسي، تحاسبينني على كلّ كبيرة وصغيرة، تدخلين أحلامي وتُجرين حسابات الواقع على أساسها، وحياتي يا صديقتي امتلأت بالصراعات حتى سئمتها.
لن ألزمك فعل شيء أرمال، فلا تكوني أنانية لتطلبي ما لا أطيق. قرار العودة نهائي ولن أتراجع عنه، فلا تتعبي نفسك في توخّي غير ذلك.
ــــــ حسناً سأعود معك، أنا لا أطيق الابتعاد عنك، وأنت تعرف ذلك، لو فعلت سأجنّ لكن عدني، عدني أرجوك أنْ تجد شقة في المدينة نسكنها، أرجوك.
ــــــ حاضر أعدك.
صفحة 10
(8)
صوت المقرىء يهزّ أنحاء القرية الوادعة يتعالى عبر مذياع المسجد، وجوه مصفّرة ونساء يتشحن بالسواد، وعلامات الأسى تبدو واضحة على سحن بعض الرجال، والكل يسير في اتجاه واحد، منزل الحاج أسعد، يمسك صبياً يهرول خائفاً:
ــــــ ما بك؟ ما الذي يجري في القرية؟
ــــــ سليم ابن الحاج أسعد.
ــــــ ما به. تكلم.
ــــــ مات.
ــــــ مات، سليم مات!؟
وأفلت ذراع الصغير الذي انطلق باكياً مضطرباً، ما بالها القرية تبكي، وقد تركها صباحاً زاهية مشرقة.
منزل والديه لم يختلف جواً عن القرية، فالكلّ يظهر مضطرباً حزيناً، والده يلف الشملة على خصره ويثبت طربوشه على الرأس.
ــــــ العوض بسلامتك يا ابني، لا بد أنّك تعب. ارتح قليلاً ثم الحق بي. اللَّه يحمي شبابك وشباب أخوتك.
ــــــ لا يا أبي انتظرني قليلاً.
دخل غرفة زوجته، رآها تجلس بحزن والدموع في عينيها.
ــــــ مسكين ذلك الشاب، أريد العودة إلى بلادي، شيء مخيف كم هي الحياة رخيصة في هذي البلاد، أريد العودة إلى بلادي يا إبراهيم، إنسانكم لا قيمة له ههنا.
ــــــ أرمال اهدئي ما بك، الموت يطالنا أينما كنا.
ــــــ أجل أعلم، أعلم لكن، لكن المسكين دهسته السيارة والمستشفى رفضت استقباله، المتوحشون. وأجهشت باكية.
ــــــ اهدئي يا عزيزتي، لا بأس استريحي، حاولي الاسترخاء.
قبّلها خارجاً من الغرفة مغلقاً الباب، لكنه عاد وفتحه:
ــــــ انتبهي لفرنسواز، أين هي؟
اكتفت بأنْ هزت رأسها موافقة دون أن تفتح فمها. والده لا زال في باحة الدار ينتظر ويتأمّل.
صوت المقرىء يهزّ أنحاء القرية الوادعة يتعالى عبر مذياع المسجد، وجوه مصفّرة ونساء يتشحن بالسواد، وعلامات الأسى تبدو واضحة على سحن بعض الرجال، والكل يسير في اتجاه واحد، منزل الحاج أسعد، يمسك صبياً يهرول خائفاً:
ــــــ ما بك؟ ما الذي يجري في القرية؟
ــــــ سليم ابن الحاج أسعد.
ــــــ ما به. تكلم.
ــــــ مات.
ــــــ مات، سليم مات!؟
وأفلت ذراع الصغير الذي انطلق باكياً مضطرباً، ما بالها القرية تبكي، وقد تركها صباحاً زاهية مشرقة.
منزل والديه لم يختلف جواً عن القرية، فالكلّ يظهر مضطرباً حزيناً، والده يلف الشملة على خصره ويثبت طربوشه على الرأس.
ــــــ العوض بسلامتك يا ابني، لا بد أنّك تعب. ارتح قليلاً ثم الحق بي. اللَّه يحمي شبابك وشباب أخوتك.
ــــــ لا يا أبي انتظرني قليلاً.
دخل غرفة زوجته، رآها تجلس بحزن والدموع في عينيها.
ــــــ مسكين ذلك الشاب، أريد العودة إلى بلادي، شيء مخيف كم هي الحياة رخيصة في هذي البلاد، أريد العودة إلى بلادي يا إبراهيم، إنسانكم لا قيمة له ههنا.
ــــــ أرمال اهدئي ما بك، الموت يطالنا أينما كنا.
ــــــ أجل أعلم، أعلم لكن، لكن المسكين دهسته السيارة والمستشفى رفضت استقباله، المتوحشون. وأجهشت باكية.
ــــــ اهدئي يا عزيزتي، لا بأس استريحي، حاولي الاسترخاء.
قبّلها خارجاً من الغرفة مغلقاً الباب، لكنه عاد وفتحه:
ــــــ انتبهي لفرنسواز، أين هي؟
اكتفت بأنْ هزت رأسها موافقة دون أن تفتح فمها. والده لا زال في باحة الدار ينتظر ويتأمّل.