eKtab
EN ع
في مهب العاصفة
اقرأ عينة مجانية

في مهب العاصفة

بقلم الفضل شلق

صفحة 1
مقدمة

كان هناك نوع من المفارقة أن أجد نفسي كاتباً صحفياً ملتزماً بمقال أسبوعي على الصفحة الأولى من جريدة يومية، جريدة "السفير" التي أصبحت منذ أن صدرت حاجة يومية لجيلنا.

كانت المفارقة مركبة من عدة عناصر، أولها الالتزام بوقت محدد كل أسبوع لنشر المقال علماً بأنني ما كنت أحب عندما كنت رئيس تحرير جريدة المستقبل إلا أن أكتب المطولات التي تصلح لصفحة فكرية أكثر مما تصلح لافتتاحية على الصفحة الأولى، كان افتتاحياتي تبدأ على الصفحة الأولى وتملأ إحدى الصفحات الداخلية، ولم أكن التزم بموعد محدد. ثاني هذه العناصر إنني لم أكن واثقاً أن هذا النوع من الافتتاحيات التي أكتبها للسفير، حتى ولو كانت محدودة في عدد الكلمات، ستلاقي ترحاباً لدى القراء. وبالتأكيد انتقدني عدد من مهنيي الصحافة الذين اعتادوا أن تكون الافتتاحية تعليقاً سريعاً دون التطرق إلى مواضيع تعتبر نظرية أو ثقافية. ثالث هذه العناصر إنني كنت أعتبر نفسي ممتهناً للقراءة لا للكتابة. أذكر أنه في بداية تجربتي في الكتابة، عندما طلبت ذلك من قيادة الحزب في بداية السبعينات فعلت ذلك نزولاً عند حكم الضرورة، إذ لم أكن أعتبر نفسي كاتباً، وكنت لا أحب القيود والقواعد التي تفرضها الكتابة على صاحبها. حتى في علاقتي بمجلة الاجتهاد، تمويلاً الكتابة، كنت أقوم بذلك عندما يطلب مني فقط.

لكن الكتابة، بالنسبة لي، التزام فكري وسياسي. هي، كما أحب أن أمارسها، تعبير عن هموم وهواجس تتعلق بمجتمعنا وأمتنا ودولتنا وسيرورة كل منها. لذلك جاءت هذه المقالات حصيلة نقاشات يومية، بين الخامسة والثامنة مساء في أحد ثلاثة مقاهٍ في بيروت بين ثلاثة أشخاص، كنت أحدهم، إلى جانب الصديق أحمد الغز وصديق آخر. بالطبع كان ينضم إلينا آخرون حسب الظروف. لكننا كنا الثلاثة المداومين حتى إن أحد الطارئين على الجلسات سماها "طاولة الاستقرار". كانت النقاشات حامية في معظم الأحيان، وكانت الاختلافات في الرأي هي السمة الغالبة. لكن الأفكار كانت تطرح على الطاولة، بما فيها عناوين المقالات. لا يبخس من شأن الكاتب أن تكون الكتابة علاقة مع الآخرين أكثر مما هي تأمل بين الفرد وذاته. أعرف أن هذا الكلام يزعج الصديق أحمد الغزّ الذي يعطي الأولوية للكامل، بالإضافة للمتابعة، بكل تأكيد. وهو مدون بأنه متابع مواظب للأحداث المحلية والعربية والدولية. لكن كل ذلك لا يعنيني من المسؤولية، فأنا أؤكد مسؤليتي بالكامل عن كل ما ورد في هذه المقالات من أولها إلى آخرها.

لا أعطي أهمية للإبداع، ربما لأنني لست مبدعاً. أفضل وجهة نظر الجاحظ الذي اعتبر أن الأفكار مرمية في الطريق، وما على الكاتب سوى التقاطها وترتيبها، أي صياغتها. واعتبر في الكتابة الملتزمة، إن على الكاتب أن يعبّر عن همومه وهواجسه، وعلى همومه وهواجسه أن تكون لعبته بحاجات المجتمع ووجدانه ورغباته. لذلك اعتبر الكتابة علاقة اجتماعية سياسية أكثر من أي شيء آخر يتوجب أن تكون الكتابة نابعة من مخزونٍ ثقافي ومن جهة في تتبع مجريات العالم وثقافته. لا نستطيع الإدعاء بالالتزام بأمتنا ومجتمعنا دون الانخراط في العالم. هذه أساساً كانت دعوتنا في مجلة الاجتهاد: الانخراط في العالم. وما اعتبرت يوماً إلا أن الثقافة العالمية تشمل ثقافتنا نحن وثقافة غيرنا من الأمم، حتى ولو كان الاسم الذي يطلق على الكتابة العالمية اليوم هو إنها الثقافة التربية.

الانخراط في العالم هو طريق الأمم إلى التقدم. إن المجتمعات التي تعزل نفسها ثقافياً إنّما تحكم على نفسها بالتراجع والانهيار. وما انتشار الأفكار والبرامج السياسية الداعية للتأكيد على الهوية كبديل عن الانفتاح الثقافي، والتي تنتهي في غالب الأحيان إلى لا شيء أكثر من التأكيد على الهوية، فتخلو من الأفكار والبرامج الاجتماعية والسياسية ومشاريع بناء الدولة وتحقيق تماسك المجتمع، هذه الأفكار ليست إلا بعض مظاهر الهزيمة ونتائجها، وهي ليست في نظري قاعدة انطلاق للتحرر والنقد. وهنا أريد التنويه بأنني ما اعتبرت يوماً أن الحداثة شرط للتقدم، بل بالعكس، اعتبر التقدم شرطاً للحداثة والتحرر والتنمية بما فيها الديمقراطية. السياسة هي شرط في عدادها. والسياسة تتعلق بالوعي والإرادة والسعي والعمل والإنتاج ، تتعلق قبل كل شيء بتحقيق علاقات سوية في المجتمع، علاقات تطلق العزم وتحقق الإرادة.

أما الذين يعتبرون الحداثة شرطاً لما عداها، فهم في الحقيقة يعتبرون تأخر مجتمعاتنا أمراً ناتجاً عن البنى الثقافية والحضارية، البنى الموروثة تاريخياً، البنى التي تكب الناس وتحول بينهم وبين التقدم. أكره وضع الملامة على مجتمعنا وعلى تاريخنا، كما أرفض إسقاط الحاضر على الماضي، ولا أعتقد أن سلوكنا الراهن يقرره موروثنا الثقافي، وأؤمن بضرورة التجاوز للموروث الثقافي. يحصل التجاوز كجزء من حركة التاريخ، إذ تتغير أوضاع كل مجتمع موضوعياً، وسواء شئنا أم أبينا. مهمتنا أن نمارس السياسة بمعناها الأشمل والأسمى. ليس فقط من أجل التجاوز، بل من أجل أن تأتي التغيرات، التي تحصل يومياً، والتي ستحدث حكماً، لصالح الناس ملبية لحاجاتهم ورغباتهم.
صفحة 2
نمارس السياسة لا لإنقاذ المجتمع من نفسه بل لكي ننسجم مع المجتمع في تغيره. وهنا الفرق بين الحداثة والتحديث. الحداثة واقعة حكماً، لأننا جزء من هذا العالم الذي لا يقف مكانه. إن التحديث تعبئة وتحشيد حسب صورة مرسومة سلفاً. يقود التحديث إلى الاستبداد بحكم السعي لفرض الصورة المرسومة سلفاً لدى من يعتقدون أنهم يعرفون حاجات الناس أكثر مما يعرفها الناس أنفسهم. التحديث مهمة الذين يريدون إنابة أنفسهم عن المجتمع، وأكثر من لهم قدرة على ممارسة هذه الإنابة هم الذين يملكون القوة في المجتمع، سواء كانت قوة المال أو قوة الرموز الثقافية أو قوة الرموز المالية. وغالباً ما ينتهي كل هؤلاء في أحضان العسكر والأجهزة الأمنية لتحقيق ما يعتبرونه حقاً وحقيقة.

للسياسة معنيان، أولهما يتعلق بالصراع على السلطة، وثانيهما يتعلق بإدارة شؤون المجتمع والمساهمة في بناء الدولة. النوعان مبرران وضروريان. لا بد من دولة تكون إطاراً ناظماً للمجتمع، ولا بد من سلطة تحكم وتضبط الأمور. ولكل أمرئ مزاج. وما كان مزاجي يوماً إلا مع السياسة بمعنى بناء الدولة. لا أحب الانخراط في متاهات الصراع على السلطة.

لكن للمسألة وجه آخر على الصعيد الفكري. سمعت يوماً أحد كبار المسؤولين في المرحلة الناصرية يتحدث عن الوحدة العربية قائلاً: نريد وحدة مجتمعات عربية لا وحدة دول. يطرح هذا القول إشكالية الوحدة العربية بالمقلوب، ويؤدي إلى النتائج عينها التي يؤدي إليها التحديث. إذا لم تكن هناك وحدة من نوعٍ ما بين العرب، من المحيط إلى الخليج، وإذا لم تكن العروبة هي خيار المجتمعات العربية، أفراداً وجماعات، فما معنى السعي لفرض وحدتهم، إلا أن تكون نوعاً من الاستبداد؟ في نظري، تمر الوحدة العربية عبر وحدة الدول العربية، وتمر وحدة الدول العربية عبر بناء الدولة القطرية، وإجمالاً تمر الوحدة العربية عبر بناء الدولة من أي نوع كانت، قطرية أو غير قطرية، استبدادية أو ديمقراطية، رجعية أو تقدمية. ولا أرى إهمال شأن الدولة لدى النخب العربية وأحزابها. القومية واليسارية والإسلامية، في القرن العشرين، وخاصة بعد استقلال البلدان العربية في أواسط القرن الماضي، سوى خطأ كبير أدى إلى ما نحن عليه. وما نحن عليه الآن جوهره الهزيمة وتأخر التنمية. ولا أرى أيضاً المحاولات المتكررة الآن لزج الجمهور العربي في مواجهة مع التحديات الخارجية دون المرور عبر الدولة سوى وصفة أخرى للخراب ومنطلقاً لحرب أو حروب أهلية عربية. لا مناص من بناء الدولة، ولا مناص من السعي الدائب لإلزام الدولة، كل دولة عربية، بمطالب الجمهور العربي.

ليست مهمة السياسة تغيير الجمهور بل احترامه، احترام الناس بعجزهم وبجرهم، دون انتقائية ودون استعلاء. نحن أمة مفتوحة، عبر التاريخ، صلة وصل أكثر منها كياناً مغلقاً. لا تحتاج هذه الأمة إلى نظرية قومية مغلقة، لا تحتاج إلى براهين تثبت وجودها. الأمة المفتوحة ينتمي إليها من يشاء ويخرج منها من يشاء. هناك شعور عام بالعروبة، بالانتماء العربي، وعلينا احترام هذا الشعور. الأرجح أن هذا الشعور مؤسس على اللغة. اللغة وحدها لا توحد، فهناك أمم مختلفة تتكلم اللغة نفسها. وبغض النظر عما إذا كان للغة سحر خاص عند العرب، يتوجب علينا كما على غيرنا احترام ما يعتبره العرب هاماً بالنسبة لهم. لا يحترم الغرب ذلك. ربما كان إيجاد دولة إسرائيل حركة واعية تجسد هذا اللاحترام. لكن مواجهتنا مع الغرب هي مواجهة سياسية لا ثقافية، هي منافسة على الثقافة العالمية وفي إطارها. لم تكن الثقافة العربية، أيام وجود الدولة العربية المركزية، إلا ملتقى لحضارات العالم وثقافاته. نحط من شأن هذه الثقافة إذا جعلناها غير ذلك.

التحرر شأن سياسي وليس ثقافياً. التحرر الثقافي نوع من العزلة والانعزال. وفي الانعزال فناء. نتحرر من الغرب سياسياً بمواجهة امبرياليته ورأسماليته. باستخدام وعيه وثقافته التي ما كانت في مختلف مراحل التاريخ إلا ثقافتنا أيضاً. ساهمنا في الماضي في بناء الثقافة العالمية. ولا لزوم للخروج منها الآن، إلا إذا كان الهدف هو غير مصلحة جمهور أمتنا.

من هذه المنطلقات، وما يشبهها، نمارس السياسة. من هذه المنطلقات نكتب. علينا أن نكتب للإيضاح والتواصل، في حين أنه يمكن أن تكون الكتابة من أجل الانقطاع والتعمية. الكتابة من أجل الإيضاح والتواصل إشكالية كبرى، خاصة في ظروفنا العربية.

ربما كان التواصل والإيضاح عن طريق مقالات محدودة في عدد الكلمات. وذات جمل قصيرة وأفكار متعددة، لا يتسنى التطرق إليها سوى بالإشارة أحياناً، هو وسيلة مناسبة لممارسة سياسة تعبر عن الانتماء أكثر مما تدعي التعبئة والتحشيد. ما أتمناه هو أن أكون محقاً فيما أقول، مع الأخذ بالاعتبار إمكانية الخطأ والصواب. وإنني إذ أمارس التسامح مع نفسي، أرجو تسامح القارئ معي.

مرة أخرى، أريد التأكيد على مسؤوليتي الكاملة عما أكتب، وعما ورد في هذه المقالات. مع شكري وامتناني لمن ساهموا في النقاش والتنبيه إلى الأفكار وإلى ما هو غثّ أو ثمين بينها.

لم أغيِّر شيئاً في هذه المقالات سوى بعض التصحيحات اللغوية، إلا أنني أعدت ترتيبها تحت العناوين الرئيسية: لبنانياً، عربياً ودولياً.

أخيراً أشكر صحيفة السفير على إعادة نشر هذه المقالات مع التهاني بعيد تأسيسها السادس والثلاثين. التهاني للأخ الصديق الأستاذ طلال سلمان وجميع العاملين فيها، وجميع من عمل فيها وتخرج منها. تبقى السفير صوت من لا صوت لهم، وتبقى رأس حربة الدفاع عن قضايا العرب الأولى في لبنان وغير لبنان. أنا من الذين تعودوا على السفير يومياً، فهي جزء مني وأنا سعيد أن أكون جزءاً منها.
صفحة 3
القسم الأول :لبناندولة في مهب الريح

التعويضات..بين الصراع على السلطة وبناء الدولة

يطغى على النقاش السياسي في لبنان الجدل حول التعويضات وبطئها. وقد كان الأجدر لو أن السلطة سُئلت عن برنامجها الإعماري فالاقتصادي للخروج من دائرة الصراع على السلطة إلى ساحة بناء الدولة. فالخروج من إطار المحاسبة على الأرقام، أرقام المدفوعات والمطلوبات، إلى إطار العمل من أجل الإعمار والنمو الاقتصادي هو ما يحدد التزامات السلطة حيال مجتمعها، وهو ما يجعل من السلطة إطاراً لكل اللبنانيين لا مجرّد طرف في الصراع من أجل القبض على مقاليد الأمور.

لقد أنكرت هذه السلطة أن لديها واجبات تجاه مجتمعها منذ أن أعلنت، غداة انتهاء الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل ضد لبنان، أنها عاجزة عن الإعمار، بل مستنكفة عنه، وتبنت مبدأ التبني بمعنى أن كل من يريد مساعدة لبنان، من الداخل أو الخارج، يمكنه أن يتبنى أي مشروع لإعمار ما تهدم من بنى تحتية أو قرى أو أحياء في المدن والضواحي؛ وذلك دون تدخل الدولة. رفضت السلطة منذ البداية أن يكون لديها برنامج إعماري اقتصادي تلتزم عن طريقه بواجباتها حيال مجتمعها، ليكون البرنامج وتنفيذه هو محور الموالاة أو المعارضة، وليكون التقيّد في تنفيذه هو محور المحاسبة السياسية، وليصير التدقيق المالي أو المحاسبي الصرف، أداة إدارية لا يستحق أن يكون هو محور الأجندة السياسية للسلطة ومعارضيها.

اختصرت هذه السلطة الاقتصاد إلى جوانبه المالية، لذلك كان الاهتمام بميزان المدفوعات لا الميزان التجاري، واختصرت المالية إلى أرقام، وركزت الاهتمام على تدقيق الأرقام لا على وسائل العمل من أجل الإعمار ولا على السعي من أجل النمو الاقتصادي.

وكان هذا هو الخيار السياسي للسلطة، والخيار يخفي برنامجاً غير معلن لإبقاء الاقتصاد مرتكزاً على تدفق مالي وضريبي باتجاهين على الشكل التالي: إيداعات من المودعين إلى المصارف، وهذه إلى الدولة؛ وفي الاتجاه المعاكس ضرائب من المواطنين إلى السلطة إلى المصارف، ومن المصارف إلى المودعين. والعبء الضريبي يقع في غالبيته على الطبقات الاجتماعية الدنيا والوسطى. ويتم تقاسم موارد الدولة بين القلة من اللبنانيين، القلة التي تتحلق حول المصالح المالية والمصرفية. وعن طريق هذه الآلية يتم نقل الثروة من الغالبية (الفقراء) إلى القلة (الأغنياء). وتزدهر المبادلات المالية والمصرفية في حين يتراجع الإنتاج الاقتصادي، الزراعي والصناعي والخدماتي. وتُستنزَف الدولة في مواردها بل يستنزف المجتمع في إمكاناته.

هكذا تزدهر البطالة والهجرة، ويتناقص عدد اللبنانيين، فكأن السلطة تعتبر أنه بالريع المالي (الفائدة) وحده يحيا النظام. وتتحوّل الدولة من إطار للمجتمع إلى سلطة لا يلزمها مجتمع. والهجرة أداة بيد السلطة لتحقيق ذلك. وعندما يصرّح رئيس جمعية الصناعيين أن التصدير الوحيد المزدهر، من لبنان إلى خارجه، هو تصدير الأبناء والقوى العاملة، فإن الأمر يحتاج إلى وقفة تأمل لمراقبة الشعارات المطلبية المطروحة.

كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري، منذ أن جاء إلى السلطة في أواخر العام 1992 يسعى لكي يكون هناك برنامج إعماري اقتصادي، أي خطة للإعمار تشكّل قاعدة للنهوض الاقتصادي. لكنه حتى في العام 1993، أي في لحظة الزخم السياسي الذي رافق مجيئه للسلطة، لم يستطع أن يجعل مجلس الوزراء قابلاً لمناقشة خطة للإعمار والنهوض الاقتصادي. والخطة هنا تعبير يعني التزام السلطة حيال مجتمعها بما تزمع القيام به في مختلف قطاعات البنى التحتية والإنتاج؛ ولا يعني التعبير بأي حال من الأحوال ما يجب على الناس فعله. فالخطة ليست تعدياً على الحريات الاقتصادية، بل هي برنامج عمل يلزم الدولة بواجباتها. وللآن لم يناقش مجلس الوزراء، ولم يتبنّ خطة شاملة. فهناك بنية اقتصادية سياسية تمنع ذلك. وهذه البنية الاقتصادية السياسية واجهت رفيق الحريري وصدته ونجحت في مراكمة الدين العام. وهذا هو المسكوت عنه لدى أطراف النظام عموماً.

يمكن للمراقب أن يسجل لهذه السلطة نجاحاً غير مشرّف في تحويل الأنظار عن الجوهر البنيوي للنظام إلى أمور محاسبية تشكّل وجهاً من وجوه الصراع على السلطة. نجحت هذه السلطة في أن تجعل ما عجز رفيق الحريري عن تحقيقه نظاماً للعجز المالي والاقتصادي وقاعدة لفئة اجتماعية تعيش وتزدهر من جراء هذا العجز. وحوّلت العجز إلى مثل أعلى، وذهبت إلى مؤتمر باريس 3 محمّلة بورقة اعتبرتها إصلاحية ركّزت فيها على أمور المحاسبة والتدقيق دون مسائل العمل والإنتاج، وذلك من أجل مصادرة المليارات السبعة أو الثمانية الموعودة لصالح تمويل العجز في مالية الدولة لا من أجل الإعمار والنهوض الاقتصادي.

حتى لو دفعت الحكومة جميع التعويضات. وحتى لو بُنيت جميع القرى والأحياء بالكامل، وهذا أمر مستبعد، تبقى السلطة مقصّرة في مجال الإعمار والاقتصاد. ولا حاجة للتفصيل في ذلك بأكثر من الإشارة إلى أرقام البطالة والهجرة المرتفعتين. والإعمار لا يحقق أهدافه كاملة، ولا يمكن حمايته، إلا عندما يكون جزءاً من عملية سياسية اقتصادية، جزءاً من برنامج اقتصادي اجتماعي يسعى للتعويض على الخسارات والتراجعات الإنتاجية ويهدف إلى تحفيز النمو الاقتصادي.

لكن التقصير هو سياسة السلطة في إدارة الاقتصاد لغير صالح الأكثرية من اللبنانيين الأكثرية الاجتماعية من الفئات التي تعيش حالة من الفقر المدقع، أو السائرة في هذا الاتجاه.

إن مطالبة السلطة ببرنامج عمل إعماري اقتصادي هو بداية، لكنها بداية لا بد منها للخروج من لعبة الأرقام المستخدمة من أجل التعمية. وعلى كل حال يجيد المحاسبون لعبة الأرقام أكثر من غيرهم. أما الخطوة التالية فهي يجب أن تركّز على ضرورة الانتقال من البرنامج إلى التنفيذ كي نستطيع الخروج من سياسة العجز والتقصير إلى سياسة الإنجاز والإنتاج والنمو.

لقد تحوّل الإعمار من حجر زاوية في بناء الدولة إلى سلاح مستخدم في الصراع على السلطة. وما هكذا تورد الإبل.

18/5/2007
صفحة 4
لا بد من عودة السلطةإلى كنف الدولة

كان هناك من يتوقع منذ شهور عديدة أن يؤدي العنف الكلامي إلى عنف مسلح، وأن يبدأ هذا العنف في شمالي لبنان.

لم يكن هذا الاستنتاج يحتاج إلى كثير من الذكاء. فالكراهية كانت وما تزال تشتد بين اللبنانيين، ويزداد الخوف والتخويف، وتضيق المساحة المشتركة، ويتضاءل مجال الحوار، وينعدم إمكان النقاش، وترتفع لهجة التهديدات والتهم المتبادلة. انقطع التواصل إلا عن طريق الإنذارات.

اشتدت شراسة الهجوم على عقل اللبنانيين. كان ضرورياً أن يُعاد تشكيل الوعي عن طريق ضربات موجعة، فننقاد إلى القبول بما كان لا يمكن القبول به. فالأصولية الدينية التكفيرية تنهج طريق العنف بطبيعتها. وعندما تستبدل «الجهاد ضد العدو الأبعد» ب«الجهاد ضد العدو الأقرب» يكون طبيعياً أن تُرتكب المجازر. وما ارتكبته بحق الجيش اللبناني لا يمكن القبول به، ولا يمكن للجيش اللبناني أن يرضى به.

المسكوت عنه واللامفكر فيه هو الآثار الجانبية للمواجهة: ضرب البيئة التي أنتجت الإرهاب وصولاً إلى استبدال حرب أهلية لبنانية ممكنة بحرب أهلية فلسطينية. وما يجري على أرض فلسطين هو حرب أهلية. وما يجري في لبنان هو استكمال لها. تندرج المواجهة في إطار حرب الإرهاب. حرب الإرهاب دائمة. تصير الحرب الأهلية الفلسطينية دائمة. ذلك أن وقف إطلاق النار بين الدولة وقوى الإرهاب أمر غير ممكن وغير مقبول. ما يعتبر الآن أضراراً جانبية يصير بعد حين هو النتيجة الوحيدة المقبولة.

ما يُقبل الآن على أنه آثار جانبية هامشية للمواجهة يمكن أن يصير في المستقبل القريب أو البعيد مطلباً من أجل الخلاص. هذه «عدة شغل» لدى مبرمجي الحالة الاجتماعية السياسية وصانعي الشعارات التي تصير تدريجياً إيديولوجيات ومواقف عقائدية. يبدو أننا نسير على طريق أعدت لنا، والخيارات قليلة، والسياسة ملغاة. العنف الكلامي يولّد عنفاً مادياً. العنف يلغي السياسة، وليس صحيحاً أنه يستكملها بوسائل أخرى.

قبل بضع سنوات قرّر الإسرائيليون بدعم من الإدارة الأميركية، أو قرّرت الإدارة الأميركية بدعم إسرائيلي، أن «الإرهاب» الفلسطيني تولّده بيئة معينة يجب القضاء عليها، فقرّر اعتبار القيادة الفلسطينية السياسية غير ذات اعتبار، وجرى العمل من أجل القضاء على البنية التحتية للإرهاب، وما يزال تدمير بنية المجتمع الفلسطيني سارياً، ولا يغيب عن البال، بالطبع، ما يحدث في العراق. هل نسير، في لبنان على الطريق ذاته؟

في الأنظمة الديكتاتورية تصنع السلطات القرارات وتفرضها على الناس، وفي الأنظمة الديموقراطية تصنع السلطات القرارات وتصنع رضى الناس بها. نحن في لبنان بلد ديموقراطي، وقد اخترنا أن نكون جزءاً من النظام العالمي الديموقراطي. يُصنع لنا القرار، ويُصنع لنا الرضى به. وكي ترضى بما كان لا يمكن القبول به، يجب أن يُعاد تشكيل الوعي. وذلك يتطلب قبل كل شيء تشتيت الوعي السائد، إعادة خلط الأوراق، عدم التمييز بين الأسباب والنتائج، التمويه بين الجهات الأربع.

في الفترة الأخيرة أزيل الخيط الواهي الذي كان يفصل، أو كان يمكن أن يفصل بين الدين والسياسة. تلاشى التمييز بين الصلاة والخطبة السياسية. صودر الدين لصالح السياسة في إطار الصراع على السلطة. صارت الضرورات المباشرة تطغى على الأهداف البعيدة. انقلب كل شيء إلى عشوائية قاتلة. يطلب منا إزالة الفصل بين الدين والسياسة وفي الوقت نفسه فصل السياسة عن الاقتصاد، والاقتصاد عن المجتمع، والمجتمع عن السوق ومنطق السلطة عن منطق الدولة.

هل فات الأوان على إمكان عودة السلطة الى كنف الدولة، وعلى أن تكون الدولة إطاراً حاضناً للجميع؟ يبحث منطق الدولة في المساحة المشتركة بين الناس، أما منطق السلطة فهو يدور حول الاختلافات والتمايزات والمنافسة. أليس في ما يجري على الأرض اللبنانية ما يدفعنا إلى تغليب التوحّد على الانقسام؟

25/5/2007
صفحة 5
النخبة وانهيار الدولة

الدولة تبنيها النخبة الثقافية. تبلور أفكاراً. تعبّر عن مجتمعها. لا تنوب عنه بل تفكّر معه، تعرف حاجاته ووجدانه ومشاعره، تنير الطريق له بمقدار ما يكون التصاقها به حميماً. تعرف النخبة تماماً أن المجتمع يتفكّك حين تنهار الدولة، فالدولة هي الإطار الناظم لكل المجتمع. وعندما تقتصر على نصف المجتمع أو أقل تصير مجرد سلطة، ونظاماً للقمع. منذ فجر التاريخ نشأت أنظمة للحكم بالغلبة. تصير الغلبة شرعية عندما تصنع النخبة للسلطة مشروعاً يجعلها مقبولة لدى رعاياها. وفي العصر الحديث يصير الرعايا مواطنين عندما يشاركون في هذا المشروع عن طريق الحوار والنقاش والتواصل، أي عن طريق السياسة.

لم يعد الحوار في لبنان طريقاً للتواصل بل لإعلان موقف. وكل موقف يقرّر سلفاً على أساس غريزة اصطنعت. الغرائز السياسية والطائفية لا تولد مع الإنسان بل تنشأ لاحقاً، فهي إنشاءات اجتماعية سلطوية. وما الاصطفاف المذهبي والطائفي الراهن إلا مؤشر على عمق الانقسام وعلى انقطاع التواصل وعلى إلغاء السياسة. لا يضيف الحوار شيئاً إلى المعرفة لدى الأطراف المتحاورة. لا أحد يريد أن يضيف شيئاً إلى ما يعرف، كل طرف له حقيقته، ولا مجال للإضافة أو النقصان، لا مجال للحوار، وكل شيء يُعد سلفاً. وتعليب الآراء مهنة رائجة في عصر ما بعد الحداثة. وهذه المرحلة ليست إضافة للحداثة، بل هي مرحلة جديدة كل الجدة تلغي الحداثة، إن كان شيء منها موجوداً؛ إذ تحل الآراء، والأوهام والسرابات مكان الوقائع، فتصير المعرفة الموضوعية غير مرغوبة، وشبه مستحيلة.

إن علّة وجود النخبة الثقافية هي المعرفة. تُصاغ المعرفة من معلومات. المعلومات دائماً «نيئة»، والمعرفة دائماً «مطبوخة». هي الصيغة التي توضع في إطارها المعلومات، هي الرأي الذي لا بد أن يستند إلى معلومات.

تقصّر النخبة في تأدية مهامها عندما تتيه في خضم المعلومات. والأسوأ عندما تعزف عن التحقق من المعلومات، وعندما تصير المعلومات لا مواد أولية للمعرفة بل نتاجاً للمواقف المسبقة. تفقد النخبة الثقافية مبرّر وجودها عندما يصيبها العجز في المجال المعرفي. والقصور المعرفي هو السبب الأساسي للقصور في صياغة مشروع للدولة. وعندما لا يكون للدولة مشروع تتحوّل إلى مجرد نظام للقمع، سواء القمع بالقوة كما في معظم الأنظمة العربية، أو القمع عن طريق الاصطفاف الرضائي كما في الديموقراطية اللبنانية. الجميع ينضمون في صف السلطة بطريقة أو بأخرى. ومن لا يرضَ بالاصطفاف يعاقَب.

وما يحدث على الأرض اللبنانية الآن هو حروب متعددة في آن معاً. الحالة لا تشبه أيّاً من الحروب اللبنانية السابقة. يستعصي الفهم والإدراك بالرجوع إلى سبب واحد لما يجري. لكن الحاصل هو أن كل طرف يعتقد أنه هو المستهدف. ما عاد مهماً ماذا يُقال أو ماذا يقترح من أجل التسوية، بل الأهم هو مَن يقول كي يُرفَضَ كلامه من أجل رفض أي تسوية. تلاشت القضايا. تتحكّم العنصرية التي تضاف إلى الاستقطاب المذهبي والطائفي لتشكّل بؤرة قابلة للاشتعال في أية لحظة. يقرّر المواقف أهل السياسة من أنصاف المثقفين وأرباعهم. تنضم تحت ألويتهم جحافل المثقفين. في هذا الجو تستحيل المعرفة. تساهم النخبة الثقافية في ذلك بكل جوارحها وتلغي بذلك مبرّر وجودها.

تغيب القضية، تنهار الدولة، تتراجع السياسة. لا يبقى ما يجمع أبناء الوطن. تستحق المسألة من النخبة الثقافية أن تغيّر نهجها الثقافي، وذلك بالتدقيق بالمعلومات أولاً، كي يتاح لها إمكان المعرفة الصحيحة، وأن تغيّر من أسلوبها في إنتاج المعرفة وإعطاء الأحكام فتُقلع عن منهجية التعليل الواحد لقضية معقدة حمّالة لأوجه متعددة. وعندما تتسلح النخبة الثقافية بمعرفة حقيقية فإنها تصبح حاجة للنظام، وتخرج من وضعها الحالي، ولا تبقى مضطرة للتسكع على أبواب سلطان المال والقمع والوعي السائد. على العكس من ذلك تستطيع النخبة الثقافية حينذاك أن تجدّد الوعي السائد، وأن تخرج من وعي حالي يفرضه أهل السياسة من أنصاف وأرباع مثقفين.

عندما تخرج النخبة الثقافية من استنقاعها الحالي ومن حالة الانقماع الذاتي، الانقماع الذي ترضاه لنفسها، تصير هي صانعة المعرفة ولا تبقى في وضعية المتلقي للمعرفة التي يصنعها لها غيرها، المعرفة التي تنتجها قوى الموالاة والمعارضة؛ وفي معظم الأحوال تكون هذه المعرفة والمواقف المترتبة عليها هي حصيلة الشعارات التي تصوغها وسائل الإعلان المدفوع لها.

عندما تتسلح النخبة الثقافية بالمعرفة تستطيع التعبير عن مجتمعها وتنحاز حكماً لصالح الدولة، وتخرج من المعرفة المسطحة المبسّطة التي يفرضها الصراع على السلطة الدائر حالياً بين قوى الموالاة والمعارضة. وعندها فقط تصير النخبة الثقافية فئة اجتماعية مستقلة يستحقها مجتمعها، مستقلة ترفع الرأس أمام الآخرين ولا تحتاج إلى التسكّع والتسوّل لتسويق المعلومات والأفكار التي تصنع لها في مصانع السلطة.

يستحق المجتمع، ويحتاج بناء الدولة، إلى نخبة تؤكد على دورها فتتسلح بالمعرفة وتنحاز إلى مجتمعها وتبني مشروعاً للشرعية وتفرض على السلطة العودة إلى كنف الدولة. بذلك تؤكّد النخبة على دورها الأخلاقي وعلى التزامها السياسي، في زمن شاع فيه الفصل بين المعرفة والسياسة وبين الأخلاق والسياسة. فالسياسة بما هي إدارة شؤون المجتمع، لا مجرد الصراع على السلطة، هي أرفع وأسمى النشاطات الإنسانية، وهي تستحق الدمج مع المعرفة والأخلاق كي تشكّل إطاراً موجِّهاً لهما، وكي يصبح كل ذلك إطاراً ناظماً للمجتمع. تنهار الدولة عندما تكون الحكومة ممثلة لنصف المجتمع، وعندما تنهار الدولة يتفكك المجتمع، ويقودنا ذلك إلى أسوأ النتائج.

من أجل بناء الدولة ووحدة المجتمع ومنع الأسوأ نوجه هذا النداء. وما تبقى لدينا الكثير من الوقت.

1/6/2007
صفحة 6
الصراع على السلطةومطلب الاحتلال

كل شيء يبدأ بالسياسة وينتهي بها. والفرق بين بلدان ذات وجود حقيقي (استقلال، سيادة، إلخ...) وأخرى ذات استقلال فارغ المضمون هو بين نوعين من السياسة: سياسة تعتبر الواجب الأول إدارة شؤون المجتمع وبين سياسة أخرى تقتصر على الصراع على السلطة. السياسة من النوع الأول تبنى بها الدول رغم أنها لا تمنع ولا تتنافى مع الثانية. أما السياسة من النوع الثاني، فهي إذا تمّ الاكتفاء بها، تقود إلى انهيار الدول، أو إلى منع نشوئها.

لبنان، فلسطين، العراق، سوريا، ساحة واحدة للصراع على السلطة. أوراق البلدان الثلاثة الأولى بيد النظام السوري. تشكّل البلدان الأربعة منظومة يمارس فيها النظام السوري سلطة وصاية مستمداً قوته من غول مخيف، قريب بعيد، يمتلك الاندفاعة المذهبية والإمكانية النووية، إيران.

الخوف والتخويف ضروريان لكل انقسام طائفي، مذهبي، إثني. تختلف التسميات، لكن النتيجة واحدة، وهي أن تستطيع قيادة سياسية السيطرة على طائفتها، ومصادرتها عن طريق الخوف والتخويف من الطوائف الأخرى التي تشكل بعبعاً. تصير الطائفية والمذهبية نمطاً من التفكير للحفاظ على الوجود؛ تقرّر الهوية الطائفية ما عداها من الهويات.

مع مصادرة الهويات لمصلحة الهوية الأحادية يضمر الوعي. يتقلص الأفق، حيث لا ترى الرعية الطائفية المذهبية سوى جزءاً من الصورة الإجمالية للمنطقة وللعالم وللكون. والجيوش الجرارة للإمبراطورية الأميركية وإسرائيل، في المنطقة، تخرج من الصورة أو تؤثر على الوعي في اتجاه آخر. الجيوش الأميركية في العراق والخليج: 150 ألفاً جنوداً نظاميين، 100 ألف مرتزقة (شركة بلا كواتر الأمنية ومثيلاتها)، 100 ألف جنوداً بحريين على حاملات الطائرات في الخليج؛ هذا عدا الجنود التابعين لدول غربية أخرى. ماذا جاءت تفعل؟ ما هي مهمتها الحالية؟ لم يعد السؤال مطروحاً.

يغيب تحليل موازين القوى. تختفي التحليلات الجيو بوليتيكية التي تعوّدنا عليها. ما عاد هذا النوع من الجيوش «الأجنبية» يمارس الاحتلال والوصاية والانتداب. بالطبع نسينا كل ما قرأناه عن الاستعمار والإمبريالية والإمبريالية الجديدة.

ألم يتعولم العالم؟ النظام العالمي الجديد عنوانه حرية رأس المال في زمن ليبرالية جديدة تطلق العنان للمبادرة الفردية. والسوق الرأسمالية تحوي آليات توازن خفية. ولا خوف من الاحتلالات الاقتصادية. كل امرئ يمنح فرصة المبادرة. ومن لم يفلح لا يلومَنَّ إلا نفسه، حتى ولو انضم إلى جحافل الجياع المتزايدة أعدادهم في هذا العالم.

النظام العالمي الجديد (القديم؟) هو نظام الحداثة والديموقراطية. جيوشه هي التي تحقق حقوق الإنسان، وكل من يخرج عليه إرهابي. علينا أن نختار بين حقوق الإنسان وحق تقرير المصير. الأول عنوان للنظام العالمي، الثاني يعبّر عن لغة خشبية مُفَوَّتة قديمة؛ لغة الخمسينيات والستينيات مرفوضة. تُرفض هذه اللغة الأخيرة ليس بسبب الأخطاء فيها بل لأنها لم تحقق النتائج المرجوة. نبدأ من النتائج ونهمل الأسباب. بالأحرى، نضع النتائج قبل الأسباب. الأمر سيان؛ في خضم الصراع على السلطة، تتغيّر معايير العقل والوعي والالتزام.

ينفصل التحرير عن الحرية. واكبنا التحرير (ولو بسخرية). أيّدناه بعد الانسحاب. إسرائيل باقية لكن في أرض فلسطين، أي خارج الحدود اللبنانية. لم تعد عدوانية. القتال ضدها بعد التحرير بسنوات ليس قتالاً لدفع العدوان، بل هو خدمة للبعبع الطائفي والمذهبي الذي يتناقض مع حقوق الإنسان والديموقراطية ومتطلبات النظام العالمي الجديد. التحرير في مكان والحرية في مكان آخر. التحرير أدّى ما هو مطلوب منه. أما الحرية فهي تأتي مع جيوش الاحتلال «الأجنبية».

الواقع أن تعبير «أجنبي» تغيّر معناه. صار الأجنبي فينا. صار جزءاً منا. هذا هو الجزء المرفوض والمستنكر المناقض للحداثة وأسبابها. أما الأجنبي الآتي من وراء البحار فهو يحمل معنى الحداثة والديموقراطية وكل ما هو مرغوب مطلوب. يصير هو الحرية. يتغيّر المعنى، ينقلب العدو صديقاً. والصديق عدواً، حسب متطلبات الصراع على السلطة. أما الهوية فهي طوع البنان. ومن يمتلك وسائل الخوف والتخويف يستطيع مصادرة الهوية وإضفاء معنى الجماعة على أي مطلب من مطالب السلطة.

في خضم الصراع على السلطة، نستعين على الأجنبي الكامن فينا بالأجنبي البعيد. لا مانع من احتلال إضافي هنا وهناك. في الماضي برّر الاستعمار نفسه باعتبارات مهام التمدين والتحديث وحقوق الإنسان. انقلب الأمر، صار مطلب الحداثة والعدالة يبرّر الاحتلال. وما عاد الاحتلال يعتبر استعماراً. علينا الخروج من اللغة الخشبية إلى مناداة الضمير والوجدان. القلب والوجدان يطلبان العدالة. لدينا جثث كثيرة محروقة، فجّرتها قنابل مدسوسة في الليل أو خفية من النهار. داخلنا معتم مظلم يدعو إلى اليأس من أنفسنا. ما عدنا نذكر العروبة إلا في المناسبات السيئة. ويبقى السؤال: كيف نطلب العدالة من نظام عالمي لم يحقق العدالة في أي مكان آخر في العالم؟

يغيب عن الوعي السائد ما يربط بين الاحتلال والحرب الأهلية. يصير الاحتلال مطلباً لدرء الحرب الأهلية، على اعتبار أن الحرب الأهلية قدر مكروه. قدرنا الحرب الأهلية الناتجة عن عوامل الشر الكامنة فينا. هنا ننسى جبروت النظام العالمي الذي التجأنا إليه. ننسى التدرّج من النظام العالمي إلى الصراع على السلطة إلى الحرب الأهلية. تصير الحرب الأهلية نتيجة طبيعية لتاريخنا المليء بالمآسي، وليست حصيلة تفاعلات النظام العالمي في مجتمعنا الذي يتم تدميره وتفكيكه بعد أن حُرِمت دوله من الشرعية.

صوملة (نسبة للصومال)، عرقنة (نسبة للعراق)، فلسطنة (نسبة لفلسطين)، لبننة (نسبة للبنان)، ألا يبدو أن هناك بعض الفراغات في لوحة شطرنج الدمار العربي؟ ألا يُستكمل الدمار العربي الذي وُعدنا به بعد 11 أيلول؟ أسئلة لا يُراد الجواب عليها لدى من لا يبغي أو لا يستطيع تعاطي السياسة بمعناها الأسمى، ولدى من يريد الاقتصار في السياسة على الجزء المتعلق بالصراع على السلطة.

18/6/2007
صفحة 7
مؤتمر باريس ...العودة إلى الحوار والسياسة؟

جاءت الدعوات إلى مؤتمر للحوار اللبناني سيعقد في إحدى ضواحي باريس. الحوار هو جوهر السياسة. هو المطلوب في كل زمان ومكان. نعلق آمالاً على كل حوار مهما كانت التوقعات. ما تعوّد اللبنانيون على توقع الكثير من حوارات الطبقة السياسية في لبنان. لكن الأمل يجب أن يستمر. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

ستكون رعاية المؤتمر فرنسية. ستكون مدعومة أميركياً. مع التمني للمؤتمر بالنجاح، إذ الوضع في لبنان لا يحتمل التأجيل؛ فالواضح أنه لم يعد هناك بلد عربي يستطيع استضافة المؤتمر (كما في الطائف، مثلاً). المبادرات العربية لم تفلح، نتمنى أن يفلح المؤتمر الذي سينعقد في باريس. كل شيء يشير إلى أن المصير، في لبنان والمنطقة، يقرّر غربياً. بما أن الأمن والاستقرار لهما الأولوية على كل أمر اقتصادي وسياسي واجتماعي، إلخ... فإن تأييد المؤتمر وتمني النجاح له يعتبران تحصيل حاصل.

ماذا يمكن أن يناقش المتحاورون في مؤتمر باريس مما لم يكن ممكناً مناقشته في مؤتمرات الحوار في بيروت؟ المواضيع نفسها. الراعي يتغيّر. الراعي هناك أكثر قوة وسيطرة عالمية. هو يعرف أكثر من غيره ما يجب أن يحدث في هذا العالم؛ لسبب بسيط جداً هو أنه هو الذي يقرّر ما يجري في العالم.

في مؤتمر الطائف نوقشت الورقة التي قدمها لبنانيون (الشهيد رفيق الحريري). أقرها نواب لبنانيون (من كان بقي منهم على قيد الحياة بعد 27 سنة من آخر انتخابات نيابية). الرعاية والاستضافة كانتا عربيتين. مبادرة الأمير عبد الله للسلام مع إسرائيل والتي أقرت في قمة بيروت 2002 جوبهت بحرب ضروس ضد الفلسطينيين في اليوم التالي لاختتام القمة. اتفاق مكة المكرمة بين الفلسطينيين برعاية الملك عبد الله حولوه إلى حرب أهلية برغم قيام حكومة الوحدة الوطنية. لم يصبح الفلسطينيون مؤهلين للسلام، ولا لحكم أنفسهم بأنفسهم، ما لم يعطوا شهادة حسن سلوك من الجهات المعنية الإمبراطورية، بعد أن يتقيّدوا تقيداً تاماً بالشروط (بالصورة) المرسومة لهم. مبادرات السلام الجدية منذ 1948، كانت معظمها عربية. لم تحقق أي منها نتائج لأن العرب في نظر الإمبراطورية لا يستحقون السلام. يستحقون أن يكونوا موضوعاً للحرب فقط.

في خضم حرب الإرهاب العالمية التي تشنها الإمبراطورية على العرب لا يبالغ أي عربي أو لبناني بإعطاء الأولوية للاستقرار. يتمنى الاستقرار عن طريق أي مؤتمر للحوار، سواء أكان في بلد عربي أو أوروبي أو أميركي. الاستقرار أفضل وسائل المواجهة ضد الحرب. المقاومة خيار ثان: في مواجهة الاحتلال فقط. لا نحصل على الاستقرار. تدخل حرب الإرهاب المبرمجة الاحتلال الى عقر دارنا. تنشأ مقاومة؛ في مجتمع يتكسر تحت وطأة الضغوط الخارجية وترسيمات الفرق الأصولية المحلية، يمكن لمقاومة أخرى أن تنشب. الحرب الأهلية لا تحصل نتيجة تنوعات دينية ومذهبية وإثنية، بل نتيجة سياسات وممارسات تؤدي إليها تدخلات النظام العالمي في ظروف البلد المعني. كل بلد متنوع إثنياً ودينياً، ولا حروب أهلية في كل بلد؛ لا تحتاج الحروب الأهلية إلى تنوع كي تغذي نفسها. الحروب الأهلية تغذيها وتستفيد منها سياسات محددة في ظروف تاريخية محددة. هي إنشاءات سياسية.

الحروب الأهلية في كل مجتمع حالات طارئة. ليست صفات تتسم بها ثقافات معينة. لا تنشأ نتيجة فشل اجتماعي وثقافي لمجتمع؛ لا تحدث نتيجة خطأ ارتكبه مجتمع، بل تحصل نتيجة سياسة تركَّب داخلياً وخارجياً بحق المجتمع المعني.

سيذهب المدعوون إلى مؤتمر باريس. سيحمل كل منهم موقفاً. سيكون نجاح المؤتمر مرهوناً بتسوية يتفق عليها الجميع. لا ترضي التسوية أي طرف بالكامل، لأن على كل طرف أن يتنازل عن بعض من موقفه من أجل الالتقاء مع الأطراف الأخرى في نقطة أو مساحة مشتركة. الأمل أن يكون عند جميع الأطراف استعداد لتقديم بعض التنازلات. خطاب التأكيد المؤدي إلى إصرار كل طرف على مواقفه المسبقة لن يكون منتجاً لتسوية ولن يكون مقبولاً من الجمهور اللبناني.

يحتاج المؤتمر إلى تحضيرات أهمها تقديم ورقة عمل تحوي اقتراحات للحلول والتسويات، أسوة ببقية المؤتمرات الناجحة (مؤتمر الطائف، مثلاً).

تستطيع الحكومة أن تطرح برنامجاً للحل. وما تتمتع به من دعم خارجي يتيح لها أن تكون أكثر فاعلية. وأن تتلافى انفراط الدولة والمجتمع، وأن تحول دون فرض حلول قسرية تدفع بعض المتحاورين إلى مقاومتها خلال المؤتمر أو بعده. وإذا فعلت الحكومة ذلك تكون قد أدت دورها السياسي في إدارة شؤون المجتمع). هذا الدور مطلوب منها حسب القانون والدستور.

في غياب السياسة والحوار تتفاقم التشنجات المذهبية والطائفية والعنصرية والطبقية وغيرها... يمكن لكل منها أن تتحول إلى أصولية متطرفة. مع انتشار الأصوليات تتلاشى المساحة المشتركة بين الناس، وتتفاقم النزاعات. لا بد من إيجاد مساحة مشتركة واجتراح التسويات التي تُبنى على أساسها.

الويل لمجتمع تغيب عنه السياسة ويتلاشى فيه الحوار.

6/7/2007
صفحة 8
من الطائفية إلى الأصولية؟

انفلت الخطاب الطائفي من عقاله. بلغ مستوى غير مسبوق من العنف. فما يقوله أبناء الطوائف بين بعضهم أسوأ مما يصرح به السياسيون أو ما يتبادله من كلمات أبناء طوائف مختلفة عندما يجتمعون. والمشكلة هي أن الطائفية عندما يندفع منطقها إلى نهاياته تتحول إلى الاصولية حتماً؛ وهذا ما لا يدركه اصحاب الخطاب الطائفي (واذا كانوا يدركونه فالمصيبة أعظم)، وما لا يدركه القادة السياسيون المرتاحون لكون التشنج الطائفي لم يتحول بعد إلى حرب اهلية.

تتعلق الطائفية بوجود جماعات وسيطة تسمي نفسها طوائف، وتلعب دور الوساطة بين الفرد والدولة. الطائفة تحول الافراد إلى رعايا لها. تمنعهم من المشاركة في الدولة الا عن طريقها. تحول بينهم وبين ان يصيروا مواطنين. آلية عمل الطائفية لا تترك الخيارات مفتوحة لأتباعها. تصادر تنوع الهويات في كل فرد منهم، تفرض على كل فرد هوية واحدة؛ تمنع الخروج وحق الخيار. الوسائل التي تتبعها مخيفة. اهمها العزلة الكاملة. وقد عاناها كل من خرج على طائفته في العقود الماضية. لا يعتبر الخارجون على الطائفة وطنيين بأعلى مستويات الانتماء، بل يعتبرون خونة لطائفتهم.

تتعلق الأصولية، وهي شائعة بين كل الاديان على الكرة الأرضية، بالجماعة (أو الجماعات) الوسيطة بين الفرد والله. لا تعتبر الدولة الراهنة، في البلدان الإسلامية وغيرها، دولة شرعية. لا تأبه إلا لدولة الخلافة؛ تجهد كي تعيد المواطنين إلى الحالة التأسيسية الاولى. تدعو إلى الاعتماد على النصوص الاولى التأسيسية. تلغى تراكمات التاريخ من ممارسات دينية وتفسيرات للنصوص. لديها تفسير واحد للنصوص، ومن لا يتقيد بهذه النصوص تعتبره كافراً. لا تأبه للمذاهب الاخرى. تكفّر المجتمع، تعتبره جاهلية جديدة. تناضل ضده. تنقل نضالها من الجهاد ضد الأبعدين (الغرب) إلى الجهاد ضد الاقربين (المسلمين الآخرين).

بعد تمتين الصلة مع السماء تعود الاصولية إلى الارض للاهتمام بشأن العباد والدولة. تناضل ضد الدولة سواء أكانت في مجتمع اسلامي ام في غيره، وتعتبرها كياناً غير شرعي. تناضل ايضاً ضد المجتمع الإسلامي. تعتبره جاهلية جديدة، عادت به إلى حالة الكفر. يكفّرون المجتمع؛ ويشكل التكفير اساس برنامجهم السياسي. لا حوار بينهم وبين المسلمين الآخرين. هم حالة جهادية لهداية الامة. ما يسمونه سياسة هو في النهاية انقطاع للحوار وللسياسة.

يخرج الأصوليون التكفيريون من المجتمع، ويختفون عن انظار الدولة، فهم يدينون المجتمع ولا يستطيعون العيش معه. هم يدينون الدولة وهي تلاحقهم.

تستطيع الطائفية ان تمارس علاقة مع الدولة. هي لا تريد اكثر من مصادرة أتباعها لتوزعهم بعد ذلك على السياسيين الذين تتشكل منهم السلطة. التعاطي مع السلطة هو في اساس البنية الطائفية، ولا تقوم البنية الطائفية إلا على أساس الدولة وفي إطارها. ففي الدولة مغانم لا بد من اقتسامها. وكل طائفة تريد حصتها، وإلا فإنها تخرج أو تُعْزَلُ، والحالتان تؤديان إلى انهيار الدولة أو توقف اعمالها؛ وفي حالة التقاء عوامل خارجية معينة يمكن ان يقود الخروج والعزل إلى الاقتتال.

تستند الطائفية الاصولية إلى الأسس ذاتها. لكن واحدة منها تستطيع التعايش مع الدولة والمجتمع، والأخرى ترفض ذلك. من المعروف أنّ الجماعات الجهادية التكفيرية خرجت من رحم الجماعات الإسلامية التي تخوض الانتخابات (إذا سمحت لها الدولة) وتبذل الجهد لتمثيل المجتمع في الدولة. الجماعات الإسلامية لا ترفض الدولة أو المجتمع، بل تختلف مع وجهة نظرهما وتريد أن تكون جزءاً منهما مع الحفاظ على اختلاف وجهات النظر.

لا تستطيع الأصولية تحمل اختلاف وجهات النظر. تدعو الآخرين إلى الاهتداء. إما ان يصير الآخرون إلى شبه بها وإما أن يصار إلى تكفيرهم.

ما لا نستطيع تجاهله هو أنّ التشنجات الطائفية يمكن ان تدفع بأصحابها إلى رفض الاختلاف، والإصرار على تكفير المختلف والى الجهاد من أجل أن يصير المختلفون متشابهين. ما لا نستطيع تجاهله هو أن اليأس السياسي قد يؤدي بأصحابه إلى الإحباط والى رفض كل انواع الحوار والنقاش وإلى الجهاد على انه السبيل الوحيد للخلاص. ما لا نستطيع تجاهله أنّ حدة النقاش الطائفي في لبنان قد تدفع الأطراف المختلفة، على الصعيد الشعبي، إلى رفض مبدأ الحوار والى الانتقال نحو أصولية دينية من نوع مذهبي.

كل خلاف ديني مذهبي داخل الجماعات الدينية بدأ خلافاً وسياسياً وتطور في اتجاه إيجاد مبررات دينية تصنف الناس بين مؤمن حقيقي ومؤمن خارج عن الايمان الصحيح. وما يُخشى منه الآن هو أن الخلافات السياسية، على قاعدة طائفية متشنجة، يمكن ان تقود إلى تعميم الاصولية لدى الطوائف والمذاهب. وعندها، لا يبقى إلا اللجوء للجهاد واستخدام وسائل العنف فيما بينها.

إنّ الخطاب الشائع لدى المثقفين ورجال السياسة ورجال الدين، بل لدى عموم الناس، هو خطاب متشنج واثق من حقائقه؛ يقرر حقائقه بغض النظر عن الوقائع. في هذا الخطاب كثير مما هو مشترك مع الخطاب الأصولي. والكلام عن اسلمة لبنان هو الوجه الآخر لما يظهر حسنه (بل بشاعته) الضد.

عندما تتحول الطائفية إلى أصولية، وعلى الأرجح سيكون التحول فجائياً بوسائل العنف، سوف يترحم الجميع على الطائفية. التشاؤم في المرحلة الراهنة أكثر تعقلاً من التفاؤل أو من اعتبار أنّ الأمور سوف تبقى طبيعية.

20/7/2007
صفحة 9
ملائكة الحرب وأوهام السلام

تعود من إجازة أسبوعين في بلد أوروبي. كانت الاجازة زيارة للابن وعائلته، اختار العمل في بلد أوروبي بانتظار قيام الدولة، بالأحرى تخفيف قبضة العصابات عن الدولة اللبنانية. لا تستطيع الاطمئنان إلى وجود أولادك في لبنان في غياب حد أدنى من الاستقرار الذي لا يتوفر دون مشاركة. المشاركة لا تتحقق عندما تقبض على البلد طبقة مالية سياسية، تحكم، تتصارع وتوزع الادوار على المتصارعين على السلطة؛ دون أن يعرف أحد ما هي حقيقة قضايا الصراع. والكل يعرف ان ما يقوله السياسيون لا يعبر عن حقيقة القضايا، بل هو للتعمية ولإثارة مشاعر الخوف والتخويف لدى كل فريق طائفي في سبيل مصادرة الطوائف وتسييرها.

تقرر زيارة الشريط الحدودي، مع بعض الاصدقاء، لمناسبة الذكرى الأولى لانتهاء حرب تموز. أن ترى غير ما تسمع. يجب ان ترى كي تشعر بالوقائع. يجب ان لا تترك الامور لبعض الحواس دون أخرى. تنطلق السيارة من العاصمة باتجاه الناقورة، ثم تأخذ طريق قرى مثل عيتا الشعب، يارون، مارون الراس، الطيبة، العديسة، سهل الدردارة ومرجعيون وصولاً إلى جزين بعد ست ساعات من المشقة في السيارة.

تشعر وانت تترك العاصمة أنّك تترك لبنان. بالطبع ينحدر مستوى العمران كلما ابتعدت عن العاصمة. لكنك عندما تنطلق من الناقورة عبر القرى الحدودية تشعر أنّك في منطقة منسية. منطقة خرجت من وعي جزء كبير من اللبنانيين. تستغرب ان تراهم يعيشون حياة عادية. في يوم صيفي حار لا تتوقع ان ترى الكثيرين يتنزهون على قارعة الطريق. ما تشاهده العين مباشرة هو ثلاثة انواع من النشاط؛ في بعض القرى ترى بعض مصاطب البيوت وقد جمعت فوقها العائلات تعمل في «شك» الدخان، وهو عمل مضن وشاق يستغرق الوقت من الفجر إلى المغرب. زالت هذه الزراعة من القويطع في الكورة. حيث مسقط راس كاتب هذه السطور، منذ بداية الحرب الاهلية الماضية.

النشاط الاقتصادي الثاني هو الدكاكين المفتوحة. قليلة جداً هي المقاهي حيث يمضي النهار ناس يدخنون الاركيلة أو يلعبون الكوتشينا أو الدومينو أو طاولة الزهر دون ان يؤدوا عملاً منتجاً. والنشاط الثالث هو صب الباطون، في معظم القرى، لبناء ما تهدم. وما تهدم كثير يبعث على الانقباض والحزن. ما يحزنك اكثر من أي شيء آخر هو غياب الدولة. من يقوم بإعمار المنازل هم أشقاء من بلدان عربية اعتبرنا اهلها أجانب منذ قيام الكيان اللبناني. لكننا رحبنا بتبرعاتهم عندما اعلنت الدولة غداة الحرب، تخليها عن واجباتها تجاه شعبها، واستنكافها عن الإعمار؛ ورحبت بالغير للقيام بذلك على أساس مبدأ التبني. فكل من يتبنى مشروع اعمار قرية أو جسر أو طريق مرحب به شرط ان لا يكون الدولة اللبنانية.

على طول قسم كبير من الطريق ترى الشريط الفاصل بين لبنان والارض الفلسطينية المحتلة. حيث لا ترى الشريط الفاصل يمكنك التمييز بين الارضيْن بوسائل اخرى. ترى، كما يقول الزميل المرافق، الفرق بين أرض خضراء مشغولة وارض جرداء مهملة. يقول الزميل نفسه إن الإسرائيليين في بداية اغتصاب الارض الفلسطينية بدأوا بتنمية الاطراف، ذكّرنا بما كان يسمى الكيبوتز. بعض اهم معارضي السياسة الاسرائيلية الرافضة للسلام هم من اليهود الذين نشأوا في الكيبوتزات، من أمثال نعوم تشومسكي.

في بعض أجزاء الطريق الطويلة، خاصة بين سهل الدردارة (الواقع بين الخيام ومرجعيون)، تشعر ان الطريق اصبحت ضيقة جداً، وكأنها مقطوعة. تفكر بمعنى انقطاع منطقة كبيرة عن الوطن: هل هو صادر عن اهل المنطقة أم عن سياسة الدولة. إذا كنت من القائلين بأهمية السياسة، بمعناها الأسمى، أي بمعنى إدارة شؤون المجتمع وليس فقط بمعنى الصراع على السلطة، تدرك ان الانقطاع سياسة مقصودة. يعتصر قلبك وانت تفكر ما الفرق بيننا في لبنان وبين اسرائيل: لا تجد فرقاً سوى في قيام الدولة عندهم وتغيّبها عن مهامها عندنا. الدولة كأطار ناظم للمجتمع هي الغائبة عندنا؛ والسياسة كنشاط جوهره الشأن الاقتصادي هي الغائبة عن الوعي لدينا.

تسوق سيارتك، ترى الارض المحتلة عن يمينك والارض اللبنانية عن يسارك. تتداخل الحدود تفكر بانجازات المقاومة. تفخر بها وتفرح. لكن الكآبة تعود إلى نفسك وانت ترى غلبة الفقر المدقع. بعض الفيلات التي بناها مهاجرون بأسلوب معماري معين تقلب الرؤية لدى البعض. فهناك من يتحدث كذباً عن الراحة المادية لدى أهل الجنوب، وعن اكتفاء المنطقة بخدمات البنى التحتية. لا تشك لحظة في ان لدى كل فيلا مولد كهرباء وبئر ماء خاصين بها، فالطبقة الرفيعة ماديا مضطرة للتغاير عن مجتمعها أو للعزلة عنه.

تهبط في طريق العودة من جزين تمر بموقع نسيه معظم الناس. في كفرفالوس كان الشهيد رفيق الحريري يبني مجمعا ثقافيا ضخما منذ 1978 . جامعة تديرها إدارة الجامعة اليسوعية. مستشفى مع كلية تمريض تديرها إدارة الجامعة الأميركية في بيروت. ثانوية للمقاصد. مدارس مهنية بالتعاون في إدارتها مع الفرنسيين. مركز ثقافي للمحاضرات وغيرها. محطة توليد كهرباء، محطة لمياه الشفة، محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي. بعض هذه المنشآت انتهى انشاؤها وبدأت تعلم التلاميذ وتداوي المرضى قبل الاجتياح الاسرائيلي في 1982 . دخلت اسرائيل وخربت المشروع. ترى خراب المشروع وتدمع عيناك. تتذكر كلام السيد حسن نصر الله في اليوم الفائت: انهم لا يريدون لنا ان نتعلم، كي نبقى مهزومين.

يحل عليك التعب في طريق العودة. تغمض عينيك وانت تتساءل: ألم يكن خطأ فصل المقاومة المسلحة عن المقاومة بالاعمار والنهوض الاقتصادي في التسعينات؟ سؤال مؤلم لمن شارك في المسؤوليات الرسمية آنذاك. نتساءل: كيف نتوصل إلى السلام دون بناء الدولة؟ وكيف تبنى الدولة دون المقاومة بجميع أشكالها؟ وكيف لا يسمى الامر مقاومة (بجميع اشكالها) ونحن أمة تتعرض للحروب العدوانية الواحدة تلو الأخرى، وللغزو وللاحتلال؟ تجاوز العالم كله مرحلة النضال من أجل التحرر الوطني، ما عدانا نحن. لكننا لم نعد قادرين، بسبب تشتيت الوعي، على النطق بكلمة «نحن» ومن ثمة تحديدها. العروبة، كما يقال، يجب إعادة النظر بها كي تصير «حضارية»، اما تغييب جزء كبير من اللبنانيين عن وعينا، وعن الدولة، وعن الحق بالحياة الكريمة، ووصمهم بثقافة الموت، فهو امر لا يعتبر بربرياً.

تفتح عينيك على مداخل العاصمة، تدخل الرملة البيضاء، يسألك زميلك: الم يفلش هذا الزفت على طرقات هذه المنطقة حديثا. تجيبه يفلش الاسفلت هنا كل عام. في هذا الجواب ألف اجابة.

18/8/2007
صفحة 10
هُزمت العصابة تبقى المشكلة

انتهت مأساة نهر البارد. بدأت مأساة اخرى. عولجت التكفيرية الإسلامية بانتصار مبين. كيف تعالج التكفيرية اللبنانية. يبدو أن التكفيرية، المفترض ان تأثيرها كان محصوراً بين مقاتلي نهر البادر، تركت آثاراً واسعة على الوعي السائد. وهذا هو موجب الحديث عن هذه المأساة الأخرى، وهي مأساة أصابتنا في صميم وعينا.

تنطلق التكفيرية الإسلامية من وعي يرى تقسيم المسلمين بين مؤمنين حقاً وآخرين ارتدوا إلى جاهلية جديدة. أهل الجاهلية الجديدة تجدر هدايتهم بالقوة لا بالدعوة. فقد التكفيريون ملكة الحوار والدعوة، لجأوا إلى العنف ضد العدو الاقرب، وحل العدو الاقرب (أبناء مجتمعهم الذين لا يوافقونهم الرأي) مكان العدو الابعد، الغرب الذي يحتل بضعة بلدان عربية وإسلامية.

سمعنا من قبل كلاماً عن تقسيم اللبنانيين بين «ثقافة الموت» و«ثقافة الحياة». تجاهل أصحاب هذا التقسيم أن هناك «ثقافة القتل» الاسرائيلية الأميركية التي تنتج الاحتلالات وتبرر الحروب. تجاهل اصحاب هذا التقسيم أيضاً أن المقاومة نتيجة حتمية للاحتلال. ادانوا الضحية واهملوا ذكر القاتل.

نسمع الآن كلاماً اوسع انتشاراً بين الناس حول تصنيف السكان بين لبناني وغير لبناني. بالطبع يستند هذا التصنيف، في الأساس، إلى مواقف سياسية حادة، لكنه يجعل الموضوع جماعات بكاملها من المقيمين على الارض اللبنانية، من لبنانيين وغير لبنانيين. هناك اعداد كبيرة من اللبنانيين (ربما يشكل بعضهم طوائف بكاملها)، وهناك اعداد متزايدة من الذين خرجوا على طوائفهم، وكل من تراءى له رأي مغاير لاكثرية الطائفة. كل هؤلاء يجب اسكاتهم، حتى لو استخدمت ضدهم وسائل العنف، وهناك انتشار للسلاح يتيح استخدام العنف ضد المغايرين. من حسن الحظ ان العنف المادي لم يستخدم باتساع حتى الآن. لكن العنف الكلامي الذي يتم استحضاره، وهناك من يعمل على تأجيجه، هو ما يتسم بالخطورة. والامر سيزداد سوءا عندما تلجأ اجهزة معتمدة للتصفيات على أساس الرأي.

إن المواطنة في لبنان وفي أي بلد لا تستلزم اكثر من حمل بطاقة الهوية وطاعة القوانين ودفع الضرائب. أما الرأي فهو لا يدخل في تعريف المواطنة. فهل يحق لأحد ادإنة آخر بعدم اللبنانية، إلا إذا كان الذي يوجه الادانة ذا خلفية ايديولوجية تدفعه إلى ادانة الآخرين المخالفين وتكفيرهم واستخدام وسائل ضغط معنوية ومادية من خارج القوانين والدستور؟

ما عاد بالإمكان إجراء محادثة عادية هادئة أو حتى مؤدبة بين لبنانيين من طوائف مختلفة، أو بين لبناني وفلسطيني، أو بين لبناني غير أرمني ولبناني أرمني. العنف الكلامي يسيطر على كل محادثة. حروب أهلية يخشى من نتائجها حتى ولو لم تتطور إلى استخدام وسائل العنف. يعبِّر العنف الكلامي عن أحقاد مفتعلة وعن كره متبادل مصطنع. كل ذلك يشل الحياة السياسية، ويمنع مناقشة القضايا الأساسية الجدية. يجعل الحوار مستحيلاً، بل يجعل السياسة غير ممكنة. وكل «حوار» على برامج التلفزيون المسائية هو نوع من التراشق الذي يساهم في التشنجات.

تلعب النخب الثقافية ومن بينها جمعيات المجتمع المدني، دوراً سيئاً في هذا الجو. افترضت جمعيات المجتمع المدني وبقية النخب دوراً وسيطاً لنفسها بين المجتمع والدولة، رغم أنها غير منتخبة. لكنها اقتطعت دوراً لها في الحياة العامة وخالفت الأسس التي كانت قاعدة الدور الوسيط. صارت اطرافاً تعمل لدى افرقاء الطبقة السياسية التي تحرض وتثير وتصنع الغرائز التي تؤدي بدورها إلى ان تصير الحقائق مجرد وجهات نظر بغض النظر عن الوقائع.

إن الإعمار في مخيم نهر البارد، أو في الجنوب والضاحية وبقية المناطق مسألة تقنية.

التقنيون ينفذون ما تكلفهم به السلطة السياسية. الجانب التقني هو الامر الاسهل، سواء توفر التمويل الخارجي ام لم يتوفر. اما الجانب السياسي فهو الامر الاصعب حين يجري العمل عن سابق تصور وتصميم لإلغاء الأسس التي تقوم عليها الدولة السياسية، والدولة لا تكون الا سياسية. في غياب التواصل السياسي يصبح كل شيء صعب المنال. ويصير تحقيق اية مهمة تقنية شبه مستحيل.

هُزمت عصابة «فتح الإسلام». وكان ذلك ضرورياً. وعلينا تهنئة الجيش وكل من ساهم في ذلك. يبقى المزاج العام التكفيري الذي يدفع الانقسامات الدينية والاثنية إلى تطرف عرقي فاشي. يُفتعل هذا المزاج العام ويُغذى، وهو ما يفسر الحالة السوداوية التشاؤمية التي يعانيها الشعب اللبناني. دون معالجة هذا الامر، ودون تغيير جدي في خطاب الطبقة السياسية في لبنان، ستكون عودة السياسة إلى الحياة العامة امراً بعيد المنال، وسيكون صعباً البناء ونهوض الدولة.

7/9/2007