eKtab
EN ع
في مواجهة الأمركة
اقرأ عينة مجانية

في مواجهة الأمركة

بقلم محمد أحمد النابلسي

صفحة 1

مقدمة

تحت إعلان النظام العالمي الجديد ترجمت الولايات المتحدة تفردها قطباً أوحد باصطناع حرب العراق الأولى. بما يذكرنا بإصطناعها للحرب الكورية في الخمسينيات. مع فارق غياب الاتحاد السوفياتي الذي أتاح للولايات المتحدة جني ثمار تلك الحرب دون منازع. بعدها طرح الأميركيون مصطلح العولمة بدلالته الاقتصادية (عولمة اقتصاد السوق الأميركية) بدعم نموذج "النمور الآسيوية" مثالاً على الأرباح التي تجنيها الدول النامية إذا هي انخرطت في نظام السوق. وهكذا هرولت دول عديدة نحو العولمة لتكتشف لاحقاً عبثية هذه العولمة والخسارة الناجمة عنها، ولكن بعد فوات الأوان. ثم جاءت حجة الدفاع عن القيم الغربية المتجلي في حرب كوسوفو. حيث لم تكن اعتراضات ميلوسوفيتش على شروط السلام الأميركية سوى اعتراضات شكلية. لكن الوسيط أميركي ترجمها رفضاً. بما يعكس نية أميركية مبيتة على شن حرب جديدة. لكن قيادة كلينتون لتلك الحرب كانت أقل صلفاً وتحدياً للمشاعر من سابقه بوش الأب. فقد خاض كلينتون تلك الحرب من دون استخدام أسلحة ذات ثمن استراتيجي ليكتفي بصواريخ التوما هوك. وليخرج من تلك الحرب بفائض في الميزانية الأميركية يبلغ 115 مليار دولار. وهو أضاف إليها تعديل استراتيجية الحلف الأطلسي. وهو تعديل حول الحلف من الدفاع إلى حق التدخل في المناطق التي توجد فيها مصالح لدول الحلف. هذا التعديل الذي انتزع من الأمم المتحدة دور تقرير السماح أو عدمه بالتدخلات العسكرية في مناطق محددة في العالم (حددتها اتفاقية التعديل، وضمت الشرق الأوسط، وشمال إفريقية والقوقاز). بحيث باتت الولايات المتحدة طليقة اليد في تلك المناطق بمجرد إعلانها عن وجود مصالح لها فيها. وابتلع الأوروبيون الطعم بفضل دبلوماسية كلينتون ومرونته. حيث منحهم حق التدخل في شمال إفريقية وهي منطقة شديدة الحساسية لدى أوروبة. إضافة إلى ربط التدخل الأميركي بموافقة أطلسية. لكن ووكر بوش،بذريعة 11 أيلول / الحرب على الإرهاب، تجاوز الأمم المتحدة ودول الأطلسي ليشن حربه العراقية غير آبه بكل المعارضات العالمية لتلك الحرب. بما اعتبر إعلاناً صريحاً عن إطلاق مشروع أمركة العالم. حيث تتقدم المصالح الأميركية على كل الاعتبارات. من الأمم المتحدة إلى الحلف الأطلسي مروراً بالرأي العام العالمي والتكتلات الإقليمية وحتى أصدقاء أميركا السابقين.

لقد أظهرت أميركا بوش جملة انفجارات هوسية، وزعت عدوانيتها في جميع الاتجاهات مطلقة شعار الأمركة. بدلالة الأفضلية العالمية لخدمة المصالح الأميركية على أي اعتبار آخر. حيث مورست العدوانية الأميركية على الأصدقاء مثل فرنسة وألمانية وإسبانية والبرتغال وبريطانية الحليفة وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي. إضافة للأصدقاء العرب المزمنين مثل السعودية والى روسية وغيرها. حتى أمكن القول بأن بوش أفقد أميركا أصدقاءها؟!.

الأمركة بهذا المعنى هي فعل اعتداء ناجز، ومخالفة صريحة للشرعية الدولية وللأحلاف. وهي من ثمّ جريمة. فمن المستفيد من هذه الجريمة؟. المواطن الأميركي اكتشف فجأة أنه غير آمن (بمناسبة 11 أيلول وعقابيله). وهو يعيش أزمة اقتصادية تهدد مدخراته ورخائه وتعويضات تقاعده وتهديدات عجز في ميزانية بلاده بلغ حدود ال 455 مليار دولار. ومن ثمّ فإن هذا المواطن غير مستفيد!؟. فمن المستفيد إذن؟.

إنها الشركات الأميركية الكبرى المفلسة منذ نهاية التسعينيات. والتي تحتال منذ ذلك التاريخ على مستثمريها لغاية فضائح إفلاسها عقب زلزال البورصات المصاحب لحوادث 11 أيلول. حيث لم يعد من الممكن التكتم على هذه الإفلاسات، فتم إعلانها بصورة تدريجية مدروسة. وأصبح إنقاذها وإنقاذ السوق الأميركية يقتضي جولات من السطو على ثروات الآخرين. وكان النفط العراقي، والعربي بعده، أسهل عمليات السطو وأسرعها، فكانت الحرب العراقية. وهي غير كافية لإنقاذ السوق بما يستدعي اتباعها بجملة عمليات سطو لاحقة في المنطقة (قد لا تكون عسكرية بالضرورة). ومن هنا توزيع التهديدات الأميركية على دول المنطقة من دون استثناء.

أمام هذا الطابع الجرمي للأمركة حق لنا التساؤل عن سبل مواجهة هذه الأمركة. وهو تساؤل يستند إلى مقولة صينية تعود إلى زمن حرب الأفيون. وهي تقول: «...نعلم أنكم أيها البرابرة الإنكليز قد حملتم معكم وطورتم عادات وطباع الذئاب واستوليتم على الأمور بالقوة. وفي ما عدا سفنكم القاسية ونيران بنادقكم الوحشية وصواريخكم القوية، ما هي قدراتكم؟».

وهي مقولة تستأهل الوقوف عندها بمناسبة الهياج الهوسي الأميركي الراهن. وهي مقولة ترددها بشكل أو بآخر فصائل المعارضة العراقية، وقسم لابأس به من المنظمات المصنفة إرهابية من قبل أميركا!؟.

صفحة 2

لكن اقتراحاتنا لمواجهة الأمركة تحاول أن تستند إلى مراجعة نقدية لمشاريع الأمركة. فهذه المواجهة تقتضي برأينا الشخصي المعرفة الدقيقة لتفاصيل هذه المشاريع وخلفياتها وطموحاتها وأدواتها. حيث وجدنا من الضروري أن نضع بين يدي القارئ العربي نصوص هذه المشاريع مترجمة إلى العربية. إذ لا يجوز أن يسمع هذا القارئ بمشروع تغيير الخارطة العربية وبمشروع الشراكة الأميركية مع الشرق الأوسط (مبادرة باول) ومشروع الحرب الاستباقية التي أرساها بول وولفويتز وتبناها بوش لتصبح (مبدأ بوش) وكذلك فرضية (الحرب الافتراضية) غير المعروفة على نطاق واسع، لكنها كانت فاعلة في حرب العراق. بل إن تلك الحرب كانت أولى تطبيقات هذه الفرضية. التي ينتمي منظروها إلى مؤسسة راند حيث يزاملون فيها وولفويتز وكيسينجر وغيرهم. كما لايجوز أن توضع هذه النصوص أمام القارئ العربي بدون قراءة نقدية لها. ومثلها كتب تلعب دوراً هاماً في القرار الأميركي وفي تحرك المخابرات الأميركية في بلادنا. ومنها كتب فوكوياما (نهاية التاريخ) و(نهاية الإنسان) وكتاب ساوندرز المعنون (المخابرات في سوق الثقافة/ من يدفع للمزمرين). الذي يشرح لنا كيف تقوم المخابرات بتصنيع قادة المجتمع في الدول النامية وفي بلادنا تحديداً. حيث استندت مبادرة باول على صناعة المخابرات لهؤلاء القادة. كما استندت إلى جماعات المجتمع المدني المصنعة في مختبرات وكالة المخابرات الأميركية.

على أن مواجهة وحش الأمركة لا يقتصر على إشعال بعض النيران في وجهه (مقاومة شعبية) بل عليها التبصر باحتمال قيام قطب مواجه لأميركا وتبين ملامح هذا القطب المستقبلي. حيث وجدنا أن الصين هي المرشح الوحيد لهذا الدور. مما اقتضى التعريف بسيكولوجية السياسة الصينية وبسلوكها تجاه أزمات السفارة في بلغراد والطائرة الصينية..إلخ. وكان توقفنا أمام احتمالات بروز الصين على علاقة بالأزمات الأميركية المعلنة والمتسربة. حيث خطورة هذه الأزمات تبلغ حدود الحديث عن قدوم زمن الفوضى الأميركي. وملامحه أزمة اقتصادية عارمة (فضائح إفلاس الشركات) وميليشيات نازية (أوكلاهوما 1995) وشغب عنصري (سينسيناتي 2001) وأقليات مضطهدة وحريات مقلصة ومنتهكة (وزارة بوش للمخابرات) ومخالفات جرمية بحق القانون الدولي (رفض توقيع اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية) ومؤسساته (مخالفة مجلس الأمن في قرار حرب العراق) كما بحق الإنسان.

ولا بد في هذا السياق من مناقشة مشروع بوش وإدارته. الذي قوبل بالتحفظ الشديد في البداية ليتحول إلى مشروع إنقاذي بمناسبة حوادث 11 أيلول وذيولها من حروب على الإرهاب. وأخيراً عودة التحفظات على هذا المشروع بعد فشله في إثبات فعاليته وبعد انفجار المشاكل المترتبة على ثغراته وتسرعه في الحرب العراقية.

وننهي هذا الكتاب بعرض لمصادمات الأمركة مع الخصوصيات الثقافية. حيث تسجل هذه الأخيرة انتصارات مؤجلة. فهي تحتوي الأمركة، والنفوذ الأميركي عامة، في فرنسة وروسية وألمانية والصين وكورية وسورية وأفغانستان والعراق وإيران وفلسطين. وهذا الاحتواء لا يتعجل المواجهة لإدراكه فارق التفوق الأميركي الحالي. لذلك فإن هذا الاحتواء يأمل بابتلاع الوحش الأميركي مع الوقت. حيث لا مكان للمتعجلين قبل انفجار كوارث الاقتصاد الأميركي التي باتت أقرب من التصور.

محمد أحمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

صفحة 3

الفصل الأول
الديمقراطية الأميركية الموعودة
من مألوفات التاريخ أن يقوم المنتصر في حرب عالمية بإعادة تقسيم العالم وفق مشيئته ومصالحه. وهذه الواقعة تجد دعمها في كافة الحروب بما فيها الحروب المحدودة الرقعة الجغرافية. لذلك فإن المحاولات الأميركية لإعادة ترتيب العالم،وفق مصالحها، ليست بالمفاجئة أو غير المتوقعة. فبالرجوع إلى نظرية الاستقراء التاريخي نجد أن عملية إعادة الترتيب هذه كانت ملازمة لنهايات كافة الحروب. ولكن دون أن يعني ذلك حتمية نجاح هذه المحاولات أو إمكانية استمرارية هذه التقسيمات. حتى أن بعض الرؤى الاستراتيجية تعتبر معاهدة فرساي مسؤولة عن الحروب اللاحقة لتوقيعها. بما فيها الحرب العالمية الثانية. وهذه القراءة تطرح السؤال عن الاستراتيجية الأميركية لإعادة ترتيب العالم عقب نهاية الحرب الباردة لمصلحتها. وإن كانت هذه الاستراتيجية غائمة لدرجة تدعو ببعض المحللين للحديث عن فوضى استراتيجية أميركية ناجزة. في حين يتحدث آخرون عن أمركة العالم. ولاسيما أن مبدأ ممارسة القوة الأميركية قذ أخذ طريقه إلى التطبيق بذريعة 11 أيلول وما تبعه من لهفة أميركية على اعتماد فرضية العدو الشبح (الإرهاب) في غياب العدو المعلن المقابل. وهكذا نرى انطلاق الولايات المتحدة وراء عدوها الافتراضي لتنفيذ سياسة تصدير النمط الأميركي وعولمته. بما يجعل من الولايات المتحدة مرجعية دولية آحادية على كافة الصعد. بما فيها السياسي والاقتصادي والثقافي وحتى القيمي. ومع افتقاد هذه السياسة لاستراتيجية واضحة فإن تصدير القيم الأميركية لم يعد يجد من يعارضه. خاصة وأنه يتم بالقوة العسكرية عندما يتعذر تمريره بالقنوات الأخرى. ولعل الديمقراطية هي القيمة الأساس بالنسبة للأميركيين. خصوصاً وأنها أكثر القيم الأميركية جهوزية للتصدير. وهنا لابد لنا من ملاحظة اعتراضية قوامها قيام مصانع السيارات الأميركية بإدخال تعديلات عديدة على سيارتها المصدرة للخارج. وتتعلق هذه التعديلات بظروف استخدام السيارات في تلك البلدان. في المقابل ترفض الولايات المتحدة تعديل ديمقراطيتها قبل تصديرها. وليس أدل على هذا الجمود والتقصير من مبادرة الشراكة الأميركية مع الشرق الأوسط التي طرحها باول. والتي وجدنا فيها مثالاً على بلطجة النفط الأميركية. ونعرض في الفقرة التالية لهذا الموضوع.
 

صفحة 4

بلطجـة النفـط الأميركيـة

النص الحرفي لـ (مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط)

التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي كولن باول

(النص الحرفي لخطاب وزير الخارجية الولايات المتحدة الأميركية كولن باول في مؤسسة التراث في واشنطن في 12 / 12 / 2002، كوثيقة للرجوع إليها عند الحاجة، خصوصاً أن الخطاب - المشروع الذي أعطي اسم (بناء الأمل للسنين القادمة) يشكل منعطفاً في السياسة الأميركية الخارجية تجاه (الأصدقاء) و(الحلفاء) قبل الأعداء، حقيقيين كانوا أم مفترضين، أم (مخترعين)؟! وفي ما يلي نص الخطاب مع التعقيب عليه:

(شكراً جزيلاً يا أيد (مدير مؤسسة التراث) لتلك المقدمة الحارة. شكراً لك ولمؤسسة التراث لدعوتي إلى هنا لكي أناقش الآمال والتطلعات التي نتقاسمها مع شعوب الشرق الأوسط.

وأود أيضاً أن أرحب بضيوفنا الممتازين الآخرين من السلك الديبلوماسي، والعاملين في الكونغرس، والمنظمات غير الحكومية، والقطاع الخاص. شكراً لكم لتخصيصكم الوقت للمجيء اليوم.

وأنه لمن المناسب أن نجتمع في مؤسسة التراث. ذلك أن رؤية المؤسسة - ببناء وطن) تزدهر فيه الحرية، والفرص، والرخاء، والمجتمع المدني، - هي نفس الرؤية التي نتقاسمها مع شعوب الشرق الأوسط لبلدانها.

الشرق الأوسط هو منطقة شاسعة فائقة الأهمية للشعب الأميركي. فالملايين منا يتعبدون في كنائس، ومساجد، ومعابد يهودية، مبشرين بالديانات العظيمة الثلاث التي ولدت في الأراضي الممتدة فيما بين الأبيض المتوسط والخليج الفارسي (العربي).

ولغتنا وتقاليدنا حافلة بإشارات إلى بيت المقدس وبيت لحم ومكة المكرمة. ودليل الهاتف لدينا يحمل تلك الأسماء أمثال موسافي، ليفي، وشاهين - التي تتحدث عن جذور عائلات عريقة في الشرق الأوسط إلى بلدنا.

ومن المفجع أن آلافاً من رجالنا ونسائنا ماتوا في 11 أيلول/سبتمبر، 2001، بأيدي إرهابيين ولدوا وأصبحوا راديكاليين هناك. واعترافاً منا بأهمية المنطقة كرسنا دمنا ومالنا لمساعدة شعوب وحكومات الشرق الأوسط على مدى نصف قرن من الزمن وأكثر / تعليق (هل لهذا التذكير علاقة ما بمبلغ ال 29 مليون دولار الذي تعرضه هذه المبادرة؟ أم أنه على علاقة بالنهب الأميركي لثروات الفقراء حول العالم؟ وهل ينكر السيد باول حجم الأرباح الأميركية من احتكارات أميركا لنفط المنطقة وتحكمها بأسعاره بما يناسب مصالحها؟. وهل يمكنه العودة إلى الصحف الأميركية قبل 18 شهراً من كلمته ليجد فيها التهديدات الأميركية بخفض سعر النفط إلى 5 دولارات للبرميل بهدف إفقار المنطقة العربية والتسبب بانهيار أغنيائها) / انتهى التعليق. والحقيقة، أن سيرتي في الخدمة العامة مرافقة للأحداث هناك. فقد كان لي امتياز أن أكون رئيس هيئة الأركان المشتركة عندما قادت الولايات المتحدة التحالف الدولي، بما فيه عدد كبير من الدول العربية، الذي أخرج الغزاة العراقيين من الكويت. واليوم، وزيراً للخارجية، يتطلب الشرق الأوسط قدراً عظيماً من اهتمامي.

صفحة 5

الإرهاب والتعاون

وقد شددت سياستنا الشرق أوسطية كحكومة، على كسب الحرب ضد الإرهاب، وتجريد العراق من الأسلحة، وإنهاء النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين. / تعليق (حبذا لو يشرح السيد باول بهذه المناسبة أسباب امتناعه عن مجرد البحث في موضوع الانتفاضة في أول زيارة له للمنطقة / شباط 2001 عندما أصر على دفع المسؤولين العرب للموافقة على ضربة أميركية للعراق، وذلك قبل 7 أشهر من حوادث 11 أيلول؟). / انتهى التعليق.

والحرب على الإرهاب لا تقتصر على الشرق الأوسط، طبعاً، غير أن أصدقاءنا هناك لهم مصلحة مهمة بها بوجه خاص. فقد عانى كثيرون من بلاء الإرهاب مباشرة، ويسرني أن أصدقاءنا سارعوا لمواجهة التحدي بأن منحوا حقوق إنشاء قواعد لعملية (الحرية المستدامة) في أفغانستان، / تعليق (هل يقصد العدالة البوشية المطلقة ؟ التي لم تعد تنطلي على أحد بدليل الملايين المتظاهرين في أنحاء العالم ضد هذا النوع من العدالة) / انتهى التعليق. ومبادلتهم المعلومات الاستخباراتية وتلك المتعلقة بتنفيذ القانون، واعتقالهم إرهابيين مشتبهاً بهم، وفرضهم قيوداً على التمويل الإرهابي.

وعلينا أيضاً، مع دول الشرق الأوسط، ومع أصدقائنا وحلفائنا، ومجتمع الدول، أن نعالج أيضاً الخطر الجسيم والمتنامي الذي يشكله نظام صدام حسين العراقي. وقد أعطى مجلس الأمن الدولي، موافقته الإجماعية على القرار 1441، العراق فرصة أخيرة للوفاء بالتزاماته. فالنظام العراقي يمكنه إما أن ينزع أسلحته، أو أنه سيجرد منها. الخيار خيارهم. لكنه لا يمكن أن يؤجل بعد الآن.

ولدينا أيضاً اهتمام قومي عميق وثابت بإنهاء النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني. ونحن نعمل مع أصدقائنا في المنطقة ومع المجتمع الدولي، لتحقيق سلام دائم يرتكز على رؤية الرئيس بوش لدولتين تعيشان جنباً إلى جنب، في سلام وأمن. وهذا السلاح سيتطلب من الفلسطينيين قيادة جديدة ومختلفة، ومؤسسات جديدة، ونهاية الإرهاب والعنف. وإذ يحقق الفلسطينيون تقدماً في هذا الاتجاه، سيكون مطلوباً من إسرائيل أيضاً أن تأخذ خيارات صعبة، بما فيها إنهاء جميع أوجه النشاط المتعلق بالاستيطان، بصورة تتماشى مع تقرير ميتشيل. وكما قال الرئيس بوش: إنه جهد مكثف من قبل الجميع، سيكون إيجاد دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً ممكناً في عام 2005. / تعليق (أي بعد نهاية ولاية بوش صاحب هذه النظرية الفذة التي قد يتهمها الرئيس التالي لبوش بالحماقة معتبراً كل التنازلات العربية التي تتطلبها هذه النظرية مجرد مراحل!. فهل نسينا مبادرات الرؤساء السابقين؟ وهل يدفع الفلسطينيون اليوم سوى ثمن الانزلاق إلى أوسلو؟ وهل يعتقد باول فعلاً بحكمة رئيسه؟) / انتهى التعليق.

إن هدفنا النهائي هو تسوية عادلة وشاملة عربية-إسرائيلية، تكون فيها جميع شعوب المنطقة مقبولة بعضها من بعض كجيران يعيشون في سلام وأمن.

وقد كانت هذه التحديات ولا تزال في مقدمة سياسة الولايات المتحدة الشرق أوسطية، ولسبب وجيه، فكل منها يؤثر تأثيراً عميقاً على مصالحنا القومية، وعلى مصالح الشعوب التي تعتبر الشرق الأوسط وطناً لها.

ونحن ما زلنا ملتزمين التزاماً عميقاً بمواجهة كل واحد من هذه التحديات بهمة وعزم وتصميم.

صفحة 6

الإصلاح والديمقراطية

وفي الوقت نفسه أصبح واضحاً بصورة متزايدة أنه يجب علينا أن نوسع تعاطينا مع المنطقة إذا كان لنا أن نحقق نجاحاً. وعلينا خصوصاً أن نوجه اهتماماً متواصلاً ونشيطاً إلى الإصلاح الاقتصادي، والسياسي، والتعليمي. وعلينا أن نعمل مع شعوب وحكومات المنطقة لسد الفجوة بين التوقع والواقع التي دعتها الملكة رانيا ملكة الأردن بصورة بليغة، (فجوة الأمل).

وقد أوجد انتشار الديموقراطية والأسواق الحرة، التي ألهبتها عجائب الثورة التكنولوجية، قوة محركة تستطيع أن

تولد ازدهاراً ورفقاً إنسانياً على نطاق لم يسبق له مثيل. إلا أن هذه الثورة خلفت الشرق الأوسط وراءها إلى حد كبير.

لقد قدمت دول الشرق الأوسط على مدى التاريخ، مساهمات لا تقدر بثمن للعلوم والفنون. لكن اليوم، توجد شعوب كثيرة هناك تفتقر إلى ذات الحرية السياسية والاقتصادية، وفاعلية المرأة، والتعليم الحديث التي تحتاج إليها لكي تزدهر في القرن الـ21. وكما جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربية العام 2002، الذي وضعه أساتذة عرب / تعليق (وهل يجهل السيد باول أن نتائج هذا التقرير موضوعة سلفاً باعتمادها لمعايير مخالفة لمنطق البحث العلمي وبعيدة عن الواقع المعيش في المنطقة. فهل يجوز أن نطالب شعوباً متوسط أعمارها 45 سنة بضرورة الحد من التوالد؟ إلا إذا كنا ننوي إبادتها والخلاص منها... إن هذه التقارير تفبرك واقعاً موازياً وهي أشبه بالهذاء منها بالموضوعية...) / انتهى التعليق. بارزون وأصدرته الأمم المتحدة فإن سكان المنطقة يواجهون خياراً أساسياً - بين (كسل وجمود ونهضة عربية تبني مستقبلاً زاهراً لجميع العرب).

هذه ليست كلماتي. إنها كلمات خبراء عرب نظروا بعمق إلى القضايا، وهي تستند إلى الحقائق الصارخة. إن حوالي 14 مليون راشد عربي يفتقرون إلى وظائف هم بحاجة إليها لوضع طعام على موائدهم، وسقوف فوق رؤوسهم، وأمل في قلوبهم. وسيدخل زهاء 50 مليون عربي آخر من الشبان والشابات سوق الوظائف المزدحم أصلاً خلال الأعوام الثمانية المقبلة.

إلا أن الاقتصاديات لا تولد ما يكفي من الوظائف. فالنمو ضعيف. والناتج المحلي الإجمالي لـ260 مليون عربي هو أقل من ذلك الذي لأربعين مليون إسباني، كما أنه أخذ في التدهور حتى أكثر من ذلك. أضيفوا إلى ذلك إنتاج الـ67 مليون إيراني والنتيجة تبقى مجرد ثلثي الناتج الإيطالي. وداخلياً، كثير من الاقتصاديات تخلقها التنظيمات والمحسوبيات، وتنغلق في وجه مغامرات في التجارة والأعمال، وفي وجه الاستثمار والتجارة.

صفحة 7

غياب شرق أوسطي

ودول الشرق الأوسط غائبة أيضاً إلى حد كبير عن الأسواق العالمية. إنها لا تكاد تولد 1 في المئة من صادرات العالم غير النفطية. وهناك عشر دول شرق أوسطية فقط تنتمي. إلى منظمة التجارة العالمية. وكما حذر الرئيس المصري حسني مبارك، (إعطاء دعم للصادرات هو قضية حياة أو موت). / تعليق (هل تلتزم أميركا بالغات وهل ما تزال عضواً فيها؟؟؟) / انتهى التعليق.

إن العجز في الفرص الاقتصادية هو تذكرة إلى اليأس. وهو، إضافة إلى الأنظمة السياسية المتصلبة، إنها لخميرة خطيرة حقاً. وإلى جانب اقتصاديات أكثر تحرراً، يحتاج كثير من شعوب الشرق الأوسط إلى صوت سياسي أقوى. إننا نرفض الفكرة المتعالية القائلة إن الحرية لن تنمو في الشرق الأوسط، أو أن هناك أي منطقة في العالم لا تستطيع أن تحتمل الديمقراطية.

وقد جسد الرئيس بوش تطلعات الشعوب في كل مكان عندما قال، في خطابه في وست بوينت،: (إنه عندما

يتعلق الأمر بالحقوق والحاجات المشتركة للرجال والنساء، ليس هناك تصادم حضارات. فمتطلبات الحرية تنطبق كلياً على إفريقية وأميركا اللاتينية وكامل العالم الإسلامي). / تعليق (لا نعرف ما إذا كانت هذه الديمقراطية تتسع لمحاسبة بوش وفريقه على السبيل التي سلكها للوصول إلى البيت الأبيض؟. ولا إذا كانت تتضمن حرية شراء الإيرباص بدل البوينغ الأميركية؟. ولا تضمنها لإمكانية المطالبة بتفعيل الأسلحة المباعة للدول العربية من دون حواسب تشغيلها؟... إننا نحتاج إلى تعريف لهذه الديمقراطية!) / انتهى التعليق.

وإذا أعطيت الشعوب خياراً بين الطغيان والحرية، فإنها ستختار الحرية. علينا فقط أن ننظر إلى شوارع كابول، المزدحمة بأشخاص يحتفلون بانتهاء حكم طالبان في العام الماضي. / تعليق (من يقوم بالعمليات في أفغانستان إذن وهل نستمر في تجاهل الاعتراف وهوخطيئة فوكوياما حيث الاعتراف بالباشتون وبالديانة الإسلامية أهم من الحرية المشروطة بوجود عسكري أميركي. ثم لماذا تأخرت شفقة ورحمة أميركا حتى الآن وهي التي ورطت الأفغان في الحرب ضد دولة كانت عظمى هي الاتحاد السوفياتي) / انتهى التعليق.

وهناك بصيص أمل في الشرق الأوسط أيضاً. فدول من أمثال البحرين، وقطر، والمغرب قامت بإصلاحات سياسية جريئة / تعليق (ربما أهمها توزير اليهود وإقامة علاقات مباشرة مع إسرائيل على حساب استقلالها وقهراً لإرادة شعوبها فهل هذه هي ديمقراطية باول؟؟) / انتهى التعليق. والمنظمات المدنية ناشطة بصورة متزايدة في كثير من الدول العربية، تعمل في قضايا تتعلق بالخبز والزبدة، مثل تأمين بطاقات هوية للنساء توجد حاجة ماسة إليها.

ونحن نرى أيضاً ثورة عارمة في وسائل الإعلام، من محطات التلفاز الفضائية إلى المجلات الأسبوعية صغيرة الحجم. وعلى الرغم من أن بعضاً منها لم يرق بعد إلى مستوى مسؤولياته للقيام بتغطية مسؤولة وتقديم معلومات واقعية، فإنه يجعل المعلومات في متناول أعداد من السكان أكثر من أي وقت مضى.

ومع ذلك، ما زالت تحكم كثيراً من الشرق أوسطيين أنظمة سياسة مغلقة. وكثير من الحكومات يكافح مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها تهديداً، بدلاً من أن يرحب بها كأساس لمجتمع حر، ديناميكي، ومبشر بالأمل / تعليق (نجحت المخابرات الأميركية الممولة غير المباشرة لمعظم هذه المؤسسات في تحويلها من مؤسسات بديلة إلى سلطة موازية. بل أن أميركا تحاول توظيف هذه المؤسسات لتوليد جيل مدجن من السياسيين المستقبليين الخاضعين للإيهامات الأميركية) / انتهى التعليق. ناهيك عن أن لغة الكراهية والاستبعاد والتحريض على العنف لا تزال هي اللغة السائدة.

وكما قال الملك محمد عاهل المغرب لبرلمان بلده قبل سنتين: إنه لتحقيق التنمية، والديمقراطية، والتحديث، من الضروري تحسين وتقوية الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، والجمعيات، ووسائل الإعلام وتوسيع مدى المشاركة).

وأخيراً، إن عدداً كبيراً من أطفال المنطقة يفتقر إلى المعرفة ليستفيد من عالم من الحرية الاقتصادية والسياسية. فعشرة ملايين طالب في سن الدراسة هم إما في المنازل، أو يعملون، أو في الشوارع بدلاً من أن يكونوا في صفوفهم المدرسية. وحوالي65 مليوناً من أبنائها لا يحسنون القراءة أو الكتابة. دع عنك مساعدتهم في دروسهم. ولا يكاد يستطيع شخص واحد من كل مئة يستطيع الوصول إلى حاسب. ومن أولئك النصف فقط يستطيع الوصول إلى العالم الأوسع عبر الإنترنت.

وحتى عندما يذهب الأطفال فعلاً إلى المدرسة، غالباً ما يتعذر عليهم تعلم المهارات التي يحتاجون إليها لكي ينجحوا في القرن الـ21. (التعليم) غالباً ما يعني الاستظهار من غير فهم بدلاً من التفكير الخلاق الحيوي الضروري للنجاح في عالمنا المتصف بالعولمة.

وقد وجد واضعو تقرير التنمية العربية أن (التعليم أخذ يفقد دوره الهام بوصفه وسيلة لتحقيق تنمية اجتماعية في الدول العربية، متحولاً عوضاً عن ذلك إلى وسيلة لاستدامة الفقر والطبقات الاجتماعية). وتلك إدانة دامغة ودعوة للعمل.

صفحة 8

التخلف والنساء!

هناك موضوع دائم يبرز من خلال هذه التحديات، ألا وهو تهميش المرأة في كثير من دول الشرق الأوسط. فأكثر من نصف النساء في العالم العربي هن أميات. وهن يعانين أكثر من جراء البطالة والافتقار إلى فرص اقتصادية. وتشكل النساء أيضاً نسبة من أعضاء البرلمانات في العالم العربي أصغر منها في أي منطقة أخرى في العالم. وإلى أن تطلق دول الشرق الأوسط العنان لقدرات النساء فإنها لن تبني مستقبلاً من الأمل. إن أي معالجة للشرق الأوسط تتجاهل تخلفه السياسي، والاقتصادي، والتعليمي، ستكون مبنية على رمال.

سيداتي، سادتي، حان الوقت لوضع أساس متين من الأمل. إنني أعلن اليوم مبادرة تضع الولايات المتحدة بثبات في جانب تغيير، وإصلاح، ومستقبل حديث للشرق الأوسط.

خلال زيارة الرئيس مبارك لواشنطن في آذار/مارس الماضي، طلب مني الرئيس بوش أن أتولى رئاسة جهد جديد للحكومة الأميركية لدعم شعوب وحكومات الشرق الأوسط في جهودها لمواجهة هذه التحديات الإنسانية الملحة. ويسرني أن أعلن النتائج الأولية لعملنا، وهي كناية عن مجموعة مبتكرة من البرامج، وإطار لتعاون مستقبلي نسميها مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط.

إن مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط هي جسر بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، وبين حكومتينا وشعبينا، يسد فجوة الأمل بالطاقة، والأفكار، والأموال.

ومبادرة شراكتنا هي استمرار، تصعيد لالتزامنا القائم منذ زمن طويل بالعمل مع جميع شعوب الشرق الأوسط لتحسين حياتها اليومية، ومواجهة المستقبل بأمل. وكما قررنا إعادة الانتساب إلى اليونسكو هو رمز لالتزامنا بتعزيز حقوق الإنسان والتسامح والتعلم، فإن هذه المبادرة هي دليل قوي على التزامنا بكرامة الإنسان في الشرق الأوسط. / تعليق (وهل يذكر السيد باول سبب انسحاب بلده من هذه المنظمة؟. ثم هل بقيت من منظمة دولية، بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بمعزل عن التوظيف المناسب لأميركا والاستغلال لمصالحها تحت وطأة التهديد والامتناع عن دفع حصتها والعزوف عن احترام إرادة الشعوب عبرها!. هل يقول لنا السيد باول عما تنوي بلاده فعله بشأن المحكمة الجنائية الدولية؟ وهل هي مصرة على اعتبار جرائم الحرب حقاً من حقوقها وحقوق أصدقائها؟.) / انتهى التعليق.

إننا سنخصص بصورة أولية مبلغ 29 مليون دولار لجعل هذه المبادرة تنطلق بقوة. وسنعمل مع الكونغرس للحصول على تمويل جوهري إضافي للعام القادم. وهذه الأموال ستكون زيادة على الأكثر من مبلغ الألف مليون دولار الذي نقدمه مساعدة اقتصادية للعالم العربي كل عام.

صفحة 9

ثلاث ركائز

هذا وتستند مبادرتنا إلى ثلاث ركائز:

إننا سنشترك مع مجموعات من القطاعين الخاص والعام لسد فجوات الوظائف بإصلاح اقتصادي، واستثمار الأعمال، وتنمية القطاع الخاص. وسنشترك مع قادة المجتمع / تعليق (ما معايير اختيار المخابرات الأميركية لقادة المجتمع؟ هل هم شركاء سعد الدين إبراهيم في الدول العربية مثلاً؟) / انتهى التعليق. لسد فجوة الحرية بمشاريع لتقوية المجتمع المدني، وتوسيع المشاركة السياسية ورفع أصوات النساء. وسنعمل مع المربيين لسد فجوة المعرفة بمدارس أفضل ومزيد من الفرص للتعليم العالي. / تعليق (وهل يدخل التضييق على الطلاب العرب في أميركا ودفعهم للهرب من الاضطهاد العرقي في إطار سد هذه الفجوة؟.) / انتهى التعليق.

سيداتي، سادتي، الأمل يبدأ براتب عمل. وذلك يتطلب اقتصاداً مليئاً بالحيوية والنشاط. وعن طريق مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، سنعمل مع حكومات لإنشاء أحكام وأنظمة اقتصادية ستجتذب الاستثمار الأجنبي وتتيح للقطاع الخاص أن يزدهر.

وسنساعد شركات الأعمال الصغيرة والمتوسطة على تحقيق وصول إلى الرأسمال الذي هو قوام الحياة. وكخطوة أولى، يسرني أن أعلن أننا سننشئ صناديق أموال للمشاريع في الشرق الأوسط، على غرار المشاريع البدء في الاستثمار فوراً في أعمال جديدة واعدة. / تعليق (وهل تكفي الـ 29 مليون دولار لكل هذه الصدقات والتبرعات والمشاريع؟) / انتهى التعليق.

سنساعد أيضاً مزيداً من الدول على المشاركة في سخاء الاقتصاد العالمي. وذلك يعني تقديم مساعدة فنية إلى الدول الأعضاء الطموحة في منظمة التجارة العالمية كالمملكة العربية السعودية، والجزائر، ولبنان، واليمن، لتلبية معايير منظمة التجارة العالمية. وهو يعني البناء على اتفاقنا الناجح للتجارة الحرة مع الأردن بالبدء بمفاوضات اتفاق تجارة حرة مع المغرب. وهو يعني الاستمرار في العمل مع دول كمصر والبحرين لاستكشاف طرق لتعزيز علاقتنا الثنائية من التجارة الاقتصادية، بما في ذلك عبر اتفاقات تجارة حرة ممكنة.

وتتطلب الاقتصاديات المنفتحة أنظمة سياسية منفتحة. وعليه فإن الركيزة الثانية لمبادرتنا من الشراكة ستدعم المواطنين عبر المنطقة الذين يطالبون بأصواتهم السياسية. وقد بدأنا المشروع الأخباري الأول في هذا المجال الشهر الماضي، عندما أحضرنا وفدا من 55 زعيمة سياسية عربية إلى الولايات المتحدة لمشاهدة انتخاباتنا النصفية. وقد عقدت اجتماعاً عظيماً جداً مع هذه المجموعة الرائعة، وكان التزامها وطاقتها مصدر إلهام لي. وقد وجهت إلى أسئلة صعبة، وناقشنا القضايا كما يفعل الناس في مجموعات حرة.

وقد تحدثت تلك النساء إلي ببلاغة عن قلقهن بالنسبة إلى المستقبل، وأحلامهن بعالم حيث يمكن لأطفالهن أن يعيشوا في سلام. وحدَّثَتْنِي عن أملهن بأن يرين نهاية للنزاعات التي تشل منطقتهن. وتحدثن إلي كيف يردن أن يتحكمن بحياتهن ومصائرهن. وطلبن أن يعرفن المزيد عن الديمقراطية الأميركية، وكيف يجعلن أصواتهن أكثر فعالية. وتتطلب زيادة المشاركة السياسية أيضاً تقوية المؤسسات المدنية التي تحمي حقوق الأفراد، وتوفر فرصاً للمشاركة. وعن طريق مبادرتنا للمشاركة سندعم هذه الجهود.

ولكي تعمل الاقتصاديات الحرة والأنظمة السياسية بنجاح فإنها تحتاج إلى مواطنين متعلمين، وعليه ستركز الركيزة الثالثة لمبادرة التعاون بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط على إصلاح تعليمي.

ستشدد برامجنا على تعليم الفتيات. فعندما تتحسن نسبة التعليم بين الفتيات، تتحسن كذلك جميع مؤشرات التنمية المهمة الأخرى في أي بلد. ولقد أصاب شاعر النيل حافظ إبراهيم عندما قال:

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعبا طيب الأعراق

كما أننا سنوفر منحاً دراسية لإبقاء الفتيات في المدارس، وتوسيع التعليم للفتيات والنساء. وبصورة أوسع، سنعمل مع الأبوين والمربين لتعزيز الإشراف المحلي وإشراف الأبوين على الأنظمة المدرسية.

صفحة 10

الديمقراطية بطبعتها الأميركية

مما تقدم يتضح لنا أن الطبعة الأميركية للديمقراطية هي حصان طروادة الخشبي الذي تتسلل منه سياسة المصالح الأميركية إلى منطقتنا تحت شعارات الحقوق، وتوريط القطاعات الاجتماعية التي يعطيها مجتمعنا نصيباً أقل من نصيب مثيلاتها في أميركا. حتى باتت هذه الحقوق مدخلاً لإدانة مجتمعنا على صعيد هو أنثروبولوجي أكثر منه سياسي أو اجتماعي. فعندما تناقش حقوق الطفل والمرأة والإنسان في المجتمع العربي نجدها تحرض هذه الجهات على قوانين بلادها وتدعوها إلى معارضة السلطة بحجة تعديل هذه القوانين. لكن المسألة سرعان ما تنتقل إلى نقاش يطال صميم الأنثروبولوجيا الثقافية التي قامت عليها هذه القوانين. وتصل منظمات الحقوق إلى ذروتها عندما يصل المطالبون المحليون بالحقوق إلى الصدام مع سلطاتهم، ومع نظام القيم السائد في مجتمعهم. إذ يقوم هذا الصدام بمهمة مزدوجة فيضعف السلطة، ويطرح الجدل حول القيم الثابتة في نظام قيم المجتمع. حتى تتحول المسألة من نقاش حول حق المرأة في قيادة السيارة إلى حقوق المرأة في الإسلام!؟. ولعل هذا المثال خير دليل على عدم براءة طروحات الدمقرطة الأميركية وتوظيفها وسيلة لاختراق عقول بعض شرائح المجتمع. وهو اختراق تعززه المخابرات بتوظيف أكاديميين من أبناء المنطقة لخدمة منطلقاتها ونتائجها الموضوعة مسبقاً.

منعاً للإغراق في التفاصيل (تمتد أهداف حصان طروادة إلى حقوق إضافية مثل حقوق الشواذ، وإلى كافة قيم المجتمع بما فيها تعاطي الكحول...إلخ) فإننا نتخذ من تقارير التنمية البشرية مثالاً على الاختراق المخابراتي لمجتمعاتنا. خاصة بعد مشاركة باحثين محليين في إعداد هذا التقرير. وكأن مجرد هذه المشاركة كافية لإعطاء التقرير قدسية تضعه فوق المناقشة. حيث يفترض أننا أمام تقرير علمي ينتمي إلى ميدان الإنسانيات. وهو ميدان غير دقيق ونسبي النتائج. حيث هذه النتائج مرتبطة مباشرة بمنطلقات البحث. وهي في هذه الحالة منطلقات ومعايير غربية محضة عداك عن إهمالها المتعمد للمعايير الثقافية المحلية. وهو إهمال كاف لرفض أية مصداقية لهذا التقرير. فلنتصور مثلاً أننا نحاسب الشعب العراقي (كنموذج للشعوب المتعرضة للحصارات الأميركية المتعددة الدرجات) منذ حصاره ولغاية اليوم بناء على معايير التقرير ومنها:

1- متوسط مستوى الأعمار: الذي تحدده في الحالة العراقية حصار الأدوية واللقاحات وقنابل الصدمة والترويع الأميركية.

2- وفيات الأطفال: حيث تعدد منظمة الصحة العالمية وفاة ثلاثة ملايين طفل عراقي بسبب الحصار المفروض على العراق. ومن ثم تضاف وفيات أطفال الحرب الأخيرة على العراق.

3- مستوى الإقبال على التعليم: حيث تحولت المدارس والجامعات العراقية إلى تقديم طلبات للحصول على الكتب والمجلات والمراجع مجاناً بسبب عجزها عن دفع أثمانها بسبب الحصار. ولدينا العديد من هذه الطلبات.

4- مستوى التغذية: الذي تحدده مستويات الحصار الأميركي وقواعد النفط مقابل الغذاء.

5- توافر مياه الشرب الصحية: بعد أن زرعت أراضي العراق والدول المجاورة له باليورانيوم الخامد.

6- متوسط دخل الفرد: وهي نقطة التفوق الأميركية الوحيدة في مقابل سياسة إفقار مدروسة لباقي الدول بما فيها اليابان والاتحاد الأوروبي.

7- معدل التضخم المالي: نجت منه الصين في أزمة النمور الآسيوية لأنها رفضت وضع عملتها في التداول العالمي.

8- مستوى الإفادة من تكنولوجيا الاتصال: وهي مسألة هامشية في ظل تدني مستويات العيش الإنساني المرافق للحصارات. والذي وصل إلى حدود المجاعة في روسية نفسها عداك عن الدول الأقل نمواً وتصنيعاً.

9- مستوى الحرية السياسية: حيث الإغفال المتعمد لفضائح الإدارة الأميركية كفيل بإلغاء هذا العامل. خاصة مع إنشاء وزارة خاصة بالمخابرات الأميركية.

10- تمتع الفرد بالحقوق المدنية: نود لو تم قياسها بمستوى القمع الذي تعرض له المطالبون بحقوقهم المدنية في مدينة سينسيناتي الأميركية مطلع نيسان 2001 حيث نعلم أنه تجاوز حدود القمع النازي.

ولا بأس هنا من التذكير بأن الحصارات الأميركية مفروضة على غالبية بلدان المنطقة، ولو بدرجات متفاوتة. بل إن بقية دول المنطقة دخلت في دوامة الحصار بعد الحرب الهوسية الأخيرة على العراق بصفتها مؤسسة لحروب قادمة فيها. وهنا يطرح السؤال، على المشاركين المحليين في إعداد هذا التقرير، عما إذا كان من الموضوعية، اعتماد هذه المعايير في ظروف بلدان المنطقة. ومعه السؤال عن المعايير التي يغيبها التقرير عن سابق إصرار على التزوير العلمي ومنها المعايير التالية:

1- مستوى الانتحار: وهو عامل تغيبه التقارير التنموية العالمية، لأنه يفضح جانباً مأساوياً في نمط الحياة الغربية. حيث ديانة الرخاء الأميركية عاجزة عن إعطاء معنى لحياة أتباعها. ومن هنا زيادة البؤس المعنوي ومعه نسبة المنتحرين فيها. فهل يجوز تغييب مثل هذا العامل؟.

2- مستوى تعاطي الكحول: وهو مؤشر بؤس بدوره (يعتبر مؤشراً على الإصابة بالاكتئاب). وهو عالي النسبة في المجتمعات الموسرة. ولا نعلم لماذا يتجاهله التقرير.

3- مستوى إدمان المخدرات: حيث تسجل تلك المجتمعات مستويات خطيرة للإدمان. ومع ذلك فإن تقارير التنمية تهمله، وهو في رأينا مؤشر البؤس الأهم.

خلاصة القول أن المعطيات المشروحة أعلاه تبين أن مشروع الأمركة هو مشروع عنقودي يعتمد مبدأ الاختراق على عدد لانهائي من الجبهات. وباستخدام كل أحصنة طروادة التي تتوافر له. ومن ثمّ فإن مواجهة هذا المشروع تقتضي العمل على تأسيس مشروع مضاد يفضح التزوير المتعمد في الأمركة. ومنطلقات هذا المشروع المضاد هي التالية:

1- رصد الحملات الدعائية والتوظيفات السياسية لمشاريع بريئة المظهر. مثال ذلك توظيف كولن باول لتقرير التنمية ولحقوق المرأة ولغيرها من عناقيد الأمركة في مبادرته المعروضة أعلاه.

2- مراجعة صحافتنا السياسية والفكرية التي تحولت للتطبيل والتزمير لإعلان تقرير التنمية عن تخلفنا وعن نقص في إنسانيتنا. حيث لم أقرأ شخصياً سوى قراءة نقدية واحدة للتقرير، وهي المنشورة في مجلة الكتب - وجهات نظر. فهل يجوز أن نطبل بمثل هذه المازوخية لتقرير ولمشاريع تذلنا معنوياً. وهل يتلقى كل المطبلين بدلات عن تطبيلهم؟. أم أن بعضهم يساق للتطبيل بحجة التحديث والحداثة والموضة السائدة!؟.

3- رصد حالات الأسر العقلي و/أو التمويلي التي يصاب بها بعض الأكاديميين المحليين بما يجعلهم عاجزين عن طرح الأسئلة وعن تمييز خصوصيات مجتمعهم الأم.

4- إطلاق حملات تصحيح وتصويب لكل مشروع اختراق على حدة.

5 - عدم تكرار خطأ التجاهل المزمن عندنا. فقد طرح السيد باول مشروعه لتدمير النظم الرمزية في المنطقة دون أن تتصدى صحافتنا لنقد المشروع وتفنيد أضاليله. حيث لا نعرف بنشر نقد لهذا المشروع سوى محاولتنا المتواضعة المعروضة أعلاه.