eKtab
EN ع
في وادي الوطن - مقاربات في شؤون لبنان وشجونه
اقرأ عينة مجانية

في وادي الوطن - مقاربات في شؤون لبنان وشجونه

بقلم حبيب صادق

صفحة 1
تقـديـم

جاء، في كتاب أمثال العرب البليغة الدلالة، مثل سيَّار هو: "كصائحٍ في واد ونافخٍ في رماد" . هذا المثل العربي المعبِّر كان يُضرب، ولمَّا يزل، في معرض الحديث عن "الخيبة المريرة" التي تصيب المرء في معركة الحياة، الخاصة والعامة، الحافلة بصنوف الثنائيات المتناقضة: الأمل والخيبة، النجاح والفشل، التمني والإحباط، التقدم والنكوص...الخ.

ومن شأن هذه الثنائيات أن تصيب الفرد كما تصيب الجماعة بخيرها أو شرها. ولعلَّ أثرها المكروه أشد ما يكون إيلاماً وأفدح ما يكون إصابة إذا نزل بالعام جماعةً وليس بالخاص فرداً. ذلك لأنَّ الفرد، مهما نأى بنفسه عن الجماعة، فهو محكوم بالوقوع في المكروه الذي يصيبها، على هذا النحو أو ذاك، فكيف به إذا كان من أولئك الأفراد الذين لا يحققون وجودهم، في الحياة، إلَّا في قلب الجماعة أو، بتعبير آخر، لا يجدون معنى لحياتهم الخاصة، بل لا يجدون مبرراً لهذه الحياة الخاصة إلَّا إذا التحمت، التحاماً عضوياً، في نسيج الحياة العامة وكانت نبضاً في حركتها المحتدمة ليل نهار...

أزعم أني انتسبت، اختياراً، منذ ولادة وعيي النقدي، إلى تلك الأسرة التي تؤثر العام على الخاص سواء في توجهها الفكري والوجداني أم في ممارستها العملية، وذلك في حدود الممكن والاستطاعة ليس أبعد. وقد تجلَّى توجُّهي الفكري والوجداني في ضروبٍ من القول متنوعة تتراوح بين صيغتي القول المنبري أو القول الكتابي. أما ممارستي العملية فقد تعددت المجالات التي استضافتها، بهذا القَدْر أو ذاك من السَّعَة، فجاءت الممارسات كلها وقفاً، في شتى المراحل، على هموم عامة تمحورت، في شتى الأشكال، حول القضايا الوطنية ـ القومية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

ولئن كان من المتعذَّر عليَّ، في حيِّز هذا التقديم الضيِّق، أن أقف، وأستوقف، على جملة مواضيع القول المتنوعة التي وسعني أن أعالجها، بما تيسَّر لديَّ من قدرة متواضعة، فأراني، هنا، محمولاً على الاكتفاء بالوقوف على ضفاف صيغة القول الكتابي أو المكتوب فلا أتعداها إلى غيرها، مع التقيُّد بمدى زمني محدَّد لا يتجاوز مدى العقد الواحد، المتراوحة سنواته العشر بين تخوم العام 1995 وتخوم العام 2005 ليس غير...

ففي خضم هذا العقد تكاثرت الأحداث الجسام، وتعاظم شأنها وخطرها على الصُّعُد المحلية والإقليمية والدولية، كما هو معروف لدى كل من تسعفه الذاكرة على استحضار صور تلك الأحداث، واستعادة أصداء تداعياتها المتلاحقة.

وحيال ذلك، كان من لزوم ما يلزم، أن تسارع الأسرة الفكرية والسياسية، التي انتسبت إليها اختياراً، إلى اتخاذ مواقفها في ميدان العمل الوطني العام، وهكذا وجدتني أسارع إلى اتخاذ موقعي جنباً إلى جنب مع أفراد الأسرة. واقتناعاً بأهمية العمل المنظَّم والممنهج وبجدواه الفاعلة بادرت إلى مفاتحة لفيف مختار من أفراد الأسرة برأيٍ يرمي إلى بلورة صيغة تنظيمية جديدة لعمل وطني جبهوي غير حزبي، إنما يرحِّب بمشاركة المنضوين إلى الأحزاب الوطنية التقدمية، وما إن اكتمل نصاب التوافق، بين أفراد اللفيف المختار، حتى أنتج الجهد المشترك صيغة "الحركة الشعبية الديمقراطية" التي أطلقناها في المؤتمر التأسيسي الذي عقدناه في صيدا في 2/11/1997، وسرعان ما لاقت ترحيباً واسعاً في الأوساط الاجتماعية والسياسية والثقافية. إنما هذا الترحيب، وإن أسعدنا بالغ السعادة، إلَّا أنه لم يحقق طموحنا في أن يتسع نطاق الحركة عابراً حدود مناطق الوطن ومكونات المجتمع، ولعلَّ هذا الطموح قد تحقَّق لاحقاً في حركة "المنبر الديمقراطي" التي انطلقت من بيت "المجلس الثقافي للبنان الجنوبي" في بيروت، وذلك في أواسط عام 2001، وما أسرع أن استوى "المنبر" على مقام الثقة العامة به والإنضواء إليه باعتباره "مساحة مترامية الأبعاد تتحرك على أديمها، بمشيئتها الحرة، إرادات وطنية ديمقراطية متنوِّعة الانتماءات الفكرية والعقيدية والجهوية... إنما هي على تنوعها، مسكونة بهاجس التغيير الديمقراطي تأسيساً على قاعدة السيادة والاستقلال، وعلى مبادئ الحرية والمواطنة والعدالة الاجتماعية وشرعة حقوق الإنسان" .

بإيقاع سريع ومنضبط مضى المنبر قُدُماً في سبيله إلى غايته المرسومة، منطلقاً بقوة دفعٍ جماعية منسَّقة تضافرت، على توليدها، مكوناته كافة، على تعددها وتنوعها، ما أهَّله إلى بلوغ مستوى متقدم مشهود له، على ساحة العمل السياسي الديمقراطي في لبنان، من موقع المعارضة الوطنية، المتحررة من أغلال الطائفية والمذهبية والجهوية.

وعلى مدى أربعة أعوام ونيف، استمرَّ "المنبر الديمقراطي" ماضياً في سبيله متماسك البنية، موحَّد الهدف، واضح الرؤية، مستقيم النهج، وقد أصدر الكثير من الوثائق والبيانات، إلى أن عصفت به رياح "التحالف الرباعي" العاتية، إبَّان الانتخابات النيابية التي جرت عام 2005، فتصدَّع بنيانه وضعفت قوته وذلك بخروج مكونات أساسية منه، والتحاقها، فوراً، في تحالف انتخابي هجين جمع الأضداد سياسياً، ضاربةً، بعرض الحائط، كلَّ ما أجمع عليه المؤسِّسون الأوائل للمنبر، من مبادئ وأهداف ونهج عمل وخطاب سياسي واتفاق على خوض معركة الانتخابات صفاً واحداً... وكان من شأن ذلك أن دفع، من تبقَّى أميناً على العهد من أوائل المؤسِّسين، إلى تجميد عمل "المنبر" فوراً، في حين دفعني، شخصياً، إلى اتخاذ قرار حاسم بالانقطاع التام عن مقاربة السياسة، بمفهومها السائد في لبنان، قولاً وعملاً...

وها أنذا اليوم أعود إلى مقاربة الكلام، عقب سنوات أربع من الصمت المطبق الذي التزمت به اختياراً، ولكن يجري هذا الأمر في مجرى الخروج عن حدود ذلك الالتزام بل يجري، من حيث الفعل الزمني، في مجرى تواريخ ميلاده إلى عقدٍ من الزمن يتراوح بين عامي 1995 و2005.

أما لماذا عدتُ أدراجي، في شأن الكلام، إلى تلك الحقبة الحافلة بالأحداث الجسام، وكيف عدت إليها بعد انقطاع مديد، فالأمر يستدعي بعض التفصيل التوضيحي.

لا أدَّعي، مطلقاً، في مستهل هذا التوضيح، أنَّ كثرة أو قلَّة من أقاربي والأصدقاء قد زيَّنت لي العودة إلى الكتابة، بخلاف ما ألزمتُ به نفسي، بل الأمر يعود إلى ما رأيته مجرد ممارسة آلية ترمي إلى جمع ما كتبته في الصحف والمجلات من مقالات ودراسات وما ألقيته، من على المنابر الثقافية، من محاضرات وخطابات.. وذلك من باب المحافظة على ثمار تلك الجهود التي بذلتها في حقل الكتابة السياسية، بوجه عام، والثقافية بوجه خاص، تعبيراً عن رأيي الشخصي في شؤون البلد وشجونه في تلك الحقبة المحدَّدة المكتظة بالأحداث والمتغيرات على الصعد المحلية والإقليمية والدولية.

إنَّ ما دعاني إلى الانصراف، إلى جمع ما كتبته وما ألقيته، خلال الحقبة الزمنية المتراوحة بين عامي 1995 و2005، هو ما طالعني من كمّ، ليس بالقليل، من أوراقي الخاصة المطوية في أدراج مكتبي، حتى ضاق بها، وقد بدأ التآكل يتسلَّل إلى أطرافها ويهدِّد متونها بالتلف، فعزَّ عليَّ ذلك كثيراً وحملني على محاولة إنقاذها، ليس لكونها ذات وزن ثقيل في ميزان القيمة الأدبية والثقافية بل لكونها تمثلني، رأياً وموقفاً، من تلك الأحداث والمتغيرات والتحديات التي حفلت بها حقبة تلك الحقبة، بسنواتها العشر، من تاريخ لبنان المعاصر.

إذاً فالداعي الذي دفعني إلى العودة هو قرار محض ذاتي يغلب عليه مزيج مركَّب من الانفعالات الوجدانية والاستجابات البيانية للزوميات التعبير عن الموقف من التطورات والانتكاسات التي وقعت في حدود تلك الحقبة اللبنانية المُشار إليها سابقاً ليس غير...

هذا ما وسعني قوله جواباً عن سؤال لماذا؟ أما سؤال كيف؟ فليس أمامي للردِّ عليه سوى بيان ما أقدمت عليه من إعادة قراءة تلك الأوراق المطوية في أدراج مكتبي واختيار ما أجده وافياً بغرض التعبير عن الموقف الآنف الذكر. فكانت حصيلة هذه العملية ما انبسط بين دفَّتي هذا الكتاب من نصوص توزَّعت على خمسة فصول هي: فصل أول: في الثقافة وفي أهلها وهيئاتها الفاعلة، و فصل ثانٍ: في السياسة الراهنة وتلاوينها المختلفة، و فصل ثالث: في العدوان الإسرائيلي وسبل مواجهته، و فصل رابع: في الطائفية وسبل مقاربتها، و فصل خامس وأخير: في الانتخابات النيابية: قانوناً وتطبيقاً وتداعيات.

إنَّ مضامين فصول هذا الكتاب الخمسة، تفصح، إلى هذا الحد أو ذاك، من الإبانة والتوثيق، عن قراءتي الشخصية لطبيعة تلك المرحلة الزمنية وتجلّياتها، في مخاضات الأحداث وعصف المتغيّرات والتداعيات، وذلك منظوراً إليها من زاوية رؤيتي الذاتية التي لا أدَّعي لها الصواب، في المطلق، بل هي تخضع لقانون النسبية الذي يتسع، في أحكامه، للقبول بالخطأ والصواب في ما يصدر، سواءً عن الفرد أم الجماعة، من قولٍ أو فعل، في حيِّزين محدَّدين من الزمان والمكان..

وقصارى ما يسعني، اليوم، الإتيان على ذكره، في هذا الصدد، هو أنَّ ما جاء في هذا الكتاب ليس غير ما يشبه المرآة التي عكست، بهذه الصورة أو تلك من الوضوح والدقة، ما كنت عليه من قدرة، تحليلية واستنتاجية وبيانية، على قراءة ما يجري حولي من تطورات وارتدادات عاصفة في لبنان، خلال تلك المرحلة التي كانت مشحونة بديناميات جدل الداخل والخارج العالية التوتر إلى حدود قصوى.

وأخيراً يتعيَّن عليَّ أن أوضح، حرصاً، منِّي، على الأمانة، بأنَّ ما ألقيته من على المنابر الثقافية قد نُقل إلى متن هذا الكتاب كما جاء على لساني، إلى حد بعيد، أما ما نشرته في الصحف والمجلات فقد عملت على تصحيح الأخطاء المطبعية الواردة في نصوصه، كما صوَّبت بعض العبارات، التي وجدت فيها شيئاً من الالتباس والغموض أو شيئاً من التكرار غير المحمود...

وثمة إشارة توضيحية أخرى تفيد أني حرصت على تبيان تاريخ كل نص في ذيله من الكتاب وأني اتبعت الأسلوب التراجعي في تأريخ النصوص بادئاً من التاريخ الأقرب تسلسلاً إلى الأبعد. إذاً فليس هناك من نص واحد في الكتاب إلَّا ويحمل التاريخ الذي نشر فيه على صفحات هذه الجريدة أو تلك، أو ألقي من على هذا المنبر أو ذاك من المنابر الثقافية المعروفة مكانةً وعنواناً...

وبعد فمهما يكن من أمر فإنَّ غايتي من وراء نشر هذه النصوص، التي مرَّ عليها الزمن، لا يتعدى إنقاذ أوراقها من الذبول والتساقط، ليس لارتفاع مستوى قيمتها الأدبية أو الثقافية أو السياسية بل لتعبيرها، عندي، عن فصل مفعم بالثنائيات المتناقضة: الأمل والخيبة، الفرح والحزن، التفاؤل والتشاؤم، من فصول عمري المتقدِّم.

أما عنوان كتابي هذا فقد اقتبسته، من مثلٍ، ذي دلالة، من أمثال العرب القديمة الشائعة، وهو: "كصائحٍ في وادٍ ونافخٍ في رماد" . وإذْ اخترت مجزوء هذا المثل، فليس من قبيل الادِّعاء بفرادة صياحي في وادي لبنان، بل لكون صياحي، كما أزعم، مجرد رافد متواضع من روافد الصياح الذي يَهدُر، منذ ما يزيد على سبعة عقود، في وادي الوطن من غير أن يخلِّف صدىً مثمراً في أسماع المسؤولين عن لبنان على مرِّ عهودهم المتعاقبة...

... وأخيراً فالحكم، في ما أقدمت عليه، لا يعود إليَّ، مهما تكن الاعتبارات التي أخذت بها نفسي، بل يعود، أولاً وأخيراً، إلى مَنْ يقع بين يديه جزء من هذا الكتاب للاطلاع عليه وإبداء الرأي فيه إذا شاء ذلك مشكوراً...

بيروت في 9/9/2009 حبيـب صـادق
صفحة 2
الفصل الأول: على هامش الثقافة وأهلها وهيئاتها

الفاعلة في التنوع الثقافي وضرورة الحوار (1)

إسمحوا لنا أن نمهِّد لهذا اللقاء الحواري بإرسال موجز من القول في عنواني التنوع الثقافي والحوار موضوع هذا اللقاء الحواري في حاضرة الجنوب: النبطية.

أولاً: في التنـوُّع

ليس من المبالغة في شيء القول أنَّ المجتمع اللبناني يأتي في مقدم المجتمعات في العالم من حيث قيام بنيته الاجتماعية على أساس التنوع، تاريخياً، من هنا نشأت الضرورة إلى اعتماد منهج الحوار المسؤول بغية التأسيس لوحدة وطنية حقيقية فيه، لا تقوم على حساب التنوع تجنباً للوقوع في الوحدة القهرية، كما لا تقوم على الإطلاق التعددي تجنباً للوقوع في الفوضى المدمِّرة.

والتنوع، بكل عناوينه، احتلَّ في عصرنا مكانة الحق الثابت من حقوق الإنسان وحقوق الشعوب. من هنا جرى النص عليه في الشرائع والمعاهدات الدولية، ولعلَّ آخر نص في شأن عنوان وازن من عناوين التنوع، ظهر في تلك المعاهدة التي صدرت عن منظمة الأونسكو بتاريخ 20 تشرين أول 2005 حول "التنوع الثقافي" والتي تجيز للدول كافة اتخاذ "التدابير التي تراها مناسبة لحماية تراثها الثقافي".

وليس من الغرابة في شيء أن تعارض هذه المعاهدة دولتان اثنتان فقط لا غير من دول العالم هما: الولايات المتحدة وإسرائيل في حين صادقت عليها 148 دولة.

ثانياً: في الحـوار

في الراهن من أمرنا بات الحوار مفردة تلوكها الألسن من كل الجهات ومن شتى المواقع وباتت الدعوة إلى الحوار مُلكاً مشاعاً بحيث لم يعد ثمة من هيئة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية في لبنان إلَّا وتتوجَّه، على نحوٍ مستمر، بهذه المفردة إلى الهيئات الأخرى على تفاوت في حدَّة الخطاب وليونته.

لذلك بات المواطنون في حيرة من أمرهم، وفي توجُّس مقلق لكثرة الداعين إلى الحوار ولقلَّة المستجيبين لهذا السبب أو ذاك...

بيد أنَّ الدعوة إلى الحوار، كما تقضي الأصول المنطقية، لا يستقيم أمرها إلَّا بتوافر شروط مُلزمة يأتي في مقدمها شرط الاعتراف بالآخر المخالف، مبنياً على أساس الثقة به واحترامه، ثم شرط الاعتراف بحقه في انتقادك موضوعياً، على أن تسبقه، من قبلك، عملية نقد ذاتي، لأنَّ النهج الصائب والمثمر للحوار يستدعي، إضافة إلى الثقة بالآخر المخالف واحترامه، ممارسة النقد الذاتي قبل انتقاد الآخر بلغة المودة وروح الاستقامة والتسامح والانفتاح.

أما هدف الحوار الأسمى فالبحث عن الحقيقة النسبية التي لا يستطيع أحد، مهما أوتي من قدرات، أن يمتلك حقّها حصرياً. لذلك تدعو الضرورة إلى رسم طريق للحوار في أن يتبادل أطراف النزاع وجهات النظر، بصدق وشفافية، في سياق مسعى موضوعي عقلاني إلى تكوين اقتناعات مشتركة. وهذا لا يعني أن المطلوب من الحوار أن يقود إلى تماثل تام في الاقتناع لدى الأطراف كافة بل إلى اقتناعات مشتركة في ما بينهم، والتأسيس عليها لبلورة المشروع الوفاقي الوطني البنَّاء.

ومهما يكن من أمر فإنَّ مقتل أي حوار يتجسَّد في اللجوء إلى العنف الكلامي أو التهديد به كأن يلجأ أحد المتحاورين، مثلاً، إلى إشهار سيف التجريح أو التخوين أو التكفير في وجه الآخر المخالف. فالتوسل بلغة العنف، وصولاً إلى الغلبة، يقضي، قضاءً مبرماً، على إمكان الوقوف على رأي الآخر ويقضي، استطراداً، على أي احتمال للانفتاح والتواصل فالتوافق.

ويؤسفنا، بالغ الأسف، أن نقع، في المشهد السياسي الراهن في لبنان، على كثير من خطب التعنيف والتجريح بل التخوين والتكفير التي يتبادلها الناطقون باسم الأحزاب والطوائف والمذاهب والتيارات السياسية والطائفية والتي تسارع أجهزة الإعلام المختلفة إلى تسويقها والترويج لها، بأساليب التهييج والتعبئة، آناء الليل وأطراف النهار، ومن شأن ذلك أن يوسع الشقة بين المتحاورين وصولاً إلى انغلاق الآفاق أمامهم كافة...

في ضوء هذا الواقع المأزوم للغاية ما السبيل إلى اكتشاف منفذٍ يفضي إلى حوارٍ وطني حقيقي يتسم بروح الانفتاح والتواصل فالتوافق على المشترك من الاقتناعات؟

لعلَّنا نجد معالم هذا السبيل في ما أرسله من قول مضيء سماحة المرجع السيد محمد حسين فضل الله حيث قال: "إنَّ الحوار الذي نؤمن به هو الحوار الموضوعي العقلاني الذي لا يحمل في طيَّاته أي عدوان ضد الآخر.. (السفير 22/11/2005).

وفي نداء سماحته إلى اللبنانيين حيث جاء فيه "أيها اللبنانيون: ارحموا بلدكم لبنان.. لا تكن طوائفكم منطلقاً للعداوة والبغضاء... أيها اللبنانيون: الوحدة، الوحدة المنفتحة على قضايا الحرية والاستقلال والإنسان الباحث عن مستقبله..." (النهار 20/12/2005).

كما يمكن أن تلتمس هذه المعالم، أيضاً، في كلام مضيء آخر أطلقه شيخ الصحافة اللبنانية الأستاذ غسان تويني، بكل رباطة جأش وروح تسامح شامخة، أمام جثمان نجله الشهيد جبران حيث قال: "... هناك أكثر من رأي وأكثر من موقف لذلك ينبغي أن لا يلغي رأي رأياً ولا يلغي موقف، أكثرياً كان أم أقلياً، بقية المواقف ويستأثر وحده بحق اتخاذ القرار الوطني..." (النهار 12/12/2005). وأضاف متعالياً على جرحه النازف: "أدعو إلى أن ندفن مع جبران الأحقاد كلها والكلام الخلافي كله"...

فمتى، متى نصغي، بنقاوة ضمير وصفاء نيَّة، إلى هذا الكلام المضيء؟!

ومتى ننطلق من كل مواقع الائتلاف والاختلاف إلى حوار التنوع العقلاني لإنجاز مشروع الوحدة في التنوع؟

هل سنظل ضحايا نزعة الغلبة لقوة المصالح على قوة القيم؟

أم أن الشرط التاريخي لتأسيس لبنان جديد لم تتوافر عناصره بعد؟؟

أم هي الأسئلة المتحدية، قديمها والجديد، ستظل تطاردنا إلى ما لا نهاية؟؟
صفحة 3
في ذكرى تأسيس المجلس كلمـة الافتتـاح (2)

نستهل المقال، في هذا المقام، بالاعتراف جهراً بأنَّ طيفاً من التردد قد ساورنا، في شأن الاحتفاء بذكرى تأسيس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي عيداً لعملٍ ثقافي وطني مسؤول توالى فصولاً خصبة، على مدى أربعين عاماً، دون انقطاع.. ومنشأ هذا التردد يعود إلى بؤس الحال الذي يتخبط فيه ليس لبنان فحسب بل سائر البلاد العربية في راهن أمرنا، فهذا الحال، بكل المقاييس، حال كارثي على شتى المستويات. ومن شأن ذلك أن يشيع اليباس في ثنايا الحياة وينزل لعنة التحريم على كل نبضٍ للفرح وكل إشراقة للروح.. فاذهب ببصرك إلى حيث شئت من الجهات العربية كافة فماذا تراك مشاهداً؟؟

فهذا البيت اللبناني يترنَّح، على إيقاع انفجارات الداخل وتحديات الخارج وبقايا الاحتلال وذاك المحيط العربي، بكامل أقطاره، يتخبَّط، تحت ثقل الأفدحين: الاستبداد والتبعية، في رمال العجز والتخلُّف والهوان... فكيف، والحال على هذه الصورة الحزينة الكالحة، يتأتى لك أن تقيم عرساً للألوان ومهرجاناً للموسيقى والغناء والرقص وأن تعقد حفلاً مهيباً للشعر والكلمة النضرة المستبشرة..

حيال هذا الواقع كان، من طبيعة الأمور، أن يساورنا طيف من التردد قبل أن يصح فينا العزم على المضي قدماً في طريق الإنجاز.. ليس من باب التحدي المدَّعى بل من باب الإسهام، المتواضع، في إنتاج عناصر المناعة لجبه حالة التردي والنكوص، وتوفير مقومات الصمود في وجه انفجارات المرحلة وتحدياتها الجمَّة.

من هنا انطلقت، على الفور، ورشة العمل التطوعي في المجلس إعداداً لهذا الأسبوع الثقافي الحافل بتجليات الإبداع، على أكثر من صعيد، وغايتنا، من وراء ذلك، التعبير، بلغة الواقع الإبداعي، عن صمود المجلس الثقافي للبنان الجنوبي أربعين حولاً في زمن مكتظ، بعاهات التخلف وآثام الاستبداد من الداخل، وبالاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة والتحديات والتهديدات من الخارج، والغزوات والحروب، إضافة إلى تداعيات الاحتلال في فلسطين والعراق والجولان..

وقد آثرنا، أن يأتي التعبير، في هذا الأسبوع، من قبل ذلك الفريق الحاشد من المبدعين أنفسهم، لبنانيين وعرباً، الذين صنعوا، بإسهاماتهم الثرية، مسيرة المجلس الثقافية، وانطلقوا، بصوته المفصح عن موقفه من شؤون الوطن وهموم الثقافة، من المحدَّد في حيِّز المكان إلى مطلقه لبنانياً وعربياً ودولياً.. إذ تيسر للمجلس، وهو المنتمي لجنوب الوطن، اسماً وقضية، أن يتسع، بالاسم والقضية، فيحظى برحابة الوطن على امتداد أبعاده بحيث يصبح الجنوب كلّ الجهات ثم يتسع، بالاسم والقضية، فيحظى بضيافة المودَّة والمؤازرة من قبل الكثير من العواصم العربية كدمشق والقاهرة والجزائر والرباط وصنعاء وأبو ظبي وعمَّان وصولاً إلى بعض العواصم والمدن غير العربية كمدريد وبرشلونة وبرلين ومونتريال وأبيدجان وعشق آباد وبالرمو في إيطاليا.

لقد انقطع المجلس، انقطاع الرهبان، لقضيتين متلازمتين معاً:

قضية الوطن متجلية في جنوبه رمزاً لها، لكونه بات الهدف الثابت للعدوان الإسرائيلي المتمادي عليه وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي، برعاية الحليف الأميركي السابغة، ما أدّى، بحتمية الصراع من أجل الحرية، إلى انفجار الفعل النقيض أي المقاومة التي استقطبت ألوان الطيف الوطني واستبسلت في النزال إلى أن صدقت وعدها، أخيراً، بإنجاز مشروعها في تحرير الأرض المحتلة إلَّا قليلاً عزيزاً على قلوبنا جميعاً...

أما القضية الثانية التي انقطع لها المجلس، انقطاع الرهبان، فهي قضية الثقافة الوطنية الديمقراطية في لبنان بانتمائها الأصيل إلى الثقافة العربية النقدية، وانفتاحها الصحي على الثقافة الإنسانية المضيئة..

إنَّ هذا الانقطاع، الثنائي الاتجاه، قد أثمر حصاداً عميماً تجلَّى في وجوه عديدة منها اللقاءات الحوارية، والندوات الأدبية، والمؤتمرات الفكرية، ومنها الأمسيات الشعرية، والمعارض التشكيلية، ومعارض الكتب، والحفلات الموسيقية الغنائية، إضافة إلى إصدار ما يزيد على خمسين كتاباً جاءت وقفاً على شؤون الوطن والثقافة... وقد صدر أولها عام 1968 في كتاب، هو الأول في موضوعه وجاء استجابة لدعوة المجلس العامة، وعنوانه: "خطر إسرائيل على جنوب لبنان" لمؤلفه المهندس عبد الله عاصي.

تلك مجرد عناوين لصنوف النشاط الغزير الذي بذله المجلس خلال مسيرته الأربعينية...

ونحن إذ نحتفي، اليوم، بذكرى انطلاق هذه المسيرة، عام 1964، فليس من باب الانصياع للتقليد الرائج في استعراض المنجز مفصّلاً بل من باب السعي، في اغتنام هذه المناسبة، إلى مقاربة أربع غايات هي على التوالي:

الأولى: الانصراف، من هذه المحطة الزمنية، إلى قراءة التجربة السابقة قراءة نقدية والانطلاق، في ضوء خلاصاتها، إلى رسم خطة عملية لحركة تغيير شاملة ترمي إلى تحديث المجلس، منهجاً وبرنامجاً وطرائق عمل وصيغ نشاط، تعزيزاً لدوره في تنمية الثقافة النقدية العقلانية، وثقافة الديمقراطية والعلمانية، وثقافة حقوق الإنسان وفي مقدمها حق المرأة وحق الشباب وحق المواطن، عموماً، في العيش الآمن، الكريم.

الثانية: الإشادة، في ذكرى المجلس، بجهود أولئك المثقفين الأوائل الذين بادروا إلى وضع حجر الأساس لهذا البيت الثقافي الذي ما انفك، يقاتل، منذ قيامه، على جبهتين اثنتين: جبهة الصمود في وجه الصعوبات والتحديات وفي الانصراف إلى تأريخ حركة المقاومة الوطنية اللبنانية . و جبهة المتابعة على طريق الإنتاج الثقافي المتنامي تبريراً لوجوده الفاعل وتوفيراً لشروط أداء رسالته الثقافية على وجه أفضل...
صفحة 4
وتعبيراً عن خالص الوفاء، في هذه الذكرى، نتوجه بأجل التحيات وأعطرها إلى أرواح من فقدنا من الأعضاء المؤسسين، وهم كُثُر، نخص بالذكر منهم ثلاثة مثقفين مرموقين صدر بأسمائهم النص القانوني بتاريخ 13 تموز 1964 وقضى بإنشاء المجلس وهم الراحلون الأعزاء: جوزف مغيزل وفؤاد الببُّو وحسين مكي، كما نخص بالذكر، أيضاً، مفكِّرَيْن كبيرين فقدهما المجلس والأوساط الثقافية اللبنانية والعربية هما الشهيدان حسين مروة ومهدي عامل إضافة إلى الكاتبين الشهيدين سهيل طويلة وحسن بزُّون طاب ثراهم جميعاً وعزاؤنا بتراثهم الفكري والأدبي الفني الوازن.

وفي هذا الصدد يسرنا أن نعرب عن أعمق مشاعر المودة والتقدير للأخوين العزيزين، أمدّ الله في عمرهما مع وافر العافية لهما وهما: الأمين العام الأول للمجلس الدكتور عبد الرؤوف فضل الله والأمين العام الثاني القاضي الأستاذ زيد الزين الذي استقبل، في منزل والده بصيدا، المغفور له الشيخ أحمد عارف الزين، صاحب مجلة "العرفان"، الجمعية العامة التأسيسية للمجلس حيث انتخبت أول هيئة إدارية له بعد الهيئة المؤقتة بتاريخ 31/1/1965.

كما يسرنا أن نعرب عن مشاعر مماثلة للأصدقاء الأعزاء أعضاء الهيئات الإدارية المتعاقبة وأعضاء الجمعيات العامة السابقة، على إخلاصهم في حمل المسؤولية التي كانت ملقاة على عواتقهم جميعاً تجاه مجلسهم الثقافي على تعاقب المراحل...

الثالثة: الإعراب عن بالغ تقديرنا وجزيل الشكر لأولئك المبدعين، سواء بالكلمة أو اللون أو النغم، الذين صنعوا، بمفردات إنتاجهم الإبداعي المتنوع، وما زالوا يصنعون، ما توافر للمجلس من ثروة ثقافية يعتز بها ومن اسم ثقافي متداول، لبنانياً وعربياً، ومن أفقٍ مفتوح على وعد التخطي شكلاً ومضموناً...

الرابعة: التوجه بأسمى التحيات إلى الأجيال المتعاقبة من أصدقاء المجلس، ومن رواده الأوفياء الذين أحاطوا المجلس بخالص مودتهم وبسخي دعمهم، المعنوي والمادي، الأمر الذي وفَّر له أسباب القدرة على اجتياز العقبات ومتابعة الطريق، وعزَّز لديه الثقة بصواب مسعاه والأمل بإنجاز مشروعه الثقافي الذي لم يكتمل فصولاً بعد...

تلك هي الغايات الرئيسية التي يسعى المجلس إلى مقاربتها من وراء إقامة هذا الأسبوع الثقافي في قصر الأونسكو احتفاءً بذكرى التأسيس...

وإذا جاز لنا أن نضيف شيئاً، إلى ما سبق من قول، فاسمحوا لنا بإطلاق إشارة تستبطن همَّنا المؤرِّق نختتم بها المقال في هذا المقام:

نتوجَّه بهذه الإشارة إلى المثقفين اللبنانيين وهيئاتهم الثقافية وإلى المعنيين بالثقافة كافة فنقول، مع القائلين، بأن ثمة أزمة ثقافية في لبنان تبرز عارية في عناوينها المختلفة، وبخاصة في عناوين الصناعتين: الشعر والنثر، وفي صناعة السينما والمسرح والتشكيل والموسيقى والغناء...

وفي معرض تحليل هذه الأزمة تتعدد الآراء وتتعارض إلَّا أننا نميل إلى الأخذ بالرأي القائل بأن الأزمة الثقافية ليست إلَّا ظاهرة من ظاهرات الأزمة العامة في لبنان، وهي، في جوهرها، أزمة بنيوية لا يشكو لبنان وحده منها إنما تقاسمه الشكوى سائر البلاد العربية بلا استثناء.. من هنا يتولد السؤال عن جدوى معالجة الأزمة الثقافية في منأى عن معالجة سواها من الأزمات المتلازمة: السياسي منها فالاقتصادي والاجتماعي، والمعرفي والأخلاقي فضلاً عن الثقافي.

وبعدُ فهل ثمة من سبيل إلى الخروج من هذا النفق الخانق؟؟

إنه السؤال المكرور منذ انهيار مشروع النهضة العربي.. فهل يستقيم الأمر، اليوم، باستئناف هذا المشروع على أسس جديدة؟

ولكن كيف يستقيم هذا الأمر في غياب الحامل الاجتماعي؟

فهل تكفي أطروحات المفكرين العرب ودعوات المصلحين من أبنائهم الغيارى؟؟

وماذا يكون موقفنا من دعوات مدَّعي الديمقراطية وحقوق الإنسان، الطائرة إلينا عبر البحار، هذه الأيام، من قِبَل مراجع غربية، معروفة ومجرَّبة، وذلك على وقع ثنائي الترغيب والترهيب..؟!

أسئلة تتناسل، من أسئلة، باحثة عن الجواب التاريخي.. تُرى أليس هذا هو التحدي الكبير الذي يواجهنا جميعاً..؟؟؟

ولكن مهما استبدت بنا موازين القوى في اجتماعنا السياسي ومهما استشرست علينا ضواري ثنائي الداخل والخارج فلن نيأس ونستسلم فاقدين الأمل، بل نحن محكومون بالأمل بتعبير ذلك الكبير من مبدعينا العرب الراحلين: سعد الله ونوس..

إنما نحن، جميعاً، مطالبون بالعمل، مع الأمل، تعبيراً عن استحقاقنا لنعمة الحياة الخصبة، الكريمة في هذه الدنيا، وعن مستوى وعينا النقدي التقدمي وعن تجارب تمرُّسنا المتعاقب المراحل في مواجهة التحديات والتعديات ومغالبة الصعوبات والعقبات المتولِّدة سواء من بؤس الداخل أم من عدوانية الخارج...
صفحة 5
المثقفون ومنابر السلطان (3)

كنت حريصاً، غاية الحرص، على الاحتفاظ لنفسي بقرار اتخذته، ذات عام بعيد نسبياً، والتزمت حكمه بدقة، في ممارسة عملية ثابتة ترجمة لخيار ذاتي رأيتني أنحاز إليه عقب سلسلة من التجارب المتعاقبة. من هنا آثرت كتمانه اعتقاداً مني بأنَّه شأن شخصي محض لا يصح الجهر به احتراماً لخيارات الآخرين، المثقفين بخاصة، ونأياً بنفسي عن الادعاء بصواب خياري دون خيارات غيري.

لقد حافظت على أمانة الكتمان طويلاً إلى أن طالعني مقال الصديق الياس خوري الأسبوعي في موقعه، الأثير عندي، من ملحق "النهار" الصادر في 13 تموز 2003 فوجدتني، فور الفراغ من قراءته، أميل إلى البوح بما كتمته طويلاً في سريرتي، لما تولَّد عندي من اقتناع بضرورة الخروج من الخاص إلى العام.

ومن باب التوضيح أرى لزاماً عليَّ العودة إلى ذلك القرار الذي اتخذته، ذات عام، والتزمت حكمه طويلاً، فأقول بأنه يتصل، اتصال النتيجة بسببها، بمضمون الموضوع الذي انعقد عليه المقال، الآنف الذكر، وهو تحديد الموقف من حمَّى التسابق الذي تلجأ إليه أنظمة الحكم العربية لاستدراج المثقفين العرب إلى المشاركة في أعمال المؤتمرات أو الندوات أو الاحتفالات التي تُكْثِر من الدعوة إليها، على مدار السنة، في مواسم متصلة الحلقات.

حيال هذا الأمر وجدتني محكوماً باتخاذ موقف محدَّد، فكان ذلك القرار الذي رتَّب عليَّ فريضة الامتناع عن الاستجابة لأية دعوة توجّه إليَّ من قبل إدارة، سافرة أو مقنَّعة، من إدارات هذا النظام العربي أو ذاك. وأزعم، في هذا الصدد، أنَّ هذا الموقف المحدَّد لم أتخذه تأثراً بمشاعر ذاتية أو ميلاً إلى نزعة رفض طفولي، بل اتخذته استناداً لجملة من الأسباب الموجبة بلغة أهل القانون.. فقد توافرت لديَّ هذه الأسباب، تباعاً، من حصاد تجارب شخصية خضت غمارها، في مواسم ضيافة سخية، ملبياً دعوات متفرقة موجَّهة إليَّ من قبـل إدارات رسمية، تحمل عناوين أدبية أو ثقافية أو سياسية، وتقوم في خدمة الأنظمة، في سبعة أقطار عربية من ذوات الشهرة الواسعة النطاق في حرفة الإكثار من عقد المؤتمرات والندوات والمهرجانات، تحت عناوين شتى تستدعيها المناسبات، وما أكثرها، أو تقتضيها أولوية طارئة من أولويات هذه السلطة العربية أو تلك..

في ضوء ما تحصَّل لديَّ من حصاد تلك التجارب الشخصية، ظهرت لي بجلاء مقاصد السادة الدّاعين إلى هذه الاجتماعات المختلفة، فهي لا تعدو كونها، في معظمها الطاغي، سبلاً ميسَّرة لاقتناص شهادات بليغة من وفود المدعوين، بتزكية النظام العربي الدّاعي، وتغطية مدروسة على ما يقترفه من آثام في حق الوطن والمواطن، وما يرتكبه من انتهاكات في حق حرية الثقافة والمثقفين وفي حق المبادئ والقيم، وغالباً ما تقود التغطية المدروسة، إلى الإشادة بمآثر السادة الحكَّام العرب، على كمال صنيعهم، في صيانة الحريات وتعزيز الديمقراطية وتطوير حركة التنمية والانتصار لحقوق الإنسان؟؟!

لعلَّني لا أقع في المغالاة، إذا ما ذهبت إلى القول بأنَّ الغالبية العظمى من تلك المؤتمرات، التي دُعيت إلى الاشتراك في أعمالها، كانت منطوية على تلك المقاصد السلطوية التي لا تستهدف إلَّا إخفاء معالم الاستبداد للنظام السياسي السائد، والعمل على تجميل صورته، أمام عدسات الإعلام، بأحدث مبتكرات صناعة التجميل الدعائية المتطورة... ولكن مهما افتنَّ المخرجون في تظهير الصورة المتوخاة، خلال اشتباك الحناجر، فسرعان ما يفتضح أمرهم، إبَّان صوغ البيان الختامي، إذ لا مفر، أمامهم، من "تجميل" النص بالقليل أو الكثير من توجيهات السيد الدّاعي "السديدة" ، ومن الإتيان على ذكره بما يليق، من عاطر الكلام، بمقامه العالي، وهنا لا مندوحة، أمام المدعوين، من القيام بواجب الشكر والامتنان لسيادته على جميل رعايته، وكريم ضيافته، وعلى نبل مسعاه من أجل خير الأمة، وإعلاء شأنها بين الأمم!!

في ضوء تجربتي الخاصة، على محدوديتها، تراءت لي، بجلاء، أنَّ تلك الاجتماعات الاحتفالية، بمعظمها الغالب، هي مجرد أسواق للكلام المجاني الرائج، وهي تنعقد بكثرة، هذه الأيام، على منابر السلطات، في العواصم العربية، حيث تجري، عادة، مراسم الافتتاح والاختتام برعاية السادة الحكّام أو من ينوب عنهم من أفراد البطانة المقربين...

تلك هي الصورة التي تكاملت عناصرها، تباعاً، في نظري، لأسواق الكلام العربي المجاني الأمر الذي دعاني إلى القيام بفريضة الامتناع عن الخوض في المزيد من التجارب الخائبة...

وهنا أقف قليلاً وأستوقف لأستعيد إشارة مرَّ ذكرها تفيد بأني لا أدَّعي الصواب لموقفي هذا دون غيره، برغم أني التزمته بأمانة، ولمَّا أزل على العهد. ولعلَّ هذا الأمر يشفع لي، عند المثقفين تعييناً، في مساءلتهم عن موقفهم الحقيقي من هذه الظاهرة المتفشية في دنيانا العربية، أعني ظاهرة المؤتمرات الثقافية الاحتفالية التي تتسابق على ترويجها أنظمة الحكم المعروفة لا رغبةً منها في معالجة الواقع العربي مما يكابده من أوصاب مستفحلة، ومن أزمات مستعصية أو في تعزيز مناعته الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية متمثلة في استهدافات مشروع الهيمنة الأميركي ـ الصهيوني...، بل رغبةً منها في استيعاب صوت المثقف وامتصاص غضب المواطن المقهور، ليسعها، بالتالي، صرف الأنظار عن رؤية قبائحها الناجمة عن طبيعتها الاستبدادية وعن تبعية انقيادها الذليل لمراكز القوة في الخارج...

لا أتوجَّه بهذه المساءلة إلى مثقف السلطة، وهو حاضر، دائماً، في كل عصر ومصر، بل أتوجَّه، تحديداً، إلى المثقف النقدي الذي يستفزه ويستثير غضبه تخاذل النظام العربي وتساقطه حيال ما جرى ويجري على أرض لبنان وفلسطين والعراق من ضروب العدوان الهمجي لقوات الاحتلال الأميركية والإسرائيلية .. وحيال ما يتهدَّد الوجود العربي والثقافة العربية من مخاطر التطبيع والسطو والهيمنة.

وإذ أتوجَّه بالمساءلة إلى هذا المثقف، تحديداً، فلكونه يجسِّد، في يقيني، إرادة الرفض لكل محاولات السلطة المستبدة لاستيعاب صوته النقدي كما يجسِّد روح المقاومة في مناهضة الثقافة الاحتفالية الذيلية في سياق مناهضة حكم الاستبداد والتبعية.

انطلاقاً من ذلك ألا يصح القيام بتوجيه دعوة إلى إبرام عقد جماعي بين مناصري الثقافة النقدية ينصُّ، في متنه، على مقاطعة المؤتمرات وأخواتها التي تدعو إلى عقدها هذه الإدارة الرسمية أو تلك من إدارات النظام العربي، وذلك تعبيراً ريادياً مجزياً عن الموقف المبدئي من هذا النظام العربي المدان؟

ترى أليس في مضمون هذه الدعوة ما يستدعي، في الأقل، نقاشاً ديمقراطياً مجدياً؟
صفحة 6
العطب البنيوي وانحسار الموارد (4)

في محاولة متواضعة للإجابة عن سؤالكم ننطلق من موقعين اثنين: موقع المشاهد المتتبِّع لحركة الهيئات والنوادي الثقافية الفاعلة في لبنان، وموقع العامل، في حدود الممكن في إطار هيئة ثقافية عريقة يدرجها متخصِّصون في لائحة الهيئات الثقافية الفاعلة في لبنان، أعني بها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي.

انطلاقاً من هذين الموقعين أسارع إلى القول، بلا تردد، بأنَّ ضرباً من الضعف ـ ولا أقول الاسترخاء ـ قد أصاب الهيئات الثقافية في عصب حركتها الفاعلة.

من باب الاستدراك، الذي يوجبه الالتزام بمبادئ العدالة في الحكم، أذهب إلى الأخذ بنظرية التفاوت، فلا أضع مختلف الهيئات والنوادي الثقافية على مستوى واحد، إن من حيث الإنتاجية النسبية، أو من حيث التأثر بظروف قاهرة وعوامل خارجة عن إرادتها وعن رغبتها في العمل والإنتاج.

ومهما يكن، فثمة أسباب، لا ريب في قيامها، قد أصابت، إلى هذا الحد أو ذاك، حركة هذه الهيئة أو تلك بعطب الإعاقة، فبدت عليها ظواهر الضعف بخلاف ما كانت عليه سابقاً، من امتلاء عافية وزخم نشاط.

إنَّ تلك الأسباب المعوّقة كثيرة ومتنوعة، في نظري، وهي موزَّعة على محورين اثنين: الذاتي والموضوعي بدرجات متفاوتة أيضاً.

نكتفي، هنا، بالإشارة إلى أسباب ثلاثة لا غير من الأسباب الذاتية الكثيرة وهي:

1 ـ العطب البنيوي، إن صحَّ التعبير، المتمثِّل بمفارقة عجيبة. فمن جهة يطالعك من الهيئة تضخُّم في هيكلها العام إنما لا يسهم، بأكثريته العظمى، في أي نشاط مثمر، ما من شأنه أن يُفقِدَها قليلاً أو كثيراً من الحيوية ويصيبها بقدر من الضعف ويَحرِمها، بالتالي، جانباً مهماً من الدور المطلوب منها في الحياة الثقافية العامة.

ومن جهة مقابلة يطالعكم منها مشهد نفر قليل، وربما قليل جداً من أعضائها، يحاول، قدر الاستطاعة، أن ينهض بمفرده بمسؤوليات الهيئة الثقافية بكاملها حذر الجمود والتخلف، وذلك في زمن تعاظمت فيه الحاجة إلى التغيير وتعقَّدت فيه آليات النشاط الثقافي وتكاثرت أجهزتها اللازمة لنجاح العمل والتقدم على طريق التطور.

2 ـ افتقار بنية الهيئات الثقافية، في معظمها، إلى العنصر الشاب الذي من شأنه أن يولد الحيوية والحرارة في الجسم الذي يتحرَّك في داخله، وأن يوفِّر عوامل التجدد في هذا الجسم، وإمكانات التخطي والتجاوز.

ولسنا، هنا، في سبيلنا إلى دراسة هذه الظاهرة، فالمجال، هنا، لا يتسع حتماً، إنما لا يسعنا إلَّا الاعتراف، بأنَّ قيادات الهيئات الثقافية، بذهنيتها ونهجها وممارستها، تتحمَّل النصيب الأوفر من المسؤولية، عن إحجام الجيل الشاب، من الجنسين معاً، عن الانتساب إلى هذه الهيئات، والعمل الجاد في أطرها المختلفة.

3 ـ انحسار الحدود المادية إلى حد الجفاف، ومرد ذلك يعود، بلا ريب، إلى الضائقة المعيشية التي تعانيها الطبقة المتوسطة وما دونها من فئات اجتماعية، وهي، في مجملها، تشكل المهد الاجتماعي للكثرة الكاثرة من الهيئات الثقافية في لبنان. من هنا يتعذَّر على المنتسبين إلى تلك الهيئات، وعلى أصدقائهم أيضاً، أن يواصلوا المدد المادي الذي كانوا ملتزمين به تطوعاً في السابق.

أما أسباب الإعاقة الموضوعية فكثيرة، هي بدورها، ومتنوعة، إلَّا أننا محكومون في هذه العجالة، بأن نكتفي بالإشارة إلى ما نراه الأبرز منها وهي، بدورها، ثلاثة أسباب:

1 ـ الأزمة العامة المستعصية التي تخترم بنية المجتمع اللبناني في أكمله، وتشيع فيه عناصر الشلل والجمود متسللة إلى شتى مكوناته ومرافقه، وإلى مختلف هيئاته وتشكيلاته من دون استثناء، سواء كانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أم ثقافية... الخ.

2 ـ إحجام الدولة، بإدارتها المعنية، عن القيام بدورها المسؤول دعماً للهيئات الثقافية الفاعلة في لبنان، وهي معروفة لديها تماماً، والاكتفاء فقط بتوفير أسباب الدعم المادي، من الاعتمادات المخصَّصة لذلك في الموازنة العامة، لأفراد يتمتعون، وهيئات تتمتع، بحظوة خاصة لدى كبار المسؤولين في تلك الإدارات الرسمية المعنية.

ونحن إذ نطالب الدولة بالقيام بدورها الداعم للهيئات الثقافية الفاعلة، لا نرمي، إطلاقاً إلى تأمين الدعم المادي لها، وإن كان هذا من حقِّها المشروع، بل نرمي، أساساً إلى توفير أسباب الحرية لعمل تلك الهيئات التزاماً بالمبدأ الدستوري الذي يكفل حرية الرأي والتعبير والمعتقد والاجتماع وغيرها من الحريات العامة. كما نرمي إلى تأمين الحاجات البالغة الأهمية والشديدة الضرورة للحركة الثقافية العامة في لبنان والتي تعجز الهيئات، بإمكاناتها المحدودة، عن تأمينها للنهوض بموجبات هذه الحركة ونعني، تحديداً، تأمين صالات للمعارض التشكيلية ومعارض الكتب والمنتوجات الحرفية ومتاحف للآثار والفنون، إضافة إلى تأمين المكتبات العامة والمسارح ودور السينما وبيوت الثقافة (موسيقى وغناء ورقص) وقاعات للمؤتمرات والندوات الثقافية المتنوعة...

لا شك، في أن تأمين هذه الحاجات، الأساسيات في مجتمعات العصر، يوفِّر للهيئات الثقافية الظروف الملائمة والمشجعة لممارسة نشاطها المتنوع الوجه نحو الأفضل كما توفر، أساساً للحركة الثقافية العامة شروط تحقُّقها وتطورها وفق متطلبات روح العصر...

ومن نافل القول أن ذلك مرهون بمعالجة الأزمة العامة، المستعصية والمزمنة، وإيجاد الحلول الملائمة لها.

3 ـ غياب المؤسسات الاقتصادية والمالية في لبنان عن ميدان التقليد السائد في المجتمعات المتقدمة في العالم، وبخاصة في الغرب، والمتجلي في تخصيص الهيئات الثقافية ومراكز الأبحاث والإبداع باعتمادات وازنة في موازناتها السنوية دعماً للإنتاج الفكري والأدبي والإبداع الفني والبحث العلمي وإغناء الحياة الثقافية العامة في المجتمع.

يبقى أن نحاول الإجابة، أخيراً، عن سؤال الدور الذي نقوم به، في إطار الهيئة الثقافية التي نعمل في إطارها وهي المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، فنقول، اختصاراً:

على الرغم من وطأة الأسباب المعوِّقة التي سبقت الإشارة إلى بعضها مضافة إليها الأسباب الخاصة التي يفرزها، في تمادٍ واستفحال؛ وضع الجنوب اللبناني، الجارح المعالم، وهو مهد المجلس الثقافي وأرض همومه وفضاء تطلعاته والأحلام.

نقول برغم ذلك، فالمجلس سواء في مقره المركزي، في بيروت أو في مقره الفرعي في مدينة النبطية، لم ينقطع عن ممارسة نشاطاته الثقافية، المتعددة الوجوه، إلَّا عند هبوب العدوان الإسرائيلي على الوطن بعامة وعلى جنوبه بخاصة، واتساع رقعة حرائقه وخرائبه واشتداد قبضته الفولاذية على الحركة العامة في ربوعه وفي المقدمة الحركة الثقافية.

لا ندَّعي، مطلقاً، بأنَّ ما نقوم به من نشاط ثقافي متنوع يرتفع إلى مستوى طموحنا ويحقِّق ما نصبو إليه من إسهام فاعل في إنعاش الثقافة في لبنان، فدون ذلك تلك الأسباب الموضوعية والذاتية التي أتينا على ذكر الأبرز منها سابقاً.

من هنا لا نسترسل في عرض ما قمنا به، في المقرّين معاً، من ندوات ومحاضرات وأمسيات شعرية وموسيقية وغنائية ومعارض فنية ولقاءات ثقافية واجتماعية، واستضافة مفكّرين وأدباء وشعراء معروفين لبنانيين وعرباً. فذلك كله ليس إلَّا جهد المقل وما سمحت به الظروف الخاصة والعامة..

ونعترف، بصوت مسموع، بأنَّ ما نقوم به من نشاط ثقافي، على تواصله وتنوعه، لا يمنح المجلس سمة الدخول إلى دائرة الفعل المؤثر المميز في الحياة الثقافية اللبنانية، ذلك لأنَّ هذه الحياة، ليست إلَّا وجهاً من وجوه الحياة العامة في لبنان، التي تحكمها قوانين الواقع الاجتماعي في لحظته التاريخية البالغة التعقيد والصعوبة والتأزُّم. وما لم نساهم جميعاً في إحداث تغيير جذري في بنية هذا الواقع، سيظل لبنان الثقافة، مشروعاً يتوقف إنجازه على قوى التغيير الديمقراطي في سياق نضالها اليومي، من أجل إنجاز مشروع الدولة المدنية الديمقراطية، العلمانية العادلة والمجتمع النامي والمنتج والمتطور..

وفي ضوء هذه الحقيقة الموضوعية، يتعيَّن علينا أن نقرأ، بعمق ومكاشفة صريحة مع الذات، تسمية بيروت عاصمة ثقافية للعالم العربي هذه السنة التي تمضي، عدواً، نحو نهايتها المحتومة. فالعبرة، في ميزان القيمة العلمية، ليست في تسمية جميلة تخلع على عاصمتنا، ذات التاريخ العريق والمنزلة الثقافية الباذخة، وذلك كهِبَةٍ من واهب لأجلٍ مسمَّى، مهما يكن شأن هذا الواهب ومهما سمت مقاصده، إنما العبرة في المسعى المنهجي الحثيث الذي نرمي إليه كافة، وهو أن تستعيد بيروت تلك المنزلة الثقافية التي كانت تتبوأها بانحيازها إلى الحرية والديمقراطية والتنوع والنزوع إلى التجديد والإبداع. بل نرمي، أيضاً، إلى تجاوز ما كان سابقاً، والوثوب إلى عاصمة المستقبل القائمة على مكوناتها الأساسية: الجامعة الوطنية العصرية، ومراكز الأبحاث والدراسات العلمية، والبيوت الثقافية، والمسارح والمتاحف والمكتبات العامة، ودار أوبرا، وفي تخصيص اعتمادات كافية في الموازنة العامة لدعم الإنتاج الإبداعي في مجالاته المختلفة، ولتعزيز الحركة الثقافية الوطنية الديمقراطية الأصيلة والمتجددة في المركز والأطراف سواء في سواء.
صفحة 7
رسالة الثقافة المسؤولة (5)

... يأتي هذا اللقاء الثقافي الجامع، في زمنه، ترجمة أمينة لمسعى مشترك بين مؤسستين ثقافيتين: واحدة منهما تقيم على الضفة الشرقية من الأبيض المتوسط، هي: "المجلس الثقافي للبنان الجنوبي" المسكون بهاجس التحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والثقافة الوطنية، والثانية تقيم على الضفة الشمالية ـ الغربية من هذا البحر الجامع، هي "مؤسسة من أجل تقدُّم الإنسان" المرصودة لقضية الإنسان على وجه هذا الكوكب الأرضي..

لعلَّ من المفيد الإشارة إلى أنَّها ليست المرة الأولى التي يسع المجلس أن يقيم لقاءً أو مؤتمراً للثقافة، بالتعاون مع مؤسسة ثقافية أو أكثر، تقيم خارج حدود لبنان.. فقد وُفِّق المجلس، في غضون السنوات الماضيات، إلى إقامة جملة من المؤتمرات الثقافية الوازنة، بالتعاون مع كثرة من المؤسسات الثقافية العربية، نذكر منها باعتزاز كبير: "لجنة الدفاع عن الثقافة القومية" في مصر، و"اتحاد الكتاب العرب" في سورية، و"اللجنة الوطنية الدائمة لمناصرة المقاومة الوطنية اللبنانية" في دولة الإمارات العربية المتحدة، و"المجلس القومي للثقافة العربية" بمقره المركزي في الرباط ثم "اتحاد الكتاب والصحافيين في الجزائر"..

إضافة إلى ذلك، نذكر، بامتنان بالغ، بعض المؤسسات الثقافية الغربية التي جرى التعاون معها ثقافياً، كـ "النادي الثقافي الإسباني العربي" في مدريد و "جامعة أوتاوا" في كندا و "جمعية الأدب الحديث" في برلين الغربية، قبيل انهيار جدارها الفاصل.

فلا بدع إذاً، أن تقوم علاقة تعاون ثقافي واجتماعي بين "المجلس" و"المؤسسة" وأن تنعقد هذه العلاقة على هذا اللقاء الثقافي العربي الأول الذي تحتضنه العاصمة بيروت بترحاب.

آثرنا، عامدين، أن ينعقد جمعكم في لقاء ثقافي مشرع الفكر، طلق الصوت، بعيداً عن مقتضيات العادة المتبعة في عقد المؤتمرات العامة والندوات المختصة. فليس من ضرورة، هنا، الى تقديم دراسات أو أبحاث يتمحور حولها النقاش ليس غير. لقد أردنا أن يشكل هذا اللقاء مساحة حرَّة للنقاش بلا ضفاف، يتلاقى على أديمها الرحب لفيف مختار من مفكري العرب وكتَّابهم وشعرائهم ومن أهل البحث والخبرة، لكي ينخرطوا جميعاً، في حوار مفتوح على طائفتين من المواضيع العامة: فيها العربي وفيها العالمي وهي، على المستويين، مجرد عناوين عامة لجانب من همومنا الكبرى ونحن نقف على عتبة الألف الثالث من الميلاد.

كبير أملنا في أن يقارب هذا اللقاء، في الحوار المشرع الأبواب، ما اندرج من مشاريع أفكار ومقترحات يُصار إلى تقديمها، سواء في أوراق عمل موجزة ستقدم في مستهل الجلسات أم في مشروع الوثيقة الموضوعة بين أيدي السادة المشاركين، والداعية إلى بناء "تحالف من أجل عالم مسؤول ومتضامن"... انطلاقاً من المبادرة الجادة لتجاوز الإحساس بالعجز ثم الشروع في البناء.. إنها دعوة تستبطن مشاعر إنسانية نبيلة مقترنة بمطامح سامية.

هذا المشروع طرحته علينا "مؤسسة من أجل تقدُّم الإنسان" مشيرة إلى أنَّ "التحالف" الذي تأخذ بمبادئه يطمح، بحسب ما جاء في الوثيقة، إلى صوغ مقترحات من أجل المستقبل هي خلاصة التلاقي في الأعمال والأفكار، حول قضايا عصرنا الكبرى...

ونحن، في هذا اللقاء الثقافي، إذ نتقدم، من السادة المشاركين والمشاركات، بهذه الوثيقة فليس على سبيل الأخذ بها، كما جاءتنا، بل على سبيل قراءتها، قراءة نقدية، وإعادة صوغها، في ضوء ما ازدحم في واقعنا العربي الراهن من قضايا ومعضلات هي، في الأصل، ذات علاقة عضوية بقضايا العصر ومعضلاته. فالوثيقة، في الأساس، مطروحة للنقاش، بهدف التعديل والإضافة.

وإسهاماً منا في هذه القراءة النقدية، نبادر، من فورنا، إلى طرح جملة من الأسئلة في صيغة دعوة مخلصة إلى نقاش معمَّق واسع النطاق بين السادة المشاركين والمشاركات...

فإذا كانت الوثيقة تُقرأ من عنوانها: "من أجل عالم مسؤول ومتضامن"، يحق لنا أن نتساءل، إغناءً لمضمونها وترسيماً أدق للحدود:

لماذا عالم اليوم غير متضامن وغير مسؤول؟..

وعلى من تقع، بالتحديد، تبعة ذلـك؟

وهل يوجد، في ظل السيطرة الجامحة لمنطق القوة، إمكان لإعادة الاعتبار إلى منطق الحق والعدالة، ولإحياء الشعور بالمسؤولية العامة، وبضرورة التضامن العالمي؟؟.

ثم كيف نعيد روح التضامن إلى العالم ونجعله مسؤولاً وهو يواجه كل الاختلالات الكبرى القائمة بين شماله والجنوب وبين أغنيائه والفقراء وبين شرائح من أسرته البشرية والبيئة الطبيعية؟؟ كما يواجه، في الوقت عينه، الاختلالات الإقليمية البالغة الخطورة، ذات العلاقة العضوية بتلك الاختلالات العالمية الكبرى، وفي رأسها، على المستوى العربي، الاحتلال الإسرائيلي المقرون بإرهاب الدولة المدجَّجة بمخالب نووية والمستمر قائماً، منذ عشرات السنين، في جنوب لبنان وفلسطين وفي الجولان السوري. ثم الحصار المحكم حول العراق وليبيا والعدوان على السودان مع تمادي النهب الاستعماري لثروات الشعوب العربية واستمرار التحكم بمصيرها...

هذه الاختلالات، على تنوعها وتعددها، ليست ضروباً من العقاب ينزلها القدر بالشعوب والأوطان بل هي إفرازات أنظمة جائرة ونتائج سياسات ظالمة، يحكمها جميعاً ميزان القوة على الصعيدين: العالمي والإقليمي...

في ضوء ذلك، هل يصح منا تجاهل الفاعل ونحن نتوجه بالدعوة، من موقع الثقافة العربية المسؤولة، إلى إعادة تأسيس حركة نهوض عربي جديدة، ذات أبعاد متلازمة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، على توجُّه تحرري ديمقراطي تقدمي.. وتوجُّه يطمح إلى تقدم الإنسان وقيام العالم المتضامن المسؤول؟... وفق ما جاء في شعار هذا اللقاء.

إنَّ دور المثقف الرئيسي هو الجهر بالحقيقة.

وإنَّ الشرط الأساس في المواجهة العامة معرفة طبيعة الصراع والتناقض الرئيسي، على المستويين: الإقليمي والعالمي، في مرحلة محددة من الزمن، هي مرحلتنا الراهنة.

من هنا نرانا محكومين بتسمية الأشياء بأسمائها السافرة غير المقنَّعة أو الملتبسة...
صفحة 8
فعلى المستوى الإقليمي، وبرغم تكاثر مشاريع التسوية، ما انفك الصراع العربي ـ الإسرائيلي يحتل الموقع الأول على ساحة المواجهة العامة في المنطقة بأسرها مشكِّلاً الاختلال الأشد خطورة على حاضر العرب ومستقبلهم ومهدِّداً الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي .. وذلك ليس لأن إسرائيل قامت، أساساً، بالعدوان، على أرض فلسطين، فقط، وبالعدوان استمرت واشتدت بأساً وتضاعفت مساحةً، على حساب الأرض العربية وحساب سكانها الأصليين، بل لأنها قامت، في الأساس، كقاعدة ومنطلق لمشروع استيطاني توسعي عنصري، مشدود الصلة العضوية، من حيث الوجود والوظيفة، بقوى الاستعمار القديم والجديد.

لذلك حظيت إسرائيل، منذ قيامها، وما تزال تحظى بمختلف أشكال الدعم الاستثنائي من قبل دول الشمال بعامة ومن قبل الولايات المتحدة بخاصة...

فكيف يمكن أن تتوافر، بعدُ، شروط التضامن، على مستوى الإقليم، إذا كانت المنطقة العربية بأسرها تقع في دائرة عمليات التحالف العدواني الاستراتيجي بين الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني، من جهة، وتقع، من جهة ثانية، في أسر تلك الأنظمة العربية التي يسودها نهج الاستبداد والتبعية والتخلف والتجزئة؟؟..

ثم كيف تتشكَّل عناصر المسؤولية للمجتمع الدولي فنطمئنُّ إليه ونثق به، في حين لا نراه إلَّا مطبق العينين عن رؤية ما يجري على أرضنا من ضروب القتل والتدمير والانتهاك المتمادي للشرعية الدولية ولحقوق الإنسان، ولا نجده إلَّا مغلق السمع عن صراخ الأطفال في جنوب لبنان وفلسطين والجولان وفي العراق؟!..هذا قليل من كثير على المستوى الإقليمي، فماذا على المستوى العالمي؟

إن الاختلالات الكبرى بين الشمال والجنوب وبين الأغنياء والفقراء قد أخذت، عقب انهيار المنظومة الاشتراكية وهبوب عاصفة الصحراء، صورة جديدة، وإن كانت ذات أصول قديمة، راحت تكتسح جنبات الأرض بلا هوادة. وقد اصطلح على تسميتها بالعولمة، وهي، على تعدد شروحاتها، لا تعدو كونها تعبيراً عن النظام الرأسمالي العالمي وهو في طور نقلة جديدة وانفجار سطوة لا سابق لها في التاريخ. فهو يتحرك، بسرعة فائقة، إلى إقامة "دكتاتورية السوق" و"تسليع " الإنسان، على مساحة الكرة الأرضية .. ويسعى بشراسة لتسييد نمط قيم وسلوك في أنحاء العالم لمصلحة دولة واحدة: هي الولايات المتحدة الأميركية (6). من هنا، راحت تتولَّد مشاعر القلق المشروع لدى الأسرة البشرية، لا سيما في الجنوب. والقلق، هنا، متولِّد من الطبيعة الرأسمالية للعولمة وهي في حالة الانفجار الوحشي الذي تشهده خاتمة هذا القرن. "وإذا ما سارت الأمور على منوالها الراهن، سيكون، في القرن القادم، 20% فقط من السكان يمكنهم العمل والحصول على الدخل والعيش في سلام. أما النسبة الباقية أي 80%، فتمثل السكان الفائضين عن الحاجة الذين لا يمكنهم العيش إلَّا من خلال الإحسان أو التبرعات..." (7).

وقد جاءت تقارير الأمم المتحدة، في صياغاتها الأخيرة، لتؤشر، بالأرقام والإحصائيات، على استفحال الوضع القائم في العالم وعلى سوء المآل... فالنمو في حال تراجع مستمر والبطالة إلى ازدياد مطَّرد ونسبة الفقر يتعاظم أمرها، سواء بين المجتمعات أم داخل كل مجتمع.

فكيف، والحال هذه، يصح اللجوء إلى الأغنياء، والذين يقلِّون، مع الأيام، عدداً ويزدادون ثراء، ونلتمسهم الاعتدال في استهلاكهم وتعوُّد التقشف، بحسب ما ورد في نص الوثيقة (ص28) ألاَ يحيلنا هذا القول إلى مرجعيات روحية وأخلاقية ملأ صوتها العالم، عبر مراحل التاريخ، من غير أن تحظى بالاستجابة المتوخاة؟..

إن "عملية تحول تاريخي تجري اليوم بأبعاد عالمية واضحة، ينعدم فيها العدل والرخاء ويسود التدهور الاقتصادي والتدمير البيئي والانحطاط الثقافي في ضوء حضارة التنميط التي تسعى العولمة لفرضها على الشعوب، وإلَّا فقانون الغاب سيتكفَّل بالعقاب" (8).

وما حضارة التنميط، كما بات معروفاً، سوى " أمركة " هذا العالم، سواء بالترغيب أم التضليل والترهيب.وللتدليل على مدى خطورة هذه الحضارة على حقوق الشعوب وعلى القيم الإنسانية، نستشهد بالمفكر الأميركي الذائع الصيت نعوم تشومسكي إذ يقول: "أنا أعتقد أن الرعب سوف ينتاب أكثر الأميركيين لو علموا ما تقترفه أيديهم في العالم "ويتساءل: لماذا لا يخبر قادتنا الحقيقة للناس؟ فمثلاً، حين يريد قادتنا تدمير العراق لماذا لا يقولون علناً: نريد أن نسيطر على نظام النفط العالمي.. ونريد أن ننشئ مبدأً، يقول بأن العالم لا تحكمه إلا القوة.. لأن القوة هي الشيء الوحيد الذي نجيده.. ثم نريد أن نمنع أية قومية مستقلة من البروز.. فالأولوية عندنا، هي للقوة والأرباح..؟ (9)

وتبعاً لهذا النهج وتعبيراً عنه، قام صرح الثقافة الأميركية المعولمة بهدف محدَّد هو قيام المجتمع العالمي الاستهلاكي، حيث تسود ثقافة السلعة تعزيزاً لنظام السوق وترويجاً لقيمه في أصقاع الأرض..

ولعلَّ من المفيد القول، هنا، أن قيم نظام السوق العالمي يجري تسريبها الى ثقافات الشعوب، عبر أشباه المنتجات الثقافية، كالأفلام وأشرطة الدعاية وغيرها كثير.

وهنا، كم يبدو سديداً رأي المفكر العربي المصري سمير أمين إذ يقول: إن العولمة التي فرضتها الرأسمالية ليست عولمة التكنولوجيا والمبادلات التجارية فحسب بل هي عولمة ثقافية أيضاً (10).

يُضاف إلى ذلك ما تكابده الدول، وبخاصة في جنوب العالم، من آثار نظام السوق. ففي ظله تتآكل السيادة الوطنية وتتهشَّم الذاكرة التاريخية وتتراجع الثقافة المحلية أمام ثقافة المصارف الدولية والمنظمات التجارية والشركات المتعددة الجنسية ومؤسسات الإعلام الكبرى..

فهؤلاء هم الأسياد الجدد في عالم اليوم الذي لم تعد فيه الدولة القومية قادرة على ضبط اقتصادها الخاص ولا على صيانة هويتها الخاصة (11). وربما إلى هذا المعنى الأخير أشار المفكر العربي السوري برهان غليون بقوله:" إن العولمة الثقافية تقوم بتعميم أزمة الهوية في هذا العالم" (12).

ولئن كان الجنوب أو البلدان النامية، وفيها أقطارنا العربية، هي الأكثر تعرضاً لسلبيات العولمة الثقافية، فإن دولاً كبرى في الشمال المتقدم عرضة لهذه السلبيات أيضاً. من هنا، تتصاعد أصوات التحذير في المجتمعين: الفرنسي والإيطالي، على سبيل المثال، من عواقب انتشار الثقافة الأميركية في أوساطهما... ولم يتوقف الأمر عند حدود التحذير بل تعداه إلى الانخراط في حملة واسعة ضد "أمركة" الثقافة في أوروبا. وقد تجلى تأثير هذه الحملة في القيود التي فرضها البرلمان الأوروبي على الأفلام الأميركية التي تبثها شبكات التلفزة الأوروبية (13).

إذا كان الأمر في أوروبا يستوي على هذا النصاب في مواجهة "الأمركة" الثقافية، فكيف ينبغي أن يكون عليه الأمر في جنوب هذا العالم وفي بلداننا العربية خاصة وهي المهددة من قبل طرفي التحالف الاستراتيجي معاً: الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس على الصعيد الثقافي فحسب بل على الصعد جميعاً: السياسي منها فالاقتصادي والاجتماعي والأمني والبيئي..؟

ودفعاً لأي التباس، نبادر، في هذا الصدد، إلى توضيح موقفنا المبدئي من الدعوة إلى الانغلاق على الذات ثقافياً، فهي، في رأينا، دعوة إلى التحجُّر والعقم وإلى الخروج من التاريخ... فالانفتاح على ثقافات العالم الغنية والمتنوعة والتفاعل معها، بوعي وتبصُّر، شرط لا محيد عنه من أجل تقدم المجتمعات العربية وتأهّلها من جديد، للإسهام في صوغ ثقافة عالمية إنسانية جديدة.

من هنا، تتعاظم المسؤولية على عاتق المثقفين العرب حيال أمتهم في حاضرها والمستقبل. فهم مطالبون اليوم بإعادة بناء الثقافة العربية على أسس جديدة من حرية الفكر والتعبير وجرأة النقد ومن التعددية الفكرية والسياسية ومن العقلانية والعلمانية وروح التجدد، في استلهام واعٍ للمضيء الحي من تراثنا وفي استيعاب نقدي للأصيل المتعافي من ثقافة العصر، وذلك باتجاه وضع الأسس العلمية لمشروع نهضوي جديد.

كما تتعاظم المسؤولية على مثقفي العالم بأسره وعلى قواه الديمقراطية وحركات شعوبه الرافضة لما تولّده الرأسمالية الضارية من مآسٍ وفواجع.فهؤلاء مطالبون جميعاً بالعمل على إعادة الاعتبار إلى النضال الأممي من أجل بناء حضارة جديدة وإن كانت الطريق إليها طويلة وشاقة. فالمهم أن نبدأ الطريق، سواء باتجاه بناء "عولمة اشتراكية متحضرة، بديلاً عن العولمة الوحشية للرأسمالية" (14)، على نحو ما يدعو سمير أمين، مقترحاً البدء بمرحلة أسماها "التحالف الوطني الشعبي والديمقراطي".. أم باتجاه إنجاز مشاريع تغييرية ديمقراطية أخرى تدعو إليها قوى وأحزاب وهيئات مهجوسة بقضية الإنسان ومسألة الحضارة .

تلك دعوات بالغة الأهمية، موجهة إلينا كافة. فلماذا لا نشرع في قراءتها نقدياً ونستلهمها في صوغ المشروع الحضاري المرتجى..؟

ولعل في ذلك محاولة تصويب جادة لمسار الدعوة إلى "تحالف من أجل عالم مسؤول ومتضامن" الموجهة إلينا في هذا اللقاء والتي نأخذ عليها أنها لم تجهر صراحة، بإدانة الرأسمالية، باعتبارها المصدر الأساس للاختلالات الكبرى التي تحاصر العالم بإحكام وتجعله محروماً من روح المسؤولية ومن عروة التضامن الوثقى...

ربما يكون، من الأصوب والأجدى، أن نتلاقى جميعاً، من شتى الأقاليم والقارات ومن مختلف الانتماءات الفكرية والسياسية، على أرضية هذا الفهم العلمي لطبيعة الصراع الحقيقي في عالم اليوم، ونتقدَّم، بالتالي، نحو تحديد موقف واضح من قوى الهيمنة الرأسمالية العالمية وحليفها الإقليمي ومن أنظمة الاستبداد المحلية.. على أن يتجلى هذا الموقف في مشروع سياسي، اقتصادي، اجتماعي وثقافي وحضاري من أجل مستقبل أفضل لشعوبنا العربية ولشعوب العالم بأسره.

تلك هي رسالة الثقافة التنويرية المسؤولة.

وذلك هو دور المثقف النقدي غير المرتهن لسلطة الحكم أو المال أو الطائفة...

وبعد فربما من باب تحصيل الحاصل القول أن كل ما تقدمت به، في فاتحة هذا اللقاء الثقافي، ليس إلَّا مجرد دعوة إلى النقاش...
صفحة 9
سؤال التطبيع الثقافي (15)

في الجو العاصف الذي أحدثه اتفاق غزة ـ أريحا على مختلف المستويات يُصاب الكلام بحالة اضطراب على نحو ما يضطرب غصن الشجرة في وجه الريح العاتية...

يرى معلِّقون أنَّ الحدث لا يرمي إلى زلزلة الثابت في الجغرافيا والثابت في التاريخ فحسب بل يرمي إلى زلزلة الثوابت في البنية الفكرية والوجدانية والثوابت في الذاكرة عند الإنسان العربي بعامة والعربي الفلسطيني بخاصة.

ليس لنا أن نقف عند هذا التعليق السريع، بل أن نقف عند هذا الحدث للوقوف على طبيعته والعوامل المختلفة التي أسهمت في صناعته على الصورة التي تجلَّى فيها، وعلى النتائج والآثار التي أسفر عنها، لتاريخه، والتي سوف يسفر عنها، حتماً، في المقبل من الأيام...

حسبنا، في هذا المجال، أن نختار حيِّزاً محدَّداَ من ساحة الفعل الشاسعة والمعقَّدة ونُجيل فيها الطرف محاولين قراءة الظاهر والمُعلن واستقراء الإشارات الرامزة واتجاهات الحركة العامة...

هذا الحيِّز المحدَّد الذي نختاره من الساحة الشاسعة والمعقَّدة هو الحيِّز المنتمي إلى عالم الثقافة بمعناها الواسع ومن فورنا نتساءل مع المتسائلين:

هل ثمة من علاقة قائمة بين ما حدث، وهو فعل سياسي بامتياز، وعالم الثقافة الذي يخصنا، هنا، تعييناً؟...

لعلَّ من المفيد في هذا الصدد، أن نعود قليلاً إلى كتاب العلاقة الصراعية بيننا كلبنانيين، خصوصاً، وكعرب عموماً، وبين إسرائيل كعدو تاريخي، لنا جميعاً، فنقلِّب بعض الصفحات ونقرأ عناوين واقعية من شأنها أن تلقي ضوءاً يساعدنا على الرؤية الصحيحة...

عنوان أول:

حين قام الرئيس المصري أنور السادات بزيارة إسرائيل استقبله، يومئذٍ، رئيسها إسحاق نامون بما يليق به من ضروب الحفاوة إلَّا أنَّه لم يتردَّد في دعوة ضيفه الصريحة إلى التطبيع الثقافي حيث قال له: "إننا نرى تبادل الثقافة لا يقل أهمية عن الترتيبات السياسية والعسكرية ومن المرغوب فيه أن نعمد لذلك" (16).

ولم يمر على توجيه هذه الدعوة الرئاسية سوى بعض الوقت حتى تجسَّدت في اتفاق ثقافي شكَّل الإجازة الأولى لعملية التطبيع على صعيد الثقافة، بين البلد العربي الأكبر هو: مصر وعدو العرب أجمعين هو: إسرائيل وذلك بتاريخ 8/5/1980.

عنوان ثانٍ:

كتب ناحيم غولدمان، رئيس المجلس اليهودي العالمي في مجلة "الشؤون الخارجية عام 1974 ما نصّه: "إنَّ الهدف الأسمى الذي حارب من أجله قدامى الصهاينة هو تطوير إسرائيل لكي تصير مركز الإشعاع الفكري والثقافي والعلمي ليس في الشرق الأوسط فحسب بل في العالم أجمع والغاية هي التأكيد على الإبداع والقدرة اليهودية والتميز الذهني عن غيرهم".

عنوان ثالث: