صفحة 1
تنويه
على الرغم من أن الكاتب كان يدرس في بيروت في الفترة التي تتحدث عنها الرواية، فإن كل الشخوص والأسماء والوقائع والتواريخ الواردة في الرواية هي من وحي الخيال، ولا تمت إلى الواقع بصلة، لذا وجب التنويه كيلا يبنى القارىء خيالا فوق خيال·
المؤلف
المنامة - يونيو 2009
صفحة 2
في شقتنا خادمة حامل
عاد سالم إلى منزله مبكرا على غير عادته· ذهب رأسا إلى الدور العلوي حيث الجناح الخاص به· الجناح مكون من غرفة نوم واسعة ودورة مياه فاخرة وشبه مطبخ لإعداد الوجبات الخفيفة· كم تمنى سالم في طفولته وصباه أن يكون له مثل هذا الجناح ليمارس فيه خصوصياته ويستقبل أصدقاءه ويمارس هواياته المتعددة· ضعف الحالة المادية لأسرته وقفت لسنوات طويلة حائلا أمام تحقيق ذلك الحلم إلى أن أتى الفرج بهبوب رياح الطفرة النفطية الأولى· من جهته حاول سالم التكيف لسنوات مع الوضع، فكان يتقاسم غرفة النوم الكبيرة مع إخوانه وأخواته، ويراجع دروسه وهواياته في الرسم والقراءة وجمع الطوابع في غرفة جدته، التي لطالما عنفته بشدة على تعليق صور المشاهير من نجوم ونجمات السينما المصرية والعالمية، وصور زعماء حركات التحرر الوطني في العالم، على جدران غرفتها كبديل عن لوحات الآيات القرآنية·
كانت جدته كنساء زمنها ملتزمة بشعائر الدين، مواظبة على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها، حريصة على تغطية شعرها وجسدها بالدراعة الخليجية الخفيفة ذات الأكوام الواسعة المطرزة· كان بياض بشرتها وشعرها الطويل المائل إلى الاحمرار مبعث تساؤل دائم لدى سالم عن أصل جدته· هل هي فارسية يا ترى، أم تركية؟ أم إن في عروقها دماء شركسية أو كردية؟ كان كثيرا ما يغلف تساؤلاته بالمزاح الذي تستلطفه جدته، لكن دون أن تمنحه الجواب الشافي·
أراد سالم أن يأخذ قسطا من الراحة قبل أن ينزل إلى الدور السفلي لتناول طعام الغداء مع والدته وجدته وبقية أفراد الأسرة· رمى بجسمه على الأريكة الكبرى، ضمن طقم الجلوس الذي كثيرا ما لام نفسه على اختياره بسبب لونه البرتقالي القبيح، هو المشهود له منذ صباه المبكر بالذوق الرفيع في انتقاء الألوان وتناسقها· مد يده اليمنى إلى الطاولة المجاورة لالتقاط علبة سجائر جيتان الفرنسية، التي تعود على تدخينها أثناء سنوات دراسته في العاصمة اللبنانية·
صفحة 3
أخرج من العلبة التي اعتلاها كمٌّ من الغبار سيجارة يتيمة· أشعل السيجارة بقداحة بدت هي الأخرى مغبرة· لم يكن سالم مدخنا رسميا، لكنه كان يتسلى بالتدخين من وقت إلى آخر· بدأ في سحب الدخان بعمق إلى جوفه· أطلق الدخان إلى الخارج بقوة، حتى كادت الغرفة تمتلأ بسحابة كثيفة حاجبة للرؤية· كان سالم كمن يحاول بهذا العمل أن يحجب فعلا صورة مزعجة عن مخيلته، بل قل حجب مجموعة من الصور الكئيبة من تلك التي التصقت بمخيلته منذ أن التحق بوظيفة سكرتير ثالث في وزارة الخارجية· اليوم فقط شعر سالم بأنه تحرر من القيد، وعاد حرا طليقا· فقد رمى للتو ورقة استقالته في وجه مديره الأرعن صالح، الذي كثيرا ما تدخل في خصوصياته اللصيقة، بحجة أنه سيكون يوما ما دبلوماسيا كبيرا يمثل بلده في الخارج، وبالتالي فلا بد عليه من الآن أن يفعل كذا ويتجنب فعل كذا، ويلبس هذا النوع من الهندام ويترك ذاك· لم يكن سالم يوما ما حاقدا أو حسودا أو ذو طبيعة متعجرفة بشهادة كل من تعامل معه، لكن هذا المدير بأسلوبه الفج، وخلطه لما هو مطلوب منه أثناء الدوام الرسمي وخارجه، جعله يتمرد بعض الشيء على طبيعته السلسة وطيبته المشهودة· كان المدير في نظر سالم أقل منه تعليما بمراحل ··لا يجيد أية لغة أجنبية·· لا يتمتع بأية مواهب متميزة أو حتى كاريزما خاصة، فيما عدا فنون منافقة رؤسائه وأصول مسح الجوخ· الأمر الآخر الذي كان مثار استياء سالم هو المردود المادي الضعيف لوظيفته· لم يكن تغربه الطويل في لبنان للتحصيل الأكاديمي والتخصص العلمي، وما عاناه من مشقة العيش في واحدة من أغلى البلاد العربية، وما قاساه هناك من مخاطر الحرب والعنف والتفجيرات والاغتيالات على الهوية، يساوي في نظر جهاز الخدمة المدنية في بلاده سوى راتب شهري يعادل 1500 دولار·
وبينما هو على هذه الحال من الشرود والتفكير في ما سيقدم عليه في الأيام المقبلة، وصلت إلى مسامعه أصوات مشادة من الدور السفلي من المنزل· لم تكن الأصوات غريبة عنه· لقد اعتادها منذ أن جيء بخادمة من الفلبين لتساعد والدته في الأعمال المنزلية، فصارت الأخيرة تشتبك معها في جدال لأتفه الأسباب، لكن دون أن تصل الأمور إلى حد الضرب أو الإهانة أو الحرمان من الطعام أو تأخير الرواتب الشهرية، مثلما كان الحال داخل بيوت خليجية كثيرة من تلك التي بالغت في القسوة على خدمها، حتى وصلت الشكوى إلى مسامع منظمات حقوق الإنسان الدولية·
صفحة 4
عادت الذاكرة بسالم وهو يستمع إلى مشادة والدته وأخته من جهة، والخادمة الفلبينية من جهة أخرى، إلى السنة الجامعية الجميلة التي أقام فيها مع ثلاثة من الطلبة المبتعثين من إحدى الدول الخليجية في شقة بأحد أحياء بيروت الشعبية· كانت أحوال هؤلاء المادية جيدة مقارنة مع غيرهم، مما مكنهم من استئجار شقق واسعة، والإتيان بسعدية المصرية لتخدمهم في الطهو والكنس والكي والغسيل وغيره·
وصلت سعدية إلى بيروت من الإسكندرية على ظهر باخرة حملتها حتما في درجتها الرابعة، وهي لا تملك من متاع الدنيا سوى ملابس رثة ترتديها، وجواز سفر أخضر يغطي غلافه الخارجي نسر غاضب، وربما بضع ليرات لبنانية ممزقة لتستر بها جوع بطنها في يوم وصولها الأول·
استفادت سعدية بمجرد ملامسة قدميها الضعيفتين للأرض اللبنانية الصلبة مما كان المشرع اللبناني قد اشترعه من قوانين تعطي الإنسان العربي، سواء حمل جواز سفره صورة نسر أو صقر أو بعير أو وحيد قرن، حق الإقامة المتواصلة لمدة ثلاثة أشهر! تماما مثلما استفاد من سبقها من رعايا الأقطار العربية الأقل ثراء ورخاء في الإقامة والحصول على العمل·
كان هؤلاء، بمجرد حصولهم على هذا الحق، ينطلقون في أسواق العمل الرائجة المشبعة بالقيم الاقتصادية الليبرالية، ومفاهيم دولة الرخاء اللبنانية، جاعلين من سواعدهم وعرق جباههم جسرا لتحقيق بعض من أحلامهم المتواضعة هناك في أوطانهم الأصلية·
وكانوا قبيل انقضاء تاريخ هذا الحق الممنوح من قبل سلطات الهجرة اللبنانية، يسارعون إلى مغادرة الأراضي اللبنانية برا إلى الشام أو بحرا إلى الإسكندرية ويعودون في اليوم نفسه أو في اليوم التالي ليحصلوا مجددا على حق إقامة جديد لمدة مماثلة·
هل كان ذلك خافيا يا ترى على المشرع اللبناني أو على سلطات الهجرة اللبنانية؟ ·· لا أعتقد! كان ذلك جزء من انفتاح لبنان على أشقائه العرب، وهو الانفتاح الذي استغله بعض هؤلاء الأشقاء لارتكاب الممنوعات العربية، والقيام بتصفية الحسابات السياسية، فكان ذلك سبب من أسباب تدمير بلد البلدان وزهرة الجنائن العربية·
صفحة 5
بمساعدة بعض مواطناتها اللواتي سبقنها في الوصول إلى بيروت، استطاعت سعدية أن تجد سريعا وظيفة بمسمى شغالة عند مجموعة الطلبة التي أتينا على ذكرهم· لم يكن هؤلاء أثرياء أو أبناء ذوات، لكنهم كانوا يتمتعون بترف توظيف الشغالات، لأن العملية وقتذاك لم تكن مكلفة كثيرا بسبب طبيعتها التعاونية والتضامنية والتكافلية، فضلا عن أن شغالات تلك الأزمنة كن يكتفين بما قسم ويحاولن تعويض الباقي عن طريق البقاشيش المستحصلة من الضيوف، أو عن طريق الإكراميات في مناسبات الأعياد وأفراح النجاح وانتهاء الفصول الدراسية·
كان حظ سعدية الآتية من صعيد مصر هو العمل في الشقة 41 التي كان يسكنها سالم الآتي من البحرين· لم يكن سالم من سكنة الشقة الرسميين· إنما اعتبر نفسه خلال العام الذي قضاه هناك ضيفا ثقيلا على زملائه الخليجيين· عبدالله الذي كان يدرس معه في كلية الاقتصاد هو الذي أتى به إلى الشقة وفرضه على بقية زملائه، من باب الرفق بحالته المادية الصعبة، وتقديرا لكفاحه من أجل مواصلة دراسته الجامعية بشتى السبل·
التقى عبدالله بسالم أول مرة في كافتيريا الجامعة، فعملت الكيمياء الشخصية فعلتها، جاذبة أحدهما نحو الآخر، خصوصا لمّا عرف عبدالله أن سالما من البحرين، وعرف سالم ما يكنه عبدالله لأهل البحرين من مودة خاصة· حينما أدرك عبدالله المشاكل المادية التي يعاني منها سالم، والتي تقف مانعا في طريق حصوله على سكن ملائم مع أناس طيبين من الخليج، اقترح عليه أن يرافقه إلى حيث يقيم هو ومواطنوه الخمسة عشر الموزعين على خمس شقق في مبنى واحد، إضافة إلى طلبة من الإمارات والبحرين والسعودية وعمان وقطر·
ولأن القطريين كانوا الأكثر عددا، والأكثر وقوفا في الشرفات والأكثر إطلالة من النوافذ، انسحبت هويتهم القطرية - بضم القاف وتسكين النون - على بقية سكان المبنى من الطلبة· أصبح أبناء وبنات الحي يشيرون إليهم جميعا بأنهم قطريون ·· القطريون وصلوا·· القطريون مرقوا ·· القطريون فلوا!
صفحة 6
لم يكن الطلبة القاطنون في المبنى من غير الجنسية القطرية في حاجة إلى تذكير سكان الحي البسطاء بأنهم ينتمون إلى خمسة أقطار مستقلة ذات سيادة· كان من الصعب أن يشرح المرء لهذه الشرائح الشعبية البسيطة من الناس انتماء هؤلاء الطلبة إلى أقطار مختلفة، فيما واقع الحال، وما كانوا عليه من تآلف واندماج وتشابه في اللباس والطباع، وتطابق في اللهجة يدحض ذلك، بل إن الاماراتيين، على وجه الخصوص، كانوا أول من لم يصحح لسكان الحي خطأ الإشارة إليهم كقطريين، وضرورة استبدال الكلمة بإماراتيين وذلك من باب الهرب من الوقوع في مصيدة الرد على سؤال: شو يعني إماراتي؟، وبالتالي استدعاء أدوات التفسير لشرح أن الكلمة تفيد رعايا دبي وأبوظبي وعجمان والشارقة ورأس الخيمة والفجيرة وأم القيوين·· أم شو دخلك؟
لم يجد سالم في الشقة 41 غرفة ليشغلها بمفرده، فاضطر باقتراح من عبدالله، أن يتشاركا في غرفة ودورة مياه واحدة· كان صعبا على شخص خجول وصاحب كبرياء مثل سالم أن يستغل كرم عبدالله وزملائه، فقرر منذ اللحظة الأولى بينه وبين نفسه أن يفارقهم في اقرب فرصة سانحة· وحينما تأخر قدوم تلك الفرصة، قرر أن يرد على أريحية زملائه بطريقته الخاصة· لاحظ سالم أن عبدالله متأخر في مادتي الإحصاء والمحاسبة، وأن أحمد شريكهما الآخر في الشقة ضعيف في اللغة الإنجليزية· فصمم هنا أن يستغل الوضع ويرد إليهما بعضا من جمائلهما في صورة دروس مكثفة في الرياضيات والإنجليزية، اللتين كان سالم بارعا فيهما، بسبب منهج التعليم المختلف في البحرين عن نظيره في الدول المجاورة منذ زمن الإنجليز·
لم تكن سعدية امرأة جميلة، لكنها لم تكن أيضا امرأة قبيحة· كانت مجرد امرأة وبس! وعلى حين كانت نبوية زميلتها ومواطنتها العاملة كخادمة في الشقة الطلابية المقابلة رقم 61، حيث يقيم إبراهيم المعروف بقفشاته ومقالبه وتحرشاته الجنسية الدائمة، تبالغ في دلالها وغنجها، وإثارتها لشهوات سكان الشقة، بهز أردافها أو الكشف عن أفخاذها، علها تنتزع منهم نقودا إضافية، كانت سعدية تشكو من مسحة حزن عميقة لا تتناسب مع صفات أهل مصر، المعروفين بالمرح وصناعة النكتة· كانت سعدية عندما تسأل عن سبب سرحانها الدائم، تجيب قائلة ما فيش حاجة يا سيدي، كما لو كانت فاتن حمامة في فيلم (دعاء الكروان) مع فارق المواصفات الجمالية لصالح الأخيرة·
صفحة 7
لم يكن الآخرون يحسدون طلبة الشقة 41 على وجود سعدية في بلاطهم بسبب شكلها الفيزيائي· كان مبعث حسدهم هو ما يختفي داخل ذلك الشكل من قوة التحمل والصبر ومناقب الطاعة والأمانة والاجتهاد· كان مبعث الحسد الآخر هو مؤهلاتها المطابخية العالية في صنع الأطباق الخليجية الشعبية ·· يوم مجبوس ·· ويوم محمر ·· ويوم مطفي ·· ويوم في قاعته، وفي نهاية الأسبوع طبق مصري مثل صيادية السمك أو مسقعة بادنجان، أو طبق لبناني مثل مغربية دجاج أو كبة بالصينية لم تكن سعدية بطبيعة الحال تحمل كل هذه المؤهلات عند توظيفها، لكنها تشكلت شيئا فشئيا بفضل كورسات مطابخية مكثفة، ونجاحها في اجتياز الامتحانات الصعبة·
لم يكن ما أزعج سالم في السنة التي قضاها في الشقة 41 هو الخصوصية التي افتقدها كنتيجة لمشاركته لعبدالله في غرفة نوم ودورة مياه واحدتين فحسب، وإنما أيضا تباين شخصيات سكان الشقة ما بين شخصية فارغة معتدة بنفسها، وشخصية نرجسية تبالغ في عشق ذاتها، وأخرى مأزومة من مظهرها وقلة حيلتها· الأمر الآخر المزعج هو المشادات التي كانت تقع بين الفينة والأخرى ما بين عبدالله وسعدية· كان عبدالله يتهم سعدية دائما بالغباء لأتفه الأسباب ويصرخ في وجهها إلى الدرجة التي تتجمد معها الدماء في عروق رقبته الغليظة· كانت سعدية كثيرا ما تخطىء فتضع تحت باب غرفة عبدالله صحيفة الأنوار بدلا من صحيفته المفضلة النهار، فكان هذا الخطأ البسيط غير المقصود مدعاة لهيجان عبدالله واتهامه لسعدية بالغباء، وقيام الأخيرة بالدفاع عن نفسها بطريقة غبية بالقول ما هية الأنوار زي الأنهار
في أحايين كثيرة كان دفاع سعدية يتخذ طابع النحيب والشكوى لأحمد الذي كان يأخذ بخاطرها بكلمتين حلوين معطوفتين على زوج من الليرات اللبنانية· لكن أحمد كانت له ملاحظاته أيضا على أداء سعدية· فكثيرا ما اتهمها ببطء التعلم وقلة الفهلوة، ولا سيما حينما كان يأتي موعد المراجعة الشهرية لميزانية الشقة، التي أوكل له الإشراف عليها· هنا كان ينقلب المشهد السابق، فيبدو أحمد هو الغاضب على سعدية، بينما عبدالله هو الحاني عليها·
صفحة 8
لم يكن سالم محايدا بطبيعة الحال إزاء ما يحدث· كان قلبه مع سعدية المسكينة، لكنه لم يكن ليستطيع اتخاذ موقف ضد عبدالله الذي أكرمه وأسكنه معه من بعد حيرة وضياع·
كذا كان أيضا حال الساكن الثالث فهد، لكن لأسباب مختلفة· ففهد كان يرتعب من هيجان عبدالله وعصبيته من جهة، ويحاول من جهة أخرى أن يتجنب قسوة أحمد في نقده والاستهزاء بضآلة حجمه وقصر قامته· وفهد كان أيضا يريد، من خلال موقفه المحايد الصامت، ألا يترك فرصة لأي من الزملاء للغمز واللمز حول ما ادعاه إبراهيم ذات مرة، من أن سعدية تسهل لفهد ممارسة الجنس مع بعض زميلاتها من الشغالات الجديدات اللواتي كن يترددن عليها في المطبخ·
كانت سعدية تطبخ وتكنس وتمسح البلاط وتنفض السجاد، وتغسل وترتق وتكوي الملابس والملايات، وتلمع الأحذية وتشتري حاجات المنزل ولوازم الطهي، وتحضر الصحف وتعد الإفطار والغداء وتقدم الشاي والقهوة! ولم يبق سوى أن تغسل العربية! لكن العربية لم يكن لها وجود وقتذاك· كانت مجرد حلم من أحلام ما بعد التخرج والتوظف لدى سائر سكان المبنى من الطلبة·
سرعان ما استطاعت سعدية أن توفر من المهية الشهرية القليلة ومن بقاشيش الضيوف، والزوار والمصطافين الخليجيين العابرين على سكان الشقة 41 للسلام، بعض النقود لترسله إلى زوجها العاطل المنتظر على أرصفة الميناء السكندري·
وصل الزوج حمدي سريعا، وفي رأسه أشياء كثيرة مهزوزة، وبداخله طموحات لم يكن بينها للأسف العمل للارتقاء بحاله وحال زوجته المسكينة· بقي حمدي فترة طويلة عالة على سعدية في مدينة كانت تشهد وقتذاك منحى تصاعديا في أسعار كل شيء تقريبا·
كان الحصول على عمل ·· أي عمل، يتطلب - في حال غياب المؤهل الدراسي - شيئا من الخبرة أو الموهبة أو الخفيّة، أو في أضعف الأحوال شيئا، من الرغبة والاستعداد· اتضح لسعدية بعد فترة وجيزة من التحاق حمدي بها أن الأخير من النوع الذي لا يستهويه شيء سوى التسكع في الشوارع، والجلوس على المقاهي الشعبية أو الاسترخاء المنزلي والحصول على مصروف الجيب دون عناء·
صفحة 9
مرت بعد ذلك أشهر طويلة كانت فيها سعدية تحضر إلى سكان الشقة 41 كاتمة بكاءها في صدرها لئلا تزعجهم، وهم منكبون على دروسهم· حاولت إخفاء آثار كدمات وجروح وحروق سجائرية في جسدها كي لا تثير فيهم فضول التساؤل والاستفسار، لكن العملية كانت أصعب من أن يداريها المرء·
بمرور الوقت اتضح لعبدالله وأحمد وفهد وسالم أن حمدي يجرب في سعدية جميع أصناف وأنواع البلطجة والفتوة، من تلك الموثقة في الأفلام السينمائية المصرية، ويحاول الاستيلاء عنوة على مدخراتها المتواضعة للإنفاق على هواياته المبتذلة، ولا يتردد في سبيل ذلك من ضربها بالجزمة أو حرقها بأعقاب السجائر أو رميها بالمنافض الزجاجية الثقيلة·
شيئا فشيئا بدأ حال حمدي يعتدل ويستقيم، وإن لم يخل تماما من الممارسات الشاذة بحق زوجته الصبورة المكافحة· جاء التغيير بعد أن تحدث إبراهيم مع زميل فلسطيني له في الجامعة ليستخدم وساطته وحظوته لدى أحد التنظيمات الفدائية المسلحة لإيجاد عمل لحمدي· حصل حمدي على وظيفة معد ومقدم شاي وقهوة لدى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين· ويبدو أن النفوذ الكاذب الذي استمده حمدي من وسطه المهني الجديد ضمن تنظيمات مسلحة، عشقت باستماتة على الدوام ممارسة النفوذ والتسلط على الآخرين، أوحى له بوجود محيط واسع يستطيع فيه ممارسة الفتوة والبلطجة ، وبما جعله يهمل محيط سعدية ولا يكترث به إلا لماما·
انعكس تعدل أحوال حمدي على أحوال سعدية· لم تعد سعدية تحضر بوجه عابس تعلوه آثار اللكمات والكدمات كما في الماضي· صارت تأتي بوجه صبوح يحمل معاني الرضا والقناعة وينثر على طلبة الشقة 41 الورد قائلا : صباح الفل والورد والياسمين يا بهوات ·· يا أجدع ناس
يأبى حمدي أن تستمر معاناة صنع لقمة العيش بصورتها هذه، دون تحميلها أعباء إضافية نفسية وفيزيائية ومادية! فطالما أن هذه الأعباء والمعاناة هي من نصيب الآخر المتمثل في الزوجة فلتكن! ولم التردد أو الانتظار أو الخوف أو التفكير في النتائج؟ المهم إشباع الرغبة أولا وأخيرا!
صفحة 10
هكذا أصبحت سعدية تتأخر في القدوم ·· ثم راحت تستفرغ ·· وتصاب بالدوار! ثم ما لبث أن فشل ثوبها الصعيدي الواسع المزدان بألف لون ولون في إخفاء انتفاخ البطن وتقوس الظهر وازدياد الوزن·
مرت الأيام سريعة، لم ينج خلالها سكان الشقة 41 من تعليقات وهمسات الزملاء والجيران وأبناء الحي، ولا سيما السمان (البقال) أحمد الذي قالها صراحة ذات يوم لسالم:
- ما عيب نفختوا لها بطنها، البنت المصرية!
- أرجوك يا عم أحمد، أنت أكثر واحد يعرف اننا أولاد محترمين ونعرف العيب!
- بلا محترمين ·· بلا بطيخ! هاي الفضيحة باينة والكل عم بتكلم عنها من هوني حتى أبو شاكر من تحت
كانت الأعين بالفعل ترمق سكان الشقة 41 كالسهام المشدودة في خروجهم ودخولهم الى العمارة، وكأنها تستفسر عن اسم الأب أو الآباء الذين ساهموا في صناعة ذلك الجنين المكوم داخل بطن البنت المصرية هكذا كانوا يسمونها!
ظل البطن يكبر، وخدمات سعدية تتباطأ ويشوبها الاهتزاز واللانتظام· أما سكان الشقة فكانوا يترقبون الحدث السعيد ويتراهنون على جنس المولود·· ولد ·· لا بنت! حينما بلغ الانتفاخ البطني مداه في الشهر التاسع، اختفت سعدية فترة قصيرة من أجل إتمام عملية الوضع· خلال هذه الفترة، وزع طلبة الشقة 41 مهام الطهي والكنس والغسل وشراء حاجيات السكن على أنفسهم بصورة عادلة ومتساوية لا ينفذ منها متهاون أو كسول·
لم يشعروا بالدور العظيم والمحوري لهذه المرأة في حياتهم إلا عندما غادرتهم مضطرة لتضع مولودها البكر·
التزموا جميعا الصمت· لم يعلقوا لبعض الوقت علنا على فعلة حمدي التي أفقدتهم سعدية كل تلك الأيام التي بدت طويلة ومملة· غير أن كل واحد منهم كان يشتمه في قرارة نفسه، مستخدما قاموسه الشتائمي الخاص·
يا له من حيوان! ألم يستطع صبرا حتى تتعدل أحوالهما قليلا؟ قال عبدالله·
بل إنه أخرق وأحمق! ألا يكفي ما تعيشه هذه المسكينة من مشاكل حتى يضيف إليها مشاكل الحمل والولادة والرضاعة والأمومة· قال أحمد·
هنا تدخل إبراهيم الذي جاء كعادته لاستطلاع التطورات كي يبثها إلى الشقق الأخرى قائلا: