eKtab
EN ع
في تاريخ الدين والفلسفة
اقرأ عينة مجانية

في تاريخ الدين والفلسفة

بقلم هاينريش هايني

صفحة 1

هاينريش هايني والفلسفة

بقلم المترجم
هاينريش هايني شاعر بكل ما في الكلمة من معنى. فما أنجزه على صعيد الأدب، ولا سيما الشعر، يضعه في مصاف الشعراء العظام. ولو عدنا إلى أمّهات الكتب التي تؤرخ للفلسفة والفلاسفة لوجدنا أن فهارسها لا تشتمل على اسم هايني. ومع هذا فإننا لا نريد أن نحدد للشاعر مكاناً في تاريخ الفكر الفلسفي إذا كنا استهللنا كتابه هذا(*) بمقدمة تتناول علاقة الشاعر بالفلسفة. إنَّ غايتنا أن نعرّف به شاعراً يخوض ميداناً ليس سهلاً الخوض فيه، وذلك ليقاسمنا بصدق وإخلاص "هذه الكسرة من الخبز الروحي" التي ينتزعها من "مخازن القمح الموصدة لشعب لا يملك المفاتيح إليها"(1). وبكل تواضع يعترف أنه ليس عالماً ولا ينتمي إلى "حكماء ألمانيا السبعمائة"(2). ومع هذا فإنَّ ما يعرضه لنا في هذا الكتاب بأسلوبه الفكه الرشيق ليستحوذ على اهتمامنا ويستأثر بألبابنا بحيث إنَّ الأفكار والمواقف تبرز أمامنا واضحة حية. وجدير بالذكر أن اهتمام هايني بالفلسفة والفكر الفلسفي لم يكن نابعاً من إحساسه بأن هذا شرط لوجوده الشعري، مع أن موقفه من مؤلفاته النظرية يبقى موقفاً غامضاً. فهو تارة يقول إن مؤلفاته النظرية والشعرية لم تنبثق إلا دفعةً واحدة، بينما يصرح تارة أخرى ساخراً متهكماً بأنه بحث عن موضوعات ممكنة لأعماله النثرية فلم يجدها إلا في الموضوعات الفلسفية. وإلى هذا فإنه ليخيل إلينا أيضاً أنه يقدّر أعماله النظرية أكثر مما يقدّر أعماله ومؤلفاته الشعرية، لكأنه يرى فيها البديل عما يتخلل القصائد من نقاط ضعف.
ثم إنه، فيما بعد وفي أواخر أيامه، يبتعد عن الفلسفة معترفاً بأنه لم يطمئن إلى أي مذهب فلسفي ولم ير في الفلسفة إلا ميدان رقص للفكر(3).
وإذا كان هايني جديراً بأن يحمل اسم شاعر كبير فإنه أيضاً كاتب صحافي واسع الثقافة والاطلاع ملمّ بنتائج الفكر ووثيق الصلة بالتراث الفكري المعاصر أكثر من أي كاتب من معاصريه.
وعلى هذا فإنه يتيح لنا أن نطلع على بعض الاتجاهات ذات الأهمية لوصف الموقف الفلسفي بعد موت هيجل.
والحق أن هايني يذكر في "اعترافاته"(4) أن المذاهب الفكرية كانت مألوفة لديه منذ أن كان طالباً في الثانوية، إذ أن شالماير، مدير الثانوية وصديق الاسرة، كان يسمح له بحضور محاضراته في الفلسفة. على أن فترة الدراسة الجامعية التي أمضاها في برلين من سنة 1821 وإلى سنة 1824 كان لها الدور الأهم في تكوين فكر هايني الفلسفي وتطوره. إذ كان عرضة لتأثير هيجل، أستاذ الفلسفة في جامعة برلين. ولقد أثّر فيه هيجل من خلال المعاشرة الشخصية والاجتماعية أكثر مما أثر فيه من خلال مؤلفاته ومحاضراته.
ومع أن هايني أدرك دور الفلسفة الهيجلية وأهميتها، ليس فقط لا للعصر الذي ظهرت فيه، بل للأعصر اللاحقة أيضاً بما حملته من أفكار جديدة خضعت لتفسيرات عديدة، فإنه لم يكن من أتباع هيجل من غير قيد أو شرط. فحين اهتدى إلى حظيرة الإيمان رأى أن الرحمة المسيحية أكثر بهجة للإنسانية المعذبة من الجدل الهيجلي(5).
والجدير بالذكر أنه انصرف إلى دراسته فلسفة هيجل وهو في المهجر في باريس، ليصورها للجمهور الفرنسي بأسلوب يفهمه عامة الشعب(6)، غير أنه أتلف المخطوط حين ارتدَّ إلى عقيدة العهد القديم، وبعد أن كان أمضى وقتاً طويلاً وهو يرعى الخنازير لدى اتباع الفلسفة الهيجلية، على حد تعبير الشاعر(7).
وعلى أيّة حال فإن الفلسفة المثالية الألمانية يصبح لها أهمية مركزية بالنسبة للصورة التي يكوّنها هايني عن عصره، ولا سيما عن ألمانيا والألمان.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا يعود تأليفه إلى عامي 1833 ـ 1834. ولقد نشر في بادئ الأمر على دفعات في المجلة الباريسية ريفيو دي موند. وحين ظهر هذا الكتاب كان قد مضى ثلاث سنوات على وفاة هيجل. ولقد كتبه هايني، كما هو بيّن واضح، للقراء الفرنسيين بتأثير من انغاتين وشيافلييه زعيمي المدرسة السان سيمونية الطوباوية التي اجتذبت هايني بأفكارها الدينية. وكان هايني قد ألقى عصا الترحال في باريس عام 1830 وذلك بعد اندلاع ثورة تموز ليكون مراسلاً لصحيفة أوغسبورغ العامة. على أن هذا الانتقال لم يكن إلا بداية لحياة مهجر طويلة الأمد.
إن هذا الكتاب محاولة لتقديم تاريخ موجز للفلسفة بأسلوب شعبي يفهمه القارئ البسيط. وفي بادئ الأمر لم يُعرف هذا الكتاب في ألمانيا إلا بالصورة التي شوهتها الرقابة، على نحو ما ذكر هايني في مقدمة الطبعة الأولى.
والشيء الذي يهم هايني في كتابه هذا هو أن يساهم في النقاش الفرنسي حول ألمانيا، إذ ساد الاعتقاد في فرنسا آنذاك بأن الفلسفة الألمانية دينية صوفية روحانية كما فهمتها وصورتها مدام دي شفال في كتابها "عن ألمانيا". أما هايني فيسعى إلى أن تكون متميزة بطابع الخشية من الله والتقوى والورع الربانيين(8).
ولا يقصر هايني نظرته على الدور الألماني في تاريخ الفكر الغربي الحديث. وإنما يتناول في كتابه ديكارت إلى جانب فولف. غير أنه يركز اهتمامه على أهم الأحداث في تاريخ الفكر الألماني، أي على الإصلاح الديني والثورة الفلسفية التي مهد لها الفيلسوف كانط. ويعالج الفلسفة الألمانية في علاقتها بالتقليد الديني ويذهب إلى أن الفلسفة الحديثة استمرارللبداية الدينية ونتيجة أخيرة لها. وينطبق هذا في المقام الأول على كانط والمثالية الألمانية. ويحاول أن يثبت أن في الفلسفة اتجاهاً إلحادياً يتصاعد باستمرار رغم صلات الفلسفة الحديثة الوضعية بالدين.
صفحة 2
أما الأهمية التاريخية للوثر والإصلاح الديني فيراها هايني في أن ميلاد الحرية الفكرية قد تم على يدي لوثر، حيث أنه منح العقل الإنساني الحق في أن يفسر الإنجيل بعيداً عن كل سلطة أو تأثير خارجي. كما أن الفلسفة الألمانية ليست إلا آخر ثمرة لهذه الحرية الفكرية المكتسبة(9). ويبلغ التطور ذروته في نقد كانط الذي يعد الإله مفهوماً حدياً أو شيئاً في ذاته. وتدحض فلسفة كانط كل الأدلة الممكنة على وجود إله فُهم فهماً إلحادياً. أما هيجل فيختتم هذا التطور، وتبين فلسفة الدين عند هيجل أن المسيحية تختلف عن غيرها من الأديان الأخرى في أن لها إلهاً. على أن هذا الإله مات. ثم إن فكرة المعرفة المطلقة التي طرحها هيجل تتضمن بأن الإله لا يصل إلى وعي ذاته إلا بالإنسان. ولم يكن هايني الوحيد الذي فهم رأي هيجل بأنه تأليه ذاتي للإنسان. فالله أصبح انساناً، على حد تعبير هيجل. وهذا ما ساهم ويساهم في دفع عجلة الإلحاد وشجع عليه(10). والحق أن الجوهر الحقيقي للمذهب الإلحادي المعاصر لا ينحصر في نكران وجود الله، بل إن الواقع هو أن العقل يعتمد على نفسه ويخوّل لنفسه الحق في أن يقرر في مثل هذه القضايا انطلاقاً من السيادة المطلقة التي يتمتع بها. فنقد كانط، مثلاً، يقدم البرهان على استحالة معرفة الإله الطبيعية، وبذلك ينهار "مذهب التأليه، مرتكز نظام الحكم الفكري القديم،... وإنَّ الذي يتهيّأ للموت هو يهوه القديم نفسه.. فالمرء يقدم القربان المقدس لإله يموت"(11).
هكذا يبلغ عصر الاستنارة غايته وتتم القطيعة مع التقليد الديني اللاهوتي.
إن نقد العقل العملي لدى كانط قد توصل مرة أخرى إلى مفهوم إله وذلك من طريق غير مباشر مروراً بالقانون الخلقي. ويفهم هايني هذا على أنه تقلب وتراجع واستسلام أمام البداية الأساسية، كما يرى في ذلك مهزلة، ذلك لأن كانط انساق إلى ذلك إما بدافع الشفقة على خادمه العجوز أو بسبب الشرطة(12).
وفسر هايني تطور كل من فيخته وشيللنغ بأنه أيضاً تقلب وارتداد وجبن أمام البداية الثورية التي بدأها الفيلسوفان(13). بل إنه لم يتوانَ عن الهزء والسخرية من تصوف شيللنغ المزعوم الذي تجمّل به في آخر حياته(14).
والحق أن هايني يرى في ظواهر التاريخ الاجتماعية والسياسية والظواهر الفكرية المماثلة شيئاً موحداً. فالتاريخ السياسي وتاريخ العادات والتقاليد والقيم والحق والفن والدين، هذا كله يشكل وحدة تامة. وهذا يعني أن يصور التحولات الاجتماعية والسياسية على أنها تحولات الحياة الفكرية في المقام الأول. وعلى هذا فإن فهم الفلسفة لا يمكن انطلاقاً منها فحسب، بل انطلاقاً من علائق سياسية أيضاً. فتاريخ الفلسفة مثله كمثل تاريخ الدين وهو أبداً عنصر التاريخ السياسي.
وإنَّ المثال الذي يصلح لربط السياسة بالفلسفة هو معالجة الثورة الفرنسية من جهة ثم معالجة التطور الفلسفي من كانط إلى هيجل من جهة أخرى. ويسمي هايني الفلسفة الألمانية في ذلك الحين حلم الثورة الفرنسية. فالألماني تأملي ويميل بطبعه إلى الأحلام، فلا يعيش في الحاضر، بل في الماضي والمستقبل وهو محافظ غير ثوري. وبذلك فإنَّ للطبع الألماني صلته الخاصة بالسلوك النظري خلافاً لما يتميز به الفرنسي الذي يقرّ رأيه على الفعل والعمل. وعلى هذا يرى هايني أن المفتاح لفهم الطبع الألماني هو الفلسفة لا الأدب.
ويذهب هايني إلى أنَّ الفلسفة، أية فلسفة كانت، لها مدلول اجتماعي مباشر ونتائج اجتماعية. إنَّ صياغة فكرة مجردة يمكن أن تستحيل إلى واقعة مهمة من الناحية الاجتماعية والسياسية بحيث يتشكل من خلالها الوجود الفعلي. فالكون، في نظر هايني، هو علامة الكلمة ورمزها(15). وبواسطة الكلمة يمكن تغيير الواقع. ولئن كانت الفلسفة تصوّر هذا الكون مجرد تصوير فهي جزء من هذا الكون. ويضع هايني هذا التداخل نصب عينيه حين يسأل عن مدلول الفلسفة الاجتماعية الذي هو معيار للحكم على هذا النوع من الفلسفة. وعلى هذا لم تكن الفلسفة بدءاً من كانط وحتى هيجل حلم الثورة الفرنسية فحسب، بل مهدت أيضاً لثورة ألمانية على نحو مباشر سواء أكانت هذه النتيجة مقصودة أم لا. ولما أن المرء سيسير بالمذهب الإلحادي في هذه الفلسفة إلى أبعد الحدود فلا بد أن تكوّن الفلسفة وتخلق بالضرورة قوى ثورية تتفجر ذات يوم. وهنا سيعتمد الإنسان الفرد على نفسه ويقرر مصيره بيده بحكم ذلك. ويؤكد هايني على أن الشعب الألماني شعب منهجي. إذ لا بد أن يبدأ بالإصلاح الديني ثم ينتقل إلى الفلسفة. كما أن الثورة السياسية لن تندلع إلا بعد اكتمال الفلسفة. ويعلل هذا قائلاً: "إن الرؤوس التي استغلتها الفلسفة للتفكير والتأمل تستطيع الثورة أن تطيح بها فيما بعد لأغراض تريدها. على أن الفلسفة ما كان في وسعها أن تستخدم أبداً الرؤوس التي أطاحت بها الثورة لو أن الثورة سبقت الفلسفة"(16)
إنه، بذلك، يرد على هيجل الذي يرى أن الألمان ليسوا بحاجة إلى ثورة كالفرنسيين لأنهم حققوا الإصلاح الديني. ويرد أيضاً على رأيه القائل إنه ليس في الإمكان تغيير ما هو قائم وموجود معترضاً عليه بأن الثورة الألمانية يجب أن تحدث على نحو أعمق بكثير من الثورة الفرنسية ويجب أن تدوّي على نحو لم يسبق له مثيل في تاريخ العالم ذلك لأن نقد كانط وفلسفة فيخته والفلسفة الطبيعية سبقت هذه الثورة ومهدت لها.
صفحة 3
وبحماسة مذهلة يتحدث هايني في آخر كتابه عن ثورة مقبلة في ألمانيا يهيئها فهم الواقع الجديد للفلسفة الألمانية. إذ سيظهر أتباع كانط الجدد ليرفضوا كلَّ مذهب تقوي في عالم الظواهر ليقطعوا آخر الروابط التي تربطهم بالماضي. وسيأتي أتباع فيخته الجدد وهم أشدّاء الشكيمة أقوياء الإرادة. أما فلاسفة الطبيعة الجدد فسيقحمون أنفسهم في عملية التهديم التي تقوم بها الثورة الألمانية مسخّرين الطبيعة وقوى الطبيعة لعملهم الجديد. ولا يتوانى هايني من أن يحذّر الفرنسيين من هذه الثورة التي لن تظهر ثورتهم أمامها إلا أنشودة رعوية بسيطة هادئة(17)
وإذا لم تكن نبوءة هايني قد تحققت بمفهومها الاجتماعي والسياسي والديمقراطي على النحو الذي كان قد ابتغاه فإنها تحققت، من دون شك، على الصعيد الفكري.
إن هايني حريص على أن يصوّر للجمهور الفرنسي تاريخ الفلسفة الألمانية تصويراً شعبياً مبسطاً إذ أنه يؤمن أن للفلسفة الشعبية الجماهيرية قوتها المكونة للوعي. ثم إن هذا الضرب من الفلسفة كثيراً ما يكون مصدراً للتأثيرات التاريخية، وقد يكون، في بعض الأحيان وسيطاً لمثل هذه التأثيرات.
فالشيء الذي يريده هايني، إذاً، هو أن يطلع الفرنسيين على حياة الألمان الفكرية. كما يهمه أيضاً أن يطلع الألمان على ممارسة الفرنسيين للعمل السياسي ممارسة عملية. إنه يؤكد على جبهات الصراع السياسية بين التقدم والرجعية كما تتمثل في تاريخ الفكر الإنساني ويتتبع معالمها في مواضع عديدة بوضوح يبعث على الدهشة والإعجاب. وفي أثناء هذا كله يكشف عن الصلات الكامنة المستترة بين الصراع السياسي والحوار الفلسفي بحيث إننا نلمس تحيّزه للجانب التقدمي ودعوته إلى تحطيم روح النسك ونسف مذهب الفصل بين المادة والروح ونبذ مبدأ احتقار الجسد. كما يرسم على الأفق صورة ديمقراطية "لأرباب متساويين في السمو والعظمة والقداسة والغبطة"(18) إن هايني الذي ولد عام 1797 لأبوين يهوديين في مدينة دوسلدورف بمنطقة الراين قد آمن بالتقدم الإنساني وبمبدأ التآخي والتضامن الإنساني.ونراه يقوّم المسيحية بناء على معايير سياسية واجتماعية وينظر إلى المسيح على أنه أطهر أبطال الحرية والإله الشعبي المتواضع ذو النزعة الديمقراطية(19)
ومع أن هايني اعتنق المذهب المسيحي البروتستانتي في عام 1825 فإن هذا لا يعني أنه تحرر نهائياً من التقليد اليهودي، بل إن شيئاً ما من جوهر الحياة اليهودية والفكر اليهودي بقي فيه. على أننا نستطيع القول أيضاً: إنه تجاوز هذا التقليد وذهب إلى ما وراء اليهودية(20) ويذهب أحد الذين ترجموا له إلى أن هايني، رغم اعتناقه المسيحية، لم يكن مسيحياً ولا ملحداً ولم يكن مؤمناً ولا كافراً..(21). وهكذا ظل موزعاً بين المسيحية واليهودية ومكتفياً بأن يموت شاعراً لا حاجة له لا إلى الدين ولا إلى الفلسفة.
في سنة 1819 التحق بجامعة بون لدراسة القانون بعد أن أخفق في الأعمال التجارية والمصرفية التي أوكلها إليه عمه المصرفي سالمون هايني.
وفي بون أتيحت له الفرصة لأن يستمع إلى محاضرات أوغست فيلهلم شليغل، أحد أقطاب المدرسة الرومانسية، الذي شجّع هايني على الاستمرار في محاولاته الأدبية وكتابة الشعر. وفي سنة 1820 انتقل إلى جامعة غوتنغين. وفي سنة 1821 انتقل إلى جامعة برلين حيث احتضنه نادي السيدة راحيل فانهاجين الأدبي ومهد له الالتقاء بكبار رجال الأدب والفكر. واستمع أيضاً إلى محاضرات هيجل في الفلسفة.
وفي سنة 1824 يعود إلى غوتنغين ويتقدم إلى امتحانات الدكتوراه في القانون بعد سنة واحدة.
وفي سنة 1827 ينشر المجموعة الشعرية الأولى بعنوان "سفر الأناشيد" فتحظى باهتمام كبير في الأوساط الأدبية، بل تحقق له شهرة واسعة إلى جانب كتابه "رحلة إلى جبال الهارتز" الذي نشره سنة 1826. وبدءاً من عام 1830 نجد هايني في باريس. وفي سنة 1835 يصدر مجلس النواب الألماني مرسوماً يمنع مؤلفات مجموعة من الكتاب الألمان الذين عرفوا باسم "ألمانيا الفتية" وفي مقدمتهم هايني. لكنَّ الحكومة الفرنسية تخصص منحة مالية للشاعر. ويستوطن هايني في باريس ويتعرف على مشاهير المعاصرين من الكتاب والشعراء من مثل دوماس وغوتييه وبلزاك وجورج صاند. وفي المهجر ينشر الشاعر مؤلفاته النثرية والشعرية. ونخصّ بالذكر "المدرسة الرومانسية" (1831 ـ 1832) "وحول تاريخ الدين والفلسفة في ألمانيا" (1834).
وفي سنة 1848 نجد الشاعر مريضاً بسل النخاع الشوكي. وينطرح على فراش الموت مشلولاً شبه أعمى مدة ثماني سنوات: "فالموت ليس مصيبة. لكنّ المصيبة هي العذاب الذي يطول أعواماً قبل أن يظفر المرء بالموت".
وعلى سرير الموت البطيء يكتب الشاعر آخر قصائده بعنوان "رومانسيرو" (1851)، كما يكتب "الاعترافات" أيضاً. أما "مذكراته" التي دوّنها في مرحلة المرض العضال فلم تصل إلينا لأن آل هايني الذين كان الشاعر على خلاف معهم بسبب ميراث، أتلفوها بعد مماته.
وفي السابع عشر من شباط سنة 1856 وافت المنية الشاعر وكانت آخر كلماته: "القرطاس.. والقلم".
إذا كان هايني قد نظم الشعر في شبابه مثل أي شاعر رومانسي فإنه كان يتمتع بروح مغايرة لروح الرومانسي. إذ أن الرومانسية كانت هرباً إلى عالم الحلم والماضي، بينما لم يكن هايني بعيداً عن الواقع، بل كان شديد الصلة بالحاضر.
إننا نقدم هايني لقراء العربية من خلال كتابه "حول تاريخ الدين والفلسفة" الذي كتبه هايني بأسلوبه المتميز بروح السخرية والدعابة الشاعرية وبالروح العدوانية الذكية الفكهة بالإضافة إلى روح البساطة الشعبية الواضحة المفهومة.
فالمؤلف، كما سنلتقي معه على هذه الصفحات، مطبوع على الحديث إلى القارئ بطريقة لا غموض فيها ولا تعقيد مع أن هذا الحدث لا يخلو من التلميح والغمز والتعريض. وفي الوقت نفسه يقول له أشياء في غاية من الصعوبة والأهمية بحيث لا يجد القارئ كبير عناء في فهم هذا الصعب وإدراك أهميته.
" كل شيء هادئ هدوء ليلة شتائية تكاثفت ثلوجها. وليس هنالك إلا تساقط قطرات خفيف رتيب. إنه الفوائد التي تصب على نحو مستمر في رؤوس الأموال التي تتضخم أبداً. ويسمع المرء تماماً كيف تنمو ثروات الأغنياء ويتخلل ذلك انتحاب الفقر . وأحياناً يصلصل شيء ما أشبه بسكين تشحذ".
هذا هو هايني الشاعر الذي يرى أن الرسالة الكبرى في الحياة هي تحرير الشعوب وأن الشعراء والكتاب ناضلوا من أجل ذلك وتحملوا شتى ألوان الضيم والعذاب سواء في الوطن أو في المهجر. إننا لن نجافي الصواب إذا ما عددنا هايني أعظم الوسطاء بين الحضارة الألمانية والحضارة الفرنسية. فهو لم يكن وسيطاً لكي يوفق بين شعبين فحسب، بل ليوفق بين نقيضين يتوقف أحدهما على الآخر. وهذان القطبان المتضادان هما الحياة والروح أو الفكر والحياة.
اللاذقية في 1 / 6 / 1986
صلاح حاتم
صفحة 4

مقدمة الطبعة الأولى

عليَّ أن ألفت بخاصةٍ نظر القارئ الألماني إلى أن هذه الصفحات كتبت في الأصل للمجلة الفرنسية ريفيو دي موند(1) ولغاية محددة. فهي، إذاً، جزءٌ من نظرة عامة إلى أحداث فكرية ألمانية سبق لي أن قدمت للجمهور الفرنسي بعض أجزائها، وظهرت أيضاً باللغة الألمانية في هيئة مقالات بعنوان (حول تاريخ الأدب الحديث في ألمانيا)(2).
إن مطالب الطباعة الدورية، وعيوباً في اقتصاد الطباعة نفسها، ونواقص في وسائل علمية، وتصوراً فرنسياً وقانوناً حول مطبوعات أجنبية(3) صدر حديثاً في ألمانيا ولم يطبّق إلا عليّ أنا، وغير ذلك من الروادع والقيود، هذا كله لم يتح لي أن أنقل مختلف أجزاء تلك النظرة العامة في تسلسلٍ مرتب ترتيباً زمنياً وبوسيلة عامة شاملة.
على أن هذا الكتاب الحالي، رغم وحدته الداخلية وشكله الخارجي التام، ليس إلا شذرةً من كل أعظم.
وإني لأحيي الوطن أصدق تحية.
كتب في باريس في شهر كانون الأول 1834
هاينريش هايني

مقدمة الطبعة الثانية

حين غادرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب المطبعة، واستلمت نسخة من الطبعة نفسها ذُعرتُ ذعراً كبيراً بسبب التشويهات التي تركت آثارها في كل مكان. ففي بعض الأماكن كانت هناك صفة ناقصة أو جملة اعتراضية، وحذفت مواضع بكاملها دونما مراعاة للمقاطع بحيث إنَّ المعنى لم يختفِ وحده فحسب، بل إنَّ الروح نفسه اختفى في بعض الأحيان. أو قلْ إنّ مخافة القيصر(4) هي التي قادت اليد في أثناء هذه التشويهات أكثر مما قادتها مخافة الله، على حين حذفت في شيء من القلق والتخوّف ما هو محرجٌ سياسياً وأبقت هي نفسها على ما هو في غاية من الريبة والخطر وما له علاقة بالدين. وبهذا ضاع اتجاه هذا الكتاب الذي كان اتجاهاً ديمقراطياً وطنياً وظهر أمامي روحٌ غريب كلّ الغرابة ذكّرني بالمماحكات اللاهوتية المدرسية، الأمر الذي تعافه طبيعتي الإنسانية المتسامحة لمناقضته إياها مناقضةً عميقة.
في بادئ الأمر منّيت نفسي بأنّ ثغرات هذا الكتاب يمكن أن تسدَّ في الطبعة الثانية. على أن أيَّ إصلاح من هذا القبيل هو محالٌ الآن، ذلك لأنَّ المخطوط الأصلي(5) قد ضاع في بيت الناشر في أثناء الحريق الكبير بمدينة هامبورغ. كما أن ذاكرتي ضعيفة جداً بحيث أستطيع أن استعين بها. وفضلاً عن ذلك فإن بصري، كما هو عليه لا يسمح لي بمراجعة دقيقة للكتاب، فأكتفي بأن أعتمد النسخة الفرنسية وأعيد ترجمة بعض المواضيع الكبيرة المحذوفة وأدخلها من جديد.
وأحذ هذه المواضيع التي طبعتها صحف فرنسية كثيرة وناقشتها كما ناقشها الكونت موليه(6)، أحد أعظم رجالات الدولة الفرنسيين في مجلس النواب الفرنسيين في مجلس النواب الفرنسي في العام الماضي، هو ذلك الموضوع الموجود في آخر هذه الطبعة الجديدة. ولعله يشير إلى حقيقة تصغير ألمانيا والحط من شأنها حيث إني، وكما أكد لي ناسٌ شرفاء، اقترفت ذنباً بذلك أمام البلد الأجنبي.
فإذا كنت عبّرت في حالة السخط والاستياء عن ألمانيا الرسمية القديمة، أرض محدودي الأفق المتعفنة التي لم تنجب واحداً مثل جوليات، ولم تنجب رجلاً واحداً عظيماً، فقد صار في مقدور المرء أن يصوّر ما قلت تصويراً دقيقاً، لكأنما ألمانيا الحقيقية هي محور الحديث، ألمانيا العظيمة الغامضة، وبمعنى أوسع، ألمانيا بلد الألمان المجهولة الاسم، بلد العاهل النائم الذي يلعب بصولجانه وتاجه قرودٌ طوال الذيول(7).
إن مثل هذا الغمز أو التعريض قد سهل على الناس الشرفاء المخلصين بأن كل إعلان عن موقفي الحقيقي ورأيي كان أمراً مستحيلاً لي خلال مدة طويلة، ولاسيما حين ظهرت مراسيم(8) مجلس النواب ضد "ألمانيا الفتية"، وهي مراسيم كانت موجهة في الأساس ضدي أنا، ووضعتني في موقف نادر في حتميته وإحكامه، ولم يسبق له مثيل في سجلات تاريخ عبودية الصحافة.
ولمّا تمكنت فيما بعد من أن أرفع الكمامة بعض الشيء بقيت الأفكار، مع ذلك، مقيدة مكبلة.
فهذا الكتاب الذي بين أيديكم هو شذرة ويجب أن يبقى شذرة. وبصدق وصراحة فإني أود لو أن هذا الكتاب لم يطبع. إذ أن آرائي في بعض الأشياء، ولاسيما في الأمور الإلهية، قد تبدلت تبدلاً خطيراً منذ صدور هذا الكتاب، وبعض الأشياء التي ادعيتها تناقض الآن أفضل ما عندي من عقيدة واقتناع. على أن السهم لم يعد يخص الرامي حالما ينطلق من وتر القوس، والكلمة لم تعد تخص المتكلم حالما تنبثق من بين شفتيه وتنسخ في المطبعة.
وفضلاً عن ذلك سيعترض سبيلي بعض أصحاب النفوذ الأجانب باحتجاج مقنع لو أني تركت هذا الكتاب من دون طباعة ولم أدخله في عداد مؤلفاتي الكاملة. ومثلما يفعل بعض الكتاب في مثل تلك الأحوال ربما استطعت أن ألجا إلى تخفيف التعابير وتلطيفها وإلى الإخفاء بواسطة العبارات. على أني أكره في أعماق نفسي التعابير الغامضة التي تحتمل أكثر من معنى وأكره الزهور المنافقة وأوراق التين الجبانة.
صفحة 5
ولكن بالنسبة لرجل أمين مستقيم، ومهما كانت الأسباب، يبقى له الحق الثابت بأن يقر ويعترف بخطئه بصراحة. ولسوف أقوم هنا بذلك دون حياء أو خجل. وأعترف بصراحة صريحة بأن كل ما له علاقة في هذا الكتاب بمسألة الإله هو خطأ وطيش في آن واحد. كما أنه خطأ وطيش هو الزعم الذي زعمته المدرسة(9) وردّدته أنا وهو أن مذهب التأليه(10) قد انهار نظرياً ولم يعد يحيا إلا في عالم الظواهر حياة ضنكٍ. كلاّ، ليس بصحيح أن نقد العقل الذي هدم الأدلة على وجود الإله كما عرفناها منذ انسيلم فون كانتربري(11) قد وضع أيضاً نهاية لوجود الإله. فمذهب التأليه يعيش ويحيا حياةً أكثر نشاطاً وحيوية، فهو لم يمت، وأقل ما يمكن فقد أماتته الفلسفة الألمانية الحديثة. فهذا الجدل البرليني(12) الذي هو أشبه بشباك العنكبوت لا يستطيع أن يجذب كلباً من فوهة الفرن، ولا يستطيع أن يقتل قطة فكيف بإله؟ ولقد جرّبت هذا بنفسي وخبرت أن ما يقوم به هذا الجدل من قتلٍ ليس على جانب كبير من الخطر. فهو يقتل أبداً ويبقى الناس في أثناء ذلك أحياء. إن روجي(13) المتجهم العبوس، بوّاب المدرسة الهيجلية، زعم ذات مرة بصلابة وتأكيد، أو بالأحرى بتأكيد وعزم وصلابة، أنه قضي عليَّ ضرباً بعصاه البوابية في "تقاويم مدينة هاله" وفي الوقت نفسه تجوّلت في البوليفار بباريس بنشاط وصحة وعلى نحو أكثر حيوية من ذي قبل.
يالروجي الشجاع المسكين! فهو نفسه لم يستطع أن يمسك فيما بعد عن أصدق أنواع الضحك لمّا اعترفت له في باريس أنَّ عينيَّ لم تقعا أبداً على الصحف القاتلة الرهيبة المسماة "تقاويم مدينة هاله"، كما أن وجنتي الممتلئتين المتوردتين وشهيتي الطيبة التي ازدردت بها المحار أقنعته بأنني لا أستحق كثيراً اسم جثة. والحق أنني كنت آنذاك صحيح الجسم وبديناً وكنت في أوج سمنتي كما كنت على نحو من الجذل والغرور أشبه بالملك نبوخذ نصر قبل سقوطه المفاجئ.
وا أسفاه! إذ أنه، فيما بعد ولبضع سنوات خلت، ظهر تبدّل جسماني وعقلي وكثيراً ما تذكرت منذ ذلك الحين تاريخ هذا الملك البابلي الذي خال نفسه إلهاً، لكنه هوى فجأة من علياء زهوه وخيلائه على نحو يدعو للشفقة وزحف على الأرض كحيوان والتهم العشب(14)، (ولعلّه كان خسّاً). هذه الأسطورة الموجودة في سفر دانيال الرائع لا أنصح بقراءتها السيد المحترم روجي فحسب، يل أيضاً صديقي الأكثر عناداً ماركس والسادة فويرباج(15) وداومر(16) وبرونو باور(17) وهينجستينبيرغ(18)، هؤلاء الآلهة بأنفسهم الناكرين الإله، أنصح بأن يقرؤوا الأسطورة من أجل الاعتبار الذي يشرح الصدر. وفي الكتاب المقدس أيضاً قصص أكثر جمالاً وغرابة وجديرة بالاعتبار. وعلى سبيل المثال فإننا لنجد في البداية قصة الشجرة المحرمة في الجنة وقصة الحية، هذه المدرّسة المحاضرة الصغيرة التي حاضرت في فلسفة هيجل كلها قبل مولد هيجل بستة آلاف سنة. وهذه المرأة العاملة التي لا أقدام لها تبين بذكاء قاثب كيف ينحصر المطلق في هوية(19) الوجود والمعرفة وتطابقهما أو كيف يتوصل الإله في الإنسان إلى الوعي بذاته. وإن عبارة "إذا أكلتم من شجرة المعرفة صرتم كالإله" ليست واضحة وضوح العبارات الأصلية الأولى. ولم تفهم السيدة حواء من هذا العرض والإيضاح كله إلا شيئاً واحداً ليس غير وهو أن الثمر محرّمٌ، ولما كان محرّماً فقد أكلت منه المرأة الصالحة. ولكنها ما إن أكلت من التفاح المغري حتى فقدت براءتها ومباشرتها البسيطة ووجدت أنها على جانب كبير من العري بالنسبة لشخص من طبقتها، وهي الأم الأولى لكثيرين ممن سيصبحون فيما بعد قياصرة وملوكاً. وطلبت ثوباً. وطبيعي أنه لو لم يكن إلا ثوباً من أوراق التين، ليس غير، لأنه لم يكن آنذاك قد ولد بعد أصحاب مصانع الحرير بمدينة ليون، ولأنه لم يكن يوجد بعد في الجنة صانعات القبّعات ولا تاجرات الأزياء.. أيتها الجنة! الغريب أن أول ما فكّرت هذه المرأة لحظة وعيها بذاتها المفكرة، فكرتّ بثوب جديد. فهذه القصة من الكتاب المقدس، وعلى الأخص حديث الحية، لا تبرح ذهني وأود أن أضعها شعاراً لهذا الكتاب على نحو ما يرى المرء من لافتات أمام حدائق الأمراء تحمل التحذير التالي: "هنا تكون الشرك والفخاخ".
وسبق أن تكلمت في أحدث ما ألفت من كتب، أي في ديوان القصائد "رومانسيرو"(20)، على التحوّل الذي طرأ على تفكيري وما له علاقته بالقضايا الإلهية.
ولقد وجّهت إلى منذ ذلك الحين استفسارات كثيرة تلح عليَّ بإلحاح مسيحي لمعرفة الطريق الذي استنرت عليه أفضل استنارة. ويبدو أن نفوساً صالحة تصبو إلى أن أكذب عليها بان معجزة حدثت، وتود هذه النفوس أن تعرف ما إذا كنت قد أبصرت كما أبصر شاول(21) نوراً وهو في طريقه إلى دمشق أو إذا كنت ركبت كما ركب بلعام بن بورة حمارة حروناً فتحت فاها على حين غرة وراحت تتكلم(22) كما يتكلم إنسان.
كلا، أيتها النفوس الصالحة، إنني لم أسافر قط إلى دمشق ولا أعرف شيئاً البتة عن دمشق، وكل ما أعرفه عن دمشق هو أن يهود تلك البلد(23) قد اتهموا منذ زمن غير بعيد بأنهم أكلوا رهباناً كبوشيين شيوخاً، كما أنني أكاد أجهل اسم هذه المدينة لو لم أقرأ نشيد الإنشاد الذي يشبّه فيه الملك سليمان أنف حبيبته(24) ببرج يطلّ على دمشق. كما أنني لم أرَ أبداً حماراً من ذوات الأربع تكلم كما يتكلم البشر على حين قابلت الكفاية من البشر الذين إذا فتحوا أفواههم تكلموا كالحمير.
والحق أنه لا توهم ولا غيبوبة ملائكية ولا صوت من السماء ولا حلم غريب أو شبح عجيب قادني على طريق الخير والفلاح. إنني ـ ببساطة تامة ـ أدين باستنارتي لقراءة كتاب ـ أهو كتاب؟ أجل، إنه كتاب يبدو علمياً ومتواضعاً، فهو كالشمس التي تدفئنا وكالخبر الذي يغذينا. إنه كتاب يطالعنا بنظرات الأنس واللطف والطيبة والبركة، مثله مثل جدة عجوز تقرأ كل يوم في الكتاب بالشفتين الحلوتين المرتجفتين وبالنظارة فوق الأنف، ويدعى هذا الكتاب بكل بساطة كتاب الكتب أو كما يسميه الناس بحق الكتاب المقدس. فمن أضاع إلهه استطاع أن يجده مرة في هذا الكتاب. ومَنْ لم يعرفه أبداً لفحه روح الكلمة الإلهية. فاليهود الذين يجيدون التعامل بالنفائس عرفوا جيداً ما فعلوه حين تخلوا في أثناء حريق الهيكل الثاني(25) عن الأواني والأطباق الذهبية والفضية وعن الشمعدانات والمصابيح، وتخلوا أيضاً عن صدار كبير الكهنة المزركش بالأحجار الكريمة الكبيرة ولم ينقذوا سوى الكتاب المقدس الذي كان الكنز الحقيقي للهيكل. وبحمد الله فإن النيران لم تلتهمه ولم يصبح نهباً للوغد الزنيم تيطوس فيسباسيانوس الذي انتهى نهاية سيئة للغاية على نحو ما يروي الأحبار.
ثم إن كاهناً يهودياً يدعى يوشوا بين سيراز بن إليازر عاش في القدس قبل مائتي عام من حدوث حريق الهيكل الثاني وفي أثناء الفترة الذهبية من حكم بطليموس فيلاديلفوس(26)، وقد عبّر هذا الكاهن عن فكرة عصره بخصوص الكتاب المقدس في "ميثاليم"، مجموعة حكم وأقوال مأثورة(27). وسأسوق هنا كلماته الجميلة. فهي رهيبة رهبة الكهنوت ولكنها في الوقت نفسه منعشةٌ إلى حد الإمتاع والراحة، لكأنها انبثقت أمس من صدر إنساني حي وهي: "هذا كله هو في الحقيقة كتاب الاتحاد المعقود مع الإله الأعظم، أي الشريعة التي سنها موسى على آل يعقوب لتكون الكنز. ومنها تنساب الحكمة انسياب ماء بيسون حين يكون عظيماً وكانسياب ماء دجلة حين ينتقل إلى ربيع الماء والأمطار. وينساب منها العقل انسياب الفرات حين يكون عظيماً وكانسياب الأردن في وقت الحصاد. ومن الشريعة نفسها ينبثق الأدب والتربية كالنور وكما النيل في الخريف. فما كان أبداً مَنْ أنهى بها مرحلة التعلم ولن يكون أبداً مَنْ أراد سبر غورها. إذ أن معناها أغنى، فهي ليست ببحر، وكلمتها أعمق إذ لا قرار لها".
كتبت بباريس في أيار 1852
هاينريش هايني
صفحة 6

السفــــر الأول

ظن الفرنسيون في الآونة الأخيرة أنهم توصلوا إلى فهم المانيا(1) حين تعرفوا على آثار أدبنا. على أنهم انتقلوا بذلك من حالة الجهل الكامل إلى السطحية، ليس غير. ذلك لأن آثار أدبنا لا تبقى في نظرهم إلا وروداً صماء، وتبقى الفكرة الألمانية كلها في نظرهم لغزاً فارغاً عميقاً ما دام الفرنسيون لا يعرفون معنى الدين والفلسفة في ألمانيا.
وبينما أحاول أن أقدم بعض المعلومات التي توضح كلاًّ من الدين والفلسفة أظن أنني أقوم بعمل ذي نفع. ثم إن هذا ليس بمهمة سهلة عليَّ . وبادئ ذي بدء ينبغي تفادي تعبير لغة مدرسية(2) يجهلها الفرنسيون جهلاً تاماً. على أني لم أسبر دقائق اللاهوت ولا دقائق علم ما بعد الطبيعة(3) سبراً عميقاً، بحيث أستطيع أن أصوغ مثل هذه الأشياء على نحوٍ سهل ومقتضب يلائم حاجات الجمهور الفرنسي ويلبيها. وعلى هذا فلن أتناول إلا المسائل الكبيرة التي تطرقت إليها الفلسفة واللاهوت في ألمانيا، ولن أوضح إلا أهميتها الاجتماعية، وسأراعي باستمرار محدودية وسائل الإيضاح الخاصة بي كما سأراعي قدرة القارئ الفرنسي على الفهم والإدراك.
وإذا صادف أن اطّلع فلاسفة ألمان كبار على هذه الأوراق فسيهزون أكتافهم في كبرياء مصطنعة، استخفافاً بالشكل المتواضع لكل ما أقدمه هنا. ولكن ليعتبر هؤلاء، إن شاءوا ذلك، بأن الشيء القليل الذي أقوله هنا عبّرت عنه بوضوح وجلاء، أما مؤلفاتهم فهي شاملة شمولاً محكماً لا حدود له وعميقة جداً إلى حد الدهشة، لكنها، مع ذلك، غامضة أيضاً. فما نفع مخازن القمح الموصدة لشعب لا يملك المفاتيح إليها؟ فالشعب توّاقٌ إلى المعرفة، وإنه ليشكرني على هذه الكسرة من الخبز الروحي التي أتقاسمها معه في صدق وإخلاص.
أعتقد أن الشيء الذي يحول بين معظم العلماء الألمان وبين التعبير عن الدين والفلسفة تعبيراً شعبياً جماهيرياً لا يعزى إلى انعدام الموهبة، بل إن هذا ليعزى إلى التهيب من نتائج تفكيرهم التي لا يجرؤون على إعلام الشعب بها. أمّا أنا فليس لديَّ هذا التهيب، إذ أنني لست عالماً، أنا نفسي شعب. لست عالماً ولا أنتمي إلى حكماء ألمانيا السبعمائة. إنني أقف مع عامة الشعب أمام بوابات حكمتهم. وإذا ما تسللت حقيقة ما ووصلت إليَّ فإنها تكون قد ابتعدت عندئذٍ بما يكفيها: ـ سأكتبها بحروف جميل وأدفع بها إلى صفّاف الحروف لينضد الحروف المطبعية، ومن ثم يدفع بها إلى الطبّاع، فيطبعها هذا وتصبح بعد ذلك ملكاً للعالم كله.
إن الدين الذي نعتنقه في ألمانيا هو المسيحية. وسيكون عليَّ، إذاً، أن، أتحدث عن ماهية المسيحية وكيف استحالت إلى كاثوليكية رومانية وكيف انبثقت البروتستانتية عن الكاثوليكية ثم كيف انبثقت الفلسفة الألمانية عن البروتستانتية.
وبينما أبدأ الحديث عن الدين فإني أرجو سلفاً كل الأتقياء الورعين ألا يقلقوا أبداً. فلا تخافي شيئاً أيتها النفوس التقية الورعة. فلن تخدش مسامعك أية دعابات مدنسة قذرة. وعلى أية حال فإن هذه الدعابات لا تزال مفيدة في ألمانيا حيث ينبغي إبطال سلطة الدين حالياً وجعلها محايدة. إذ أننا نجد أنفسنا هنا في نفس الموقف الذي كنتم أنتم فيه قبل الثورة لمّا كانت المسيحية تحالف نظام الحكم القديم على نحو وثيق. ولم يكن في الإمكان القضاء على نظام الحكم هذا في الوقت الذي كانت المسيحية لا تزال تمارس فيه تأثيرها في الجماهير. وكان على فولتير(4) أن يضجّ بالضحك اللاذع قبل أن يتمكن سانزون(5) من إسقاط فأسه. على أنه لم يتم البرهان على أي شيء من خلال تلك الفأس ولا من خلال ذلك الضحك، بل أحدث هذا شيئاً ما، ليس غير. إن فولتير لم يستطيع أن يجرح إلا جسد المسيحية. فكل دعاباته التي استمدها من تاريخ الكنيسة وكل نكاته عن علم العقيدة والعبادة وعن الكتاب المقدس، الذي هو أقدس كتب الإنسانية، وعن مريم العذراء، التي هي أجمل ورود الشعر، ومعجم السهام الفلسفية(6) التي أطلقها على القساوسة والرهبان، هذا كله لم يجرح إلا جسد المسيحية الفاني ولم يمس جوهرها أو عقلها الباطني أو روحها الأزلية. إذ أنَّ المسيحة فكرة. ولمّا كانت فكرة فلا يمكن تحطيمها أو إفناؤها مثلها مثل أية فكرة. ولكن ما هي هذه الفكرة؟
ولما كان المرء لم يفهم بعد هذه الفكرة فهماً واضحاً، ويخال الأشياء الظاهرية شيئاً أساسياً، فليس هنالك بعدُ تاريخ للمسيحية. وإنّ فريقين متضادين يكتبان تاريخ الكنيسة ويناقضان بعضهما على نحو دائم. على أن أحدهما لن يعبر بالتأكيد في أي وقت كان إلا بقدر ما يعبر الفريق الآخر عما تعني تلك الفكرة التي هي للمسيحية مركز، وتسعى لأن تتجلى في رموز المسيحية وفي معتقداتها وعباداتها وتاريخها كله وفي حياة الشعوب المسيحية وواقعها!
فلا بارونيوس(7) الكاردينال الكاثوليكي ولا المستشار البروتستانتي شروك(8) يكشفان لنا عمّا تعني الفكرة. وإذا ما تصفحتم كل الكتب الضخمة التي تشتمل عليها مجموعة مانسي الكنسية(9) وكل مجموعات الطقوس الدينية التي جمعها آسيماني(10) وكل التاريخ الكنسي لمؤلفه ساكاراللي(11) فلن يتبين لكم، مع هذا، ماذا كانت تعني في الحقيقة فكرة المسيحية.
صفحة 7
فما الشيء الذي ترونه إذاً، في تواريخ الكنائس الشرقية والغربية؟ لا يوجد في تاريخ الكنيسة الشرقية إلا مماحكات عقائدية يتجلى فيها من جديد مذهب السفسطة اليوناني القديم(12). أما في تاريخ الكنيسة الغربية فلا تجدون إلا منازعات وخصومات عنيفة تتعلق بالنظام والمصالح الكنسية على حين يؤكد نفسه كل من مبدأ القضايا الفردية القانونية(13) وفن الحكم عند الرومان بصيغ جديدة ووسائل إكراه وعسف جديدة. والحق أنَّ الجدل في القسطنطينية حول الكلمة (اللوجوس) مثله مثل الجدل في روما حول علاقة السلطة العلمانية بالسلطة الدينية. وكما أنَّ الناس تنازعوا في القسطنطينية حول فكرة الجوهر الواحد لكل من الإله المسيح فإنهم تنازعوا أيضاً في روما حول تنصيب رجال الدين. أما الأسئلة البيزنطية عما إذا كان الكلمة (اللوجوس)(14) أي المسيح مشابه في جوهره للإله الأب، وعما إذا كان ينبغي أن تدعى مريم والدة الإله أم والدة الإنسان، وعما إذا كان على المسيح أن يصوم ويجوع بسبب نقص في الطعام أو أنه أراد أن يصوم، ليس غير، هذه الأسئلة كلّها لا تخفي وراءها إلا مكائد ودسائس قصر يتوقف حلها على ما يتهامس به الناس في مقصورات القصر المقدس، كأنْ يتهامسوا عما إذا كانت أويدوقيسيا ستسقط أم بولخيريا، ذلك لأن بولخيريا تكره نيسطوريوس الذي أفشى سر مشاجرتها الغرامية على حين تكره الأخرى، أي ايدوقيسيا، كوريلوس الذي تسانده بولخيريا، وهذا كله له علاقته في النهاية بهذر النساء والخصيان، وفي الواقع يتم اضطهاد الرجل في العقيدة أو تتم مساندته أو يضطهد في الرجل حزبٌ أو يساند ويشجع. وكذلك هي الحال في الغرب. فلقد أرادت روما أن تسيطر وتسود، "وحين سقطت كتائبها بعثت بالعقائد إلى الأقاليم"(15) فالشقاقات المذهبية كلها كانت السبب في اغتصابات العرش الرومانية، لقد كان عليها أن تدعم سلطة الأسقف الروماني العليا. وكان هذا دائماً متسامحاً جداً في نقاط مذهبية صحيحة، ولكنه كان ينفث ناراً ولهباً حين كانت تمس حقوق الكنيسة. فهو لم يجادل كثيراً في الأشخاص في المسيح وإنما جادل في نتائج قرارات ومراسيم ازيدور(16). وجمع السلطة في يده بواسطة حق قانوني كنسي وعن طريق تنصيب الأساقفة وتحقير سلطة الأمراء وعن طريق جمعيات رهبان دينية وبالتبتل وغير ذلك. ولكنْ هل كان هذا كله المسيحية؟ هل تتجلى لنا فكرة المسيحية من قراءة هذه القصص؟ فما هي هذه الفكرة؟ إن الكيفية التي تشكلت منها هذه الفكرة تاريخياً وتجلت في عالم الظواهر، يمكن إيجادها في القرون الأولى بعد ميلاد المسيح، ولا سيما إذا بحثنا في تاريخ المانويين والغنوصيين(17) من دون تحيز أو إغراض. ومع أن المانويين زنادقة ملحدون، ومع أن الغنوصيين سيئو السمعة، ومع أن الكنيسة لعنتهم فقد بقي تأثيرهم في العقيدة، ونشأ الفن الكاثوليكي من عالم رموزهم وتخلل تفكيرهم حياة الشعوب المسيحية.
ووفقاً لآخر دوافعهم وأعمقها فإن المانويين لا يختلفون كثيراً عن الغنوصيين. فتعاليم المبدأين كليهما، مبدأ الخير ومبدأ الشر اللذين يتصارعان هي من خواص المانوية والغنوصية. فالمانويون أخذوا هذه التعاليم عن الدين الفارسي القديم حيث كان النور (أورموند) ضدّاً للظلمة (أهريمان). أما الآخرون، أي الغنوصيون الحقيقيون، فقد اعتقدوا بالوجود القبلي لمبدأ الخير(18) وفسروا نشوء مبدأ الشر من خلال الفيض وتعاقب الدهور، وبقدر ما تبتعد هذه الدهور عن منشئها وصانعها تسوء على نحو شديد القتامة.
وفي رأي كيرينتوس لم يكن خالق عالمنا الإله الأعظم أبداً، وإنما فيض الإله الأعظم، فيض دهر من الدهر، ليس غير، أي الصانع الحقيقي الذي يخرج من أصله وطبعه شيئاً فشيئاً ويحرضُ نفسه تدريجياً ويقف الآن في هيئة مبدأ الشر من مبدأ الخير أو اللوجوس المنبثق مباشرة عن الاله الأعظم موقف الضد. هذه النظرة الوجودية الغنوصية هي هندية الأصل ولقد حملت معها تجسّد الإله وإماتة الجسد والاستبطان الروحي، وأوجدت حياة الرهبنة الزاهدة المتأملة التي هي أنقى زهور الفكرة المسيحية. ولم يكن في إمكان هذه الفكرة إلا أن تضطرب اضطراباً شديداً في تعاليم العقيدة والدين، وتفصح عن نفسها في العبادات على نحو شديد القتامة. على أننا نرى أنَّ تعاليم المبدأين كليهما تظهر في كل مكان. فالمسيح الخيّر الطاهر يقف من الشيطان الخبيث الشرير موقف الضد. ويتمثل عالم الروح بالمسيح، أما عالم المادة فيمثله الشيطان. ثم إنَّ روحنا ملك للمسيح على حين إنَّ جسدنا ملك للشيطان. أمير الظلمة، سيوقعنا بذلك في التهلكة، ولا بد من الزهد في كل متاع الدنيا وملذاتها ويجب تعذيب جسدنا الذي هو إقطاعة الشيطان وذلك لكي تحلّق الروح عالياً على نحو رائع عظيم في السماء المضيئة، في مملكة المسيح الساطعة المنيرة.
هذه النظرة الوجودية التي هي الفكرة الجوهرية للمسيحية كانت قد انتشرت على نحو سريع بعيد التصور في أرجاء الإمبراطورية الرومانية كلها مثلها مثل مرض مُعْدٍ، وفي العصور الوسطى كلها استمرت الآلام، فهي تارة هيجان محموم وتارة إعياء واسترخاء. ونحن المحدثون لا نزال نحس أبداً بتشنجات ووهن في الأعضاء. وإذا ما شفي أحدنا فإنه لن يستطيع، مع ذلك، أن يهرب من جو المستشفى العام وسيشعر بالتعاسة، ذلك أنه وحده السليم المعافى بين السقام. وفي يوم من الأيام وحين تستعيد الإنسانية كامل صحتها وحين يعود السلام بين الجسد والروح ويسود الوفاق والانسجام بينهما، عندها لن يتمكن المرء من فهم النزاع المصطنع الذي أثارته المسيحية بين الروح والجسد. وإنَّ الأجيال الأكثر سعادةً وجمالاً والتي أنجبها العناق الاختياري الحر وتزدهر وترقى في دين المسرّة والفرح لسوف تبتسم بكآبة من أسلافها المساكين الذين أمسكوا عن متع هذه الدنيا الجميلة وملاذّها في اكتئاب واضمحلوا تقريباً إلى أشباح باردة وذلك بإماتة الحسية الدافئة الملونة!
أجل، إني سأقول مؤكداً بأنَّ ذريتنا ستكون أسعد وأجمل منا، إذ أنني أؤمن بالتقدم وأعتقد أنه مقدّر على الإنسانية أن تكون سعيدة، ولديَّ، إذاً، رأيٌ في الإله أعظمُ مما هو لدى أولئك الناس الأتقياء الذين يظنون بأن الله لم يخلق الإنسان إلا للألم والمعاناة، وهنا وعلى هذه الأرض أود أن أؤسس هذه السعادة(19) ببركة منشآت صناعية سياسية حرة، تلك السعادة التي يذهب الأتقياء الورعون إلى أنها لن تكون إلا في السماء، يوم القيامة. ولعل هذا وذاك أملٌ سخيف أخرق، ولن يكون هنالك أي بعث للإنسانية، لا في المفهوم الأخلاقي السياسي ولا بالمفهوم الكاثوليكي الرسولي.
ولربما كُتب الشقاء الأزلي على الإنسانية، ولعل الشعوب ملعونة إلى الأبد يسحقها الطغاة ويستغلها شركاء الطغاة في الجريمة، ويستهين بها التابعون المتذللون.
صفحة 8
والحق أنه إن كان على المرء أن يسعى في هذه الحال لأن يحافظ على المسيحية حتى لو أدرك أنها خطأ، فقد كان عليه أن يسير في أرجاء أوروبا حافي القدمين وفي مِسْح الرهبان، ويبشر بفناء حطام الدنيا كله، ويدعو إلى الزهد ويرفع الصليب المواسي أمام الناس المهانين المعذبين واعداً إياهم بعد الموت، هناك فوق، بالسبع سماوات.
وربما لأن عظماء هذه الأرض متأكدون من سلطتهم العليا، ولأنهم عقدوا العزم على أن يسيئوا استعمالها أبداً لسوء حظنا وتعاستنا فإنهم مقتنعون بضرورة المسيحية لشعوبهم. وإنه في الحقيقة لشعور إنساني رقيق أنهم يبذلون قصارى جهودهم للحفاظ على هذا الدين! إن المصير النهائي للمسيحية وقف، إذاً على ما إذا كنا نحن لا نزال بحاجة إلى المسيحية. وهذا الدين كان نعمة وبركة للإنسانية المعذبة خلال ثمانية عشر قرناً. فلقد كان مقرراً من لدن العناية الإلهية وكان إلهياً ومقدساً. ولئن كان أفاد المدينة والحضارة بأنه روض الأقوياء وقوّى الودعاء وربط الشعوب بإحساس واحد ولغة واحدة وغير ذلك مما لا يزال حماته والذوادون عنه يعتزون به ويفخرون، فإن هذا كله لا يزال تافه الشأن بالقياس إلى ذلك العزاء الكبير الذي يمنحونه للإنسان من لدنهم أنفسهم. والمجد الأزلي الخالد لرمز ذلك الإله الذي يعاني ويتعذب، لمنقذ العباد صاحب إكليل الشوك، المجد الخالد للمسيح المصلوب الذي كان دمه أقرب ما يكون إلى البلسم الشافي الذي انساب في جراح الإنسانية. فالشاعر، على وجه الخصوص، سيعترف بعظمة هذا الرمز المخيفة بكل تهيّب ورهبة. وإنَّ نظام الرموز التي تظهر في فن العصور الوسطى وحياتها ستثير على مر الأزمان إعجاب الشعراء. وبالفعل، فيا للنتيجة الهائلة في الفن المسيحي، لا سيما الفن المعماري! ويا لهذه الكنائس الغوطية وهي تنتصب في وفاق وانسجام مع العبادات وتتجلى فيها فكرة الكنيسة نفسها! كل شيء يشمخ هنا عالياً ويتحول بذاته: فالحجر يتفرع إلى أغصان وأوراق ويستحيل إلى شجرة. وحبة العنب والسنبلة تستحيل إلى دم ولحم. ويستحيل الإنسان إلى روح خالص. فالحياة المسيحية لا تنضب نفاستها. بواسطة المسيحية وحدها كان في الإمكان أن تنشأ أحوال انطوت على تناقضات في غاية من الجرأة، وانطوت على آلام في غاية من التنوع، وعلى جمال في غاية من الوهم والخيال بحيث أنَّ المرء مضطر إلى القول إنَّ مثل هذا لا وجود له في الواقع وإن هذا كله هذيان حمّى هائل، والطبيعة نفسها بدت آنذاك مقنّعة بالوهم والخيال. وفي أثناء ذلك ومع أنَّ الإنسان الذي هو أسير التأملات المجردة قد انصرف عنها بَرِماً فإنها كانت توقظه في بعض الأحيان بصوت حلو رقيق فيه من الحلاوة ما يخيف ومن الرقة ما يرعب، صوت فيه قوة سحرية كبيرة بحيث أنَّ الإنسان أصاخ السمع بلا شعور وابتسم وارتاع ومرض مرضاً شديداً شارف فيه على الموت. وهنا، وفي هذا الصدد، تحضرني قصة عندليب مدينة بازل(20). ولما كنتم لا تعرفونها فإني سأرويها لكم. في أيار سنة 1433 وفي عهد المجمع الكنسي(21) قامت مجموعة من رجال الدين بنزهة إلى إحدى الغابات التابعة لمدينة بازل وقد اشتملت هذه المجموعة على أساقفه ودكاتره ورهبان من كل الأصناف والألوان وتناقشوا في موضوع الخلافات اللاهوتية وميزوا وتحاجّوا واختلفوا في الترشيحات والتحفظات أو أنهم تناقشوا فيما إذا كان توماس الأكويني(22) فيلسوفاً أعظم من بونافينتورا(23) وغير ذلك من الأمور التي لا بداية لها ولا نهاية. ولكنهم فجأة وبينما هم في وسط نقاشهم العقائدي المجرد أمسكوا عن الكلام وجمدوا في أماكنهم أمام شجرة زيزفون مزهرة حطَّ عليها عندليب ترنم بأرق الألحان وأعذبها. وفي أثناء ذلك شعر السادة العلماء بالروعة، فقد نفذت أنغام الربيع الدافئة إلى أعماق قلوبهم التي ضاقت بالتحفظات المدرسية واستيقظت أحاسيسهم من نوم شتائي عميق. وتبادلوا النظر في بهجة ودهشة. وأخيراً أبدى أحدهم ملاحظة ذكية وهي أنَّ في مثل هذا شيئاً غريباً وأنَّ هذا العندليب قد يكون شيطاناً وأن هذا الشيطان أراد أن يصرفهم عن أحاديثهم الدينية بأنغامه العذبة النقية ويغريهم بالملذة والآثام الحلوة الأخرى فراح يعزّم بالصيغة المألوفة آنذاك: إني لأعوذ منك بالذي سوف يأتي ليحق الحق بين الأحياء والأموات.. الخ.. الخ. ويقال إنَّ الطائر أجاب في أثناء هذه التعويذة: "أجل، إني روح شريرة" ثم طار ضاحكاً. وقيل إنَّ الآخرين الذين سمعوا صداحه مرضوا في نفس اليوم وما لبثوا أن ماتوا إثر ذلك.
هذه القصة لا تحتاج إلى تعليق. إنها تحمل الطابع المرعب لعصر وسم كل شيء حلو وجميل بالشيطانية. حتى إن العندليب شوهت سمعته، وكان المرء يصلّب كلما غنى. فالمسيحي الحقيقي كان يتجوّل في أرجاء الطبيعة المزهرة بحواس مغلقة من الخوف مثله مثل شبح مجرد. وقد أعالج علاقة المسيحي هذه بالطبيعة في فصل آخر معالجةً مستفيضة حين أكون مضطراً إلى البحث مفصّلاً في الإيمان الشعبي الألماني من أجل فهم الأدب الرومانسي الجديد.
ولا يسعني في الوقت الحاضر إلا أن أقول إنَّ كتاباً فرنسيين ضلّلتهم سلطات ألمانية ليعمهوا في ضلال كبير حين يظنون بأن الإيمان الشعبي كان في أثناء العصور الوسطى على شاكلة واحدة في سائر أنحاء أوروبا. على أن الناس لم يجمعوا على رأي واحد إلا في مسألة مبدأ الخير، أي مملكة المسيح، ليس غير. وعلى ذلك قامت الكنيسة الرومانية. فمن انحرف هنا عن الرأي المفروض كان هرطقياً ملحداً. أما بخصوص مبدأ الشر، أي مملكة الشيطان. فقد سادت آراء مختلفة في مختلف البلدان. وكان للناس في الشمال الجرماني تصورات أهل الجنوب الروماني. ولقد نشأ هذا عن أن رجال الدين لم يرفضوا الآلهة القدامى الموجودين بصفتهم أضغاث أحلام فارغة، بل إنهم منحوهم وجوداً حقيقياً، لكنهم زعموا في أثناء ذلك أن هؤلاء الآلهة ليسوا إلا شياطين وشيطانات فقدوا سلطانهم على الناس بانتصار المسيح عليهم ويريدون الآن أن يغووا البشر إلى الإثم باللذة والحيلة. فالأولمب كله استحال الآن إلى جحيم ضبابي غائم. وإذا ما تغنى أحد شعراء العصور الوسطى بتاريخ الآلهة اليونان على نحو جميل فإنَّ المسيحي الورع لم ير في ذلك إلا شبحاً أو شيطاناً. فوهم الرهبان القاتم أصاب فينوس المسكينة أشد إصابة. وفينوس هذه، بصورة خاصة، اعتبرت ابنة للشيطان، حتى إنَّ الفارس الهمام طانهيوزر خاطبها قائلاً:
أي، فينوس، يا حسنائي الجميلة
أنت شيطانة!(24)
وكانت فينوس قد أغرته في ذلك الكهف العجيب الذي سمي جبل فينوس. ومن هناك نشأت الأسطورة القائلة إن الإلهة الجميلة عاشت هناك مع فتياتها وقرائنهن حياة خليعة بين اللهو والرقص. حتى إن ديانا المسكينة، رغم عفتها وطهارتها، لم تسلم من المصير نفسه: فما كان من المرء إلا أن جعلها تجتاز الغابات ليلاً مع حورياتها.
ومن هنا جاءت أسطورة الجيش الغضبان وحيد الضواري.
صفحة 9
وهنا تظهر تماماً وجهة النظر الغنوصية بأن ما هو إلهي يزداد سوءاً. وفي هذا التبديل للإيمان الشعبي القديم(25) تتجلى فكرة المسيحية على نحو شديد العمق. فالإيمان الشعبي في أوروبا، في الشمال وفي الجنوب بخاصة، كان يقول بوحدة الوجود. فأسراره ورموزه كانت تعود إلى خدمة الطبيعة. وفي كل عنصر كان المرء يقدس كائنات غريبة عجيبة. وفي كل شجرة كانت تتنفس الإلوهية. وعالم الظواهر كله كانت تتخلله الروح الإلهية. وقلبت المسيحية هذه النظرة. واستبدلت الطبيعة التي يتخللها روح الإله بالطبيعة التي يتخللها روح الشيطان. فصور الأسطورة اليونانية المشرقة التي أضفى عليها الفن جمالاً وسادت في الجنوب في حضارة الرومان لم يستطع المرء أن يحوّلها في سهولة ويسر إلى أقنعة شيطانية قبيحة مخيفة مثل شخوص الآلهة الجرمانية، حيث إنه لم يتشكل على غرارها أي ذوق فني متميز على حين كانت فيما مضى على غاية من الاستياء والقتامة كما هي الحال في الشمال نفسه. وعلى هذا لم يكن في الإمكان أن يتكون لديكم في فرنسا مفهوم شيطنة مرعب ومخيف كما تكون لدينا، حتى إنَّ المخلوقات السحرية والأشباح نفسها اتخذت لديكم شكلاً خفيفاً مرحاً. فكم هي جميلة وواضحة وغنية بالألوان أساطيركم الشعبية بالقياس إلى أساطيرنا التي هي مخلوقات مشوّهة مكونة من لحم وضباب تكشر فينا تكشيراً شديد القتامة والقسوة.
ولقد أضفى شعراؤنا في العصور الوسطى على أعمالهم أقصى ما استطاعوا، وربما عن عمد، من ذلك الروح الفرنسي القديم المتسم بالصفاء والبشاشة(26)، وذلك في أثناء اختيارهم في أغلب الأحيان لمواد كنتم أنتم في بريتانيا وفي النورماندي تخيلتموها أو عالجتموها في بادئ الأمر. أما في آدابنا القومية وفي أساطيرنا الشعبية الشفوية فقد أبقى ذلك الروح الشمالي القاتم الذي لا تعرفون عنه أي شيء. ولديكم كما لدينا نحن أنواعٌ منّوعة من الأرواح العنصرية(27)، على أن الأرواح لديكم تتمايز عن الأرواح لدينا أشدّ التمايز كما يتمايز ألماني من فرنسي. فالجن في أشعاركم القصصية المسلية وفي روايات السحر تتسم بالألوان الصافية وهي وضيئة بصورة خاصة إذا ما قيست بما عندنا من الأرواح الغوغاء القاتمة التي كثيراً ما تكون جدّ فاحشة وبذيئة.
وإن جنياتكم وأرواحكم العنصرية سواء أأتيتم بها من كورن ويلزأم من بلاد العرب(28) هي، مع هذا، تأقلمت كل التأقلم. وإن روحاً فرنسياً ليتميز من روح ألماني كما يتميز شخص شديد التأنق يمشي الهوينى بقفازين أصفرين من الجلد المصقول في شارع بوليفار كوبلنز من حمّال ألماني بدين. وإن جنياتكم البحرية من مثل ميلوزين ليتمايزن أيضاً من جنياتنا كما تتمايز أميرة من غسّالة. فالحورية مورجانا(29) سوف ترتاع لو قابلت ساحرة ألمانية تمتطي عصا مكنسة إلى جبل البروكين وهي عارية مدهونة بالمرهم. وهذا الجبل ليس آفالون، الجزيرة المشرفة، وإنما هو ملتقى كل ما هو أجرد وقبيح. فعلى قمة الجبل يجلس إبليس في هيئة تيس أسود. فكل ساحرة تقترب منه وتحمل في يدها شمعة تقبّله في الخلف حيث ينتهي الظهر! وبعدئذٍ ترقص هذه المجموعة من الأخوات الفاسدات الخليعات من حوله وتغني: "دونديريموس، يادونديريموس!" ويثغو التيس ويضجّ القوم فرحاً برقص جهنمي متوحش. وإنه لنذير سوء للساحرة حين تفقد نعلها في أثناء الرقص. وهذا يعني أنها ستحرق في العام نفسه. على أن كل الخوف المتوقع يخمد الموسيقا السبتية الصاخبة التي هي صورة خالصة عن موسيقا بيرليوز(30). وحين تستيقظ الساحرة المسكينة من سكرتها في الصباح فإنها تجد نفسها في الرماد قرب الموقد عارية منهكة القوى.
ويجد المرء أفضل المعلومات عن الساحرات في كتاب "علم الجن والشياطين"(31) للعلامة المحترم الدكتور نيكولاي ريميجي الحاكم الجنائي لسمو دوق اللورين. فهذا الرجل اللوذعي انتهز في الحقيقة أفضل الفرص ليتعرف على تصرفات الساحرات وأعمالهن، إذ أنه كان مطّلعاً على قضاياهن وشهد هو نفسه حرق ثمانمائة امرأة في اللورين بعد أن أدرجن في عداد الساحرات. وكثيراً ما انحصر تقديم الإثبات في أنَّ المرء يربط أيديهن وأرجلهن ويرميهن في الماء.
فإذا غصن في الماء وغرقن كنَّ بريئات. أما إذا طفن على سطح الماء كنّ مذنبات وكان مصيرهن الحرق. هكذا كان منطق ذلك العصر.
ومن السمات البارزة التي كنّا نراها في طبع الجن الألمان هي أنها جُرّدت من كل ما هو مثالي وأنَّ ما في داخلها هو مزيج من الخبث والحقارة والسفالة كلها ومن البشاعة والشناعة كلها. وعلى قدر ما تقترب منا على نحو حميم يكون تأثيرها مفزعاً ورهيباً. فلا شيء يبعث على الرعب والهلع أكثر من أشباحنا الضاجة وعفاريتنا الصغيرة وأقزامنا. وفي هذا الصدد يضمّن بريتوريوس كتابه "انتروبوديموس"(32) موضعاً أورده هنا معتمداً دوبينيك: "لم ير القدامى في الأشباح الضاجة شيئاً إلا أنها يجب أن تكون بشراً صالحين مثلها مثل أطفال صغار يرتدون سترة صغيرة ملونة أو ثوباً صغيراً. ويضيف الجميع بأنّ على بعضهم أن يحمل سكيناً في الظهر وأنَّ للبعض شكلاً آخر أو شكلاً شنيعاً مفرغاً. ومن ثم فإنهم يقتلون بهذه الأداة أو بغيرها قبل الأوان. إذ أن الذين يؤمنون بالخرافات يظنون أن الناس الذين قتلوا في المنزل قبل الأوان يمكن أن يكونوا أرواحاً. ويثرثرون بقصص كثيرة وهي أن العفاريت حين يقدمون للخادمات والطباخات في البيت فترة من الزمن خدمات جليلة ويكسبون محبتهن ومودتهن عندما تشعر بعض المستهترات الفاسقات لقاء ذلك بمثل هذا الميل والعاطفة نحو العفاريت ويتمنين من أعماقهن أن يشاهدن مثل هؤلاء الخدم الصغار ويتقن إليهم على حين لن ترضى الأشباح الضاجة ولن تقبل بمثل ذلك أبداً متذرعة بأن المرء لا يستطيع أن يراها من دون أن يرتعد خوفاً من جراء ذلك. ولكن مع هذا إذا لم تستطع الفتيات الشهوانيات أن يمسكن عن ذلك فتسمي العفاريت لهؤلاء مكاناً ما في المنزل حيث تريد المثول بلحمها ودمها. على أن المرء يجب أن يصطحب معه في الوقت نفسه سطلاً من الماء البارد. إذ أنه حدث ذات مرة أن عفريتاً كان ملقى على الأرض في داخل وسادة وكان عارياً وفي ظهره سكين كبير مغروز. وعلى هذا ذعرت بعض الخادمات ذعراً أيّ ذعر بحيث إنه أغمى عليهن. وعلى هذا سرعان ما انتفض هذا العفريت وتناول الماء وصبّه على المرأة المستهترة المغشي عليها كي تعود إلى وعيها. ولذلك كانت الخادمات يفقدن لذتهن ورغبتهن ويتمنين ألا يرين أبداً "يواكيم العزيز. والحق إن العفاريت كلهم يجبْ أن يكون لهم أيضاً أسماء خاصة، على أنها تدعى في السر "كيم".
كما أنه ينبغي عليهم أن ينجزوا العمل المنزلي كله للعبيد والخدم الذين يخضع لهم هؤلاء العفاريت: كأن تحسّ الخيول وتقدم لها العلف وتنظف الاصطبل وكل شيء، وتحافظ على نظافة المطبخ وغير ذلك من أعمال ينبغي القيام بها في المنزل كالانتباه الشدبد وزيادة الأنعام وتربيتها ومن أجل ذلك يجب أن يلاطف الخدم العفاريت بأن لا يؤذوهم لا في كثير ولا في قليل، لا بالسخرية والاستهزاء ولا بالتواني في تقديم الطعام. وإذا ما استعانت إحدى الطباخات سرياً بأحد هؤلاء العفاريت في منزلها فعليها، إذاً، أن تضع يومياً في وقت ومكان محددين زبديته الجاهزة مملوءة بالطعام الجيد ثم تمضي في حال سبيلها. وفي وسعها أن تتكاسل بعد ذلك بصورة دائمة وأن تأوي إلى النوم مبكراً. ومع هذا ستجد عملها في الصباح الباكر مدبراً ومرتباً.
صفحة 10
ولكنها إذا نسيت واجبها مرة، كأنْ تهمل الطعام وتتوانى فيه، فإن عملها يبقى متروكاً لها من دون إنجاز وعليها أن تنجزه وحدها وتمنى بقدر من سوء الحظ كأنْ تحرق نفسها بالماء الساخن أو تكسر القدور والاطباق أو تكب الطعام أو تسقط وغير ذلك، وأنها، بذلك، لا بد أن تلقى الزجر والتأنيب عقاباً لها من ربة البيت أو رب البيت.
ويقال إن المرء كثيراً ما سمع العفريت يضحك أو يقهقه من ذلك. وإن عفريتاً كهذا يجب أن يمكث أبداً في المنزل، حتى لو تغير الخدم. بل إن خادمة راحلة كان عليها أن تعهد به إلى الخادمة التي خلفتها، وتوصيها به خيراً وبأنها تنتظره أيضاً. وإذا ما رفضت الخادمة الجديدة فإن سوء الحظ والنكد الدائمين لن يعوزاها، وسيكون عليها أن تغادر المنزل في وقت مبكر جداً".
ومن القصص الأكثر رعباً وهولاً قد تكون القصة القصيرة التالية(33) كان لخادمة عفريت غير مرئي وكانت قد أجلسته عندها على الموقد أعواماً طوالاً وخصصت له هناك مكاناً صغيراً. وفي الليالي الشتائية الطويلة كانا يتسامران. وذات مرة رجت الخادمة عفريتها الذي سمته هاينز الصغير، أن يمثل أمامها مرة واحدة في صورته التي فطر عليها.
على أن هاينز الصغير رفض ذلك. لكنه وافق أخيراً وقال إنَّ عليها أن تراه هناك. وما كان من الخادمة إلا أن حملت شمعة ونزلت إلى القبو وهناك، وفي برميل مفتوح، شاهدت طفلاً صغيراً ميتاً يسبح في دمه. وكانت الخادمة قد أنجبت منذ سنين خلت طفلاً غير شرعي وكانت قد قتلته وألقته في برميل.
على أن الألمان بطبيعتهم التي فطروا عليها كثيراً ما يبحثون عن أفضل أنواع المزاح والتسلية في الخوف نفسه. وفي بعض الأحيان تكون الأساطير الشعبية عن العفاريت عامرة بالسمات والملامح البهية المضحكة. فما هو مسلٍّ على نحو خاص هو الحكايات التي تدور عن العفريت هوديكين الذي عاث فساداً في هيلديزهايم في القرن الثاني عشر الميلادي والذي يكثر الحديث عنه لدينا في حجرات الغزل وروايات الأشباح. وسنقبس من كتاب أخبار قديم(34) موضوعاً طبع مراراً وتكراراً ويزودنا بالمعلومات التالية: في سنة 1132م ظهر شبح، خبيث لناس كثيرين في أسقفية هيلديزهايم في هيئة فلاح يعتمر قبعة. وعلى هذا سماه الفلاحون بلغتهم الساكسونية هوديكين. ولقد وجد الشبح مسرّة ولهواً في مخالطة الناس ومعاشرتهم، فتارة يظهر لهم وتارة يحتجب عنهم وسرّه أيضاً أن يطرح عليهم أسئلة ويجيب عنها. وما أهان أحداً من دون سبب. أما إذا ما سخر منه الناس أو سبوه فإنه كان يقابل هذا الظلم الذي لاقاه ويرده بالصاع نفسه دون نقصان. ولما كان الجراف هيرمان فون فيزينبورغ قد قتل الجراف بوشارد دي لوقا وصارت بلاد القاتل في خطر من أن تصبح نهباً للمنتقمين فإن الشبح هوديكين أيقظ الأسقف بيرنارد فون هيلديزهايم من نومه وتكلم معه الكلمات التالية: انهض أيها الأصلع! إن بلاد الجراف فيزينبورغ صارت مهجورة بسبب القتل وقضي عليها وفي إمكانك أن تستولي عليها بسهولة!". وسرعان ما جمع الأسقف محاربيه ودخل بلاد الجراف المذنب وضمها بموافقة القيصر إلى وقفه. وكثيراً ما أنذر هذا الشبح الأسقف المذكور من دون دعوة من أخطار مقبلة تتهدده، وكثيراً ما ظهر، لاسيما في مطبخ السراي حيث كان يتكلم مع الطباخين ويقدم لهم شتى الخدمات. ولما كان المرء ألف الشبح هوديكين تدريجياً فقد جرؤ أحد الطباخين الشباب على أن يمازحه ويلاعبه كلما ظهر، حتى إنه كان يسكب الماء القذر عليه. وطلب الشبح من كبير الطباخين أنه يود أن يردع الشاب الشقي غير المؤدب عن عبثه. وأجاب كبير الطباخين: "إنك شبح وتخاف من صبي!" ورد هوديكين الشبح على ذلك ممهداً: " ولما كانت ترفض أن تعاقب الصبي فإني سأريك في أيام قلائل مدى خوفي منه".
وبُعَيْدَ ذلك كان الصبي الذي أهان الشبح ينام وحده في المطبخ. وبينما كان نائماً قبض عليه الشبح وخنقه وقطعه إرباً إرباً ووضعه في قدور على النار. ولما أن الطاهي قد اكتشف هذه الفعلة فقد لعن الشبح. وفي اليوم التالي أفسد الشبح هوديكين كل الشواءا الموجود على السفود بالسم وبدم السلاحف الذي صبّه فوق الشواء.
ودفع الانتقام بالطاهي إلى شتائم جديدة. فما كان من الشبح إلاَّ أن قذف به من فوق جسر غير حقيقي ومسحور في حفرة عميقة، وفي الوقت نفسه قام بجولته طوال الليل فوق الأسوار والأبراج وأجبر الحراس على اليقظة الدائمة. وكان لرجل امرأة خائنة. وذات مرة، ولما أراد هذا الرجل السفر، قال للشبح هوديكين مازحاً: "أيها الصديق الطيب، إني أوصيك بامرأتي فاحرسها بعناية". وما إن نأت المسافات بالرجل حتى سمحت المرأة الخائنة لعشاقها بالمجيء واحداً بعد الآخر. على أن الشبح هوديكين وحده لم يترك أحداً منهم يدنو منها، بل إنه قذف بهم كلهم من فوق السرير على الأرض. وحين عاد الرجل من سفره لاقاه الشبح وقال للعائد: "لشد ما تسرني عودتك لأنني سأخلص من المهمة الصعبة التي ألقيتها على عاتقي. فلقد صنت زوجتك بشق النفس وحلت بينها وبين خيانة زوجية حقيقية. لكنني أرجوك بألا توصيني بها ثانية. وإنه لخير لي أن أرعى الخنازير كلها في مقاطعة ساكسونيا من أن أرعى امرأة تسعى لأن تسلم نفسها لعشاقها بالمكائد والحيل".
وابتغاء للدقة لابد لي من القول إن غطاء الرأس عند هوديكين يختلف عن الزي العادي للأشباح والعفاريت. فالعفاريت يرتدون في أغلب الأحيان ثياباً رمادية ويعتمدون فلنسوات صغيرة حمراء. وإن المرء ليرى هذا على الأقل في ما هو دانماركي حيث ينبغي أن يكثر عددهم في هذه الأيام على نحو شديد. ولقد كان رأيي من قبل أن العفاريت آثروا العيش في الدانمراك لأنهم فضلوا أكل الجريش على أي شيء آخر. على أن السيد اندرسون(35)، الشاعر الدانمركي الشاب الذي سرني لقاؤه هذا الصيف في باريس، أكد لي بأن العفاريت يفضلون أن يأكلوا "العصيدة". وإذا استقر العفاريت في منزل ما فإنهم لا يميلون إلى مغادرته على الفور. على أنهم لا يأتون على غير موعد. وإذا أرادوا أن يسكنوا في مكان ما فإنهم يعلمون رب البيت بذلك على النحو التالي: كأن يحملوا ليلاً إلى المنزل شتى أنواع نشارة الخشب وينثروا في براميل الحليب روث البقر. فإذا لم يرمِ رب البيت بنشارة الخشب مرة أخرى وشرب هو وأسرته من ذلك الحليب الملوث فإن العفاريت تقيم عنده إلى الأبد. ولقد بات هذا في نظر البعض أمراً مزعجاً وكريهاً. وأخيراً حسّ أحد سكان منطقة يوتلاند بالضيق والانزعاج من عشرة مثل هذه العفاريت بحيث إنه هو نفسه أراد أن يتخلى عن منزله وحمل متاعه في عربة ومضى بها إلى القرية المجاورة لكي يقيم هناك. على أنه في الطريق ولما التفت لمح رأس العفريت الذي كان يعتمر قلنسوة حمراء وكان ينظر من أحد البراميل الفارغة ويناديه بأدب ولطف: "إننا راحلون".