eKtab
EN ع
فيض الوجدان
اقرأ عينة مجانية

فيض الوجدان

بقلم محمود الحرشاني

صفحة 1
كلمـة الى القارئ
 
في بداية سنة 2009، شرعت في كتابة زاوية أسبوعية بجريدة الصريح التونسية، تحت عنوان من النافذة، كنت حريصا على تنويع مواضيعها من أسبوع إلى آخر... ووصلتني أصداء مشجعة من القراء الذين عبروا من خلال اتصالاتهم بي وبالجريدة عن تجاوبهم مع المقالات التي كنت أنشرها بهذه الزاوية، وهو ما شجعني في مرحلة أولى على المواظبة على الكتابة ثم في مرحلة ثانية على جمع المقالات في كتاب وإلى جانب المقالات التي كنت أنشرها بجريدة الصريح، يتضمن هذا الكتاب أيضا مجموعة من المقالات الأخرى التي نشرتها بعديد الصحف التونسية الأخرى والمجلات العربية مثل صحف الحرية والصحافة والشروق ومجلتي العربي ومرآة الوسط ولعل الخيط الرابط بين كل هذه المقالات على تنوع مواضيعها واهتماماتها هو المحبة الصادقة لتونس.
 
لقد اتخذت لنفسي موقعا من النافذة أطلّ من خلاله على ما يحدث في المجتمع، ولم أكتف بموقع المتفرج، بل وجدت نفسي في كثير من الأحيان مشاركا ومساهما وفاعلا في هذه الأحداث.
 
ولا أتخلص في هذا الكتاب كما هو في كتبي الأخرى السابقة من عباءة الإعلامي، بقدر حرصي على التسلح بأدوات الكاتب الذي يرفض أن يتقيد بما هو موجود ليحلق باتجاه ما يجب أن يكون موجودا... أو إيجاد العالم الذي يحلم به في الصورة التي يراها أكثر مثالية.
 
ومهما يكن من أمر .. فأنا مدين للصحافة بأنها أدخلتني إلى عالم الأدب، ومدين إلى الأدب بأنه فتح لي مجالات أرحب في عالم الصحافة.
 
محمود الحرشانـي
صفحة 2
انا ابن هذا الجيل يا صديقي (1)
 
الى صديقي الذي سالني الى اي جيل انتمي؟
 
انا ابن جيل امن بالعطاء ونكران الذات في سبيل اسعاد غيره. انا يا صديقي انتمي الى جيل كبر وترعرع على اصوات كبار المذيعين والزعماء والسياسيين والمثقفين والادباء..
 
انا انتمي الى جيل كبر على اصوات منير شماء وحسن الكرمي صاحب البرنامج الشهير في اذاعة لندن العربية قول على قول وصوت فاروق شوشة في اذاعة صوت العرب في برنامجه الشهير “ابجد هوز″ الذي يعنى بجمال اللغة العربية وانا انتمي الى جيل كبرعلى صوت المذيع الفلسطينيني الشهير عيسى خليل صباغ الذي كان ياتينا صوته عبر اذاعة هنا لندن في ندواته الثقافية الشهيرة وكان الكلام يخرج من فمه مسترسلا كانه السحر وانا من جيل تربى على اصوات عمالقة الاذاعة التونسية محمد المحرزي والسيدة المحرزي وعبد العزيز الرياحي ونجوى اكرام والهادي البالغ وعبد الله عمامي وعبد الحق شريط واحمد العموري وقاسم المسدي وانا من جيل يا صديقي تربى وكبر على كتابات عمالقة الصحافة في تونس والوطن العربي امثال الهادي العبيدى وصلاح الدين بن حميدة ومقالاته الشهيرة في جريدة العمل وكتاباه اليمن السعيد وستون يوما بين بردى والنيل وعبد الجليل دمق وعبد اللطيف الفراتي وانا من جيل كبرعلى مقالات مصطفى امين وشقسقه على امين وحفظ بعضها عن ظهر قلي وكتابات ومقالات محمد حسنين هيكل وقاله الشهير بصراحة في جريدة الاهرام كل يوم جمعة ومقالات ناصر الدين النشاشيبي ووليد او ظهر وانا من جيل يا صديقي كبر على مجلات رائدة في تونس والعالم العربي مثل مجلة الفكر سيدة المجلات في تونس ومجلة الاذاعة ايام عزها ومجلة التجديد ومجلة ثقافة ومجلة تعاضد وثقافة والمجلات الوافدة مثل مجلات اخر ساعة والعربي والهلال وانا من جيل يا صديقي تربى وكبر على توجيهات وخطب كبار الزعماء والساسة امثال بورقيبة وجمال عبد الناصر والهواري بومدين واحمد بن بلله.
 
وانا من جيل كبر ونشا في رحاب مدارس كبار الكتاب العرب امثال طه حسين وكتابه الايام وحديث الاربعاء ونوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وعائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ وسهير القلماوي والشابي ومصطفى خريف والبشير خريف ومحمد العروسي المطوي..
 
انا ابن هذا الجيل يا صديقي الذي امن بالعطاء وبالقدرة على التجاوز والحفر في الصخر. ولذلك فانا انتمي الى جيل دمه موزع بين القبائل بعضه يذكي بعضا ولكن لا احد بامكانه ان ينسبه اليه
 
هل عرفت من انا يا صديقي الان . ارجو ان اكون قد اجبتك وفي انتظار خاطرة اخرى من الخواطر التي تسر الخاطر.
صفحة 3
ازمة اخلاق ام ازمة ثقافة عند الشباب؟
 
قلت في الكثير من المناسبات وفي مقالات عديدة ان ثقافة النسبة الاكبر من شبابنا ثقافة سطحية ولا تعدو ان تكون مجرد ترديد لشعارات جوفاء.. ودفعت ثمن هذا الراي وقالوا لي كيف تتحامل على الشباب هو مستقبل تونس..وكنت دائما اقول ان هذا الشباب لا يتعب نفسه في تلقي المعارف والاقبال على القراءة والمطالعة حتى تكون له القدرة على المحاورة والاقناع العقلاني بعيدا عن التشنج الذي هو بداية الانخراط في ثقافة العنف والانتقال من قوة الحجة الى حجة القوة..وبالاضافة الى ضحالة الثقافة فاغلب شباب اليوم الا من رحم ربك طبعا لا يحترمون الكثير من القيم الاخلاقية ومنها الاعتراف بالجميل لمن قدم واسدى من جهده وعرقه ونضاله كما ان للكثيرين منهم رغبة في تحطيم الرموز . وقد هالني ان شاهدت منذ يومين طالبا تونسيا في قناة نسمة يتحدث عت العنف في الجامعة ولكن لسانه انزلق به الى شتم الزعيم بورقيبة فقال عنه بالعبارة // بورقيبة سئي الذكر // والله اقول لكم لقد تجمدت في مكاني.. الى هذا الحد يصل العقوق بشبابنا واللوم والادهى والامر ان هذا الكلام الغبي يصدر عن طالب يدرس في جامعة تونسية لو لم يشيدها الزعيم بورقيبة ما شيدت ولكان هو ربما راعي اغنام وليس طالبا.. ماذا يعرف هذا الدعي النكرة عن بورقيبة حتي يصفه بسئ الذكر.. يبدو فعلا اانا اليوم امام ازمة اخلاق كبيرة تعصف بشبابنا ولا بد ان نتداركه قبل ان يستفحل الامر.
صفحة 4
الصحافة الجهوية او صحافة الاقاليم في تونس تنقرض تباعا
 
تواجه الصحافة الجهوية او صحافة الاقاليم والولايات في تونس منذ الثورة صعوبات جمة اثرت على استمرارية الكثير من العتا وين التي كانت تصدر قبل الثورة . بل ان اقدم صحيفة جهوية في تونس وهي صحيفة القنال التي كانت تصدر في ولاية بنزرت شمال تونس قد اضطرت الى التوقف نهائيا عن الصدور بعد الثورة مباشرة.رغم انها كانت تصدر منذ سنة 1967 بانتظام .
 
كما توقفت عن الصدور مجلات وصحف اخرى جهوية مثل الميثاق التي كانت تصدر بسوسة وحضرموت بنفس الجهة واستمر صدور مجلات شمس الجنوب بصفاقس ومرآة الوسط بسيدي بوزيد والجزيرة بجربة وبراعم الوسط بسيدي بوزيد والاتحاف بسليانة ولكن بتعثر نتيجة غياب الدعم الحكومي الضروري لاستمرارية صدور هذه الصحف والمجلات فقد حجبت الدولة او الحكومة التي صعدت بعد الانتخابات وهي حكومة محسوبة على حسب النهضة المنحة السنوية التي كانت تقدمها الدولة الى هذه الصحف لمساعدتها على تجاوز صعوباتها المالية كما حرمتها من الاشهار العمومي الذي تتحكم فيه الدوله وتعطيه للصحف والمجلات التي تساندها فقط.
 
بالإضافة الى ان هذه الحكومة والحكومة التي سبقتها ليست لها سياسة واضحة في مجال النهوض بالإعلام الجهوي اي اعلام الجهات ويغيب عتها تماما الاهتمام وتطوير الصحافة الجهوية المكتوبة رغم الدور الهام الذي يكن ان تلعبه في الديمقراطية المحلية والتخفيف من حدة التوتر الاجتماعي والسياسي والتركيز على مشغل المواطن في الجهات. ونتيجة هذه السياسة اضطرت مؤخرا ثلاث عناوين جديدة الى التوقف نهائيا عن الصدور وهي مجلات مرآة الوسط بسيدي بوزيد وبراعم الوسط والاتحاف بسليانه واخبار الساحل بسوسه وتعثر صدور جريدة الجزيرة الصادرة بجربة وفشلت عديد التجارب الاخرى التي ظهرت بعد الثورة بعد صدور العدد الاول او الثاني.
 
وقال لطفي الجريري باعث الجزيرة مؤخرا لاذاعة تطاوين // الصحافة الجهوية تعيش اليوم وضعا مترديا والحكومة لا تريد استمرار الصحف الجهوية ولم نعد نجد الدعم من المؤسسات الاقتصادية والسياحية التي تعيش تعاني هي الاخرى وبعضها على حافة الافلاس ولذلك قررت الا اصدر جريدتي الا عندما اجمع لها الكلفة الضرورية لتغطية مصاريف الطباعة والتوزيع ولو اصدرت ثلاثة اعداد فقط في السنة .
 
لم نعد نحصل على الاشهار العمومي وحجبت الحكومة المنحة السنوية . واضاف لم اعد انتظر شيئا من هذه الحكومة يكفيها ان ترفع المزابل والقمامة المكدسة في الشوارع والساحات // اما على البقلوطي مؤسس مجلة شمس الجنوب فقد قال ان وضع مجلةه افضل نتيجة امتلاكها لمطبعة وتواجدها بمدينة تعد مليون ساكن وذات طابع اقتصادي وصناعي وعقلية تحترم وتشجع المجلة على اساس انها مجلة الجهة ولم ينف ايضا تاثر مجلته بالصعوبات وقال انه بصفته عضو جمعية مديري الصحف اتصل عديد المرات بالمستشار الاعلامي لرئيس الحكومة ولم يجد منه اي استعداد للمساعدة لمجلته ولبقية المجلات الاخرى وانحصر تدخل كاتب هذا التقرير في شرح وضعية مجلة مرآة الوسط التي تصدر بسيدي بوزيد منذ سنة 1981 واكد ان المجلة وضعها يختلف عن بقية المجلات لان سيدي بوزيد ليست ولاية صناعية ولا تتوفر بها مؤسسات قادرة على الدعم مؤكدا ان المجلة تكبدت خسائر بقيمة 30 الف دينار منذ اندلاع الثورة الى اليوم ولم تتمكن من استرجاعها او تعويضها وهو ما جعلها تشارف حاليا حالة الافلاس والعجز التام عن مواصلة الصدور
صفحة 5
جهاد الفكر قبل جهاد النكاح
 
الكتابة عندي كيف، ولا أتقاضى أجرا أو مكافأة عن المقالات وخصوصا مقالات الرّأي الّتي انشرها في الصحافة التونسية بالخصوص... والمهم عندي، أنّني من خلال هذه المقالات "أتنفّس" وأبدي رأيي في عديد المسائل وأعبّر عن موقفي... والى حد اليوم، لم التزم رسميا، بالكتابة أسبوعيا بمقابل مع أي صحيفة تونسية أو عربية ... ولذلك فأنني أكتب متى حضر "الكيف" أمّا إذا+ غاب هذا "الكيف" فانّ القلم يجفّ وتضيع منّي الأفكار واجد نفسي عاجزا عن كتابة ولو فقرة واحدة...
 
ويحدث أحيانا أن ابسط أمامي الورقة وأتناول القلم، ولكن الفكرة تضيع ولا تحضر... فتجدني أكتب ثم اشطب ما أكتب ... ويحدث معي العكس أيضا ... فأحيانا كثيرة ما أن أبسط الورقة حتى أجد المقال متكاملا في ذهني ولا انتهي من الكتابة إلا عندما أكتب آخر كلمة فيه بدون توقّف...
 
وكما يقول صديقي وأخي صالح الحاجّة فالكتابة فروسية قبل أن تكون أي شيء آخر ... وهذا الفارس، مطلوب منه أن يشيخ من "الشيخة" أي "التفرهيدة"... القارئ ويعمل معاه لا كيف...
 
أن الّذين يكتبون كثّر... ولكن الّذين يعملون كيف عددهم قليل.
 
فما أكثر الّذين يكتبون !!!
 
وما أقلّ الّذين يعملون كيف للقارئ، وكتابتهم تشيخ القارئ... وتنتقل به من طور إلى طور... وتجعله يعانق السماء، وينسى هموم الدنيا...
 
لذلك منذ أن بدأت أكتب في الصحافة سواء التونسية أو العربية، وضعت دائما نصب عيني هذه القاعدة الذهبية، الكتابة كيف وفن وفروسية... وليست ترتيبه كلمات أو جمل.
 
وعلى سبيل المثال، فأنا شخصيا كاتب تشيخني "فكرة" مصطفى أمين، واذكر إنني عندما سافرت إلى لبنان وجدت في أحدى المكتبات في بيروت عدّة كتب لمصطفى أمين تحتوي على مقالاته التي كان ينشرها ضمن ركن فكرة بجريدة "أخبار اليوم" اقتنيتها كلّها مثل " من فكرة لفكرة" و "مانة فكرة وفكرة" و "صاحبة الجلالة في الزنزانة" ورسائله من السجن...
 
وعندما كنّا شبابا، كنّا نتقاسم أنا وزميلين لي في المعهد ثمن جريدة الأهرام، وخاصّة عدد الجمعة لقراءة مقال العملاق محمّد حسنين هيكل" الّذي كان ينشره كلّ يوم جمعة تحت عنوان بصراحة...كما كانت تشيّخي في تونس كتابات الأستاذ الكبير صلاح الدّين بن حميدة في جريدة العمل في ركن مع الأيّام، والشاذلي زوكار في تأمّلات وافتتاحيات العملاق الهادي العبيدي في الصباح ولا أعتقد أن تونسيا واحدا لم يكن معجبا ببطاقة الزّميل صالح الحاجّة في الصباح خاصّة على امتداد سنوات عديدة...
 
إنني أقرأ يوميا لكبار الكتاب العرب سواء في الصحافة الورقية أو الصحافة الالكترونية. ولكن الكتابات الّتي تحدث في نفسي رجّة، حتّى إنني أتمنى أن أكون أنا كاتب ذلك المقال قليله...
 
هناك أصدقاء يكتبون بشكل يومي، وأنا أحييهم على هذا الجهد، فليس من السهل أن تلتزم بالكتابة يوميا... لأنّ الكتابة اليومية تستنزف طاقات صاحبها ... الفكرية والبدنية.
 
الكتابة اليومية والأسبوعية، هي نوع من الجهاد ودعوني من الآن اسمّيها جهاد الفكر.. ما دامت أصبحت لنا تصنيفات للجهاد على غرار جهاد التحرير وجهاد التنوير وأخيرا أشبح لنا جهاد جديد هو جهاد النكاح بالنسبة للفتيات والنساء (على الأراضي السورية) وأنعم به من جهاد !!! ويبدو أنّنا، والوضع على ما هو عليه، في الوطن العربي يبعث على القرف والخوف من المستقبل في اشدّ الحاجة إلى الجهاد الفكر، قبل جهاد النكاح أو أي جهاد آخر.
صفحة 6
ولادات خارج إطار الزواج القانوني (2)
 
الكاتب الصحفي: محمود حرشاني - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "
 
لابد أن ندقّ ناقوس الخطر أمام تفشّي ظاهرة الزّواج خارج الأطر القانونية، وما يترتّب عنها من تبعات أخلاقية وقانونية تهدّد سلامة المجتمع وتفكّكه، وأخطر ما ينجم عنها هو حصول ولادات خارج إطار الزواج أو في إطار زواج هش غير قانوني لا يضمن حقوق المولود في أن يكون له أب شرعي أو تترعرع وتنشأ في وسط عائلي طبيعي ... لقد صدمني الرّقم الّذي قرأته هذه الأيام من أنّ 1500 ولادة في تونس تتمّ خارج إطار الزواج، أي نتيجة نزوات بين المرأة والرّجل واغلبهم من الشباب والفتيات اللّذين لا يقدّرون جيّدا عواقب هذه النزوات.
 
وتكون النتيجة حصول ولادات لأبناء مجهولي النّسب عادة وتشرّد الأم الّتي عادة ما تجد نفسها مرفوضة من قبل عائلتها بعد ارتكابها لهذا الجرم... وينتج عن ذلك ضياع لهذا الفتاة الّتي قد تنقاد في لحظات ضعفها وتيهها إلى ارتكاب أخطاء أخرى أو الارتماء في عالم الرّذيلة والمحظور نتيجة ما تتعرّض له من خصاصة... وأظهرت الإحصائيات أن عددا كبيرا من الفتيات اللّاتي يجدن أنفسهن أمّهات لأطفال خارج إطار الزواج الشرعي، عادة ما يكتشفن أنّهنّ خدعن نتيجة كلام معسول ووعود وهمية بالزواج وأن الطرف الثاني أي الشاب أو الرّجل عادة ما يكون من ذوي السوابق العدلية أو مورّطا في قضايا خطيرة وعادة ما تكون نهايته في السّجن. فإذا بهذه الأم التي تخلّى عنها شريكها تجد نفسها في مواجهته مصير مجهول بعد أن تكشف أن الثاني الّذي أسلمت له نفسها من ذوي السوابق العدلية أو في السجن...
 
ويبدو أن الأحياء الفقيرة وأحزمة المدن الكبرى، مازالت الفضاء الملائمة لحصول مثل هذه الحالات، نتيجة انعدام ثقافة جنسية واضحة للفتاة تحميها من الوقوع في المحظور وكذلك نتيجة ما تعانيه الأسر والعائلات في هذه الأحياء من خصاصة وفقر فتنساق الفتاة والمرأة وراء وعود كاذبة بالزواج ترى فيها المخرج من حالتها المادّية الصعبة.
 
وأظهرت إحصائيات قام بها الديوان الوطني لأسرة والعمران البشري، وأشارت إليها جريدة الصّريح في تحقيق مطوّل لها اليوم، إن إقليم تونس الكبرى بولايته الأربعة يتصدّر بقية الجهات أو الولايات في تسجيل أكبر نسب ولادة لأطفال خارج إطار الزواج وكذلك إقليم ولايات الساحل، وقد يكون لانتشار المصانع والمعامل في هذه لولايات وقدوم العديد من الفتيات من الولايات الدّاخلية الأخرى للعمل في هذه المصانع، دور في هذه المسألة، إذا عادة ما تقع الفتاة فريسة الوعود الوهمية بالزواج والاستقرار العائلي وما أن يتمّ ارتكاب المحظور حتّى يفرّ الطرف الثاني ويذوب كالملحة ويترك الفتاة تواجه مصيرها...كما أظهرت إحصائيات أخيرة تفشّي ظاهرة الحمل والولادة خارج إطار الزواج في الوسط المدرسي والجامعي، وهي ظاهرة تؤكّد الأرقام أنها في انتشار مستمرّ وهو أمر غريب حقّا... !!! ويدعو الى وقفة تأمّل.
 
انّه لا يمكن في اعتقادنا معالجة هذه الظّاهرة خارج جملة من الأطر منها الانكباب بجدّية على دراسة تبعات الزواج العرفي الّذي بدأ ينشر في تونس مع الأسف والتساهل في ربط العلاقات الجنسية والمحرّمة في الأوساط الجامعية والمدرسية.
 
لا بد أن ينهض المجتمع المدني من جمعيات ومنظّمات لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة، وان تكون لنا رؤية واضحة في نشر ثقافة جنسية خاصّة لدى فتيات المعامل والمصانع والأحياء الشعبية للحيلولة على الأقل من حصول الحمل في حالة ارتكاب المحظور والتفطّن إلى خطورة الزواج العرفي الّذي يتيح عنه أبناء بلا نسب أو هوية يعانون بقية أعمارهم من عقد نفسية واجتماعية.
صفحة 7
نساء في حياتي (3)
 
فتحت عيني في هذه الدنيا فوجدت نفسي بين والدة انجبتني وثلاث امهات من الرضاعة. ومن هن من ارضعتني حولين كاملين فنشأ عندي تقدير خاص للمرأة وللام باعتبارها رمز الحنان ونهر العطاء....فالواحد منا يشب على محبة ام واحدة فما بالك بمن يشب على محبة اربع امهات ..لذلك فانا منذ نشأت ووعيت متحيز الى المرأة والدفاع عنها وتبني قضاياها وهمومها .فلا يكفي مبررا لهذا انني ابن الاربع امهات ولكن ايضا انا اخو الاربع بنات .. كل واحدة من هن لها مكانة مميزة في قلبي ولي اخت خامسة من الرضاعة لها في نفسي من المحبة والتقدير والحنان ما لاخواتي الاربعة بل اجد نفسي احيانا منجذبا اليها اكثر من اخواتي الاخريات وقد يكون لحليب الام // غزالة // الذي رضعناه معا من نفس الصدر تاثير في ذلك . اما والدني الثانية من الرضاعة او امي من الرضاعة // فطيمة // فلها في نفسي مكانة كبيرة هي الى اليوم وانا في هذا العمر تحضنني وتضمني الى صدرها فاشعر بحلاوة الدنيا وانسى كل همومي خصوصا بعد رحيل والدتي // مهرية // منذ سنوات .والحق اقول ان زوجة والدي التي تزوجها بعد وفاة والدتي كانت لي هي ايضا بمثابة الام كما كانت لشقيقتي ولم نر منها اي تصرف فيه عداوة او كره الى ان توفيت هي الاخرى رحمها الله . بل كانت دائما تقول عني لقد عوضني الله ب محمود ليكون ابني ولاكون امه الرابعة ارعاه في مرحلة حساسة من عمرة فقد توفيت والدتي وانا في سن السادسة او السابعة عشرة ..
 
من هنا نشا عندي احترام كبير للمراة . فهي عندي رمز العطاء بلا حدود ورمز التضحية ونكران الذات .وقد تبنيت في كتاباتي كلها الدفاع عن المراة وعن حقها . ولم اعتبر ابدا المراة مخلوقا ضعيفا يستحق الشفقة او الحنان بل اعتبرت دائما ان المراة عنصر قوي لا تستقيم الحياة بدونه. لذلك فانا شديد الايمان بان المراة عنصر دفع وبناء.وقد كان من حسن حظي ان اقتربت في حياتي المهنية في عالم الصحافة والاذاعة من مجموعة من النساء فعرفت فيهن الاجتهاد والمثابرة والقدرة على الاضافة. وقد كنت اقول دائما ان عالم الصحافة هو عالم تبدع فيه المراة بامتياز اكثر من اي مجال اخر . وحفظ لنا التاريخ اسماء نساء شهيرات في عالم الصحافة والادب في تونس والعالم العربي . لعل اشهرهن هي السيدة فاطمة اليوسف التي جاءت الى عالم الصحافة من عالم التمثيل واسست واحدة من اشهر المجلات في العالم العربي وهي مجلة روز اليوسف وهي كما نعلم والدة الكاتب الكبير احسان عبد القدوس وظهرت اول مجلة نسائية في تونس سنة 1955 وهي مجلة الالهام وانشاتها فتاة تونسية متعلمة. كما حفظ لنا تاريخ الصحافة مبادرات لاعلاميات تونسيات انشان مجلات في الزمن الصعب مثل السيدة ليلى مامي التي انشات في الستينات اشهر مجلة نسائية تونسية وهي وهي مجلة كانت تصدر باللغة الفرنسية
 
واعود الى بداية الموضوع لاقول انني مدين في حياتي لمجموعة من النساء كان لهن دور في توجيهي والاخذ بيدي. لا انسى مثلا استاذتي في مادة العربية التي التقيت بها في السنة الثانية من التعليم الثانوي نجاة مامي ..وكذلك استاذتي في مادة الفرنسية السيدة شهر زاد ولها .. هما استاذتان كان لهما دور مهم في حياتي . ولا انسى طبعا زوجتي فقد تحملتني كثيرا مساكين زوجات الصحافيين . هي وفرت لي المناخ لكي اعمل في راحة واكتب واحقق احلامي وطموحاتي.ان زوجات الصحافيين مناضلات بحق في رعاية الاسرة ورعاية الزوج وهكذا شاء القدر ان تكون المراة متواجدة بقوة في كل مرحلة من مراحل حياتي منذ الولادة الى اليوم فكيف لا اكون متحيزا للمراة ونصيرا لها ومدافعا عن قضاياها وهمومها .
 
وعندما يحين الاحد الاخير من كل شهر ماي الذي يصادف عيد الامهات تجدني في حيرة .كل واحدة من النساء اللواتي ذكرت هي بمثابة الام لي من ولدتني ومن ارضعتني حليبها ومن ارضعتني علمها ومن رعتني طفلا وشابا ومن تعلمت في رحابها ابجديات الصحافة والكتابة فانا ابن لامهات عديدات.. وكل واحدة منهن لها في قلبي من الالفة والمحبة والاحترام ما يفيض به وجداني وتنطق به مشاعري فلا املك الا ان اطبع على جبين كل واحدة من هن قبلة المحبة والاحترام والعرفان بالجميل واهدى كل واحدة من هن وردة جميلة عربون المحبة من ابن لن ينسى ابدا انه مدين بنجاحه لكل واحدة من هؤلاء النسوة الفاضلات.
صفحة 8
وينك يا صبادري غزالة (4)
 
أشياء كثيرة في حياتنا، قد تغيرت نحو الأفضل والأحسن... لكن يظل لتلك الأشياء البسيطة التي زينت وجملت حياتنا في سنوات العسر، وقع خاص في الذاكرة والوجدان... انه شيء رائع أن تتطور حياتنا نحو الأفضل ونعايش إيقاع الحياة المتسارع، ولكن ذلك لا يجب أن ينسينا بالضرورة أشياء أخرى جميلة تعايشنا معها لسنوات طويلة...
 
إلى سنوات قريبة كانت وسائل الإنارة في القرى والأرياف مثلا لا تتعدى الفوانيس البترولية الصغيرة أو القازة التي عوضت بدورها الكربيلة وعندما ظهر الفانوس البترولي الكبير الحجم أو ما يعرف بالبريميس احدث ظهوره ثورة كبيرة ونقلة نوعية في حياة الناس... وكانت العائلات تتسابق لاقتناء هذه الفوانيس محيلة الفوانيس الصغيرة الحجم على التقاعد... أما اليوم فقد اختفى نهائيا البريميس مثلما اختفت القازة والكربيلة والفتيل الزيتي بحكم تعميم شبكة النور الكهربائي في كل القرى والدشائر...
 
ومنذ أيام حدثني احد الأصدقاء انه عثر فجأة في إحدى المحلات التجارية بالعاصمة على بريميس فسأله عن ثمنه ليعلمه التاجر بان ثمنه لا يقل اليوم عن خمسة وسبعين دينارا...
 
وكلما عدت اليوم إلى قريتنا الصغيرة تذكرت أشياء كثيرة عايشتها في صباي مع الوالد رحمه الله ومنها محراث الجموسي الذي كان الوالد يستعمله في الحراثة بعد أن يشده بحبلين إلى صدر جملنا العجوز، ويقضي الوالد اليوم كاملا في حراثة الأرض بواسطة هذا المحراث العجيب الذي اختفى اليوم من حياتنا، بعد أن عوض بواسطة المحراث المجرور... وكان الوالد يقول لي «أن المحراث الجموسي يمتاز بدقة صنعه وقدرته على النزول إلى أعماق الأرض وبسهولة جره فلا يتعب الجمل» لكن أين المحراث الجموسي اليوم...؟!
 
ومازلت أتذكر بداية دخول الراديو إلى قريتنا في أواخر الستينات حتى لم يعد بيت واحد يخلو من جهاز راديو بوكردونة... ثم تبعته المسجلة من نوع فيليبس كبيرة الحجم، وقبل أن يصبح لكل عائلة جهاز الراديو الذي تمتلكه كان في قريتنا جهاز راديو وحيد من الحجم الكبير الذي يشبه الصندوق، وكان كل سكان القرية يأتون مساء إلى بيت صاحب الراديو للسهر على ما كان يقدمه المذياع من روايات وأسمار وأغان وحفلات المطربة صليحة...
 
انني أتسال أحيانا لماذا اختفت أشياء كثيرة في حياتنا بسرعة ولم وبتكريمها على ما أسدته لنا من خدمات في سنوات الشدة... هل ننسى مثلا حافلة بن دولة الشهيرة التي كانت وسيلة سفرنا الوحيدة من قريتنا إلى مدينة قفصة حيث كنا نتابع دراستنا الثانوية مازال وجه سائقها العجوز عم محمد الطيب مرتسما بملامحه الطيبة أما عيني إلى اليوم... عندما كنا نمتطي هذه الحافلة عائدين إلى قريتنا في بداية كل عطلة مدرسية...
 
أين صبادري غزالة اليوم... هذا الذي كنا نفاخر بامتلاكه أيام كنا تلاميذ في بداية السبعينات... قبل أن تغرق السوق اليوم بأنواع حديثة وجديدة من الصبادريات لا يقل ثمن الواحد منها عن مائة دينار... وينك يا صبادري غزالة عندما كنا نقتنيك بسبع مائة مليم فقط...!!
صفحة 9
رسائل الفنان محمد الجموسي في كتاب (5)
 
لم يكن الفنان محمد الجموسي (1910-1982), فنانًا عاديًا مثل من نستمع إلى أغانيهم, ونطرب لسماع ألحانهم فقط, فقد كان الرجل فنانًا شاملاً إذ جمع إلى جانب موهبة الغناء, موهبة التلحين, وكتابة الشعر, والأغاني. وقد صدرت للفنان محمد الجموسي في حياته مجموعة شعرية تحمل عنوان (الليل والنهار) باللغة الفرنسية, بالإضافة إلى مئات الأغاني التي كتبها لنفسه, وكذلك لغيره من الفنانين. كما أنتج المنوعات التلفزيونية والإذاعية, وتفوّق فيها, فقد كان له أسلوبه الطريف في إنتاج هذه المنوعات التي يمزج فيها بين النثر والشعر والكلمة الجميلة المنتقاة والصور الرائعة, مما جعل من هذه المنوعات التي كان ينتجها سواء للتلفزة الوطنية, وفي سنواته الأخيرة التي سبقت وفاته لإذاعة صفاقس وثائق نادرة, علاوة على قيمتها الأدبية والفنية. ولعل ما كان يساعد محمد الجموسي في إنتاج هذا اللون من البرامج الإذاعية التلفزية, هو قدرته على الكلام والارتجال, وتوليد الصور ولطفه المعهود, فكانت الصور الفنية الرائعة تولد على فمه وتجري على لسانه بكل سهولة ويسر.
 
ولقد قدمت زميلتنا الإذاعية (السيدة القائد) خدمة كبيرة للأدب والفن عندما أصدرت منذ ثلاث سنوات كتابًا ضخمًا جمعت فيه جانبًا من رسائل محمد الجموسي, كان يوجهها إليها وإلى أفراد أسرتها, وإلى عدد من رجال الثقافة والأدب والفن بجهة صفاقس, إلى جانب ما تضمنه الكتاب من دراسات لعدد من الكتّاب والمثقفين حول رسائل الجموسي, ووثائق أخرى كثيرة, منها شهادات لعدد من المسئولين والوزراء حول الجموسي وفنه.
 
قبل أن نتصفّح رسائل الجموسي, يجدر بنا أن نقدم لمحة عن حياته, فقد ولد هذا الفنان الأديب في صفاقس في 12 يوليو سنة 1910, وقد بدأ حياته بترتيل القرآن, تلقى تعليمه بمدرسة كون بصفاقس إلى أن حصل على الشهادة الابتدائية, ثم درس بالعاصمة بمعهد (أمير لوباي) ببا العلوج حيث حصل على دبلوم في الرسم الفني سنة 1929.
 
انصرف اهتمامه في سن مبكرة إلى ميادين الغناء والشعر, وأنتج عددًا كبيرًا من الأغاني والألحان, وتنقّل بين عديد الأقطار العربية والغربية مثل مصر والمغرب وفرنسا, وأصبحت أغانيه تذاع في كبريات محطات الإذاعات العالمية, إلى جانب الإذاعات العربية. غنى من ألحانه وكلماته كبار الفنانين مثل وردة وصفية شمية ونعمة ومطربي صفاقس مثل صفوة ومحمد العش.
 
هام بالسينما, ومثّل في عديد من الأفلام والأشرطة السينمائية, مصرية ومغربية وفرنسية وإيطالية. عاش الفنان والأديب محمد الجموسي فترة من حياته بباريس, وأنتج لها العديد من الأغاني والألحان, واحتك فيها بالوسط الأدبي والفني والثقافي. عندما عاد إلى صفاقس, أنتج بإذاعتها العديد من البرامج والمنوعات, ومنها برنامج (خواطر وأنغام) الذي كان ينتجه مع المنتجة السيدة القايد, كما أنتج منوعات تلفزيونية كثيرة, ولم تقتصر موهبة الجموسي على الغناء والتلحين والتمثيل فقط, بل تفوّق أيضًا في كتابة الشعر باللغة الفرنسية, وأصدر في حياته ديوانًا يحمل عنوان (الليل والنهار) إلى جانب نصوص الأغاني التي كان يغنيها لنفسه ولغيره من الفنانين.
 
يختار بدقة الكلمات التي يضمنها رسائله, حرصًا على أن تكون هذه الرسائل مشحونة بأصدق المشاعر والأحاسيس الرقيقة التي تعبّر عن صاحبها نفسه.
 
الجانب الآخر من رسائل الجموسي التي كتبت باللغة الفرنسية, وأغلب هذه الرسائل كتبها في فرنسا, وهناك رسائل أخرى كتبها الجموسي باللغة العربية, وهي لغة سليمة ونظيفة.
 
يقول الأستاذ رضا بسباس: (إن أول ما يلاحظ في رسائل الفنان الأديب محمد الجموسي أنها تتجاوز المراسلات العادية التي يرسلها صديق إلى صديقه, أو شخص إلى أحد أفراد عائلته, فقد بدت قطعًا من الأدب الرفيع لكونها خطابًا تختلج معانيه من نفس إنسانية عميقة الشعور, مرهفة الإحساس, رفيعة الذوق, فتنساب لغة مشحونة بالصور والمعاني. وتقول السيدة رياض الزغل: رسائل الجموسي تتدرج من التعبير اليومي والبسيط عن الأحوال, والسؤال عنها إلى أقصى التفنن في شكل أشعار باللغة الفرنسية في الغالب, لغة شاعرية ولكنها دقيقة ومرصّعة بالأحاسيس الرقيقة, ومحلاة بفلسفة الحياة الخاصة بالكاتب.
 
ويقول الأستاذ محمد الحبيب السلامي إن رسائل الجموسي تكشف تعلقه بالحياة ورسائله توجز وتلخص نظرته للحياة بصدق, ويقول: (أجد الجموسي في صراع مع الحياة, هو بطبعه الهادئ يريدها هادئة, يريد باريس الحركة في نهاية القرن العشرين أن تتحول إلى باريس الهادئة في النصف الأول من القرن باريس قبل الحرب العالمية الثانية, هو يريد الحياة تأملاً, وواقع الحياة يجعلها صخبًا وضجيجًا, هو يرى الحياة زهرة تمتص رحيقها, والواقع يصوّر له الحياة سرابًا).
 
من هنا اكتسبت رسائل الجموسي إلى أصدقائه وأحبابه ومعارفه وأفراد أسرته وهم كثيرون, مكانتها, وتحوّلت إلى قطع أدبية راقية تعكس صفاء نفسه وتعلقه بالحياة وتمسكه بالجمال.
صفحة 10
يسألونك عن منزلة المثقّف والكاتب في تونس اليوم بقلم محمود الحرشاني (6)
 
في البداية أقول انّي أستبعد نفسي من المسألة ولكن موقفي ككاتب وصحفي في المشهد الثقافي والإعلامي منذ أكثر من 35 سنة، يجعلني أشعر بالحزن والأسف على ما يعيشه كتابنا الأفاضل في تونس اليوم من غبن وتهميش وتبخيس يصل أحيانا الى حد التهميش والاحتقار وربما حتى الاهمال... وهو عكس ما يقع في دول عربية أخرى كثيرة، وقد وفّر لي عملي في الصحافة وإدارتي لمجلّة مرآة الوسط الفيحاء زيارتها والوقوف على ما لكتّاب والمبدعين فيها من مكانة رفيعة وقدر عال ... فهم لا يتركون مناسبة تخص كاتبا من كتابهم الاّ واحتفلوا بها .. يا ليتنا نقلّدهم فيها، وهي الاحتفال بأعياد كتابهم والاحتفال بالسنوات الفواصل من أعمار هؤلاء الكتاب.
 
حتى يشعر كتابهم وأدباءهم واعلاميوهم الكبار انهم محل اكبار وحفاوة، وانهم ضمير هذا المجتمع، ودعك من مسألة الالتزام السياسي، فهذه مسألة مغلوطة لا يرويها الاّ التفهاء عندنا من القلّة والحثالة، لتصفية الخصوم وإبعادهم، حتى تخلوا لهم الساحة... في مصر العزيزة هناك تقاليد رائعة في المشهد الثقافي يحرص عليها الكتاب والمثقّفون وأهل الاعلام والصحافة التأكيد لدورهم
 
في الحياة
 
والثقافة.
 
كأن يقع الاحتفال ببلوغ كاتب الخمسين أو الستّين أو السبعين أو الثمانين فتكون مناسبة للاحتفال بهذا الكاتب وعطائه ويصدرون عنه الكتب الخاصّة والنشريات. وقرأت في العدد الاخير من مجلّة العربي عن كتاب صدر في مصر حول جابر عصفور بمناسبة بلوغه عامه السبعين وأشرك فيه اصدقاؤه وكما من بينهم الكاتب التونسي صلاح الدين بوجاه..... وفي مكتبتي كتب أعتزّ بها من هذا القبيل على غرار كتاب تكريمي لرجل المسرح الكويتي عبد العزيز السريع، وعند تكريمي لعلامة المغرب العربي التونسي ابي القائم محمد كرّو أصدرته مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين الكويتية وكذلك في مكتبتي كتب أخرى سعودية ومصرية وأطلقت مجلّة العربي هذه السنة سنة الاحتفال بطه حسين وكانت المجلّة أصدرت اعدادا مميّزة عن كتاب عرب كبار لعلّ ابرزهم نجيب محفوظ واحتفت به أيّها احتفاء وخصصت صورة غلافه له...أمّا في تونس فانّ لا مكانة للكاتب عندنا ولا يزيد الأمر في الصحافة عن مجرّد اخبار قصير عن صدور كتاب او ندوة ووزارة لثقافة بعد الثورة تراجع دورها وهمّش في عهد الوزير الحالي والوزير السابق أهل الثقافة والإبداع والفن والفكر... فلا تسمع بتكريم كاتب أو الاحتفاء على العكس أصبحنا نسمع بأخبار ملاحقة الكتاب ة والفنانين والصحافيين في السجون عوض الاحتفاء بهم وتكريمهم. لقد كنّا نقوم بهذا الدور في السابق في مجلّة مرآة الوسط ومجلاّت تونسية اخرى كثيرة مثل:مجلاّت الاتحاف وشمس الجنوب والصفحة الأدبية لجريدة الصباح
 
والملحق الثقافي لجريدة العام والصريح ...امّا اليوم فقد همّش دور الكاتب في تونس وتراجع دور وزارة الثقافة وهو عكس ما كلن موجودا في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي
 
حيث كانت المجلاّت في ذلك الوقت مثل الندوة والعالم الادبي والمباحث تحتفي بالكتّاب والأدباء وتصدر عنهم أعداد
 
خاصّة سواء كانوا أحياء أو أمواتا.