eKtab
EN ع
جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم
اقرأ عينة مجانية

جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم

بقلم ​ابن رجب الحنبلي

صفحة 1

مقدمة

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسوله محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فاعلم أخي المسلم أن الله _ تعالى _ قد منَّ علينا بهذا الدين ، وجعل له رسلاً وأنبياء اجتباهم الله من البشر للدعوة إليه ، والعمل به .
ومِن تمام منَّتِه علينا : أن جعل للأنبياء والرسل ورثةً ورثوا عنهم العلم والفضل والخُلق ، قذف الله في قلوبهم النور ، فبِه علَّموا الناس الدين ، ودَعَوا إلى الله _ تعالى _ .
ومن هؤلاء العلماء الَّذين نوَّر الله قلوبهم بالعلم والإيمان : الحافظ زين الدين ابن رجب الحنبلي ، الإمام ، الفقيه ، المحدث ، الواعظ ، صاحب التصانيف الفريدة بِموضوعها ، الغنية بمحتواها ، الذي منَّ الله عليه بفضله ورحمته بغزارة العلم ، ورجاحة العقل ، وسَعة الأفق .
ومِن تصانيفه التي كان لها الأثر الكبير على الناس كتابه هذا ، والذي سمَّاه : «جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم» ، وهو شرح لكتاب «الأربعين» للنووي المحتوى أصلاً على اثنين وأربعين حديثاً ، فزاد هو _ رحمه الله _ عليها ثمانية أحاديث ، ثم شرحها جميعاً في كتابه الذي نحن بصدد الكلام عنه .
وقد جمع كتابُ ابن رجب الأحاديثَ التي وصفها العلماء بأن مدار الدين عليها ، وقام بشرحها بأسلوب فريد ، جمع فيه بين طريقة أهل الحديث _ مِن خلال نقله لِكثير من الأحاديث والآثار ، مع بيان الروايات والطرق ، والكلام على أسانيدها نقداً وتعليلاً ، تصحيحاً وتضعيفاً ، وذكر الشواهد والمتابعات _ ، وبين الأسلوب التربوي في تهذيب النفوس والذي يمثل منهج أهل التربية ؛ متميزاً بنقل الحكم ، والمواعظ ، والرقائق _ ونحوها _ .
ومع ما حوى هذا الكتاب مِن هذه الكنوز التي ذكرناها آنفاً ؛ لم يخلُ أيضاً من ذكر فوائد ومسائل فقهية كثيرة لا يكاد المسلم يجدها مجموعة في غير هذا الكتاب ، والتي ميَّزها مصنف الكتاب بنقل جُلِّ الأقوال في المسألة الواحدة ، حتى غدا الكتاب مرجعاً لأهل الحديث والفقه .
ونظراً لِما تقدم ؛ فقد عزمنا النية على العناية به ، فكان عمَلُنا يتلخص بما يلي :
أولاً : ضبط النص بالتدقيق على نسختين مطبوعتين :
* طبعة دار المعرفة ـ بيروت ـ .
* طبعة دار ابن الجوزي ـ السعودية ـ تحقيق : الأستاذ طارق عوض الله .
ثانياً : عزو الآيات القرآنية .
ثالثاً : تخريج الأحاديث النبوية ، وميَّزنا التخريج بِاعتماد أحكام فضيلة الشيخ الألباني _رحمه الله تعالى_ ، وكان منهجي في التخريج هو :
* ما كان في «صحيح البخاري» وفي «صحيح مسلم» _ أو في أحدهما _ : اكتفيتُ بِالإشارة إلى رقمِهِ .
* ما كان خارج «الصحيحين» ؛ اعتمدتُ حُكمَ الشيخ عليه بِوضْع الحكم بين معقوفتين عازياً الحكم إلى مصدره .
رابعاً : عمل فهارس لِلأحاديث ، بالإضافة إلى الفهرس الموضوعي .
وختاماً : نسأل الله _عز وجل_ أن يرحم علماءنا ورثة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن يدخلهم فسيح جناته ، وأن يجعل لنا بَقِيةً مما تفضل به عليهم نتقرَّب بها إلى الله _تعالى_ بِعنايتنا بِكتبهم وعلمهم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
حَازم خَنْفَر
صفحة 2

مقدمة المصنف

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين ، وأتم علينا النعمة ، وجعل أمتنا _ وللَّه الحمد _ خير أمة ، وبعث فينا رسولاً منا يتلو علينا آياته ، ويزكينا ، ويعلمنا الكتاب والحكمة .
أحمده على نعمه الجمة ، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له ؛ شهادة تكون لمن اعتصم بها خير عصمة ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله للعالمين رحمة ، وفوَّض إليه بيان ما أنزل إلينا ، فأوضح لنا كل الأمور المهمة ، وخصه بجوامع الكلم ، فربما جمع أشتات الحكم والعلوم في كلمة أو في شطر كلمة ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ؛ صلاةً تكون لنا نوراً من كل ظلمة ، وسلم تسليماً .
أما بعد :
فإن الله _ سبحانه وتعالى _ بعث محمداً ﷺ بجوامع الكلم ، وخصَّه ببدائع الحكم ؛ كما في «الصحيحين» ، عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال : «بعثت بجوامع الكلم» ، قال الزهري _ رحمه الله _ : (جوامع الكلم) فيما بلغنا : أن الله يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين _ ونحو ذلك _ [رواه البخاري (7013) ، و مسلم (523)] .
وخرَّج الإمام أحمد مِن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً كالمودع ، فقال : «أنا محمد النبي الأمي _ قال ذلك ثلاث مرات _ ، ولا نبي بعدي ، أوتيت فواتح الكلم ، وخواتمه ، وجوامعه...» وذكر الحديث .
وخرَّج أبو يعلى الموصلي مِن حديث عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _ ، عن النبي ﷺ ، قال : «إني أوتيت جوامع الكلم ، وخواتمه ، واختصر لِي اختصاراً» [ضعيف ، «ضعيف الجامع الصغير» (949)] .
وخرَّج الدارقطني _ رحمه الله _ من حديث ابن عباس _ رضي الله عنهما _ ، عن النبي ﷺ ، قال : «أعطيت جوامع الكلم ، واختصر لي الحديث اختصاراً» .
وروينا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق القرشي ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى الأشعري ، قال : قال رسول الله ﷺ : «أعطيت فواتح الكلم ، وخواتمه ، وجوامعه» ، فقلنا : يا رسول الله ! علِّمنا مما علمك الله _ عز وجل _ ، قال : فعلمنا التشهد [صحيح لغيره ، «الصحيحة» (1483)] .
وفي «صحيح مسلم» ، عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي ﷺ سئل عن البتع والمزر ؟ قال : وكان رسول الله ﷺ قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه ، فقال : «أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة» [رواه البخاري (4343) ، و مسلم (1733)] .
وروى هشام بن عمار في (كتاب المبعث) بإسناده ، عن أبي سالم الحبشي ، قال : حُدِّثت أن النبي ﷺ كان يقول : «فُضلت على من قبلي بِستٍّ ، ولا فخر...» ، فذكر منها جوامع الكلم ، قال : «وأعطيت جوامع الكلم» .
وكان أهل الكتاب يجعلونها جزءاً بالليل إلى الصباح ، فجمعها لي ربي في آية واحدة : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة الحديد:1] .
فجوامع الكلم التي خصَّ بها النبي ﷺ نوعان :
أحدهما : ما هو في القرآن ؛ كقوله _ عز وجل _ :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [سورة النحل:90] ، قال الحسن : لَم تترك هذه الآية خيراً إلا أمرت به ، ولا شرًّا إلا نهت عنه) .
والثاني : ما هو في كلامه ﷺ ، وهو منتشر موجود في السنن المأثورة عنه ﷺ ، وقد جمع العلماء جموعاً مِن كلماته ﷺ الجامعة ؛ فصنَّف الحافظ أبو بكر بن السني كتاباً سماه : «الإيجاز وجوامع الكلم من السنن المأثورة» ، وجمع القاضي أبو عبد الله القضاعي مِن جوامع الكلم الوجيزة كتاباً سماه : «الشهاب في الحكم والآداب» ، وصنَّف على منواله قوم آخرون ، فزادوا على ما ذكره زيادة كثيرة ، وأشار الخطابي في أول كتابه «غريب الحديث» إلى يسير من الأحاديث الجامعة ، وأملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلساً سماه الأحاديث الكلية ، جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال : إن مدار الدين عليها وما كان في معناها مِن الكلمات الجامعة الوجيزة ، فاشتمل مجلسه هذا على ستة وعشرين حديثاً ، ثم إن الفقيه الإمام الزاهد القدوة أبا زكريا يحيى النووي _ رحمة الله عليه _ أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح ، وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثاً ، وسمى كتابه بِـ«الأربعين» ، واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها ، وكثر حفظها ، ونفع الله بها ببركة نية جامعها وحسن قصده _ رحمه الله تعالى _ .
صفحة 3
وقد تكرر سؤال جماعة من طلبة العلم والدين لِتعليق شرح لِهذه الأحاديث المشار إليها ، فاستخرت الله _ تعالى _ في جمع كتاب يتضمن شرح ما يسره الله _ تعالى _ من معانيها ، وتقييد ما يفتح به _ سبحانه _ مِن تبيين قواعدها ومبانيها .
وإياه أسأل العون على ما قصدت ، والتوفيق لِصالح النية والقصد فيما أردت ، وأعول في أمري كله عليه ، وأبرأ من الحول والقوة إلا إليه .
وقد كان بعض من شرح هذه الأربعين قد تعقَّب على جامعها _ رحمه الله _ تركه لِحديث : «ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما أبقت الفرائض ؛ فلأولي رجل ذكر» ، قال : لأنه جامع لِقواعد الفرائض التي هي نصف العلم ، فكان ينبغي ذكره في هذه الأحاديث الجامعة كما ذكر حديث : «البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر» لِجمعه لأحكام القضاء ، فرأيت أنا أن أضم هذا الحديث إلى أحاديث الأربعين التي جمعها الشيخ _ رحمه الله _ ، وأن أضم إلى ذلك كله أحاديث أُخر من جوامع الكلم الجامعة لأنواع العلوم والحكم حتى تكمل عدة الأحاديث كلها خمسين حديثاً .
وهذه تسمية الأحاديث المزيدة على ما ذكره الشيخ _ رحمه الله _ في كتابه :
حديث : «ألحقوا الفرائض بأهلها» .
حديث : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» .
حديث : «إن الله إذا حرم شيئاً حرَّم ثمنه» .
حديث : «كل مسكر حرام» .
حديث : «ما ملأ آدمي وعاء شرٍّا من بطنه» .
حديث : «أربع من كن فيه كان منافقاً» .
حديث : «لو أنكم توكلون على الله حق توكله ؛ لَرزقكم كما يرزق الطير» .
حديث : «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله _ عز وجل _» .
وسميته : «جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم» .
واعلم أنه ليس غرضي إلا شرح الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية ، فلذلك لا أتقيد بكلام الشيخ _ رحمه الله _ في تراجم رواة هذه الأحاديث مِن الصحابة _ رضي الله عنهم _ ، ولا بألفاظه في العزو إلى الكتب التي يعزو إليها ، وإنما آتي بالمعنى الذي يدل على ذلك ؛ لأني قد أعلمتك أنه ليس لي غرض في غير شرح معاني كلمات النبي ﷺ الجوامع ، وما يتضمنه من الآداب ، والحكم ، والمعارف ، والأحكام ، والشرائع ، وأشير إشارة لطيفة قبل الكلام في شرح الحديث إلى إسناده ؛ لِيُعلم بذلك صحته ، وقوته ، وضعفه ، وأذكر بعض ما رُوي في معناه من الأحاديث إنْ كان في ذلك الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ ، وإنْ لَم يكن في الباب غيره ، أو لم يكن يصح فيه غيره ؛ نَبَّهْت على ذلك كله ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان ، وهو حسبي ونعم الوكيل .
صفحة 4

الحديث الأول

عَنْ عُمَرَ _ رَضِيَ الله عَنْهُ _ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا ، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[رواه البخاري (1) ومسلم (1907)] رواه البخاري ، ومسلم .
هذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن علقمة بن وقاص الليثي ، عن عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _ ، وليس له طريق يصح غير هذا الطريق ، كذا قال علي بن المديني وغيره ، وقال الخطابي : لا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في ذلك ، مع أنه قد روي من حديث أبي سعيد وغيره ، وقد قيل : إنه قد روي من طرق كثيرة ، لكن لا يصح من ذلك شيء عند الحفاظ .
ثم رواه عن الأنصاري الخلق الكثير ، والجم الغفير ، فقيل : رواه عنه أكثر من مئتي راو ، وقيل : رواه عنه سبع مئة راو ، ومن أعيانهم : مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، والليث بن سعد ، وحماد بن زيد ، وشعبة ، وابن عيينة _ وغيرهم _ .
واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول ، وبه صدر البخاري كتابه «الصحيح» ، وأقامه مقام الخطبة له ؛ إشارةً منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله ؛ فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة .
ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي : لو صنفت الأبواب ؛ لجعلت حديث عمر بن الخطاب في الأعمال بالنية في كل باب .
وعنه أنه قال : من أراد أن يصنف كتاباً ؛ فليبدأ بحديث : «الأعمال بالنيات» .
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها ، فروي عن الشافعي أنه قال : هذا الحديث ثلث العلم ، ويدخل في سبعين باباً من الفقه .
وعن الإمام أحمد _ رضي الله عنه _ ، قال : أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث : حديث عمر : «الأعمال بالنيات» ، وحديث عائشة : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه ؛ فهو رد»[رواه البخاري (2697) ، ومسلم (1718)]، وحديث النعمان بن بشير : «الحلال بين والحرام بين»[رواه البخاري (52) ، ومسلم (1599)] .
وقال الحاكم : حدثونا عن عبد الله بن أحمد ، عن أبيه ، أنه ذكر قوله _ عليه الصلاة والسلام _ : «الأعمال بالنيات» ، وقوله : «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً» ، وقوله : «من أحدث في ديننا ما ليس منه ؛ فهو رد» ، فقال : ينبغي أن يبدأ بهذه الأحاديث في كل تصنيف ؛ فإنها أصول الحديث .
وعن إسحاق بن راهويه ، قال : (أربعة أحاديث هي من أصول الدين : حديث عمر : «إنما الأعمال بالنيات» ، وحديث : «الحلال بين والحرام بين» ، وحديث : «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه» ، وحديث : «من صنع في أمرنا ما ليس منه ؛ فهو رد») .
وروى عثمان بن سعيد ، عن أبي عبيد ، قال : جمع النبي ﷺ جميع أمر الآخرة في كلمة : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه ؛ فهو رد» ، وجمع أمر الدنيا كله في كلمة : «إنما الأعمال بالنيات» يدخلان في كل باب .
وعن أبي داود ، قال : نظرت في الحديث المسند ، فإذا هو أربعة آلاف حديث ، ثم نظرت ، فإذا مدار الأربعة آلاف حديث على أربعة أحاديث : حديث النعمان بن بشير : «الحلال بين والحرام بين» ، وحديث عمر : «إنما الأعمال بالنيات» ، وحديث أبي هريرة : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين...» _ الحديث _ ، وحديث : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ، قال : فكل حديث من هذه ربع العلم .
وعن أبي داود _ رضي الله عنه _ أيضاً ، قال : كتبت عن رسول الله ﷺ خمس مئة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب _ يعني كتاب «السنن»_ ، جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مئة حديث ، ويكفي الإنسان من ذلك لدينه أربعة أحاديث : أحدهما : قوله ﷺ : «الأعمال بالنيات» ، والثاني : قوله ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ، والثالث : قوله صلى الله عليه سلم : «لا يكون المؤمن مؤمناً حتى لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه» ، والرابع : قوله صلى الله عليه سلم : «الحلال بين والحرام بين» .
وفي رواية أخرى عنه أنه قال : الفقه يدور على خمسة أحاديث : «الحلال بين والحرام بين» ، وقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» ، وقوله : «الأعمال بالنيات» ، وقوله : «الدين النصيحة» ، وقوله : «ما نهيتكم عنه ؛ فاجتنبوه ، وما أمرتكم به ؛ فائتوا منه ما استطعتم» .
وفي رواية عنه ، قال : أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث : حديث عمر : «الأعمال بالنيات» ، وحديث : «الحلال بين والحرام بين» ، وحديث : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ، وحديث : «ازهد في الدنيا ؛ يحبك الله ، وازهد فيما في أيدي الناس ؛ يحبك الناس» .
وللحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوز المعافري الأندلسي :
عمـدة الدين عنـدنا كلــمات أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات وازهد ودع مـا ليس يعنيك واعملن بنية
فقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» ، وفي رواية : «الأعمال بالنيات» ، وكلاهما يقتضي الحصر على الصحيح ، وليس غرضنا هاهنا توجيه ذلك ، ولا بسط القول فيه .
وقد اختلفوا في تقدير قوله : «الأعمال بالنيات» ، فكثير من المتأخرين يزعم أن تقديره : (الأعمال صحيحة أو معتبرة أو مقبولة بالنيات) .
صفحة 5
وعلى هذا ؛ فالأعمال إنما أريد بها الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية ، فأما ما لا يفتقر إلى النية _ كالعادات من الأكل والشرب واللبس وغيرها _ ، أو مثل رد الأمانات والمضمونات _ كالودائع والغصوب _ ؛ فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية ، فيخص هذا كله من عموم الأعمال المذكورة هاهنا .
وقال آخرون : بل الأعمال هنا على عمومها لا يخص منها شيء ، وحكاه بعضهم عن الجمهور ، وكأنه يريد به جمهور المتقدمين ، وقد وقع ذلك في كلام ابن جرير الطبري ، وأبي طالب المكي ، وغيرهما من المتقدمين ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد .
قال في رواية حنبل : أحب لكل من عمل عملاً من صلاة ، أو صيام ، أو صدقة ، أو نوع من أنواع البر أن تكون النية متقدمةً في ذلك قبل الفعل ، قال النبي ﷺ : «الأعمال بالنيات» ، فهذا يأتي على كل أمر من الأمور .
وقال الفضل بن زياد : سألت أبا عبد الله _ يعني : أحمد _ عن النية في العمل ، قلت : كيف النية ؟ قال : يعالج نفسه إذا أراد عملاً لا يريد به الناس .
وقال أحمد بن داود الحربي : حدث يزيد بن هارون بحديث عمر : «الأعمال بالنيات» وأحمد جالس ، فقال أحمد ليزيد : يا أبا خالد ! هذا الخناق .
وعلى هذا القول : فقيل : تقدير الكلام الأعمال واقعة أو حاصلة بالنيات ، فيكون إخباراً عن الأعمال الاختيارية أنها لا تقع إلا عن قصد من العامل هو سبب عملها ووجودها ، ويكون قوله بعد ذلك : «وإنما لكل امرئ ما نوى» إخباراً عن حكم الشرع ، وهو أن حظ العامل من عمله نيته ، فإن كانت صالحةً ؛ فعمله صالح ، فله أجره ، وإن كانت فاسدةً ؛ فعمله فاسد ، فعليه وزره .
ويحتمل أن يكون التقدير في قوله : «الأعمال بالنيات» الأعمال صالحة ، أو فاسدة ، أو مقبولة ، أو مردودة ، أو مثاب عليها ، أو غير مثاب عليها بالنيات ، فيكون خبراً عن حكم شرعي ، وهو أن صلاح الأعمال وفسادها بحسب صلاح النيات وفسادها ؛ كقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالخواتيم» [رواه البخاري (6607)]؛ أي : إن صلاحها ، وفسادها ، وقبولها ، وعدمه بحسب الخاتمة .
وقوله بعد ذلك : «وإنما لكل امرئ ما نوى» إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به ، فإن نوى خيراً ؛ حصل له خير ، وإن نوى شرًّا ؛ حصل له شر ، وليس هذا تكريراً محضاً للجملة الأولى ؛ فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده ، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة ، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة ، وقد تكون نيته مباحةً ، فيكون العمل مباحاً ، فلا يحصل له به ثواب ولا عقاب ، فالعمل في نفسه صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه ، المقتضية لوجوده ، وثواب العامل ، وعقابه ، وسلامته بحسب نيته التي صار بها العمل صالحاً ، أو فاسداً ، أو مباحاً .
واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة ، وإن كان قد فرق بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره .
والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين :
أحدهما : بمعنى تمييز العبادات بعضها عن بعض ؛ كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر _ مثلاً _ ، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره ، أو تمييز العبادات من العادات ؛ كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف _ ونحو ذلك _ .
وهذه النية هي التي توجد كثيراً في كلام الفقهاء في كتبهم .
والمعنى الثاني : بمعنى تمييز المقصود بالعمل ، وهل هو الله وحده لا شريك له ، أم غيره ، أم الله وغيره ؟
وهذه النية هي التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه ، وهي التي توجد كثيراً في كلام السلف المتقدمين .
وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفاً سماه : كتاب «الإخلاص والنية» ، وإنما أراد هذه النية ، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي ﷺ تارةً بلفظ النية ، وتارةً بلفظ الإرادة ، وتارةً بلفظ مقارب لذلك .
وقد جاء ذكرها كثيراً في كتاب الله _ عز وجل _ ، بغير لفظ النية _ أيضاً _ من الألفاظ المقاربة لها .
وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد _ ونحوهما _ ؛ لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء :
فمنهم من قال : النية تختص بفعل الناوي ، والإرادة لا تختص بذلك ؛ كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له ، ولا ينوي ذلك .
وقد ذكرنا أن النية في كلام النبي ﷺ وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالباً ، فهي حينئذ بمعنى الإرادة .
ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيراً ؛ كما في قوله _ تعالى _ : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [سورة آل عمران:152] ، وقوله : ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [سورة الأنفال:67] ، وقوله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ...﴾ _ الآية _ [سورة الشورى:20] ، وقوله _ تعالى _ : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ...﴾ _ الآية _ [سورة الإسراء:18] ، وقوله _ تعالى _ : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [سورة هود:15] وقوله : ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ _ الآية _ [سورة الأنعام:52] ، وقوله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الكهف:28] ، وقوله : ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [سورة الروم:38] ، وقوله : ﴿وَمَا ءَاتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا ءَاتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [سورة الروم:39] .
وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء ؛ كما في قوله _ تعالى _ : ﴿إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [سورة الليل:20] ، وقوله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ...﴾ _ الآية _ [سورة البقرة:265] ، وقوله : ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة:272] ، وقوله : ﴿لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ...﴾ _ الآية _ [سورة النساء:114] .
صفحة 6
فنفى الخير عن كثير مما يتناجى الناس به إلا في الأمر بالمعروف ، وخص من أفراده الصدقة ، والإصلاح بين الناس ؛ لعموم نفعهما ، فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير ، وأما الثواب عليه من الله ؛ فخصه بمن فعله ابتغاء مرضات الله ، وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس _ وغيرهما _ خيراً وإن لم يبتغ به وجه الله ؛ لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي ، فيحصل به للناس إحسان وخير .
وأما بالنسبة إلى الأمر ؛ فإن قصد به وجه الله وابتغاء مرضاته ؛ كان خيراً له وأثيب عليه ، وإن لم يقصد ذلك ؛ لم يكن خيراً له ، ولا ثواب له عليه ، وهذا بخلاف من صام ، وصلى ، وذكر الله يقصد بذلك عرض الدنيا ؛ فإنه لا خير له فيه بالكلية ؛ لأنه لا نفع من ذلك لصاحبه ؛ لما يترتب عليه من الإثم فيه ، ولا لغيره ؛ لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد ، اللهم إلا أن يحصل لأحد به اقتداء في ذلك .
وأما ما ورد في السنة وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية ؛ فكثير جدًّا ، ونحن نذكر بعضه كما خرج الإمام أحمد ، والنسائي من حديث عبادة بن الصامت ، عن النبي ﷺ ، أنه قال : «من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً ؛ فله ما نوى» [حسن ، «صحيح سنن النسائي» (3138)] .
وخرج الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ، عن النبي ﷺ ، قال : «إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفرش ، ورب قتيل بين صفين الله أعلم بنيته» [ضعيف ، «ضعيف الجامع الصغير» (1404)] .
وخرج ابن ماجه ‎من حديث جابر ، عن النبي ﷺ ، قال : «يحشر الناس على نياتهم» [صحيح ، «صحيح سنن ابن ماجه» (3427)] .
ومن حديث أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال : «إنما يبعث الناس على نياتهم» [صحيح ، «صحيح سنن ابن ماجه» (4229)] .
وخرج ابن أبي الدنيا من حديث عمر ، عن النبي ﷺ ، قال : «إنما يبعث المقتتلون على النيات» .
وفي «صحيح مسلم» ، عن أم سلمة ، عن النبي ﷺ ، قال : «يعوذ عائذ بالبيت ، فيبعث إليه بعث ، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم» ، فقلت : يا رسول الله ! فكيف بمن كان كارهاً ؟ قال : «يخسف به معهم ، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته»[رواه مسلم (2882)].
وفيه _ أيضاً _ عن عائشة ، عن النبي ﷺ معنى هذا الحديث ، وقال فيه : «يهلكون مهلكاً واحداً ، ويصدرون مصادر شتى ، ويبعثهم الله على نياتهم»[رواه مسلم (2884)].
وخرج الإمام أحمد ، وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت ، عن النبي ﷺ ، قال : «من كانت الدنيا همه ؛ فرق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن كانت الآخرة نيته ؛ جمع الله له أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة» [صحيح ، «صحيح سنن ابن ماجه» (3329)] ، لفظ ابن ماجه .
ولفظ أحمد : «من كانت همه الآخرة ، ومن كانت نيته الدنيا» .
وخرجه ابن أبي الدنيا ، وعنده : «من كانت نيته الآخرة ، ومن كانت نيته الدنيا» .
وفي «الصحيحين» ، عن سعد بن أبي وقاص ، عن النبي ﷺ ، قال : «إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أثبت عليها ، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك»[رواه البخاري (1296) ، ومسلم (1628)].
وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع ، عن عمر ، قال : (لا عمل لمن لا نية له ، ولا أجر لمن لا حسبة له) ؛ يعني : لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند الله _ عز وجل _ .
وبإسناد ضعيف عن ابن مسعود ، قال : لا ينفع قول إلا بعمل ، ولا ينفع قول وعمل إلا بنية ، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا بما وافق السنة .
وعن يحيى بن أبي كثير ، قال : تعلموا النية ؛ فإنها أبلغ من العمل .
وعن زبيد اليامي ، قال : إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب .
وعنه أنه قال : انو في كل شيء تريده الخير ؛ حتى خروجك إلى الكناسة .
وعن داود الطائي ، قال : رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية ، وكفاك به خيراً وإن لم تنصب .
قال داود : والبر همة التقي ، ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا ؛ لردته يوماً نيته إلى أصله .
وعن سفيان الثوري ، قال : ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي ؛ لأنها تتقلب علي .
وعن يوسف بن أسباط ، قال : تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد .
وقيل لنافع بن جبير : ألا تشهد الجنازة ؟ ، قال : كما أنت حتى أنوي ، قال : ففكر هنيةً ، ثم قال : امض .
وعن مطرف بن عبد الله ، قال : صلاح القلب بصلاح العمل ، وصلاح العمل بصلاح النية .
وعن بعض السلف ، قال : من سره أن يكمل له عمله ؛ فليحسن نيته ؛ فإن الله _ عز وجل _ يأجر العبد إذا حسنت نيته ، حتى اللًّقمة .
وعن ابن المبارك ، قال : رب عمل صغير تعظمه النية ، ورب عمل كبير تصغره النية .
قال ابن عجلان : لا يصلح العمل إلا بثلاث : التقوى لله ، والنية الحسنة ، والإصابة .
وقال الفضيل بن عياض : إنما يريد الله _ عز وجل _ منك نيتك وإرادتك .
وعن يوسف بن أسباط ، قال : إيثار الله _ عز وجل _ أفضل من القتل في سبيله .
خرج ذلك كله ابن أبي الدنيا في كتاب «الإخلاص والنية» .
صفحة 7
وروى فيه بإسناد منقطع ، عن عمر _ رضي الله عنه _ ، قال : أفضل الأعمال : أداء ما افترض الله _ عز وجل _ ، والورع عما حرم الله _ عز وجل _ ، وصدق النية فيما عند الله _ عز وجل _ .
وبهذا يعلم معنى ما روى الإمام أحمد أن أصول الإسلام ثلاثة أحاديث : حديث : «الأعمال بالنيات»، وحديث : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه ؛ فهو رد»، وحديث : «الحلال بين ، والحرام بين» .
فإن الدين كله يرجع إلى فعل المأمورات ، وترك المحظورات ، والتوقف عن الشبهات ، وهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير ، وإنما يتم ذلك بأمرين :
أحدهما : أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة ، وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه ؛ فهو رد» .
والثاني : أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله _ عز وجل _ كما تضمنه حديث عمر : «الأعمال بالنيات» .
وقال الفضيل في قوله _ تعالى _ : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [سورة هود:7] ، قال : (أخلصه ، وأصوبه) ، وقال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً ؛ لم يقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً ؛ لم يقبل حتى يكون خالصاً وصواباً ، قال : والخالص إذا كان لله _ عز وجل _ ، والصواب إذا كان على السنة .
وقد دل على هذا الذي قاله الفضيل قول _ عز وجل _ : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف:110] .
وقال بعض العارفين : إنما تفاضلوا بالإرادات ، ولم يتفاضلوا بالصوم والصلاة .
قوله ﷺ : «... فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ؛ فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه» : لما ذكر ﷺ أن الأعمال بحسب النيات ، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر ، وهاتان كلمتان جامعتان ، وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء ؛ ذكر بعد ذلك مثالاً من أمثال الأعمال التي صورتها واحدة ، ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات ، وكأنه يقول : سائر الأعمال على حذو هذا المثال .
وأصل الهجرة هجران بلد الشرك ، والانتقال منه إلى دار الإسلام ، كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي ﷺ ، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي ، فأخبر ﷺ أن هذه الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها ، فمن هاجر إلى دار الإسلام حبًّا لله ورسوله ، ورغبةً في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك ؛ فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقًّا ، وكفاه شرفاً وفخراً أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله .
ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه ؛ لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة ، ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام لطلب دنيا يصيبها أو امرأةً ينكحها في دار الإسلام ؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك ، فالأول تاجر ، والثاني خاطب ، وليس واحد منهما بمهاجر .
وفي قوله : «إلى ما هاجر إليه» تحقير لما طلبه من أمر الدنيا ، واستهانة به ؛ حيث لم يذكر بلفظه ، وأيضاً : فالهجرة إلى الله ورسوله واحدة ، فلا تعدد فيها ، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط .
والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر ؛ فقد يهاجر الإنسان لطلب دنيا مباحة تارةً ، ومحرمة أخرى ، وأفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر ، فلذلك قال : «فهجرته إلى ما هاجر إليه» ؛ يعني : كائناً ما كان .
وقد روي عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ في قوله _ تعالى _ : ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ...﴾ _ الآية _ [سورة الممتحنة:10] ، قال : كانت المرأة إذا أتت النبي ﷺ ؛ حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج ، وبالله ما خرجت رغبةً بأرض عن أرض ، وبالله ما خرجت التماس دنيا ، وبالله ما خرجت إلا حبًّا لله ورسوله ، خرجه ابن أبي حاتم ، وابن جرير ، والبزار في «مسنده» ، وخرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصراً .
وقد روى وكيع في كتابه ، عن الأعمش ، عن شقيق _ هو أبو وائل _ ، قال : خطب أعرابي من الحي امرأةً يقال لها : أم قيس ، فأبت أن تزوجه حتى يهاجر ، فهاجر ، فتزوجته ، فكنا نسميه مهاجر أم قيس ، قال : فقال عبد الله _ يعني : ابن مسعود _ : من هاجر يبتغي شيئاً ؛ فهو له .
وهذا السياق يقتضي أن هذا لم يكن في عهد النبي ﷺ ، وإنما كان في عهد ابن مسعود ، ولكن روي من طريق سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، قال : كان فينا رجل خطب امرأةً يقال لها : أم قيس ، فأبت أن تزوجه حتى يهاجر ، فهاجر ، فتزوجها ، فكنا نسميه مهاجر أم قيس ، قال ابن مسعود : من هاجر لشيء ؛ فهو له .
وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي ﷺ : «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها» ، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم ، ولم نر لذلك أصلاً بإسناد يصح _ والله أعلم _ .
وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى ، فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها ؛ كالجهاد والحج _ وغيرهما _ .
وقد سئل النبي ﷺ عن اختلاف نيات الناس في الجهاد وما يقصد به من الرياء ، وإظهار الشجاعة ، والعصبية _ وغير ذلك _ ، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ؛ فهو في سبيل الله» ، فخرج بهذا كل ما سألوا عنه من المقاصد الدنيوية :
ففي «الصحيحين» ، عن أبي موسى الأشعري ، أن أعرابيًّا أتى النبي ﷺ ، فقال : يا رسول الله ! الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر ، والرجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن في سبيل الله ؟ فقال رسول الله ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ؛ فهو في سبيل الله» [رواه البخاري (123) ، ومسلم (1904)] .
صفحة 8
وفي رواية لمسلم : سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعةً ، ويقاتل حميةً ، ويقاتل رياءً ، فأي ذلك في سبيل الله ؟... فذكر الحديث[عند مسلم (1904)] .
وفي رواية له _ أيضاً _ : الرجل يقاتل غضباً ، ويقاتل حميةً [عند مسلم (1904)] .
وخرج النسائي من حديث أبي أمامة ، قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال : أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له ؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا شيء له» ، ثم قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه» [حسن صحيح ، «صحيح سنن النسائي» (3140)] .
وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة ، أن رجلاً قال : يا رسول الله ! رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضاً من عرض الدنيا ؟! فقال رسول الله ﷺ : «لا أجر له» ، فأعاد عليه ثلاثاً والنبي ﷺ يقول : «لا أجر له» [حسن ، «صحيح سنن أبي داود» (2516)] .
وخرج الإمام أحمد ، وأبو داود من حديث معاذ بن جبل ، عن النبي ﷺ ، قال : «الغزو غزوان ، فأما من ابتغى وجه الله ، وأطاع الإمام ، وأنفق الكريمة ، وياسر الشريك ، واجتنب الفساد ؛ فإن نومه ونبهه أجر كله ، وأما من غزا فخراً ورياءً وسمعةً ، وعصى الإمام ، وأفسد في الأرض ؛ فإنه لم يرجع بالكفاف» [حسن ، «صحيح سنن أبي داود» (2515)] .
وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو ، قال : قلت : يا رسول الله ! أخبرني عن الجهاد والغزو ؟ فقال : «إن قاتلت صابراً محتسباً ؛ بعثك الله صابراً محتسباً ، وإن قاتلت مرائياً مكاثراً ؛ بعثك الله مرائياً مكاثراً ، على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تيك الحال» [ضعيف ، «ضعيف سنن أبي داود» (2519)] .
وخرج مسلم من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ : سمعت النبي ﷺ يقول : «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد ، فأتى به ، فعرفه نعمه ، فعرفها ، فقال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت ، قال : كذبت ، ولكنك قاتلت لأن يقال : جريء ، فقد قيل ، ثم أمر به ، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل تعلم العلم وعلمه ، وقرأ القرآن ، فأتي به ، فعرفه نعمه ، فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت فيك القرآن ، قال : كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال : عالم ، وقرأت القرآن ليقال : قارئ ، فقد قيل ، ثم أمر به ، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل وسع الله عليه ، وأعطاه من أصناف المال كله ، فأتي به ، فعرفه نعمه ، فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ فقال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال : كذبت ، ولكنك فعلت ليقال : هو جواد ، فقد قيل ، ثم أمر به ، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار» [رواه مسلم (1905)] .
وفي الحديث : إن معاوية لما بلغه هذا الحديث ؛ بكى حتى غشي عليه ، فلما أفاق ؛ قال : صدق الله ورسوله ، قال الله _ عز وجل _ : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ*أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ [سورة هود:15 ، 16] [صحيح ، «صحيح سنن الترمذي» (2382)] .
وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله ؛ كما خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ ، عن النبي ﷺ : «من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا ؛ لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» ؛ يعني : ريحها [صحيح ، «صحيح سنن ابن ماجه» (206)] .
وخرج الترمذي من حديث كعب بن مالك ، عن النبي ﷺ ، قال : «من طلب العلم ليماري به السفهاء ، أو يجاري به العلماء ، أو يصرف به وجوه الناس إليه ؛ أدخله الله النار»[حسن ، «صحيح سنن الترمذي» (2654)].
وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث ابن عمر ، وحذيفة ، وجابر ، عن النبي ﷺ ، ولفظ حديث جابر : «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ، ولا لتماروا به السفهاء ، ولا تخيروا به المجالس ، فمن فعل ذلك ؛ فالنار النار»[صحيح ، «صحيح سنن ابن ماجه» (208)].
وقال ابن مسعود : لا تعلموا العلم لثلاث : لتماروا به السفهاء ، أو لتجادلوا به الفقهاء ، أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم ، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله ؛ فإنه يبقى ويذهب ما سواه .
وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عموماً ؛ كما خرج الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب ، عن النبي ﷺ ، قال : «بشر هذه الأمة بالسناء ، والرفعة ، والدين ، والتمكين في الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ؛ لم يكن له في الآخرة من نصيب»[صحيح ، «صحيح الجامع الصغير» (2825)].
واعلم أن العمل لغير الله أقسام :
فتارةً يكون رياءً محضاً ؛ بحيث لا يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي ؛ كحال المنافقين في صلاتهم ؛ كما قال الله _ عز وجل _ : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [سورة النساء:142] ، وقال _ تعالى _ : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ _ الآية _ [سورة الماعون:4] ، وكذلك وصف الله _ تعالى _ الكفار بالرياء في قوله _ تعالى _ : ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [سورة الأنفال:47] ، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام ، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج ، وغيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها ؛ فإن الإخلاص فيها عزيز ، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط ، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة .
وتارةً يكون العمل لله ويشاركه الرياء ، فإن شاركه من أصله ؛ فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه _ أيضاً _ .
وفي «صحيح مسلم» ، عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ ، عن النبي ﷺ ، قال : «يقول الله _ تبارك وتعالى _ : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري ؛ تركته وشريكه»[رواه مسلم (2985)].
وخرجه ابن ماجه ، ولفظه : «فأنا منه بريء» ، وهو للذي أشرك[صحيح ، «صحيح سنن ابن ماجه» (3406)].
وخرج الإمام أحمد ، عن شداد بن أوس ، عن النبي ﷺ ، قال : «من صلى يرائي ؛ فقد أشرك ، ومن صام يرائي ؛ فقد أشرك ، ومن تصدق يرائي ؛ فقد أشرك ، وإن الله _ عز وجل _ يقول : أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئاً ؛ فإن جدة عمله _ قليله وكثيره _ لشريكه الذي أشرك به ، وأنا عنه غني»[ضعيف ، «ضعيف الترغيب والترهيب» (19)].
صفحة 9
وخرج الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه ، من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة _ وكان من الصحابة _ ، قال : قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ؛ نادى مناد : من كان أشرك في عمل عمله لله _ عز وجل _ ؛ فليطلب ثوابه من عند غير الله _ عز وجل _ ؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك»[حسن ، «صحيح سنن ابن ماجه» (3407)].
وخرج البزار في «مسنده» من حديث الضحاك بن قيس ، عن النبي ﷺ ، قال : «إن الله _ عز وجل _ يقول : أنا خير شريك ، فمن أشرك معي شريكاً ؛ فهو لشريكي ، يا أيها الناس ! أخلصوا أعمالكم لله _ عز وجل _ ؛ فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أخلص له ، ولا تقولوا : هذا لله والرحم ؛ فإنها للرحم ، وليس لله منها شيء ، ولا تقولوا : هذا لله ولوجوهكم ؛ فإنها لوجوهكم ، وليس لله منها شيء»[صحيح ، «الصحيحة» (2764)].
وخرج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي ، أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال : يا رسول الله ! أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا شيء له» ، فأعادها عليه ثلاث مرات يقول له رسول الله ﷺ : «لا شيء له» ، ثم قال : «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً ، وابتغي به وجهه» [حسن صحيح ، «صحيح سنن النسائي» (3140)] .
وخرج الحاكم من حديث ابن عباس ، قال : قال رجل : يا رسول الله ! إني أقف الموقف أريد به وجه الله ، وأريد أن يرى موطني ، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئاً حتى نزلت : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ...﴾ _ الآية _ [سورة الكهف:110] [ضعيف ، «ضعيف الترغيب والترهيب» (9)].
وممن روي عنه هذا المعنى _ أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء ؛ كان باطلاً _ طائفة من السلف : منهم : عبادة بن الصامت ، وأبو الدرداء ، والحسن ، وسعيد بن المسيب _ وغيرهم _ .
وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة ، عن النبي ﷺ قال : «لا يقبل الله عملاً فيه مثقال حبة خردل من رياء»[ضعيف مرسل ، «ضعيف الترغيب والترهيب» (22)].
ولا نعرف عن السلف في هذا خلافاً وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين ، فإن خالط نية الجهاد مثلاً نية غير الرياء ؛ مثل أخذ أجرة للخدمة ، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة ؛ نقص بذلك أجر جهادهم ، ولم يبطل بالكلية .
وفي «صحيح مسلم» ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي ﷺ ، قال : «إن الغزاة إذا غنموا غنيمةً ؛ تعجلوا ثلثي أجرهم ، فإن لم يغنموا شيئاً ؛ تم لهم أجرهم»[رواه مسلم (1906)].
وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضاً من الدنيا أنه لا أجر له ، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا .
وقال الإمام أحمد : التاجر ، والمستأجر ، والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزاتهم ، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره .
وقال _ أيضاً _ فيمن يأخذ جعلاً على الجهاد إذا لم يخرج لأجل الدراهم : فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدينه ، فإن أعطي شيئاً ؛ أخذه .
وكذا روي عن عبد الله بن عمرو ، قال : إذا أجمع أحدكم على الغزو ، فعوضه الله رزقاً ؛ فلا بأس بذلك ، وأما إن أحدكم إن أعطي درهماً غزا ، وإن منع درهماً مكث ؛ فلا خير في ذلك .
وكذا قال الأوزاعي : إذا كانت نية الغازي على الغزو ؛ فلا أرى بأساً .
وهكذا يقال فيمن أخذ شيئاً في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره .
وقد روي عن مجاهد أنه قال في حج الجمال ، وحج الأجير ، وحج التاجر : هو تام لا ينقص من أجورهم شيء .
وهو محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب ، وأما إن كان أصل العمل لله ، ثم طرأت عليه نية الرياء ؛ فإن كان خاطراً ، أو دفعه ؛ فلا يضره بغير خلاف ، وإن استرسل معه ، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته ؟
في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد ، وابن جرير الطبري ، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك ، وأنه يجازى بنيته الأولى ، وهو مروي عن الحسن البصري _ وغيره _ .
ويستدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في «مراسيله» ، عن عطاء الخراساني ، أن رجلاً قال : يا رسول الله ! إن بني سلمة كلهم يقاتل ، فمنهم من يقاتل للدنيا ، ومنهم من يقاتل نجدةً ، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله ، فأيهم الشهيد ؟ قال : «كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا».
وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله _ كالصلاة ، والصيام ، والحج _ ، فأما ما لا ارتباط فيه _ كالقراءة ، والذكر ، وإنفاق المال ، ونشر العلم _ ؛ فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ، ويحتاج إلى تجديد نية .
وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال : ربما أحدث بحديث ولي فيه نية ، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي ، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات .
ولا يرد على هذا الجهاد _ كما في مرسل عطاء الخراساني _ ؛ فإن الجهاد يلزم بحضور الصف ، ولا يجوز تركه حينئذ ، فيصير كالحج ، فأما إذا عمل العمل لله خالصاً ، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته ، واستبشر بذلك ؛ لم يضره ذلك .
وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر ، عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير يحمده الناس عليه ؟ فقال : «تلك عاجل بشرى المؤمن» ، خرجه مسلم[رواه مسلم (2642)].
وخرجه ابن ماجه ، وعنده : الرجل يعمل العمل ، فيحبه الناس عليه [رواه مسلم (2642)] .
وبهذا المعنى فسره الإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، وابن جرير الطبري _ وغيرهم _ .
وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي ، وابن ماجه من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه _ ، أن رجلاً قال : يا رسول الله ! الرجل يعمل العمل ، فيسره ، فإذا اطلع عليه ؛ أعجبه ، فقال : «له أجران : أجر السر ، وأجر العلانية»[ضعيف ، «ضعيف سنن ابن ماجه» (4980)].
ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء ؛ فإن فيه كفايةً .
وبالجملة : فما أحسن قول سهل بن عبد الله : ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص ؛ لأنه ليس لها فيه نصيب .
وقال يوسف بن الحسين الرازي : أعز شيء في الدنيا الإخلاص ، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر .
وقال ابن عيينة : كان من دعاء مطرف بن عبد الله : اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ، ثم عدت فيه ، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ، ثم لم أف لك به ، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك ، فخالط قلبي منه ما قد عملت .
صفحة 10

فصل

وأما النية بالمعنى الذي يذكره الفقهاء _ وهو تمييز العبادات من العادات ، وتمييز العبادات بعضها من بعض _ ؛ فإن الإمساك عن الأكل والشرب يقع تارةً حميةً ، وتارةً لعدم القدرة على الأكل ، وتارةً تركاً للشهوات لله _ عز وجل _ ، فيحتاج في الصيام إلى نية ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه .
وكذلك العبادات ؛ كالصلاة ، والصيام ، منها فرض ، ومنها نفل ، والفرض يتنوع أنواعاً ؛ فإن الصلوات المفروضات خمس صلوات كل يوم وليلة ، والصوم الواجب تارةً يكون صيام رمضان ، وتارةً صيام كفارة أو عن نذر ، ولا يتميز هذا كله إلا بالنية .
وكذلك الصدقة تكون نفلاً وتكون فرضاً ، والفرض منه زكاة ومنه كفارة ، ولا يتميز ذلك إلا بالنية ، فيدخل ذلك في عموم قوله ﷺ : «وإنما لكل امرئ ما نوى» .
وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء ؛ فإن منهم من لا يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة ؛ بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت وإن لم يستحضر تسميته في الحال ، وهو رواية عن الإمام أحمد .
وينبني على هذا القول أن من فاتته صلاة من يوم وليلة ، ونسي عينها أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات : الفجر ، والمغرب ، ورباعيةً واحدةً .
وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان لايحتاج إلى نية تعيينية _ أيضاً _ ؛ بل تجزئ بنية الصيام مطلقاً ؛ لأن وقته غير قابل لصيام آخر ، وهو _ أيضاً _ رواية عن الإمام أحمد .
وربما حكي عن بعضهم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية بالكلية لتعيينه بنفسه ، فهو كرد الودائع .
وحكي عن الأوزاعي أن الزكاة كذلك ، وتأول بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزئ بنية الصدقة المطلقة كالحج .
وكذلك قال أبو حنيفة : لو تصدق بالنصاب كله من غير نية أجزأه عن زكاته .
وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه سمع رجلاً يلبي بالحج عن رجل ، فقال له : «أحججت عن نفسك ؟» ، قال : لا ، قال : «هذه عن نفسك ، ثم حج عن الرجل» .
وقد تكلم في صحة هذا الحديث ، ولكنه صحيح عن ابن عباس _ وغيره _ ، وأخذ بذلك الشافعي وأحمد في المشهور عنه _ وغيرهما _ في أن حجة الإسلام تسقط بنية الحج مطلقاً ؛ سواءً نوى التطوع أو غيره ، ولا يشترط للحج تعيين النية ، فمن حج عن غيره ولم يحجعن نفسه ؛ وقع عن نفسه ، وكذلك لو حج عن نذره أو نفلاً ولم يكن حج حجة الإسلام ؛ فإنها ينقلب عنها .
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابه في حجة الوداع بعد ما دخلوا معه ، وطافوا ، وسعوا أن يفسخوا حجهم ويجعلوها عمرةً ، وكان منهم القارن والمفرد ، وإنما كان طوافهم عند قدومهم طواف القدوم وليس بفرض ، وقد أمرهم أن يجعلوه طواف عمرة وهو فرض .
وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فسخ الحج ، وعمل به ، وهو مشكل على أصله ؛ فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية ، وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء ؛ كمالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة .
وقد يفرق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب كالإحرام الذي يفسخه ويجعله عمرةً ، فينقلب الطواف فيه تبعاً لانقلاب إحرامه كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام تبعاً لانقلاب الإحرام من أصله ووقوعه عن فرضه ، بخلاف ما إذا طاف للزيارة بنية الوداع أو التطوع ؛ فإن هذا لا يجزئه ؛ لأنه لم ينو به الفرض ، ولم ينقلب فرضاً تبعاً لانقلاب إحرامه _ والله أعلم _ .
ومما يدخل في هذا الباب : أن رجلاً في عهد النبي ﷺ كان قد وضع صدقته عند رجل ، فجاء ابن صاحب الصدقة ، فأخذها ممن هي عنده ، فعلم بذلك أبوه ، فخاصمه إلى النبي ﷺ ، وقال : ما إياك أردت ، فقال النبيًّ ﷺ للمتصدق : «لك ما نويت» ، وقال للآخذ : «لك ما أخذت» ، خرجه البخاري[رواه البخاري (1422)].
وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث ، وعمل به في المنصوص عنه ، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه ؛ فإن الرجل إنما يمنع من دفع الصدقة إلى ولده ؛ خشية أن يكون محاباةً ، فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر ؛ كانت المحاباة منتفيةً ، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر ، ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيراً وكان غنيًّا في نفس الأمر ؛ أجزأته _ على الصحيح _ ؛ لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه ، والفقر أمر خفي لا يكاد يطلع على حقيقته .
وأما الطهارة ؛ فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور ، وهو يرجع إلى أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة أم هي شرط من شروط الصلاة ؛ كإزالة النجاسة وستر العورة ؟
فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر شروط الصلاة ، ومن اشترط لها النية جعلها عبادةً مستقلةً ، فإذا كانت عبادةً في نفسها ؛ لم تصح بدون نية ، وهذا قول جمهور العلماء .