صفحة 1
غبار الطريق
لستُ لي.. أنا منذورة لشيء غامض، وما عليَّ سوى المضي قُدمًا والتوحد بمصيري.
اسمي بستان!
من يعرفونني جيدًا، وهم قِلَّة، يسمونني «كاهنة الأبيض والأسود»!
الآخرون يرونني غريبة الأطوار. لو قُدِّر لكاتب أن يكتبني لوصفني بالمرأة الحوراء، أو ذات الشعر الفاحم والملابس السوداء، إلى آخر هذه الأوصاف المحدودة بالظاهر، غير القادرة على التقاط ما يتأجج بداخلي.
لن يتمكن أحد من اِكْتِنَاه ما أخبئه ولا ما أقدر عليه، كما لن يكون على علم بخفايا الوقائع التي جرت قبل قرون، ولها نذرت حياتي، لذا عليّ أن أكون الكاتبة، أو بالأحرى الحكَّاءة المنوط بها ملء ثغرات الحكاية وضمّ أجزائها معًا، حكاية لستُ بطلتها، لكنها لن تكون من دوني.
في العام الحادي عشر من الألفية الثالثة، وفي شقتي المطلة على نيل الزمالك، أنكفئ على التدوين بلا كلل. عالم قديم ينهار بالخارج وأنا مشدودة إلى كلمات مراوغة، لا تكف عن التسرب من بين أصابعي. كسحائب صيف عابرة، تمر بذهني مشاهد متتابعة من أزمان مختلفة، أقتنص بعضها، ويتملَّص مني بعضها الآخر.
أراني طفلة فوق جبال الـ»ديلم» في ستينات القرن العشرين، أعدو خلف أبي في تسكّعه الصباحي وهو ينشد أبياتًا للرومي أو العطّار أو حافظ. يسبقني بأمتار ثم ينتبه إلى تأخّري عنه، فيقف منتظرًا بصبر، وبخار الماء يتصاعد من فمه. ألحق به، فيُجلسني فوق صخرة مجاورة لأرتاح قليلًا. ويحكي لي، كما كل مرّة، شذرات من خبر موطننا الأصلي. وأنا، رغم البرودة الشديدة يدبُّ الدفء في جسدي، وأكمل له ما يغفله من تفاصيل، فيعانقني سعيدًا.
«نحن غرباء أبديون»! كان يقول كل مرة يُخرِج فيها تلك الرقوق والجلود العتيقة من خزانته السرية ويروح ينبِّه عليّ ألاّ أبوح بسرها لأحد، ساهيًا عن حقيقة أني أكاد لا أحادث أحدًا غيره. أعده بهذا، فيبدأ في تعليمي كيفية فك شِفرة ما بها. ينقل لي ما تعلّمه من أبيه. يهمس لي بأن السلسلة يجب أن تتوقف عندي، أسأله عمّا يعنيه، فيرد بأن ما لديه من علامات، ينبئه بأني الكاهنة المنتظَرة، ولا يزيد في الشرح.
أتذكره الآن، بينما أجلس في بيتي القاهري، فتحضرني روائح جبل «آلموت» ونباتاته، أكاد أبصر السفوح المكسوَّة بالخضرة والقمم المكللة بالثلوج والسهل المنبسط محتضنًا القرى المحيطة بجبال الديلم.
ذات يوم بعيد أشار أبي إلى ما أطلق عليه «أطلال قلعة آلموت»، وغاصت ملامحه كلها في أسى لم أدرك أسبابه. كان يقف منتصبًا مبالغًا في شد جسده، وهو يتأمل البقعة التي يصوِّب نحوها سبابته. لم أنظر إليها، بل تعلقت عيناي بوجهه الأليف بلحيته الخفيفة وشعره الرمادي.
انحدرنا نحو الأسفل، وبين برهة وأخرى كان يلتفت إلى الوراء ممعنًا النظر في أطلال لم أكن – إلى ذلك الوقت - أعرف عنها شيئًا. بعدها بيومين أجلسني بجانبه تحت شجرة كستناء، وحكى لي عن حسن الصبَّاح وطائفة الحشاشين. قال إن لا شيء يبقى سوى الحكايات، تنتهي الذاكرة بموت صاحبها، وتظل الحكايات كذاكرة بديلة متوارثة.
درَّبني مبكرًا على السرد والكتابة، مسربًا لي تدريجًا لمحات مما ينتظرني من مهام، أسمعني مئات الحواديت المستلَّة من دهاليز التاريخ الغابر، وأنشد لي آلاف أبيات الشعر. كنت ألتهم، بتشجيع منه، ما يقع تحت يدي من كتب.
اصطحبني تقريبًا إلى كل مكان ذهب إليه، معه زرت قبر عمر الخيام المحروس بالورود وقلوب المحبين، وخطوت في أروقة وأزقة مدينة مشهد المقدسة، وتجولت بين نيسابور وشيراز وأصفهان. «هذه مدن يتنفس فيها التاريخ ويعيش، ومع هذا يجب ألاّ تنسينا وطننا المشتهى»! يقول، ثم يغمض عينيه ويغرق داخل ذاته، فيخطر لي أن الوطن المحلوم به ليس سوى فكرة.
لستُ لي.. أنا منذورة لشيء غامض، وما عليَّ سوى المضي قُدمًا والتوحد بمصيري.
اسمي بستان!
من يعرفونني جيدًا، وهم قِلَّة، يسمونني «كاهنة الأبيض والأسود»!
الآخرون يرونني غريبة الأطوار. لو قُدِّر لكاتب أن يكتبني لوصفني بالمرأة الحوراء، أو ذات الشعر الفاحم والملابس السوداء، إلى آخر هذه الأوصاف المحدودة بالظاهر، غير القادرة على التقاط ما يتأجج بداخلي.
لن يتمكن أحد من اِكْتِنَاه ما أخبئه ولا ما أقدر عليه، كما لن يكون على علم بخفايا الوقائع التي جرت قبل قرون، ولها نذرت حياتي، لذا عليّ أن أكون الكاتبة، أو بالأحرى الحكَّاءة المنوط بها ملء ثغرات الحكاية وضمّ أجزائها معًا، حكاية لستُ بطلتها، لكنها لن تكون من دوني.
في العام الحادي عشر من الألفية الثالثة، وفي شقتي المطلة على نيل الزمالك، أنكفئ على التدوين بلا كلل. عالم قديم ينهار بالخارج وأنا مشدودة إلى كلمات مراوغة، لا تكف عن التسرب من بين أصابعي. كسحائب صيف عابرة، تمر بذهني مشاهد متتابعة من أزمان مختلفة، أقتنص بعضها، ويتملَّص مني بعضها الآخر.
أراني طفلة فوق جبال الـ»ديلم» في ستينات القرن العشرين، أعدو خلف أبي في تسكّعه الصباحي وهو ينشد أبياتًا للرومي أو العطّار أو حافظ. يسبقني بأمتار ثم ينتبه إلى تأخّري عنه، فيقف منتظرًا بصبر، وبخار الماء يتصاعد من فمه. ألحق به، فيُجلسني فوق صخرة مجاورة لأرتاح قليلًا. ويحكي لي، كما كل مرّة، شذرات من خبر موطننا الأصلي. وأنا، رغم البرودة الشديدة يدبُّ الدفء في جسدي، وأكمل له ما يغفله من تفاصيل، فيعانقني سعيدًا.
«نحن غرباء أبديون»! كان يقول كل مرة يُخرِج فيها تلك الرقوق والجلود العتيقة من خزانته السرية ويروح ينبِّه عليّ ألاّ أبوح بسرها لأحد، ساهيًا عن حقيقة أني أكاد لا أحادث أحدًا غيره. أعده بهذا، فيبدأ في تعليمي كيفية فك شِفرة ما بها. ينقل لي ما تعلّمه من أبيه. يهمس لي بأن السلسلة يجب أن تتوقف عندي، أسأله عمّا يعنيه، فيرد بأن ما لديه من علامات، ينبئه بأني الكاهنة المنتظَرة، ولا يزيد في الشرح.
أتذكره الآن، بينما أجلس في بيتي القاهري، فتحضرني روائح جبل «آلموت» ونباتاته، أكاد أبصر السفوح المكسوَّة بالخضرة والقمم المكللة بالثلوج والسهل المنبسط محتضنًا القرى المحيطة بجبال الديلم.
ذات يوم بعيد أشار أبي إلى ما أطلق عليه «أطلال قلعة آلموت»، وغاصت ملامحه كلها في أسى لم أدرك أسبابه. كان يقف منتصبًا مبالغًا في شد جسده، وهو يتأمل البقعة التي يصوِّب نحوها سبابته. لم أنظر إليها، بل تعلقت عيناي بوجهه الأليف بلحيته الخفيفة وشعره الرمادي.
انحدرنا نحو الأسفل، وبين برهة وأخرى كان يلتفت إلى الوراء ممعنًا النظر في أطلال لم أكن – إلى ذلك الوقت - أعرف عنها شيئًا. بعدها بيومين أجلسني بجانبه تحت شجرة كستناء، وحكى لي عن حسن الصبَّاح وطائفة الحشاشين. قال إن لا شيء يبقى سوى الحكايات، تنتهي الذاكرة بموت صاحبها، وتظل الحكايات كذاكرة بديلة متوارثة.
درَّبني مبكرًا على السرد والكتابة، مسربًا لي تدريجًا لمحات مما ينتظرني من مهام، أسمعني مئات الحواديت المستلَّة من دهاليز التاريخ الغابر، وأنشد لي آلاف أبيات الشعر. كنت ألتهم، بتشجيع منه، ما يقع تحت يدي من كتب.
اصطحبني تقريبًا إلى كل مكان ذهب إليه، معه زرت قبر عمر الخيام المحروس بالورود وقلوب المحبين، وخطوت في أروقة وأزقة مدينة مشهد المقدسة، وتجولت بين نيسابور وشيراز وأصفهان. «هذه مدن يتنفس فيها التاريخ ويعيش، ومع هذا يجب ألاّ تنسينا وطننا المشتهى»! يقول، ثم يغمض عينيه ويغرق داخل ذاته، فيخطر لي أن الوطن المحلوم به ليس سوى فكرة.
صفحة 2
«محال أن أنال صحبتك، لهذا أصاحب غبار طريقك»! اعتاد أن يكرر قول فريد الدين العطّار، فأعرف أنها رسالة موجّهة إلّي، أحدس أني مَن سوف يصاحب غبار الطريق، وأن حياتي برمّتها ستضيع على الطريق المستحيل إلى وطن يسكن الكلمات. هشة، متعبة، تنهشني الأفكار والشكوك والهواجس، كان مقدرًا لي أن أخطو مخفورة بالغبار.
في الثامنة عشر من عمري، غادرتُ شبه مجبرة، بسبب تصميمه أن مكاني لم يعد حيث يقيم، وأن عليّ بدء رحلتي وحدي، لم أحمل في حقيبة السفر سوى ملابس قليلة كي تتسع لأكبر قدر مما حمَّلني إياه من مخطوطات وكتب وأوراق. في ذاكرتي كانت تضطرم مئات التفاصيل، وفي مفكرة صغيرة، قبعت أسماء مدن أعبر بعضها سريعًا كما يفعل عصفور قلِق، وأنظر لبعضها الآخر من علٍ نظرة طائر، وأقيم في القليل منها لسنوات تطول أو تقصر. مدن تبدأ من نيويورك حيث كان يفترض بي إكمال دراستي، وتنتهي في القاهرة التي فهم من علامات ونبوءات، مبثوثة في ثنايا ما ورثه عن أجداده، أنها محطتي الأخيرة التي سأجد فيها ما أبحث عنه، القاهرة حيث أجلس الآن - بعد مرور اثنين وثلاثين عامًا على توديعي له - أنسج الكلمات لأحيك ثوب الحكاية الناقصة من كتاب «الليالي».
«أي حكاية تلك؟ نعرف حكايات كثيرة أُضيفت إلى «ألف ليلة وليلة»، لكننا لم نسمع بحكاية معينة نقصت منه، ثم إنه ليس كتابًا واحدًا، إنما نص لا نهائي لا يني يتغير عبر الإضافة والحذف!».
هذا ما سوف يجول بذهن من يقرأ ما أدوِّنه، لكن اسمحوا لي أولًا أن أضم أشلاء حكايتي جنبًا إلى جنب! ولتسامحوني إذا لم تتضح لكم معالمها سريعًا، ولتعلموا أن من أصعب الأمور القفز بين الأزمنة والتواريخ ومصالحة ماضٍ سحيق مع حاضر مُعاش. الصبر صيّاد، فليكن الصبر رفيقكم، كما كان ولا يزال رفيقي الوحيد على دربي الوعِر.
كان الصبر معي، قبل سنوات قليلة، في طريقي لذلك البيت الريفي البعيد عن العمران. في تلك اللحظة كنت مغمورة بخجل طارئ من نفسي لانسياقي وراء ما سيراه الآخرون سرابًا.
لكن كلما زارني الشك تراءت لي علامة تعيد لعالمي اتساقه، وتضفي على رحلتي معناها. علامتي في تلك المرة أن البيت، القابع في بقعة تبعد كيلومترات عن القاهرة، مطابق للوصف القديم المدوَّن في أوراقي!
بناء طيني محاط بسياج من أعواد القش، تظلِّله شجرة توت ضخمة، وتحيط به أشجار كافور. سرقتني الرسوم المطبوعة على بابه الخشبي العتيق: باخرة حُجَّاج ونخلة مثقلة بالتمر وطائر ضخم يستعد للانقضاض على فريسة نسيَ الرسام أن يرسمها. بصعوبة، انتشلت نفسي وطرقتُ الباب.
طرقة واحدة على استحياء، تلتها طرقات أخرى بوقْع أشد، حتى فتحت لي صاحبة البيت وحارسته. كانت كما تخيلتها تمامًا: سمراء، نحيلة، مطفأة النظرة، تربط رأسها بعصابة سوداء، وترتدي جلبابًا فضفاضًا باللون نفسه، لم أعرف ما ينبغي عليّ قوله، ولا كيف أبرّر زيارتي المفاجئة لها. لحسن الحظ وفَّرَت عليّ الكلام.
« استنيتِك كتير».
قالت ثم أنزلت لمبة الكيروسين المعلقة بمسمار إلى الحائط، أطفأتها بنفخة من فمها:
« نور ربنا كفاية».
نظرتْ إلى السيجارة التي أشعلتُها، وأشاحتْ بوجهها بعيدًا. تشاغلتْ بالعبث في ثنيات ثوبها الفضفاض، وإن ظلتْ تتابعني خلسة، وترمق شعري المتناثر بلا انتظام فوق كتفي، وملابسي القصيرة، ونهمي للسيجارة التي أمتصها. تأملت بدوري جسدها الضامر ووجهها المتغضّن، خمّنت أنها بلغت الخمسين لتوِّها، وهنأت نفسي على مظهر لا يدل على سنّي الحقيقية، لن يصدق أحد أن الفارق بيننا بضعة أعوام.
سألتها عن الغرفة، فأشارتْ إليها. فتحتُ الباب فباغتتني الحيطان العارية، ورائحة بخور نفَّاذة. أغلقتُ الباب خلفي، خلعتُ حذائي، وخطوتُ حافية على الحصيرة الخوص النظيفة.
بلا نوافذ، خالية إلاَّ من سرير خشبي ومنضدة صغيرة فوقها شمعدان فضّي به ست شمعات، وبجواره كتب قديمة مصفرة الأوراق. غبار أبيض غطى كل شيء. حاولت مسح بعضه بيدي، فلم أفلح، توقفت عندما تذكرت خطورة تعديل أي شيء في الغرفة، أو حكْي ما مررت به فيها، وضرورة ألا أغادرها إلا بعد مرور يوم كامل على دخولي لها، يوم أصوم فيه عن الكلام.
في الثامنة عشر من عمري، غادرتُ شبه مجبرة، بسبب تصميمه أن مكاني لم يعد حيث يقيم، وأن عليّ بدء رحلتي وحدي، لم أحمل في حقيبة السفر سوى ملابس قليلة كي تتسع لأكبر قدر مما حمَّلني إياه من مخطوطات وكتب وأوراق. في ذاكرتي كانت تضطرم مئات التفاصيل، وفي مفكرة صغيرة، قبعت أسماء مدن أعبر بعضها سريعًا كما يفعل عصفور قلِق، وأنظر لبعضها الآخر من علٍ نظرة طائر، وأقيم في القليل منها لسنوات تطول أو تقصر. مدن تبدأ من نيويورك حيث كان يفترض بي إكمال دراستي، وتنتهي في القاهرة التي فهم من علامات ونبوءات، مبثوثة في ثنايا ما ورثه عن أجداده، أنها محطتي الأخيرة التي سأجد فيها ما أبحث عنه، القاهرة حيث أجلس الآن - بعد مرور اثنين وثلاثين عامًا على توديعي له - أنسج الكلمات لأحيك ثوب الحكاية الناقصة من كتاب «الليالي».
«أي حكاية تلك؟ نعرف حكايات كثيرة أُضيفت إلى «ألف ليلة وليلة»، لكننا لم نسمع بحكاية معينة نقصت منه، ثم إنه ليس كتابًا واحدًا، إنما نص لا نهائي لا يني يتغير عبر الإضافة والحذف!».
هذا ما سوف يجول بذهن من يقرأ ما أدوِّنه، لكن اسمحوا لي أولًا أن أضم أشلاء حكايتي جنبًا إلى جنب! ولتسامحوني إذا لم تتضح لكم معالمها سريعًا، ولتعلموا أن من أصعب الأمور القفز بين الأزمنة والتواريخ ومصالحة ماضٍ سحيق مع حاضر مُعاش. الصبر صيّاد، فليكن الصبر رفيقكم، كما كان ولا يزال رفيقي الوحيد على دربي الوعِر.
كان الصبر معي، قبل سنوات قليلة، في طريقي لذلك البيت الريفي البعيد عن العمران. في تلك اللحظة كنت مغمورة بخجل طارئ من نفسي لانسياقي وراء ما سيراه الآخرون سرابًا.
لكن كلما زارني الشك تراءت لي علامة تعيد لعالمي اتساقه، وتضفي على رحلتي معناها. علامتي في تلك المرة أن البيت، القابع في بقعة تبعد كيلومترات عن القاهرة، مطابق للوصف القديم المدوَّن في أوراقي!
بناء طيني محاط بسياج من أعواد القش، تظلِّله شجرة توت ضخمة، وتحيط به أشجار كافور. سرقتني الرسوم المطبوعة على بابه الخشبي العتيق: باخرة حُجَّاج ونخلة مثقلة بالتمر وطائر ضخم يستعد للانقضاض على فريسة نسيَ الرسام أن يرسمها. بصعوبة، انتشلت نفسي وطرقتُ الباب.
طرقة واحدة على استحياء، تلتها طرقات أخرى بوقْع أشد، حتى فتحت لي صاحبة البيت وحارسته. كانت كما تخيلتها تمامًا: سمراء، نحيلة، مطفأة النظرة، تربط رأسها بعصابة سوداء، وترتدي جلبابًا فضفاضًا باللون نفسه، لم أعرف ما ينبغي عليّ قوله، ولا كيف أبرّر زيارتي المفاجئة لها. لحسن الحظ وفَّرَت عليّ الكلام.
« استنيتِك كتير».
قالت ثم أنزلت لمبة الكيروسين المعلقة بمسمار إلى الحائط، أطفأتها بنفخة من فمها:
« نور ربنا كفاية».
نظرتْ إلى السيجارة التي أشعلتُها، وأشاحتْ بوجهها بعيدًا. تشاغلتْ بالعبث في ثنيات ثوبها الفضفاض، وإن ظلتْ تتابعني خلسة، وترمق شعري المتناثر بلا انتظام فوق كتفي، وملابسي القصيرة، ونهمي للسيجارة التي أمتصها. تأملت بدوري جسدها الضامر ووجهها المتغضّن، خمّنت أنها بلغت الخمسين لتوِّها، وهنأت نفسي على مظهر لا يدل على سنّي الحقيقية، لن يصدق أحد أن الفارق بيننا بضعة أعوام.
سألتها عن الغرفة، فأشارتْ إليها. فتحتُ الباب فباغتتني الحيطان العارية، ورائحة بخور نفَّاذة. أغلقتُ الباب خلفي، خلعتُ حذائي، وخطوتُ حافية على الحصيرة الخوص النظيفة.
بلا نوافذ، خالية إلاَّ من سرير خشبي ومنضدة صغيرة فوقها شمعدان فضّي به ست شمعات، وبجواره كتب قديمة مصفرة الأوراق. غبار أبيض غطى كل شيء. حاولت مسح بعضه بيدي، فلم أفلح، توقفت عندما تذكرت خطورة تعديل أي شيء في الغرفة، أو حكْي ما مررت به فيها، وضرورة ألا أغادرها إلا بعد مرور يوم كامل على دخولي لها، يوم أصوم فيه عن الكلام.
صفحة 3
للحظات غلبتني أنايَ الأخرى، فشعرت بالتوتر وبعض الندم لمجيئي إلى هنا، أشعلت سيجارة ثانية علّها تمدني بالهدوء، وتمددتُ فوق الفراش.
دسستُ وجهي في الوسادة، هربًا من رائحة البخور فوجدتها صارت أكثر تركيزًا. جلست مستندة بظهري إلى قائمة السرير. خلت أنني أسمع ضحكات أبي الصاخبة تتناثر على أرضية الغرفة. رغم عدم رؤيتي له منذ ثلاثة عقود، ووفاته قبل أعوام. شعرتُ بحضوره معي، وشممتُ رائحة التبغ الممزوجة بأنفاسه. استحضرتُ نبرة صوته الهادئة وكلماته التي كان ينطقها متمهِّلًا كأنه يبخل بها على من يحادثه. اندهشت من حضوره الكثيف في مكان لم تسبق له زيارته. كيف لمن قضى جُلّ عمره بعيدًا ونائيًا عن كل شيء، أن يلاحقني طيفه أينما اتجهت؟
سمعت أصواتًا متداخلة تتجادل بعنف وعصبية، وتردد اسمي - بصيغته الفارسية - من وقت لآخر، وأنا عاجزة عن فهم ما يُقال، الكلمات بلا أي معنى أو دلالة محددة. خفتت الأصوات، تحولتْ إلى وشيش خفيف يحف بالمكان.
وحده اسمي كنت أميزه، يُنطق «بوستان دَريا» مرة و«باغ دَريا» مرات. مع حلول المساء، أُنيرت الشمعات الست من تلقاء نفسها. لم أشعر بالجوع أو العطش، كما لم أعد في حاجة للتدخين. مرّت حياتي أمامي كشريط سينمائي يتكرر ببطء وبلا نهاية. ذاكرتي باتت حاضرة ومحتفظة بأدق تفاصيل ماضيّ، مع التركيز على لحظات إخفاق تُستعاد في ذهني، لكنها على عكس توقّعي لم تخلِّف بداخلي ندمًا. كنت كالواقعة تحت تأثير مخدّر ما جعل ردود أفعالي بطيئة، وأزال أي توتر أو خوف، أو عاطفة.
هادئة تمامًا، خلعت ملابسي، وغفوت شبه عارية، في إغفاءتي سمعت أبي يترنَّم بأغنية غَمضَ عليَّ معناها. رأيتني طفلة تعدو فرحة بجوار ضريح سعدي الشيرازي في حديقة السعدية، أهبط درجات وأصعدها من جديد، لألعب بين أعمدة الرخام الوردية. أبتعد عن الضريح مسافة تتيح لي رؤية قبّته الفيروزية، وأقترب منه لأدقق في الرسوم المنقوشة على مدخله: كون أزرق يحتضن شجرة حياة تعكس زهورها وأوراقها مهرجانًا لونيًا يحتويه إطار ذهبي موشَّى بالنقوش. في الداخل بدت أبيات سعدي المكتوبة على الجدران كتميمة تتحدى الزمن.
غادرت المقبرة المحاطة بأشجار «السرو» متجهة صوب ينابيع الماء، مع كل خطوة أخطوها أنتقل من الطفولة إلى المراهقة ثم الشباب حتى صرت المرأة التي أنا عليها اليوم، خلَّفت السعدية ورائي، بينما أفكر في أن لا شيء يماثل ربيع شيراز، تذكرت وطن أسلافي المفقود فغمرني الحزن.
حين أفقت وجدتني مرتدية ملابسي بالكامل، وجسدي يؤلمني في أكثر من موضع، انتبهت إلى أن الغرفة مختلفة عن السابق، ظهرت فيها نافذة تتوسط الحائط عن يميني، ولم يكن هناك أثر للشمعدان بشموعه الست، ولا للكتب القديمة بجواره، المنضدة الخشبية نفسها لم تكن موجودة. خمنت أن هناك من نقلني إلى غرفة أخرى. اعتدلت في جلستي وأنا أتساءل عن مصدر الألم الخافت في جسدي. قمت ببطء، ارتديت حذائي، وخرجت بتثاقل.
وجدت صاحبة البيت جالسة في الصالة، تربعت بجوارها فوق «كليم» من الصوف. لم أخبرها بما اختبرته في الداخل، ولم يبدُ عليها أنها تنتظر كلامي أو تتوقع مني شيئًا.
حملت حقيبة يدي، وخطوت أولى خطواتي في طريق العودة. ثمّة مطر خفيف، وظلام يخطو مترددًا. أحكمتُ وضع شالي الأسود على كتفي، مددتُ كفّي أمامي فسقطتْ عليها قطرات مطر، ضممت قبضتي متمنية أن تتحول إلى أحجار زمرد متلألئة، تُذكِّر بحكاية «جبل الزمرد».
لِعلة ما طُرِدت هذه الحكاية من «ألف ليلة وليلة»!
أغفلها الرواة والمدوِّنون، في البداية لجأوا إلى تحريفها، وإذا انتبه أحد المستمعين، يمكرون فيصححون تفصيلة أو اثنتين، للتمويه على باقي التفاصيل المُحرَّفة. مع الوقت اختلفت عن أصلها، بل تناقضت معه، تفرَّق دمها بين الحواديت الأخرى، وتوزعت تفاصيلها عليها!
لا أحد يعرف لماذا قُدِّر لها تحديدًا أن تُحرَّف حد التضاد مع أصلها، ثمّة من يقول إن بعض الرواة القدامى وجدوا فيها إزعاجًا مبهمًا لا يقوون على تحمله، وهم ينشدون «الليالي» في أزقة وحانات: بغداد، والقاهرة، ودمشق. كأن لعنة ما تسمّها؛ لعنة تنتقل إلى عقل الراوي، وتنخر فيه كسوسة شرسة، حتى يستبد به وحش الجنون، كم من راوٍ فقد عقله، وهام على وجهه في الدروب!
آخرون زعموا أن التحريف المتعمَّد جاء طلبًا لسكينة روح الأميرة زمردة، ابنة ياقوت ملك الجبال والأحجار الكريمة المقيم في قاف. ادّعى هؤلاء أن كل ذِكر للحكاية كما جرت وقائعها، خنجر يطعن الفتاة التي كانت كعادة أميرات «الليالي» جميلة كالبدر لا يرتوي منها البصر، من ينظر إليها نظرة؛ تورثه ألف حسرة.
دسستُ وجهي في الوسادة، هربًا من رائحة البخور فوجدتها صارت أكثر تركيزًا. جلست مستندة بظهري إلى قائمة السرير. خلت أنني أسمع ضحكات أبي الصاخبة تتناثر على أرضية الغرفة. رغم عدم رؤيتي له منذ ثلاثة عقود، ووفاته قبل أعوام. شعرتُ بحضوره معي، وشممتُ رائحة التبغ الممزوجة بأنفاسه. استحضرتُ نبرة صوته الهادئة وكلماته التي كان ينطقها متمهِّلًا كأنه يبخل بها على من يحادثه. اندهشت من حضوره الكثيف في مكان لم تسبق له زيارته. كيف لمن قضى جُلّ عمره بعيدًا ونائيًا عن كل شيء، أن يلاحقني طيفه أينما اتجهت؟
سمعت أصواتًا متداخلة تتجادل بعنف وعصبية، وتردد اسمي - بصيغته الفارسية - من وقت لآخر، وأنا عاجزة عن فهم ما يُقال، الكلمات بلا أي معنى أو دلالة محددة. خفتت الأصوات، تحولتْ إلى وشيش خفيف يحف بالمكان.
وحده اسمي كنت أميزه، يُنطق «بوستان دَريا» مرة و«باغ دَريا» مرات. مع حلول المساء، أُنيرت الشمعات الست من تلقاء نفسها. لم أشعر بالجوع أو العطش، كما لم أعد في حاجة للتدخين. مرّت حياتي أمامي كشريط سينمائي يتكرر ببطء وبلا نهاية. ذاكرتي باتت حاضرة ومحتفظة بأدق تفاصيل ماضيّ، مع التركيز على لحظات إخفاق تُستعاد في ذهني، لكنها على عكس توقّعي لم تخلِّف بداخلي ندمًا. كنت كالواقعة تحت تأثير مخدّر ما جعل ردود أفعالي بطيئة، وأزال أي توتر أو خوف، أو عاطفة.
هادئة تمامًا، خلعت ملابسي، وغفوت شبه عارية، في إغفاءتي سمعت أبي يترنَّم بأغنية غَمضَ عليَّ معناها. رأيتني طفلة تعدو فرحة بجوار ضريح سعدي الشيرازي في حديقة السعدية، أهبط درجات وأصعدها من جديد، لألعب بين أعمدة الرخام الوردية. أبتعد عن الضريح مسافة تتيح لي رؤية قبّته الفيروزية، وأقترب منه لأدقق في الرسوم المنقوشة على مدخله: كون أزرق يحتضن شجرة حياة تعكس زهورها وأوراقها مهرجانًا لونيًا يحتويه إطار ذهبي موشَّى بالنقوش. في الداخل بدت أبيات سعدي المكتوبة على الجدران كتميمة تتحدى الزمن.
غادرت المقبرة المحاطة بأشجار «السرو» متجهة صوب ينابيع الماء، مع كل خطوة أخطوها أنتقل من الطفولة إلى المراهقة ثم الشباب حتى صرت المرأة التي أنا عليها اليوم، خلَّفت السعدية ورائي، بينما أفكر في أن لا شيء يماثل ربيع شيراز، تذكرت وطن أسلافي المفقود فغمرني الحزن.
حين أفقت وجدتني مرتدية ملابسي بالكامل، وجسدي يؤلمني في أكثر من موضع، انتبهت إلى أن الغرفة مختلفة عن السابق، ظهرت فيها نافذة تتوسط الحائط عن يميني، ولم يكن هناك أثر للشمعدان بشموعه الست، ولا للكتب القديمة بجواره، المنضدة الخشبية نفسها لم تكن موجودة. خمنت أن هناك من نقلني إلى غرفة أخرى. اعتدلت في جلستي وأنا أتساءل عن مصدر الألم الخافت في جسدي. قمت ببطء، ارتديت حذائي، وخرجت بتثاقل.
وجدت صاحبة البيت جالسة في الصالة، تربعت بجوارها فوق «كليم» من الصوف. لم أخبرها بما اختبرته في الداخل، ولم يبدُ عليها أنها تنتظر كلامي أو تتوقع مني شيئًا.
حملت حقيبة يدي، وخطوت أولى خطواتي في طريق العودة. ثمّة مطر خفيف، وظلام يخطو مترددًا. أحكمتُ وضع شالي الأسود على كتفي، مددتُ كفّي أمامي فسقطتْ عليها قطرات مطر، ضممت قبضتي متمنية أن تتحول إلى أحجار زمرد متلألئة، تُذكِّر بحكاية «جبل الزمرد».
لِعلة ما طُرِدت هذه الحكاية من «ألف ليلة وليلة»!
أغفلها الرواة والمدوِّنون، في البداية لجأوا إلى تحريفها، وإذا انتبه أحد المستمعين، يمكرون فيصححون تفصيلة أو اثنتين، للتمويه على باقي التفاصيل المُحرَّفة. مع الوقت اختلفت عن أصلها، بل تناقضت معه، تفرَّق دمها بين الحواديت الأخرى، وتوزعت تفاصيلها عليها!
لا أحد يعرف لماذا قُدِّر لها تحديدًا أن تُحرَّف حد التضاد مع أصلها، ثمّة من يقول إن بعض الرواة القدامى وجدوا فيها إزعاجًا مبهمًا لا يقوون على تحمله، وهم ينشدون «الليالي» في أزقة وحانات: بغداد، والقاهرة، ودمشق. كأن لعنة ما تسمّها؛ لعنة تنتقل إلى عقل الراوي، وتنخر فيه كسوسة شرسة، حتى يستبد به وحش الجنون، كم من راوٍ فقد عقله، وهام على وجهه في الدروب!
آخرون زعموا أن التحريف المتعمَّد جاء طلبًا لسكينة روح الأميرة زمردة، ابنة ياقوت ملك الجبال والأحجار الكريمة المقيم في قاف. ادّعى هؤلاء أن كل ذِكر للحكاية كما جرت وقائعها، خنجر يطعن الفتاة التي كانت كعادة أميرات «الليالي» جميلة كالبدر لا يرتوي منها البصر، من ينظر إليها نظرة؛ تورثه ألف حسرة.
صفحة 4
بالَغَ بعضهم مؤكدًا أن كل كلمة ينشدها راوٍ للّيالي تهبط بالأميرة، ذات الابتسامة العذبة والخد الأسيل، درجة في غياهب الجحيم.
روى العارفون بخبايا «ألف ليلة» ومفسِّروها الأوائل أن طرد حكاية ابنة ملك الجبال من جنة الكتاب الأشهر، كان قَدَرًا لا فكاك منه، ومع ذلك كان قدرًا جالبًا للّعنة. لعنة «الليالي» كما أطلقوا عليها، ذلك الكتاب القاتل، الملعون، الضّاج بصرخات آلاف الممسوخين والملعونين وشياطين الإنس والجن، المثقل بالتعاويذ والتمائم الشريرة وكافة أشكال السحر الأسود.
مثلما تآمرت بقية حكايات «الليالي» على هذه الحكاية وطردتها من الكتاب، كان للحكاية انتقامها الأسود، كون والد زمردة، وكان ساحرًا لا يُبارَى، قد وضع لعنة تصيب كل من يقترب من ابنته المدلَّلة بسوء، سواء في حياتها أم بعد مماتها. وهذا ما كان. ردّت الحكاية الحاملة لروح الأميرة المعذَّبة الانتقام، ولعنت الكتاب كله. صار مطارَدًا منبوذًا في ثقافته الأم، من يقرأه كاملًا يموت مع انتهائه من آخر كلمة فيه.
وحدهم النُسّاك والمتصوفة المتحدرون من جبل قاف، والذين تاهوا - إثر تلاشيه - هم ونسلهم في بقاع الأرض المختلفة، هؤلاء الذين ابتعدوا عن إغراءات الحياة، واختاروا، بعد عقود من التيه، الاستقرار في الجبال والمرتفعات طلبًا للسكينة، وحدهم من حملوا عبء رد الحكاية لأصلها، ومن ثم إعادتها لـ»الليالي».
فعلوا هذا اتقاءً لشرّ اللعنة المحدِقة بمن ينكرها، وأملًا في استعادة وطن أسلافهم الموغل في القدم، وحبًا في الحكاية التي رأوا أن لا حكاية أخرى تدانيها جمالًا، لا في كتاب «الليالي»، ولا في «المهابهارتا»، ولا في «الشاهنامة»، ولا في أي كتاب وضعه الأوَّلون.
كانوا واثقين من أنها الحكاية المفضَّلة لشهرزاد من بين كل حكاياتها الآسرة. وأنها التميمة السحرية التي حمتها من بطش شهريار.
كتب النُسّاك في مدوناتهم السرية المحفوظة في كهوف الجبال أن «شهريار» نفسه وقع في هوى الحكاية وبطلتها، وأنه كان يخطئ، أحيانًا، وينادي «شهرزاد» باسم زمردة. لم تكن تغضب لذلك، بل تبتسم بلطف، وتتمنى لو كانت بالفعل ابنة الملك ياقوت، مليكة جبل الزمرد وحاميته.
لكم حلمت شهرزاد بأن تكون هي تلك الأميرة الأجمل من منار السنا، المرأة ذات الريش؛ ابنة ملك الجان في حكاية حسن البصري، والأكثر علمًا من الجارية تودّد والأميرة نزهة الزمان معًا، والأشجع من إبريزة ابنة ملك الروم في حكاية عمر النعمان وابنه الأمير شركان.
في حكاية «جبل الزمرد»، كان حضور زمردة الآسر يلوّن الفضاء بلطفه وذكائه وجرأته. لم تعرف شهرزاد أن خبر زمردة، كما وصلها وكما حكته لشهريار، لم يكن إلاّ تحريفًا مشئومًا لقصة حياة أميرة واقعية عاشت ذات يوم فوق جبل قاف السحري، حياة تلاشت ولم تخلِّف وراءها سوى حكاية خضعت لتحريف مستمر، وتنتظر من يخلّصها مما علق بها من آثار التشويه ويُحيي ما مات من أجزائها، أو أُغرق في ضباب النسيان.
مع الوقت، بدأ النُسَّاك المتحدّرون من قاف في التناقص. حتى عقود مضت لم يكن قد تبقَّى منهم إلاّ سبعة: ناسك في كهف سرّي في جبل قاسيّون بدمشق، وآخر في جبال زاجروس، وثالث في جبال الأطلس، ورابع في جبل «سانت كاترين»، وخامس يعيش في الهيمالايا، وسادس عند قمة جبل دماوند في إيران، وسابع على مقربة من أطلال قلعة «آلموت» بجبال الـ»ديلم»، وكل ناسك منهم يحرص على أن يختار بعناية، قبل وفاته، ناسكًا آخر، ليحمِّله عبء الحكاية.
كان الواحد منهم يعرف كل شيء عن الآخرين من دون تواصل فعلي بينهم. عاشوا مع مريديهم القليلين منتظرين انبعاث أميرتهم الغائبة، لكن سرعان ما قلّ عددهم، إذ مات خمسة منهم بلا وريث مؤتمن على السر، وغادر السادس جبل دماوند مع طفله الوحيد لتنقطع أخباره عن ناسك جبال الديلم، والذي كان يعتبر الأكثر دراية بسيرة ابنة الملك ياقوت، خاصةً أن بحوزته مخطوطًا نادرًا يحوي علامات وإشارات - معظمها ملغز – تقود، في حالة النجاح في فك شِفراتها، للناقص من تفاصيل «جبل الزمرد»، وتساعد على عودة بطلتها. كان مقتنعًا أنني، أنا ابنته الوحيدة، بستان البحر أو «بوستان دَريا»- كما اعتاد مناداتي- من سينجز هذه المهمة العصية على الإنجاز منذ قرون.
ذكرت النبوءات، المكتوبة على هيئة ألغاز وأشعار غامضة، أن الكاهنة المنتظرة ستبعث زمردة من رماد احتراقها، عبر تنقية حكايتها مما أصابها من تحريف وإعادتها إلى متن «ألف ليلة»، ولحظتها سوف يتجسَّد قاف من جديد وتبطل لعنته، فيرجع إليه أهله بعد قرون من التيه.
كان ناسك جبال الديلم مؤمنًا بإخلاص بالقوى السحرية للكلمات. بكلمة واحدة تنهار ممالك وإمبراطوريات، وبنسْج حرف بجوار الآخر تنتهي حيوات، ووحدها زمردة ستسير بمهارة، مغمضة العينين، بين حقول ألغام الكلمات، عارفةً خيرها من شرها. كم ابتهل كي يشهد عودة الأميرة، كان سيعرف بها في حال تساقط مطر من زمرد؛ حبّات خضراء لا يراها إلاّ المؤمنون بحقيقة قاف. مَن عداهم سيرونها كأي مطر آخر.
روى العارفون بخبايا «ألف ليلة» ومفسِّروها الأوائل أن طرد حكاية ابنة ملك الجبال من جنة الكتاب الأشهر، كان قَدَرًا لا فكاك منه، ومع ذلك كان قدرًا جالبًا للّعنة. لعنة «الليالي» كما أطلقوا عليها، ذلك الكتاب القاتل، الملعون، الضّاج بصرخات آلاف الممسوخين والملعونين وشياطين الإنس والجن، المثقل بالتعاويذ والتمائم الشريرة وكافة أشكال السحر الأسود.
مثلما تآمرت بقية حكايات «الليالي» على هذه الحكاية وطردتها من الكتاب، كان للحكاية انتقامها الأسود، كون والد زمردة، وكان ساحرًا لا يُبارَى، قد وضع لعنة تصيب كل من يقترب من ابنته المدلَّلة بسوء، سواء في حياتها أم بعد مماتها. وهذا ما كان. ردّت الحكاية الحاملة لروح الأميرة المعذَّبة الانتقام، ولعنت الكتاب كله. صار مطارَدًا منبوذًا في ثقافته الأم، من يقرأه كاملًا يموت مع انتهائه من آخر كلمة فيه.
وحدهم النُسّاك والمتصوفة المتحدرون من جبل قاف، والذين تاهوا - إثر تلاشيه - هم ونسلهم في بقاع الأرض المختلفة، هؤلاء الذين ابتعدوا عن إغراءات الحياة، واختاروا، بعد عقود من التيه، الاستقرار في الجبال والمرتفعات طلبًا للسكينة، وحدهم من حملوا عبء رد الحكاية لأصلها، ومن ثم إعادتها لـ»الليالي».
فعلوا هذا اتقاءً لشرّ اللعنة المحدِقة بمن ينكرها، وأملًا في استعادة وطن أسلافهم الموغل في القدم، وحبًا في الحكاية التي رأوا أن لا حكاية أخرى تدانيها جمالًا، لا في كتاب «الليالي»، ولا في «المهابهارتا»، ولا في «الشاهنامة»، ولا في أي كتاب وضعه الأوَّلون.
كانوا واثقين من أنها الحكاية المفضَّلة لشهرزاد من بين كل حكاياتها الآسرة. وأنها التميمة السحرية التي حمتها من بطش شهريار.
كتب النُسّاك في مدوناتهم السرية المحفوظة في كهوف الجبال أن «شهريار» نفسه وقع في هوى الحكاية وبطلتها، وأنه كان يخطئ، أحيانًا، وينادي «شهرزاد» باسم زمردة. لم تكن تغضب لذلك، بل تبتسم بلطف، وتتمنى لو كانت بالفعل ابنة الملك ياقوت، مليكة جبل الزمرد وحاميته.
لكم حلمت شهرزاد بأن تكون هي تلك الأميرة الأجمل من منار السنا، المرأة ذات الريش؛ ابنة ملك الجان في حكاية حسن البصري، والأكثر علمًا من الجارية تودّد والأميرة نزهة الزمان معًا، والأشجع من إبريزة ابنة ملك الروم في حكاية عمر النعمان وابنه الأمير شركان.
في حكاية «جبل الزمرد»، كان حضور زمردة الآسر يلوّن الفضاء بلطفه وذكائه وجرأته. لم تعرف شهرزاد أن خبر زمردة، كما وصلها وكما حكته لشهريار، لم يكن إلاّ تحريفًا مشئومًا لقصة حياة أميرة واقعية عاشت ذات يوم فوق جبل قاف السحري، حياة تلاشت ولم تخلِّف وراءها سوى حكاية خضعت لتحريف مستمر، وتنتظر من يخلّصها مما علق بها من آثار التشويه ويُحيي ما مات من أجزائها، أو أُغرق في ضباب النسيان.
مع الوقت، بدأ النُسَّاك المتحدّرون من قاف في التناقص. حتى عقود مضت لم يكن قد تبقَّى منهم إلاّ سبعة: ناسك في كهف سرّي في جبل قاسيّون بدمشق، وآخر في جبال زاجروس، وثالث في جبال الأطلس، ورابع في جبل «سانت كاترين»، وخامس يعيش في الهيمالايا، وسادس عند قمة جبل دماوند في إيران، وسابع على مقربة من أطلال قلعة «آلموت» بجبال الـ»ديلم»، وكل ناسك منهم يحرص على أن يختار بعناية، قبل وفاته، ناسكًا آخر، ليحمِّله عبء الحكاية.
كان الواحد منهم يعرف كل شيء عن الآخرين من دون تواصل فعلي بينهم. عاشوا مع مريديهم القليلين منتظرين انبعاث أميرتهم الغائبة، لكن سرعان ما قلّ عددهم، إذ مات خمسة منهم بلا وريث مؤتمن على السر، وغادر السادس جبل دماوند مع طفله الوحيد لتنقطع أخباره عن ناسك جبال الديلم، والذي كان يعتبر الأكثر دراية بسيرة ابنة الملك ياقوت، خاصةً أن بحوزته مخطوطًا نادرًا يحوي علامات وإشارات - معظمها ملغز – تقود، في حالة النجاح في فك شِفراتها، للناقص من تفاصيل «جبل الزمرد»، وتساعد على عودة بطلتها. كان مقتنعًا أنني، أنا ابنته الوحيدة، بستان البحر أو «بوستان دَريا»- كما اعتاد مناداتي- من سينجز هذه المهمة العصية على الإنجاز منذ قرون.
ذكرت النبوءات، المكتوبة على هيئة ألغاز وأشعار غامضة، أن الكاهنة المنتظرة ستبعث زمردة من رماد احتراقها، عبر تنقية حكايتها مما أصابها من تحريف وإعادتها إلى متن «ألف ليلة»، ولحظتها سوف يتجسَّد قاف من جديد وتبطل لعنته، فيرجع إليه أهله بعد قرون من التيه.
كان ناسك جبال الديلم مؤمنًا بإخلاص بالقوى السحرية للكلمات. بكلمة واحدة تنهار ممالك وإمبراطوريات، وبنسْج حرف بجوار الآخر تنتهي حيوات، ووحدها زمردة ستسير بمهارة، مغمضة العينين، بين حقول ألغام الكلمات، عارفةً خيرها من شرها. كم ابتهل كي يشهد عودة الأميرة، كان سيعرف بها في حال تساقط مطر من زمرد؛ حبّات خضراء لا يراها إلاّ المؤمنون بحقيقة قاف. مَن عداهم سيرونها كأي مطر آخر.
صفحة 5
أعمار أجيال من أسلافه النسّاك ضاعت في انتظار هذا المطر الزمردي الآذن بعودة ابنة ياقوت التي ما إن تتجسد من جديد، وتستفيق إلى واقعها، وتستعيد تفاصيل ماضيها حتى ينتصب قاف مجددًا، ويتراقص ابتهاجًا، وإذ يحصل ذلك ستنفصل عن جسده قطع زمرد كمطر منهمر على العالم.
ساعتها ستُبعَث العنقاء، وتعود رعية ملك الجبال الناجية إلى موطنها. سيواصلون حياتهم من اللحظة التي توقفوا عندها بعد تخلصهم من لعنة الإخفاء والتيه. سيمثل لهم الملك ياقوت كراعٍ سرمدي، في حين تحكمهم الأميرة مستفيدة من حكمة قاف وفلسفته، تلك الحكمة المؤدية إلى فهم الذات، ومن ثم فهم العالم!
مغناطيس الأجساد
كطفل يشيِّد قلاعًا رملية ثم يهدمها احتفاءً بقدرته على الخلق والتبديد معًا، أبني بدوري عوالم وأبيدها!
الطريق، المُزَنَّر بأشجار الكافور من الجهتين، بالكاد اتّسع لسيارتي. بدا بلا نهاية، خاصةً أن الأشجار رمت عليه ظلالًا كابية، كما ضاعفت بساتين البرتقال الممتدة على جانبيه من قتامته ومن ضياعي. خفتُ للحظة، لكن إدراكي أن لا مجال للتراجع نفض طيف الخوف عني.
أي شخص هذا الذي يبني بيتًا وسط بساتين مساحتها خمسون فدانًا في بقعة شبه مهجورة من دون أن يعبِّد طريقًا يُسهِّل الوصول إليه؟
لطمأنة نفسي رحت أفكر في طفولتي، في رحلاتي مع أبي إلى «شيراز» تحديدًا، كنت أحس عندما أزورها أني على وشك الخطو في أرض مسحورة، تغمرني السكينة، فيما يستغرق أبي في تأملاته أمام قبر سعدي، يجلس بالساعات محدقًا في نقطة متخَيّلة أمامه، أحاكيه كأنما أتدرب بدوري على الصمت، «وتحسب أنك جُرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر!»، ترن جملة الإمام علي في رأسي، فأنغمس أكثر في ذاتي وأجاهد حتى لا أنفصل عمَّا حولي.
ساعتها ستُبعَث العنقاء، وتعود رعية ملك الجبال الناجية إلى موطنها. سيواصلون حياتهم من اللحظة التي توقفوا عندها بعد تخلصهم من لعنة الإخفاء والتيه. سيمثل لهم الملك ياقوت كراعٍ سرمدي، في حين تحكمهم الأميرة مستفيدة من حكمة قاف وفلسفته، تلك الحكمة المؤدية إلى فهم الذات، ومن ثم فهم العالم!
مغناطيس الأجساد
كطفل يشيِّد قلاعًا رملية ثم يهدمها احتفاءً بقدرته على الخلق والتبديد معًا، أبني بدوري عوالم وأبيدها!
الطريق، المُزَنَّر بأشجار الكافور من الجهتين، بالكاد اتّسع لسيارتي. بدا بلا نهاية، خاصةً أن الأشجار رمت عليه ظلالًا كابية، كما ضاعفت بساتين البرتقال الممتدة على جانبيه من قتامته ومن ضياعي. خفتُ للحظة، لكن إدراكي أن لا مجال للتراجع نفض طيف الخوف عني.
أي شخص هذا الذي يبني بيتًا وسط بساتين مساحتها خمسون فدانًا في بقعة شبه مهجورة من دون أن يعبِّد طريقًا يُسهِّل الوصول إليه؟
لطمأنة نفسي رحت أفكر في طفولتي، في رحلاتي مع أبي إلى «شيراز» تحديدًا، كنت أحس عندما أزورها أني على وشك الخطو في أرض مسحورة، تغمرني السكينة، فيما يستغرق أبي في تأملاته أمام قبر سعدي، يجلس بالساعات محدقًا في نقطة متخَيّلة أمامه، أحاكيه كأنما أتدرب بدوري على الصمت، «وتحسب أنك جُرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر!»، ترن جملة الإمام علي في رأسي، فأنغمس أكثر في ذاتي وأجاهد حتى لا أنفصل عمَّا حولي.
صفحة 6
لكن بينما أقود سيارتي وسط بساتين تكاد تبتلعني بداخلها، يجتاحني الإحساس بالضآلة، أراني جرمًا صغيرًا يصارع كي لا يلتهمه هذا الطوفان النباتي. لا وجود لأي صوت بشري. لا شيء سوى زقزقة عصافير بأصوات معدنية حادة، وطنين نحل يتسابق على امتصاص الرحيق من زهر برتقال يُعبِّق الجو بأريجه.
من بعيد بان البيت المشيد بالحجر القديم كقلعة مصغرة تدير ظهرها للزمن. اتسع الطريق حتى انتهى إلى مستطيل من الأرض الفضاء يتوسطه البيت بأسواره العالية. ركنتُ العربة ووقفتُ مترددة أمام البوابة الحديدية. قبل أن أضغط زرّ الجرس، فتح لي المضيف، فخمّنت وجود شاشة مراقبة تُظهِر له ما يجري خارج قلعته الحجرية.
قادني إلى الداخل عبر مجاز متعرج، أوصلنا إلى فناء كبير بمثابة حديقة داخلية تتوسط البيت وتتوزع حولها قاعاته الرئيسية على غرار البيوت العربية القديمة.
«خدي راحتك.. دقايق وراجع لك».
جلست على حافة «الفسقية» التي تتوسط صحن الدار، بينما تأنس أذناي لخرير مائها وتشخص عيناي نحو أشجار الياسمين الهندي وزهور الجهنمية المتوهّجة. لاحظتُ أنه زرع أكثر من شجيرة جهنمية مفسحًا المجال أمامها كي تتداخل ألوانها المختلفة، ليبدو الأمر في النهاية كشجرة واحدة يجتمع فيها الأبيض بالبنفسجي والوردي والأحمر.
كان عبير زهر البرتقال المتسلل من البساتين القريبة لا يزال يملأ أنفي، وبدت السماء فوقي صافية على نحو غير مفهوم مقارنةً بالأجواء القاتمة في الطريق الضيّق.
عاد بعلبتيّ بيرة «ستيلا»، ناولني واحدة وشرب رشفة من الأخرى. أشار إلى باب قريب فسبقته نحوه. دخلنا إلى قاعة خافتة الإضاءة بتأثير ستائر مخملية مسدلة. كان ثمة عشرة أشخاص يتحلَّقون فوق بساط من الفرو، مستغرقين في مناقشة منعتهم من الانتباه لنا، انضم لهم وأشار إليّ أن أحذو حذوه.
ضايقني عدم تمكني من رؤية وجوه من أجالسهم بوضوح، ثم تجاوزت الأمر حين علا صوت مضيفي وهو يقرأ ما ذكر أنه الأصل الذي اُستلهِمت منه حكاية «مدينة النحاس». أنصتَ الحضور بجدية مبالغ فيها، ولمَّا انتهى بدأ آخر يحكي من الذاكرة مقتطفًا من حكاية حسن البصري، ذلك الذي يرحل فيه البصري إلى جزر «الواق واق» لاستعادة زوجته «منار السنا». بعدها بدأت نقاشات حول التأثيرات الدينية على حكايتيّ «حاسب كريم الدين» و«رحلات السندباد»، وختم أحدهم الحلقة بمداخلة حول ما أطلق عليه: «طيف النبي سليمان كأب مهيمن على فضاء الليالي». اكتفيت بالإنصات، بينما عمل ذهني كجهاز تسجيل يسجل ما أجده لافتًا للانتباه.
ما إن انتهت الجلسة حتى تسلل الجميع مغادرين وخرج صاحب البيت لتوديعهم طالبًا مني انتظاره. أزحت الستائر فتسرب ضوء الغروب الخجول إلى القاعة، وبانت لي زخارف الفسيفساء، والأرائك المكسوة بالحرير في الجانب الآخر منها، في السقف لمحتُ نقوشًا بارزة بدت كطلاسم تضفي مسحة غرائبية على المكان، وفي وسطها شريط دائري مكتوب فيه بالخط الكوفي: «أنا قطرة مطر سالت من سحابة سخية، وتعرف أنها سوف تتبدد على الأرض مختلطة بترابها لإنتاج ما يتعداها». دققتُ النظر في الجملة فكدت أرى مطرًا منهمرًا على غابات وبحار وصحارٍ.
من بعيد بان البيت المشيد بالحجر القديم كقلعة مصغرة تدير ظهرها للزمن. اتسع الطريق حتى انتهى إلى مستطيل من الأرض الفضاء يتوسطه البيت بأسواره العالية. ركنتُ العربة ووقفتُ مترددة أمام البوابة الحديدية. قبل أن أضغط زرّ الجرس، فتح لي المضيف، فخمّنت وجود شاشة مراقبة تُظهِر له ما يجري خارج قلعته الحجرية.
قادني إلى الداخل عبر مجاز متعرج، أوصلنا إلى فناء كبير بمثابة حديقة داخلية تتوسط البيت وتتوزع حولها قاعاته الرئيسية على غرار البيوت العربية القديمة.
«خدي راحتك.. دقايق وراجع لك».
جلست على حافة «الفسقية» التي تتوسط صحن الدار، بينما تأنس أذناي لخرير مائها وتشخص عيناي نحو أشجار الياسمين الهندي وزهور الجهنمية المتوهّجة. لاحظتُ أنه زرع أكثر من شجيرة جهنمية مفسحًا المجال أمامها كي تتداخل ألوانها المختلفة، ليبدو الأمر في النهاية كشجرة واحدة يجتمع فيها الأبيض بالبنفسجي والوردي والأحمر.
كان عبير زهر البرتقال المتسلل من البساتين القريبة لا يزال يملأ أنفي، وبدت السماء فوقي صافية على نحو غير مفهوم مقارنةً بالأجواء القاتمة في الطريق الضيّق.
عاد بعلبتيّ بيرة «ستيلا»، ناولني واحدة وشرب رشفة من الأخرى. أشار إلى باب قريب فسبقته نحوه. دخلنا إلى قاعة خافتة الإضاءة بتأثير ستائر مخملية مسدلة. كان ثمة عشرة أشخاص يتحلَّقون فوق بساط من الفرو، مستغرقين في مناقشة منعتهم من الانتباه لنا، انضم لهم وأشار إليّ أن أحذو حذوه.
ضايقني عدم تمكني من رؤية وجوه من أجالسهم بوضوح، ثم تجاوزت الأمر حين علا صوت مضيفي وهو يقرأ ما ذكر أنه الأصل الذي اُستلهِمت منه حكاية «مدينة النحاس». أنصتَ الحضور بجدية مبالغ فيها، ولمَّا انتهى بدأ آخر يحكي من الذاكرة مقتطفًا من حكاية حسن البصري، ذلك الذي يرحل فيه البصري إلى جزر «الواق واق» لاستعادة زوجته «منار السنا». بعدها بدأت نقاشات حول التأثيرات الدينية على حكايتيّ «حاسب كريم الدين» و«رحلات السندباد»، وختم أحدهم الحلقة بمداخلة حول ما أطلق عليه: «طيف النبي سليمان كأب مهيمن على فضاء الليالي». اكتفيت بالإنصات، بينما عمل ذهني كجهاز تسجيل يسجل ما أجده لافتًا للانتباه.
ما إن انتهت الجلسة حتى تسلل الجميع مغادرين وخرج صاحب البيت لتوديعهم طالبًا مني انتظاره. أزحت الستائر فتسرب ضوء الغروب الخجول إلى القاعة، وبانت لي زخارف الفسيفساء، والأرائك المكسوة بالحرير في الجانب الآخر منها، في السقف لمحتُ نقوشًا بارزة بدت كطلاسم تضفي مسحة غرائبية على المكان، وفي وسطها شريط دائري مكتوب فيه بالخط الكوفي: «أنا قطرة مطر سالت من سحابة سخية، وتعرف أنها سوف تتبدد على الأرض مختلطة بترابها لإنتاج ما يتعداها». دققتُ النظر في الجملة فكدت أرى مطرًا منهمرًا على غابات وبحار وصحارٍ.
صفحة 7
بانضمامي لهذه النخبة، قطعت خطوة كبيرة، لكن نهمي وطول رحلتي يمنعاني من الرضا. لم يكن من الصعب تعميق معرفتي بالبروفيسور في فترة قصيرة نسبيًا بالنظر لمشاركتنا في أكثر من مؤتمر دولي معًا، وولعنا المشترك بـ»ألف ليلة وليلة». بسهولة كنا نمد خيط النقاش بيننا حول كل ما يخصها. كانت دعوته لي لحضور جلسات جماعته «دراويش الليالي» مسألة وقت. أستاذ سابق في جامعة «ليدن»، مهووس بفكرة النص الأصلي لـ»الليالي»، وحالم بتنقيتها من إضافات المترجمين وما يسميه باحتقار «القصص المزوَّرة». يكاد يحفظ مقاطع كاملة من طبعة «محسن مهدي»، ويتحفظ عندما أتحدث أمامه عن اهتمامي بإحدى الحكايات المضافة. من بين أبحاثي العديدة، لفتت نظره دراسة صغيرة عن تمثيلات الجبال في «ألف ليلة».
«ملاحظات جديرة بالاهتمام»!
قال بنصف ابتسامة محافظًا على اقتصاده اللغوي ونفوره من المبالغة والمجاز، ففطنتُ إلى أن هذا أقصى مديح يمكن أن يناله منه أحد. وهو يدعوني إلى بيته الواقع وسط بساتين الفاكهة، أخبرني أن هناك مفاجأة في انتظاري، فعرفت أني على وشك الانضمام لناديه الحصري.
عندما تأخر، خرجت من القاعة إلى الفناء، جلست من جديد فوق حافة الفسقية أتأمل المشربيات والقمريات المصنوعة برهافة من الخشب البغدادي.
لم أنتبه لعودته إلاّ وهو يضع يده على كتفي، بينما يقول بزهو طفولي:
-إيه رأيك في بيتي؟ شَبَه بيت أثري زرته في دمشق!
كدت أسخر من مفارقة أن يفخر المهووس بالأصل الذي أعرفه بعمل مقلَّد؛ تحريف لنسخة أصلية، غير أني بلعت تعليقي مجاملةً له، واحترامًا للبيت المصمَّم بإتقان.
-رائع.
رددت بحماسة.
لم أرغب في المناورة، سألته من دون مواربة إن كان يعرف حكاية «نورسين وملكة الحيَّات»، وأخبرته بخطوطها العامة. ذكر أن لديه أكثر من صيغة لها، لكن لا يمكنه الجزم أيها الأدق.
كان هذا بالضبط ما أريده، أن يمنحني مفاتيح الروايات المتاحة عن حدوتة نورسين، ومن ثم أقارنها مع ما بحوزتي عن «جبل الزمرد»، وعبر لعبة تباديل وتوافيق تطرح كل الاحتمالات أصل إلى ما يفترض أن يكون صيغتها المثلى. لسبب ما همَّش أسلافي سيرة نورسين زوجة ملك «قاف» كأنها وصمة عليهم التخلص منها.
***
وُلِدت نورسين في مدينة تُدعى «جولستان»، تقع بين جبال مكسوة بنباتات زاهية الخضرة وبحر هائج باستمرار، كان والدها علاّمة؛ أتاح لها مكتبة عامرة بكتب الطب والفلك وأخبار الأمصار المختلفة. كبرت وهي لا تتخيل لنفسها موطنًا آخر. لم يخطر ببالها قط أن القدر كتب على جبينها الانتقال إلى مكان ما كان لها تصوُّر وجوده.
في «جولستان» حيث قضت طفولتها وصباها، قلة فقط هي من أتت على ذكر جبل قاف، وأفراد معدودون على الأصابع هم من حفظوا شذرات من أسراره. فعلوا هذا دونما يقين بوجوده الحقيقي. تراءى لهم في المسافة المخاتلة بين أساطير الأولين والحقائق غير المبرهَن عليها.
إلى جانب هذه النخبة، كان ثمة شريحة أعرض لم تسمع بالجبل السحري إلاّ في مقام الوعيد. كان التهديد بالنقل إلى ما خلف قاف أقوى أنواع التهديد. ومع أن أحدًا لم يتيقن قط من حقيقة الهيكل المقدود من الزمرد، ومع أن الحكايات المروية عنه تُجمع على أنه يبعد بمقدار سنوات عن أقرب مكان له، بقيَ منبعًا للرهبة بين من سمعوا به. عجز معظمهم عن تخيل جبل تنتهي بنهايته الدنيا وتبدأ حدود الآخرة، وتقع خلفه سبعون أرضًا من ذهب وسبعون أرضًا من فضة، وسبعون أرضًا من مسك.
في صباها كانت نورسين تسمع أباها يتحدث مع رفاقه عن قاف. اعتاد أن يؤكد أنه ليس مكانًا حقيقيًا، إنما جوهر الحقيقة صعبة البلوغ.
«في الطريق المستحيل إليه، يمكن لأي شيء أن يحدث! كم من سفن ضاعت وكم من أساطيل تاهت، وكم من رحالة فقدوا البوصلة والدليل، وهم يحلمون بالطَّوْد الأخضر المحيط بالدنيا والمُحدِد لخط الأفق، ولا يفصله عن السماء سوى 80 فرسخًا. قاف هو الحرف القابض على سر وجودنا والمُلم به كمحارة تحتضن لؤلؤة»!
«ملاحظات جديرة بالاهتمام»!
قال بنصف ابتسامة محافظًا على اقتصاده اللغوي ونفوره من المبالغة والمجاز، ففطنتُ إلى أن هذا أقصى مديح يمكن أن يناله منه أحد. وهو يدعوني إلى بيته الواقع وسط بساتين الفاكهة، أخبرني أن هناك مفاجأة في انتظاري، فعرفت أني على وشك الانضمام لناديه الحصري.
عندما تأخر، خرجت من القاعة إلى الفناء، جلست من جديد فوق حافة الفسقية أتأمل المشربيات والقمريات المصنوعة برهافة من الخشب البغدادي.
لم أنتبه لعودته إلاّ وهو يضع يده على كتفي، بينما يقول بزهو طفولي:
-إيه رأيك في بيتي؟ شَبَه بيت أثري زرته في دمشق!
كدت أسخر من مفارقة أن يفخر المهووس بالأصل الذي أعرفه بعمل مقلَّد؛ تحريف لنسخة أصلية، غير أني بلعت تعليقي مجاملةً له، واحترامًا للبيت المصمَّم بإتقان.
-رائع.
رددت بحماسة.
لم أرغب في المناورة، سألته من دون مواربة إن كان يعرف حكاية «نورسين وملكة الحيَّات»، وأخبرته بخطوطها العامة. ذكر أن لديه أكثر من صيغة لها، لكن لا يمكنه الجزم أيها الأدق.
كان هذا بالضبط ما أريده، أن يمنحني مفاتيح الروايات المتاحة عن حدوتة نورسين، ومن ثم أقارنها مع ما بحوزتي عن «جبل الزمرد»، وعبر لعبة تباديل وتوافيق تطرح كل الاحتمالات أصل إلى ما يفترض أن يكون صيغتها المثلى. لسبب ما همَّش أسلافي سيرة نورسين زوجة ملك «قاف» كأنها وصمة عليهم التخلص منها.
***
وُلِدت نورسين في مدينة تُدعى «جولستان»، تقع بين جبال مكسوة بنباتات زاهية الخضرة وبحر هائج باستمرار، كان والدها علاّمة؛ أتاح لها مكتبة عامرة بكتب الطب والفلك وأخبار الأمصار المختلفة. كبرت وهي لا تتخيل لنفسها موطنًا آخر. لم يخطر ببالها قط أن القدر كتب على جبينها الانتقال إلى مكان ما كان لها تصوُّر وجوده.
في «جولستان» حيث قضت طفولتها وصباها، قلة فقط هي من أتت على ذكر جبل قاف، وأفراد معدودون على الأصابع هم من حفظوا شذرات من أسراره. فعلوا هذا دونما يقين بوجوده الحقيقي. تراءى لهم في المسافة المخاتلة بين أساطير الأولين والحقائق غير المبرهَن عليها.
إلى جانب هذه النخبة، كان ثمة شريحة أعرض لم تسمع بالجبل السحري إلاّ في مقام الوعيد. كان التهديد بالنقل إلى ما خلف قاف أقوى أنواع التهديد. ومع أن أحدًا لم يتيقن قط من حقيقة الهيكل المقدود من الزمرد، ومع أن الحكايات المروية عنه تُجمع على أنه يبعد بمقدار سنوات عن أقرب مكان له، بقيَ منبعًا للرهبة بين من سمعوا به. عجز معظمهم عن تخيل جبل تنتهي بنهايته الدنيا وتبدأ حدود الآخرة، وتقع خلفه سبعون أرضًا من ذهب وسبعون أرضًا من فضة، وسبعون أرضًا من مسك.
في صباها كانت نورسين تسمع أباها يتحدث مع رفاقه عن قاف. اعتاد أن يؤكد أنه ليس مكانًا حقيقيًا، إنما جوهر الحقيقة صعبة البلوغ.
«في الطريق المستحيل إليه، يمكن لأي شيء أن يحدث! كم من سفن ضاعت وكم من أساطيل تاهت، وكم من رحالة فقدوا البوصلة والدليل، وهم يحلمون بالطَّوْد الأخضر المحيط بالدنيا والمُحدِد لخط الأفق، ولا يفصله عن السماء سوى 80 فرسخًا. قاف هو الحرف القابض على سر وجودنا والمُلم به كمحارة تحتضن لؤلؤة»!
صفحة 8
كانت تسمعه يردد هذا، فيشرد خيالها في بحر من لآلئ تخطف البصر. تحفظ الشعر، وتقرأ ما يقع تحت يدها، وتواظب على الإنصات للنقاشات الدائرة في مضيفة بيتهم، محاولةً ملاحقة أفكار رائحتها في الهواء. كانت أكثر لحظاتها ألمًا، حين منعها أبوها من حضور هذه النقاشات بحجة أنها كبرت، ولا يجوز لها مجالسة الغرباء. لم تستسلم وراحت تتنصت على مجلسهم من وراء ستار، في المساء ترتحل مع كلماتهم إلى عوالم أرحب من جدران البيت وحدود المدينة.
ذات شتاء شاع فيه الجدب، وفرغت مخازن الغلال، لمحها الملك ياقوت خلال إحدى جولاته النادرة على متن العنقاء. مستندة إلى حائط في الباحة أمام بيتهم، رأى فيها أجمل مخلوق صادفه، وقرر أخذها معه إلى قاف مهما كلفه هذا. كان يقطع المسافة الهائلة إلى مدينتها بغمضة عين بفضل العنقاء. لشهر كامل اعتاد أن يحوم على مقربة من سكنها دون أن تنتبه له.
واتته الفرصة حين خرجت مع الجموع للابتهال استجداءً للمطر. وقفوا فوق تل أمام باب المدينة، وقد رفعوا وجوههم المتوسِّلة نحو السماء. بأصوات هامسة رتلوا أدعيتهم، واختتموا طقسهم بالتمرغّ في التراب. مئات الأطفال والنساء والرجال تمرغوا فوق التل وتدحرجوا نحو الأسفل، فيما وقفت تتابعهم مأخوذة بطلاوة أهازيجهم المتضرّعة، فبانت بجسدها الممشوق وشعرها البني المستسلم لمداعبات النسيم، مثل رَبَّة تبارك المتعبدين طمعًا في غفرانها. في اللحظة التي رفعت فيها رأسها لأعلى وأغمضت عينيها وارتسمت على شفتيها ابتسامة استرخاء، حلّق الطائر الخرافي على مقربة منها، فجفلت، لكنّ يد ياقوت، كانت أسرع من انتباهتها، التقطها كما لو كانت طفلة، وأجلسها أمامه، فضاعت - عبثًا - محاولاتها للإفلات.
لم ينتبه الغارقون في ابتهالاتهم إلاّ مع صرختها الثالثة. من نظروا أولًا، رأوا ذراعًا قوية ترفع ابنة مدينتهم في الهواء، أما من تأخروا عن متابعة ما جرى، فأبصروا فقط جناحين عملاقين بلون بنفسجي يكادان يحجبان الأفق، ولم يصدقوا رفاقهم حين أقسموا أن رجلًا فوق هذا الطائر خطف نورسين وطار بها إلى حيث لا يعلمون.
عندما هطل المطر بغزارة لمدة أسبوع، قال أهل المدينة إن ابنة العلاَّمة كانت القربان لغيث لم يشهدوا مثله من قبل. لم يترك والدها مكانًا في «جولستان» وما جاورها إلاّ وبحث عنها فيه، وفي النهاية عكف على الغوص بين مجلدات مكتبته، علّه يجد فيها تفسيرًا يقبله عقله. ظلّ يبحث حتى مات كمدًا.
خلال ثوانٍ قليلة وجدت نورسين نفسها فوق جبل هائل مادته من الزمرد المصقول ومحوره من الياقوت وبحيراته من فضة سائلة تنعكس عليها أشعة الشمس نهارًا فيتراقص الألق فوق صفحتها، وتتفاداها الأبصار، وفي الليل ينعكس عليها ضوء القمر فتتحوّل إلى مرايا برّاقة يتأمل القمر فيها نفسه كنرجس مضيء!
حاولتْ الهرب مرارًا، ولم تصدق الملك حين أخبرها أن مدينتها تقع على بعد سنوات. بكت لأسابيع وامتنعت عن الطعام حتى كادت تهلك، قالت لها الوصيفات إن الجبل الزمردي أكثر الأماكن عزلة في العالم، كيف لا وملكة الحيات تلتف حول هيكله كأنما تعتصره؟ حية لا مثيل لها تحميه من تطفل أي مخلوق، كما تمنع سكانه من مغادرته وتبقيهم أسرى سجن من زمرد ثمين.
وحده الملك ياقوت - ومعه الجان والطيور الجارحة – كان يسافر بحرية من قاف إلى الجبال والبقاع الموغلة في البعد حد التلاشي. على متن العنقاء يستطيع التحليق من مكان لآخر قاطعًا في لحظات أسفارًا تحتاج إلى أزمان طويلة.
في النهاية استسلمت نورسين لمصيرها مؤقتًا على أمل النجاح، مع الوقت، في تغييره. كلما اشتاقت إلى عالمها القديم فكرت في العنقاء، الرابضة في عش آمن مطمئنة إلى أن أحدًا لا يجرؤ على تعكير صفوها. تتخيل ذلك الطائر الخرافي، يطير بها إلى بلادها، تتذكر لونه الأرجواني المتوهج، فتفكر في أنه الوسيلة والغاية في آن.
حين ظهرت عليها أعراض الحمل، بدأت تتعامل مع وجود ياقوت في حياتها كأمر واقع عليها التأقلم معه، لم تكن تعلم عنه وعن عالمه إلاّ أقل القليل، على العكس من نهمها للمعرفة وهي في «جولستان»، باتت غير مكترثة، وابتلعت فضولها مع تربعها على عرش قاف.
لم تعرف من أين أتى ياقوت! ولا كيف أصبح ملكًا على كل جبال العالم وأحجاره الكريمة، ولا لماذا اختار الإقامة في هذه المدينة المعلَّقة فوق قمة جبل لم ترَ له مثيلًا من قبل.
عرفت فقط، أنه من بين كل الأحجار وقع في هوى الزمرد. كيف لا وهو يبصره في كل شيء حوله فوق قمة قاف؟ أخبرها، وهو يتأمل جدران قصره الزمردي، أنه رأى في خضرته المتدرجة المُكَمِّل لأحمر الياقوت. فقالت: «سنسمي مولودنا القادم باسم الزمرد سواء أكان ذكرًا أم أنثى. مرامي أن يكون له بعض من حُسن الزمرد وسِرّه. فكما تعرف، أعزّك الله، لكل امرئ من اسمه نصيب».
ذات شتاء شاع فيه الجدب، وفرغت مخازن الغلال، لمحها الملك ياقوت خلال إحدى جولاته النادرة على متن العنقاء. مستندة إلى حائط في الباحة أمام بيتهم، رأى فيها أجمل مخلوق صادفه، وقرر أخذها معه إلى قاف مهما كلفه هذا. كان يقطع المسافة الهائلة إلى مدينتها بغمضة عين بفضل العنقاء. لشهر كامل اعتاد أن يحوم على مقربة من سكنها دون أن تنتبه له.
واتته الفرصة حين خرجت مع الجموع للابتهال استجداءً للمطر. وقفوا فوق تل أمام باب المدينة، وقد رفعوا وجوههم المتوسِّلة نحو السماء. بأصوات هامسة رتلوا أدعيتهم، واختتموا طقسهم بالتمرغّ في التراب. مئات الأطفال والنساء والرجال تمرغوا فوق التل وتدحرجوا نحو الأسفل، فيما وقفت تتابعهم مأخوذة بطلاوة أهازيجهم المتضرّعة، فبانت بجسدها الممشوق وشعرها البني المستسلم لمداعبات النسيم، مثل رَبَّة تبارك المتعبدين طمعًا في غفرانها. في اللحظة التي رفعت فيها رأسها لأعلى وأغمضت عينيها وارتسمت على شفتيها ابتسامة استرخاء، حلّق الطائر الخرافي على مقربة منها، فجفلت، لكنّ يد ياقوت، كانت أسرع من انتباهتها، التقطها كما لو كانت طفلة، وأجلسها أمامه، فضاعت - عبثًا - محاولاتها للإفلات.
لم ينتبه الغارقون في ابتهالاتهم إلاّ مع صرختها الثالثة. من نظروا أولًا، رأوا ذراعًا قوية ترفع ابنة مدينتهم في الهواء، أما من تأخروا عن متابعة ما جرى، فأبصروا فقط جناحين عملاقين بلون بنفسجي يكادان يحجبان الأفق، ولم يصدقوا رفاقهم حين أقسموا أن رجلًا فوق هذا الطائر خطف نورسين وطار بها إلى حيث لا يعلمون.
عندما هطل المطر بغزارة لمدة أسبوع، قال أهل المدينة إن ابنة العلاَّمة كانت القربان لغيث لم يشهدوا مثله من قبل. لم يترك والدها مكانًا في «جولستان» وما جاورها إلاّ وبحث عنها فيه، وفي النهاية عكف على الغوص بين مجلدات مكتبته، علّه يجد فيها تفسيرًا يقبله عقله. ظلّ يبحث حتى مات كمدًا.
خلال ثوانٍ قليلة وجدت نورسين نفسها فوق جبل هائل مادته من الزمرد المصقول ومحوره من الياقوت وبحيراته من فضة سائلة تنعكس عليها أشعة الشمس نهارًا فيتراقص الألق فوق صفحتها، وتتفاداها الأبصار، وفي الليل ينعكس عليها ضوء القمر فتتحوّل إلى مرايا برّاقة يتأمل القمر فيها نفسه كنرجس مضيء!
حاولتْ الهرب مرارًا، ولم تصدق الملك حين أخبرها أن مدينتها تقع على بعد سنوات. بكت لأسابيع وامتنعت عن الطعام حتى كادت تهلك، قالت لها الوصيفات إن الجبل الزمردي أكثر الأماكن عزلة في العالم، كيف لا وملكة الحيات تلتف حول هيكله كأنما تعتصره؟ حية لا مثيل لها تحميه من تطفل أي مخلوق، كما تمنع سكانه من مغادرته وتبقيهم أسرى سجن من زمرد ثمين.
وحده الملك ياقوت - ومعه الجان والطيور الجارحة – كان يسافر بحرية من قاف إلى الجبال والبقاع الموغلة في البعد حد التلاشي. على متن العنقاء يستطيع التحليق من مكان لآخر قاطعًا في لحظات أسفارًا تحتاج إلى أزمان طويلة.
في النهاية استسلمت نورسين لمصيرها مؤقتًا على أمل النجاح، مع الوقت، في تغييره. كلما اشتاقت إلى عالمها القديم فكرت في العنقاء، الرابضة في عش آمن مطمئنة إلى أن أحدًا لا يجرؤ على تعكير صفوها. تتخيل ذلك الطائر الخرافي، يطير بها إلى بلادها، تتذكر لونه الأرجواني المتوهج، فتفكر في أنه الوسيلة والغاية في آن.
حين ظهرت عليها أعراض الحمل، بدأت تتعامل مع وجود ياقوت في حياتها كأمر واقع عليها التأقلم معه، لم تكن تعلم عنه وعن عالمه إلاّ أقل القليل، على العكس من نهمها للمعرفة وهي في «جولستان»، باتت غير مكترثة، وابتلعت فضولها مع تربعها على عرش قاف.
لم تعرف من أين أتى ياقوت! ولا كيف أصبح ملكًا على كل جبال العالم وأحجاره الكريمة، ولا لماذا اختار الإقامة في هذه المدينة المعلَّقة فوق قمة جبل لم ترَ له مثيلًا من قبل.
عرفت فقط، أنه من بين كل الأحجار وقع في هوى الزمرد. كيف لا وهو يبصره في كل شيء حوله فوق قمة قاف؟ أخبرها، وهو يتأمل جدران قصره الزمردي، أنه رأى في خضرته المتدرجة المُكَمِّل لأحمر الياقوت. فقالت: «سنسمي مولودنا القادم باسم الزمرد سواء أكان ذكرًا أم أنثى. مرامي أن يكون له بعض من حُسن الزمرد وسِرّه. فكما تعرف، أعزّك الله، لكل امرئ من اسمه نصيب».
صفحة 9
راقته الفكرة، وتمنى أن يكون المولود أنثى بعينين برَّاقتين كحجري زمرد، خضراوين كجبل قاف. بعد بضعة أشهر جاءت زمردة إلى العالم كملاك رقيق بملامح آسرة وعينين لامعتين. هادئة، لا تكاد تبكي، تُرقِدها أمها على ظهرها فوق الفراش فتتأمل السقف تأمل الحكيم العارف.
كانت كأنها مولودة بمعرفة هائلة رغم صمتها. في البداية ظنها أبواها بكماء لأنها حتى سن العاشرة لم تنطق بكلمة واحدة، كانت فقط تطيل النظر بعينين باسمتين مرتاحتين.
في سن السابعة، وبسبب إلحاح أمها، أحضر لها والدها كبير حكماء قاف كي يعلِّمها الحرف، ويغرس فيها بذور الحكمة، كان الرجل يطيل الشرح محتارًا، غير واثق إن كانت تفهم ما يقول، أو حتى تسمعه، أم لا. كانت تنظر إليه من دون أن تتكلم. من جانبه أدى مهمته متغاضيًا عن مسألة عدم التواصل، كان يتحدث عن الفلسفة وأصول الطب والجبر والفلك، ويحكي عن ممالك بعيدة في السِند والهند، ووراء بحر الظلمات، يحكي عن طيور الرخ المحلقة باستمرار فوق مدن موغلة في البعد كأنها سماء داكنة موازية للسماء، وعن رحالة يرتادون الآفاق غير عابئين بالأخطار، عن الأحجار الكريمة والجبال الممتدة على مساحات شاسعة من مملكة أبيها تفصل بينها بحار ومحيطات بلا نهاية.
رسم لها جغرافيا جبل الماس المحاط بوادي الحيّات، حيث يذبح التجار حيوانًا ويقذفونه في عمق الوادي فتلتصق الماسات النادرة بلحمه الساخن قبل أن ترفعه النسور الجارحة فوق القمة من جديد، فيخيفها التجار ويلتقطوا الجواهر على عجل.
وأفاض في كل ما تجب معرفته عن جبل السحاب الذي تكاد ذؤابته تلامس الغيم، حيث تسكن البنات السبع لملك الجان في قصر لا يستطيع إنسي بلوغه.
أسمَعَها حكايات تخلب اللب عن جن حبسهم الملك سليمان في قماقم سحرية مختومة بالنحاس، وتركهم أسرى زمن ميت.
من السابعة حتى العاشرة من عمرها، حشا الحكيم عقلها، بعلم وافر ورصيد لا ينفد من الحكايات، إلاّ أنه كان يترّدى في هاوية اليأس لشعوره بأنه يكتب على الماء، يضيِّع وقته الثمين مع مخلوق بالغ الجمال لكنه لا يكاد يفقه شيئًا رغم ذكاء عينيه وبريقهما الأخاذ.
يوم عيد ميلادها العاشر، وبينما يشرح لها قوانين البابلي حمورابي، بعد أن عرّفها على أسرار الفرعوني بتاح حُتب، وعلى جغرافيا جبل المغناطيس ولعنته المميتة، بلغ منه اليأس مبلغه. قرر، بتهور، التوقف عن إهانة علمه ورميه أسفل قدمي هذا الكائن الملكي الصامت. لم ينشغل بما قد يجلبه هذا عليه من نقمة وعقاب. ندم - قبل كل شيء - على خيانته لقناعته الراسخة بلا جدوى تعليم الإناث.
نظر إليها بحسرة، ففهمت ما يفكر فيه، وأرادت ثنيه عن قراره، فكان عليها أن تهجر عالم الصمت. نطقتْ بكلماتها الأولى:
-سيدي ومعلمي لم يضِع جهدك سدى، ويومًا ما ستتيقن من هذا!
كان صوتها واثقًا، وآمرًا بلطف، كأنما تدربت على جملتها هذه مئات المرات، كي تترك الأثر الذي تركته في نفس الحكيم. تخلى الرجل عن وقاره، صرخ فرحًا، وركض لإخبار والديها أن ابنتهما ليست بكماء صمّاء كما خُيّل لكل أهالي المملكة.
من يومها واصلت زمردة الحديث بصوتها ذي الرنة المعدنية العصية على النسيان، وكأنما ترغب في تعويض سنوات صمتها، انكبت على التعلم بنهم لم يصادفه الحكيم مع أيٍّ من مريديه. لاحظ انشغالها بالعالم خارج حدود قاف، وسؤالها الدائم عن أكثر الممالك نأيًا كأنها ورثت عن أمها هوسها بالرحيل. كانت متعطشة للحكايات؛ للنهل من عجيبها وغريبها. استفسرت مرارًا عن قماقم سليمان، وكيفية تسخير الجن،. استفسرت عن عشبة الخلود، وهل من سبيل للوصول إليها؟ وعن طريقة لترويض جبل المغناطيس واستئناس أحجار الجنون الفضية.
سعى الحكيم لجرّها إلى أرض الواقع وعلومه، غير أن غرامها الأول كان الغيبيات. درست على يديه العلوم والرياضيات، لكن كيانها كله كان مع الخيال وعوالمه المغرية.
***
كان ميلاد زمردة قد مثَّل نقطة تحول في حياة نورسين، إذ تغيرت صلتها بالحياة في «قاف». صارت ابنتها وطنًا بديلًا لها. كانت تتأملها بالساعات، في سنواتها الأولى، مبتهلة أن تخصها ولو بكلمة واحدة، وكادت تجن من الفرحة عندما نطقت الصغيرة أخيرًا وهي في العاشرة من عمرها.
بدت الأم وقتها كأنما نسيت حنينها لمسقط رأسها، وغربتها الإجبارية في بلاد لا تهمها في شيء، لكنها في العام الأخير قبل اختفائها، داهمها حنين مَرَضي. كانت شوارع مدينتها وأزقتها تسكن أحلامها. كانت ترى الطرقات والميادين والحارات كما لو أضحت خالية إلاّ من مبانيها وأشجارها، لا بشر ولا حيوانات ولا طيور. ثم زارها طيف لعملاق بمسوح داكنة يقطع دروبًا وعرة، وأبى أن يغادر مناماتها. كانت تتابعه كل ليلة تقريبًا وهو يذرع طرقًا لا نهائية بينما تسير خلفه، وفي ذهنها أنه من سوف يدلها على طريق العودة.
ليلة بعد الأخرى، غلبتها الرهبة بينما يمر بمدن مُقبضة، واستسلمت للبهجة وهي تبصر أضواءً تنعكس فوق قباب كريستالية هائلة، وحبست أنفاسها فيما يتسلق دَرَج جبل حالك السواد، مهدَّدًا بسقوط مدوٍ مع كل خطوة. تركته يغالب قدره في رحلة صعوده، ووجدت نفسها على قمة الجبل تستمع لصوت أبيها كأنما يقرأ من كتاب:
«في المسافة اللا نهائية بين جبلي المغناطيس وقاف تكمن أسرار الوجود وخباياه».
كانت كأنها مولودة بمعرفة هائلة رغم صمتها. في البداية ظنها أبواها بكماء لأنها حتى سن العاشرة لم تنطق بكلمة واحدة، كانت فقط تطيل النظر بعينين باسمتين مرتاحتين.
في سن السابعة، وبسبب إلحاح أمها، أحضر لها والدها كبير حكماء قاف كي يعلِّمها الحرف، ويغرس فيها بذور الحكمة، كان الرجل يطيل الشرح محتارًا، غير واثق إن كانت تفهم ما يقول، أو حتى تسمعه، أم لا. كانت تنظر إليه من دون أن تتكلم. من جانبه أدى مهمته متغاضيًا عن مسألة عدم التواصل، كان يتحدث عن الفلسفة وأصول الطب والجبر والفلك، ويحكي عن ممالك بعيدة في السِند والهند، ووراء بحر الظلمات، يحكي عن طيور الرخ المحلقة باستمرار فوق مدن موغلة في البعد كأنها سماء داكنة موازية للسماء، وعن رحالة يرتادون الآفاق غير عابئين بالأخطار، عن الأحجار الكريمة والجبال الممتدة على مساحات شاسعة من مملكة أبيها تفصل بينها بحار ومحيطات بلا نهاية.
رسم لها جغرافيا جبل الماس المحاط بوادي الحيّات، حيث يذبح التجار حيوانًا ويقذفونه في عمق الوادي فتلتصق الماسات النادرة بلحمه الساخن قبل أن ترفعه النسور الجارحة فوق القمة من جديد، فيخيفها التجار ويلتقطوا الجواهر على عجل.
وأفاض في كل ما تجب معرفته عن جبل السحاب الذي تكاد ذؤابته تلامس الغيم، حيث تسكن البنات السبع لملك الجان في قصر لا يستطيع إنسي بلوغه.
أسمَعَها حكايات تخلب اللب عن جن حبسهم الملك سليمان في قماقم سحرية مختومة بالنحاس، وتركهم أسرى زمن ميت.
من السابعة حتى العاشرة من عمرها، حشا الحكيم عقلها، بعلم وافر ورصيد لا ينفد من الحكايات، إلاّ أنه كان يترّدى في هاوية اليأس لشعوره بأنه يكتب على الماء، يضيِّع وقته الثمين مع مخلوق بالغ الجمال لكنه لا يكاد يفقه شيئًا رغم ذكاء عينيه وبريقهما الأخاذ.
يوم عيد ميلادها العاشر، وبينما يشرح لها قوانين البابلي حمورابي، بعد أن عرّفها على أسرار الفرعوني بتاح حُتب، وعلى جغرافيا جبل المغناطيس ولعنته المميتة، بلغ منه اليأس مبلغه. قرر، بتهور، التوقف عن إهانة علمه ورميه أسفل قدمي هذا الكائن الملكي الصامت. لم ينشغل بما قد يجلبه هذا عليه من نقمة وعقاب. ندم - قبل كل شيء - على خيانته لقناعته الراسخة بلا جدوى تعليم الإناث.
نظر إليها بحسرة، ففهمت ما يفكر فيه، وأرادت ثنيه عن قراره، فكان عليها أن تهجر عالم الصمت. نطقتْ بكلماتها الأولى:
-سيدي ومعلمي لم يضِع جهدك سدى، ويومًا ما ستتيقن من هذا!
كان صوتها واثقًا، وآمرًا بلطف، كأنما تدربت على جملتها هذه مئات المرات، كي تترك الأثر الذي تركته في نفس الحكيم. تخلى الرجل عن وقاره، صرخ فرحًا، وركض لإخبار والديها أن ابنتهما ليست بكماء صمّاء كما خُيّل لكل أهالي المملكة.
من يومها واصلت زمردة الحديث بصوتها ذي الرنة المعدنية العصية على النسيان، وكأنما ترغب في تعويض سنوات صمتها، انكبت على التعلم بنهم لم يصادفه الحكيم مع أيٍّ من مريديه. لاحظ انشغالها بالعالم خارج حدود قاف، وسؤالها الدائم عن أكثر الممالك نأيًا كأنها ورثت عن أمها هوسها بالرحيل. كانت متعطشة للحكايات؛ للنهل من عجيبها وغريبها. استفسرت مرارًا عن قماقم سليمان، وكيفية تسخير الجن،. استفسرت عن عشبة الخلود، وهل من سبيل للوصول إليها؟ وعن طريقة لترويض جبل المغناطيس واستئناس أحجار الجنون الفضية.
سعى الحكيم لجرّها إلى أرض الواقع وعلومه، غير أن غرامها الأول كان الغيبيات. درست على يديه العلوم والرياضيات، لكن كيانها كله كان مع الخيال وعوالمه المغرية.
***
كان ميلاد زمردة قد مثَّل نقطة تحول في حياة نورسين، إذ تغيرت صلتها بالحياة في «قاف». صارت ابنتها وطنًا بديلًا لها. كانت تتأملها بالساعات، في سنواتها الأولى، مبتهلة أن تخصها ولو بكلمة واحدة، وكادت تجن من الفرحة عندما نطقت الصغيرة أخيرًا وهي في العاشرة من عمرها.
بدت الأم وقتها كأنما نسيت حنينها لمسقط رأسها، وغربتها الإجبارية في بلاد لا تهمها في شيء، لكنها في العام الأخير قبل اختفائها، داهمها حنين مَرَضي. كانت شوارع مدينتها وأزقتها تسكن أحلامها. كانت ترى الطرقات والميادين والحارات كما لو أضحت خالية إلاّ من مبانيها وأشجارها، لا بشر ولا حيوانات ولا طيور. ثم زارها طيف لعملاق بمسوح داكنة يقطع دروبًا وعرة، وأبى أن يغادر مناماتها. كانت تتابعه كل ليلة تقريبًا وهو يذرع طرقًا لا نهائية بينما تسير خلفه، وفي ذهنها أنه من سوف يدلها على طريق العودة.
ليلة بعد الأخرى، غلبتها الرهبة بينما يمر بمدن مُقبضة، واستسلمت للبهجة وهي تبصر أضواءً تنعكس فوق قباب كريستالية هائلة، وحبست أنفاسها فيما يتسلق دَرَج جبل حالك السواد، مهدَّدًا بسقوط مدوٍ مع كل خطوة. تركته يغالب قدره في رحلة صعوده، ووجدت نفسها على قمة الجبل تستمع لصوت أبيها كأنما يقرأ من كتاب:
«في المسافة اللا نهائية بين جبلي المغناطيس وقاف تكمن أسرار الوجود وخباياه».
صفحة 10
لطالما وقف جبل المغناطيس بالمرصاد للرحّالة والمغامرين. كان مغناطيسه الأسود يجذب مسامير وحديد السفن، فتنفصل عن خشبها وتتطاير في الهواء منجذبة نحوه، لتتحطم السفن ويغرق ركابها. قد ينجح نفر منهم في السباحة وتسلق دَرَج الجبل نحو الأعلى حيث طيور الرخ بالغة الضخامة، ومن هناك ينظرون للأسفل فتميد بهم الأرض وهم يتأملون الطريق الذي قطعوه صعودًا.
فوق قمة المغناطيس يقتم اللون الأسود ويتمدد كأنما يغطي الكون، أسود حالك يخطف البصر ويجبر ناظره على التحديق فيه كالواقع تحت تأثير سحر لا شفاء منه، يعود لا يبصر زرقة السماء ولا زرقة البحر المستعارة منها، تتلاشى خضرة الأشجار وأبيض السحب ودُكنة الغيم.
ليس على المسحور بمغناطيس اللون أن يبتئس، لأن هذا السحر أخف من آخر أشد ضراوة، إذ ثمة أحجار برّاقة من فضة شاهقة البياض تتناثر بين المغناطيس الأسود، وإذا كان هو يمغنط المعادن، فالأحجار الفضية تمغنط أجساد البشر، بحيث إذا نظروا إليها تتلألأ؛ لا يقوون على الابتعاد عنها، وتأخذهم أقدامهم رغمًا عنهم نحوها ليلتصقوا بها غارقين في ضحك بلا نهاية يقودهم إلى أعماق الجنون. جنون الفضة هذا يختلف عن غيره من أنواع الخبَال في اقترانه بالضحك ليصبح مسًّا ضاحكًا ينتهي بالموت».
لم تحكِ نورسين أحلامها لأحد، كما لم تأت أبدًا على ذِكر العملاق الذي صارت ترى فيه رفيق درب، لا تدري إلامَ سينتهي بها. مع الوقت أخذت الأحلام تتضح أكثر، فسَّرتها بأن الرجل هو من سيعيدها إلى بيت أبيها، ثم بدأ يسكنها هوس جديد؛ هَوَس جبل المغناطيس بأحجاره الفضية. صارت تخايلها في الحلم، فتصحو غير قادرة على التفكير في سواها. تساءلت أيمكن أن تكون قد تمغنطت عن بعد؟ خافت من الجنون، وإن لم تستطع، بل لم ترغب في مقاومته.
في حلم كاشف رأت نفسها على أطراف جبل الزمرد، تحديدًا أمام الجميزة المعمرة المسكونة بملكة الحيّات، انتظرت طويلًا قبل أن تسمع صوتًا منبعثًا من التجويف في جذع الشجرة يبشّرها بقرب تحقيق مرادها.
عندما اختفت نورسين، كانت زمردة في عامها الخامس عشر. استماتت كي يكشف لها والدها سر اختفاء أمها، لكن كلماته القليلة كانت تلف الحدث بطيّات إضافية من الإبهام. بات اسم الملكة نورسين محرَّمًا على الألسن فوق قاف، ومع هذا حمل الهواء لابنتها همسات تربط رحيلها بملكة الحيّات وجبل المغناطيس، فقد تناقلت الوصيفات أن آخر مكان شوهدت فيه ملكتهم كان مقر الحيَّة الحارسة.
في العام نفسه، ولإخراج زمردة من أحزانها، أخذها أبوها إلى عش العنقاء لأول مرة، مرّنها على ركوبها وترويضها، وأخبرها أنها ستكون وسيلتها للتعرف على العالم والسفر فيه ما إن تبلغ الحادية والعشرين، حذّرها بشدة من خرق الناموس المقدس والمغادرة قبلها.
عاهدته على الطاعة، وفي ذهنها أن جبل المغناطيس سيكون وجهتها الأولى، ما إن يُسمَح لها بالسفر. ستطأ أرضه مهما كانت المخاطر. في أحلام يقظتها كان طيف أمها يخايلها متجولًا بين شعابه ومنحدراته. لطالما حلمت زمردة أن تجوب العالم على متن العنقاء، ثم تحوّل حلمها إلى هاجس مُمِضّ إثر تبخُّر أمها.
بدا لها عمر الحادية والعشرين بعيدًا، أرادت التعجيل بهذه الخطوة، لتيقنها من أنها كلما سارعت، كلما زادت فرصتها في العثور على أمها. كانت تؤمن بأنها ضاعت في غياهب جبل المغناطيس، بسبب لؤم ملكة الحيّات؛ حارسة قاف وضامنة عزلته.
حين كاشفت كبير الحكماء برغبتها في التخلص من الحية العملاقة بحجة أنها تمنع سكان الجبل من مغادرته، فاجأها فزعه. أخبرها أنها تحميه، وتحفظه من خطر التبدد والزوال، ولم تؤذ أي كائن من قبل، فقط تلتف على هيكل الجبل كأم حنون، ثم تلجأ إلى كهفها الخاص في فترة البيات الشتوي. أضاف أن عزلة قاف قدرية ولا دخل لمخلوق فيها. سايرته الأميرة وصمتت، ظن أنها نسيت الأمر لأنها لم تعاود الحديث عنه. في تلك اللحظة السحيقة كانت قد بدأت، دون أن تدري، درب الاحتراق.
فوق قمة المغناطيس يقتم اللون الأسود ويتمدد كأنما يغطي الكون، أسود حالك يخطف البصر ويجبر ناظره على التحديق فيه كالواقع تحت تأثير سحر لا شفاء منه، يعود لا يبصر زرقة السماء ولا زرقة البحر المستعارة منها، تتلاشى خضرة الأشجار وأبيض السحب ودُكنة الغيم.
ليس على المسحور بمغناطيس اللون أن يبتئس، لأن هذا السحر أخف من آخر أشد ضراوة، إذ ثمة أحجار برّاقة من فضة شاهقة البياض تتناثر بين المغناطيس الأسود، وإذا كان هو يمغنط المعادن، فالأحجار الفضية تمغنط أجساد البشر، بحيث إذا نظروا إليها تتلألأ؛ لا يقوون على الابتعاد عنها، وتأخذهم أقدامهم رغمًا عنهم نحوها ليلتصقوا بها غارقين في ضحك بلا نهاية يقودهم إلى أعماق الجنون. جنون الفضة هذا يختلف عن غيره من أنواع الخبَال في اقترانه بالضحك ليصبح مسًّا ضاحكًا ينتهي بالموت».
لم تحكِ نورسين أحلامها لأحد، كما لم تأت أبدًا على ذِكر العملاق الذي صارت ترى فيه رفيق درب، لا تدري إلامَ سينتهي بها. مع الوقت أخذت الأحلام تتضح أكثر، فسَّرتها بأن الرجل هو من سيعيدها إلى بيت أبيها، ثم بدأ يسكنها هوس جديد؛ هَوَس جبل المغناطيس بأحجاره الفضية. صارت تخايلها في الحلم، فتصحو غير قادرة على التفكير في سواها. تساءلت أيمكن أن تكون قد تمغنطت عن بعد؟ خافت من الجنون، وإن لم تستطع، بل لم ترغب في مقاومته.
في حلم كاشف رأت نفسها على أطراف جبل الزمرد، تحديدًا أمام الجميزة المعمرة المسكونة بملكة الحيّات، انتظرت طويلًا قبل أن تسمع صوتًا منبعثًا من التجويف في جذع الشجرة يبشّرها بقرب تحقيق مرادها.
عندما اختفت نورسين، كانت زمردة في عامها الخامس عشر. استماتت كي يكشف لها والدها سر اختفاء أمها، لكن كلماته القليلة كانت تلف الحدث بطيّات إضافية من الإبهام. بات اسم الملكة نورسين محرَّمًا على الألسن فوق قاف، ومع هذا حمل الهواء لابنتها همسات تربط رحيلها بملكة الحيّات وجبل المغناطيس، فقد تناقلت الوصيفات أن آخر مكان شوهدت فيه ملكتهم كان مقر الحيَّة الحارسة.
في العام نفسه، ولإخراج زمردة من أحزانها، أخذها أبوها إلى عش العنقاء لأول مرة، مرّنها على ركوبها وترويضها، وأخبرها أنها ستكون وسيلتها للتعرف على العالم والسفر فيه ما إن تبلغ الحادية والعشرين، حذّرها بشدة من خرق الناموس المقدس والمغادرة قبلها.
عاهدته على الطاعة، وفي ذهنها أن جبل المغناطيس سيكون وجهتها الأولى، ما إن يُسمَح لها بالسفر. ستطأ أرضه مهما كانت المخاطر. في أحلام يقظتها كان طيف أمها يخايلها متجولًا بين شعابه ومنحدراته. لطالما حلمت زمردة أن تجوب العالم على متن العنقاء، ثم تحوّل حلمها إلى هاجس مُمِضّ إثر تبخُّر أمها.
بدا لها عمر الحادية والعشرين بعيدًا، أرادت التعجيل بهذه الخطوة، لتيقنها من أنها كلما سارعت، كلما زادت فرصتها في العثور على أمها. كانت تؤمن بأنها ضاعت في غياهب جبل المغناطيس، بسبب لؤم ملكة الحيّات؛ حارسة قاف وضامنة عزلته.
حين كاشفت كبير الحكماء برغبتها في التخلص من الحية العملاقة بحجة أنها تمنع سكان الجبل من مغادرته، فاجأها فزعه. أخبرها أنها تحميه، وتحفظه من خطر التبدد والزوال، ولم تؤذ أي كائن من قبل، فقط تلتف على هيكل الجبل كأم حنون، ثم تلجأ إلى كهفها الخاص في فترة البيات الشتوي. أضاف أن عزلة قاف قدرية ولا دخل لمخلوق فيها. سايرته الأميرة وصمتت، ظن أنها نسيت الأمر لأنها لم تعاود الحديث عنه. في تلك اللحظة السحيقة كانت قد بدأت، دون أن تدري، درب الاحتراق.