eKtab
EN ع
جدد موته مرتين
اقرأ عينة مجانية

جدد موته مرتين

بقلم حميد الربيعي

صفحة 1
ـ 2 ـ
 
العـرس
 
كنا صغاراً نلهو في الشارع، أربعة صبيان وبنت، في أفراحنا نصبح مجموعة كبيرة، يأتون من الحارات المجاورة إلى "عكد الأكراد". هي ليست بالبعيدة، تكاد أن تلاصق حينا، كلنا ضمن "الصدرية" لكننا نتباهى بمناطقنا، فأبناء "قنبر علي" هم الأعسر، أولاد سوق الغزل كلهم يربطون الطيور، نحن أبناء عكد الأكراد نرطن بعدة لغات، لن يميزنا إلا من سكن معنا دهراً، الفيلي قصير وممتلئ بيد أنه يتكلم العربية بطلاقة، وأبناء الكلداني يحفظون الشعائر كما نحن. نلتم قبل الصباح قبل التوجه إلى المدرسة، كل ينطر صاحبه، نخرج معا ونعود معاً، نشكل عصبة تجاه الآخرين، لكننا في الحقيقة متضامنون فيما بيننا، أهل الصدرية سواء.
 
ـ غلاظ و أشداء.
 
عابت المدرسة الجديدة صلابة قامتنا وفتوة العضلات، لكنها بعد أسبوع رحلت.
 
يقال أن ثمة من اشتكاها لدى الإدارة، نحن عزونا الأمر إلى مخافتها من البطش بعدما استعرضنا عناداً بها فتوتنا علانية في درسها، كانت مذعورة من تصرفنا الطائش فلم تعد في اليوم التالي وإلى الأبد.
 
عند انتهاء الدوام نخرج زمراً، ننهب الشارع الذي يفصلنا عن "الفضل" بحركات رقص، إنه في الواقع تحد للشبان الذين ينتظرون قدومنا كل يوم ليدخلوا في مشاحنات، نحن ألفناها وصارت جزءاً من يومنا.
 
نضمرها لهم ونعلنها عصراً عندما ندخل سباقات الطيور. تلك المباريات تتحول إلى مهرجان، يشارك فيه الجميع، بدءاً من باب المعظم ومروراً بالصدرية كلها وحتى مفرق سينما الفردوس.
صفحة 2
عندما يبدأ الحمام الطيران ننسى كل الضغائن وندخل في تحد وحيد، لكنه عارم، يكتنف كل حياتنا، لمن لديه أجمل حمام وأسرعها طيراناً.
 
فوق سطح البيوت نربي الطيور، نصنع لها أقفاص خشب ونغذيها بأجود أنواع الحبوب، وحينما ينبت ريشها نفرّقها في أقفاص شتى، الحمام الزاجل، حمام الفخاتي، وحمام الدراج، بعض من له دراية كافية بالأصول يفرقها بطريقة مغايرة وغالباً ما يغلبنا في المباريات ما دام يعرف أكثر.
 
يبدأ السباق عادة بعد العصر، حيث يكون الأهل قد استيقظوا من القيلولة وهم بحاجة إلى إبهار يرفع الخدر عن أجسادهم. الآباء يجتمعون في المقاهي التي تشكل ملتقى الأزقة، الأمهات يفترشن عتبة الدار لملاقاة الجيران وتناقل الأخبار اليومية، الفتيات في أيامنا بدأن يصعدن السطوح والمشاركة بحماس في السباق.
 
في أزمنة غابرة كن يتلصصن من النوافذ، لكن منذ أن تجرأت أمّ خليل الحاج عندما أخرجت بنت جارتها وأشركتها في السباق حتى بات تقليداً راسخاً.
 
ـ الفتاة، كما الصبي، لها الحق.
 
من يعترض على إرادة أمّ خليل، فهي السيدة المبجلة في عكد الأكراد وسائر الأحياء المجاورة، أخذت منزلتها على مر الأيام وبالذات بعدما صارت أم الشهيد في حادثة مشهورة في تاريخ بغداد كلها، ذلك لأنَّ خليلاً اعترض رتل دبابات اقتحمت المنطقة منذ عشر سنوات خلت، عطل الرتل ثلاثة أيام، كان يطلق الرصاص من فوق السطوح، وفي النهاية تبول على الرتل.
 
لقد تعززت مكانة أمّ خليل في قلوب الناس منذ صارت ترعى أبناء الحي، نعدها بمثابة أمّ حقيقية لنا، نكنّ لها الودّ وهي تحتضننا كما الفراخ تحت جناحيها.
صفحة 3
نتسابق على أمومتها بعدما فارقت الشهيد وخبأت ابنها الآخر في مكان ناء خوفاً من القتلة.
 
ظلوا يلاحقونها ردحاً من الزمن حتى عجزوا فتركوها ترعانا وتعلن كرهها لهم علانية.
 
حينما نختصم في مباريات الحمام كانت تفصل بيننا، فكلمتها مطاعة، ولم يجرؤ أحد في يوم ما أن يقول لها "أف"، بيد أننا في أمسيات معينة وحالما يأخذ بزمامنا الغضب نقيم المباريات في الأحياء البعيدة وعندها تشب المعارك الدامية، كنا قد أعددنا العدة لمثل هذه المعارك، نتطاحن ونعض بعضنا بعضاً وندمي الأنوف لكننا نعود سالمين معافين إلى الحي اتقاء لزعل أمّ خليل.
 
لا تنشب الخصومات إلا عندما يشتعل التنافس، يبلغ أوجه إن جاء ممن يتحدى عكد الأكراد بطيوره وشلته من الفتيان، نحن لا نرضى بالضيم، لقد كان خليل الحاج منا، ونحن عصبته الصغار.
 
ـ لا تأخذكم الأيام
 
تقول لازمتها الدائمية، نبكي على صدرها فتبدأ النواح، كأنها تتذكر فقيدها.
 
ـ كونوا إخوة.
 
من عالم غير مرئي يأتي صوتها، دفقة حنان ممزوج بطبطبة فوق الرؤوس، تفيض علينا محبة عارمة، نحاول التملص من حضنها بصعوبة، بيد أنها توقفنا عند الباب.
 
ـ هذه المرة سنقيم "عرس القاسم".
 
مذهولون من هذا التغير المفاجئ، وفرحون في آن، عزونا التغير إلى ضيفها الجديد، فمنذ أسبوع حل شاب أنيق من الفرات الأوسط في بيتها.
صفحة 4
هي تقول إنه ابنها، لم نعد ندقق في حقيقة قولها، ذلك أنّها تعدنا أيضاً أبناءها، ولا غرابة في الأمر، أن ما تنطق به مسلمة تأخذ الناس بها، فقد وسع صدرها بعد الشهيد لكل الأولاد، تفيض عليهم حناناً.
 
لم يبادر أي من الأهالي للتشكيك أو المزاح عندما أعلنت وصول الضيف قبل أربعة أيام.
 
نحن الشلة فرحنا جداً بوجوده ما دام يعرف الكثير عن الحمام، بل الذي شدنا إليه كثيراً هو اسمه، ومن الصعب تصديق هذه المصادفة، لكنها آتية من طرف أمّ خليل فإذن هي حقيقة واقعة، هل من المعقول أنْ يقول اسمه ولا نستغرب خاصة وأننا حفنة من الصبيان؟
 
ـ أنا محمد الخضيري.
 
هذا اسم لطير نادر، جميل ومبهج عصفور الخضيري، حجمه بقدر كف اليد ويتوارى في جحور الرمل. إن كان ثمة كثبان رمل في الفرات فإنَّ الطائر مختف في طرف الرابية.
 
يحفر الرمل صانعاً فتحة ضيقة بيد أنّها تتسع في العمق ليرقد فيها، لن يخرجه إلا من يعرفه من المهرة "المطيرجية".
 
يعرفون أن وقت العصر، حالما تميل الشمس إلى الانكسار فوق الأفق الغربي، يحضرون مرآة، تنعكس خيوط الشمس عليها، لكنها تدخل الجحر حزمة قوية. إن خفقت الأجنحة في الحفرة فإنّ الطائر لن يخرج، ذلك أنه تفادى الضوء الساطع
صفحة 5
لحظة اقتناصه تعادل فرحة العمر، لم يحظ به أحد، لونه أخضر مبهر وغالباً ما يفر من أيدي قناصيه. نحن سمعنا حكايات طويلة عنه في سوق الغزل، حيث تباع الطيور كل يوم جمعة.
 
الضيف قطع وعداً في الزيارة الثانية سيجلب هذا الطائر معه. ذلك حلم أضفى على حياتنا البهجة، وقد أكدته أمّ خليل:
 
ـ يفي بوعده، ولدي بار.
 
عندئذ تفرغنا لبثّ خبر التغير الذي طرأ على سيرة أم خليل، فهي معتادة في أيام عاشوراء أن تقيم حفلة "شاي العباس" كل عام بعد مقتل ابنها، تختصر الأيّام العشرة بأمسية واحدة تجمع كل أهل الصدرية.
 
نقيم سرادق كبيرة في الساحات، نجمع لها الحطب وقوداً لصنع الشاي، النساء يعددن "الاستكانات" تلك القوارير المذهبة وذات الخطين والمقبض اللماع.
 
لم نستغرب أبداً أنها تسقي كل السكان بالشاي ذي الهيل الفائح الرائحة، ولم نسأل إن كانت قادرة على توفيره، لكن لدينا إحساس بأنَّ بعض بيوت عكد الأكراد تعاضدها وتشاطرها الأعداد.
 
يبدأ الطقس بعد مغيب الشمس، يتوافد الرجال إلى السرادق والفتيات في حركة دؤوبة، بين ذهاب ومجيء، يحملن الأباريق والصواني المغطاة بالحنة. يتحول الطقس إلى جلسة سمر، ودائماً ما تبدأها أم خليل بأن الشهداء أحياء. تتفتق السير والحكايات عن ذكريات تعبق في صدور الرجال، وتختم تلك الليلة بأحد منشدي المراثي، غالباً ما تنتقي الأجود والأحلى صوتا ليسرد قصة حياة هذا البطل في واقعة ألطف.
 
ـ لا عويل ولا بكاء بهذا اليوم.
صفحة 6
الشهداء لديها قديسون، ولا فخر بالعويل على موتهم، نحن نشعر بها مزهوة بذلك اليوم وكأنها تتمنى الرقص لبطولته، لكننا نعي وقع الحادثة هو ما يمنعها وليس الحياء.
 
أنا نجم الفحام اقترحت على الشلة أن نأخذ الضيف في نهاية الأسبوع إلى سوق الطيور.
 
كنا لتونا هاربين من المدرسة ونرسم الخطط لحفلة أمّ خليل، في البداية استهجنوا أن نسرح نحن الصبيان مع رجل كبير في سوق الغزل، لكن لما شرحت لهم أنه رد بسيط لفضائل الأم الكبيرة رحبوا مسرعين واتفقنا أن نقتسم ضيافته في مصروفنا اليومي، إلا أنَّ أحدنا، جليل حيدر، أضاف بأن لديه حصالة نقود ويستطيع المساهمة بحصة أكبر، استغربنا كثيراً ليس من رغبته بل لأنه يدخر مالاً إضافياً، فنحن في الحقيقة نعيش على قوت يومنا ما دمنا نسكن هذه الأحياء المنزوية والمنسية، هو فسّر تصرفه:
 
ـ الفلس الأبيض ينفع في اليوم الأسود.
 
رد سعدون بجلف:
 
ـ كل أيامك سود.
 
بيد أن ميرزا لاطف التوتر الذي بدا على وجه جليل:
 
ـ لا تهتم، إنه نكدي في طبعه.
 
أنا لم أعلق ولم أشارك، إذْ كنت أنتظر نشوب معركة بين الاثنين، ولم تحدث، فقد استطاع ميرزا بأسلوبه اللبق امتصاص غضب جليل.
 
أكملنا بقية الطريق واجمين كأن ثمة كربا كبيرا يثقل ذواتنا، ولا فرحة مرتقبة آتية في الأيّام القادمة.
 
ـ هل في داخلنا غيظ؟
صفحة 7
قبل الدلف إلى الحي سألت نفسي، الآخرون سمعوا الهمس، فاشتركوا في سجال عنيف، أنا أنفت عنه، أتفحص الخاطر الطارئ.
 
شعرت أن الشلة واهية ولا رابط يجمعنا، الكل تسرب إلى البيت صامتاً، أنا من ناديت بصوت عال:
 
ـ سأمر على مريم لأخبرها.
 
تطاير الشرر في بعض العيون، يودون افتراسي وكأني أتيت موبقة لا تغتفر، لم أكترث لما اعتراهم، اعتبرته متأتيا من التأزم الذي رافق طريق العودة من المدرسة، ميرزا عزا الأمر إلى هروبنا مبكرين وأننا نعاقب أنفسنا:
 
ـ لا تهتم، اذهب إليها.
 
كان رقيقاً وناعماً ولامس أطراف أصابعي مودعاً.
 
ـ يا سبحان الله، من هذه النعومة.
 
هدلت كتفي سائراً نحو مريم.
 
بيت خلدون الكلداني يبعد عن أول الزقاق الذي تترأسه أمّ خليل بثلاثة بيوت، نحن نجاوره من جهة اليسار، ويفصلنا عنه حيز ضيق لا يسع إلا لمرور الأشخاص. ثمة حفرة تتوسط المسافة، لطالما حاول ردمها أبو مريم ولم يفلح، إذْ تتفجر كل حين ويتدفق منها ماء ساخن. أهل الحي عدوها عينا مباركة، لكني ومريم نخشى الخوض فيها، ذلك أن المياه الجارية ثقيلة وتلمع، كأن فيها عفريتا يهزأ بنا.
 
أنا أدخل بيت مريم بترحاب شديد من قبل الأم، لطالما رأت فيّ الراعي لابنتها في الحل والترحال. تأتمنني على شؤون البيت، فأنا من يتسوق لها يومياً، وأنا من يحمل الأواني إن أرادت توزيع حلوياتها على الجيران.
صفحة 8
بكل ترحاب صدر أطاوعها فيما تريد، إذْ هي فرصة للبقاء برفقة مريم، قمر عكد الأكراد والياقوتة المتلألئة، لم يخلق مثل جمالها في كل أحياء الصدرية، بيضاء ذات قوام ممشوق وخصر تقف عليه الطيور، عنقها مثل منارة تهدي الضالين، لها قدمان مثل رسغ عصفورة تلامس الأرض، لكم أنا مغرم بتينك القدمين.. تأخذني بهما إلى التيه عندما تراقصني، بجعة تفرد جناحيها عندما تتلوى ومغزل مفتول يدور حيثما يأخذها الإيقاع، أنا أدور حولها مشدوها من شد قامتها، خفاها ينطان فأطير بهما شوقاً، لم تمانع يوماً عن الرقص كلما انفرد بها في باحة البيت، أمها تنقر الدف وأنا أغرّد لها ولهاً ولهفة.
 
تأخذنا الساعات ونمضي سحابة النهار معاً، حتى أبوها في بعض الأوقات يشاركنا. لم يثقله الزمن فما زال بخفة الفتوة يشدو الإيقاع، لكن عصاه جاهزة للتهديد.
 
ـ القراءة أولاً.
 
لا يخشى اللهو لكنه يشد من عودنا، كأن في عينيه خوفاً من القادم.
 
ـ الدراسة سلاح بوجه الزمن.
 
يطالعنا كل حين ونحن منكبان على الكتب، يتسمع ويراقب ويبتسم لأفراخ لم ينبت ريشها بعد.
 
طرقت الباب، كان موارباً، فلم يصادف أن أغلق أحد بابه، فكل البيوت مفتوحة لأهل الحي، علمني أهلي وإن كنت لا أبالي مراعاة حرمة البيت.
 
ـ تفضل.
 
هشت الأم مرحبة، طبعت قبلة على خد الفتى ولم يتوان أن ردها مرتين تحية وإجلالاً.
 
ـ كأنك هارب من المدرسة؟
صفحة 9
ـ بالتأكيد.
 
ـ ستأتي مريم قريباً.
 
جلست في الباحة وانصرفت هي لشؤون المطبخ، بعد حين نادت لمساعديها في تقشير البصل.
 
هذه المرأة تكره الدموع ولا تطيق بكاء أحد، وقادرة أن تحيل الحزن إلى فرح، ابتسامتها تذيب الهم ولا مفر أن تداني رغبتها فيما تود.
 
سارعت أنوب عنها في التقطيع، أنا أداوم على هذا حتى اعتدت الأمر، ولم أعد أذرف الدموع.
 
هلت مريم، من الباب تغرد:
 
ـ أنا أرى من في البيت.
 
ثم وصلت المطبخ، خلعت نعلها واقتربت، وشوشت قليلاً و استدارت نحوي:
 
ـ ستتغدى معنا.
 
لا مجال للاعتراض، هذه بديهية فرضتها الرفقة والجيرة، لم تبدر مني إشارة، في داخلي أتمنى فعلاً طعام أم مريم، تعده لذيذاً واعتدت مذاقه بشهية كل مرة.
 
يوم الجمعة اقتدناه مبكرين باتجاه السوق، تمنع عند وصولنا، بيد أنَّ أم خليل كسرت عناده:
 
ـ إنهم أولاد، يرحبون بك.
صفحة 10
كنا أربعة صبيان مع مريم، سلكنا الطريق المختصر من العكد، مجتازين الحارات الضيقة.
 
كنا ندله على الدرب ونشرح له بنوع من الاستفاضة عن كل حي، الخضيري يمشي بخطى واثقة وكأنه يعرف طريقه جيدا، ولم نصدق أنه من الفرات الأوسط بينما يعرف الحارات ويسميها قبلنا، جليل حيدر عدها فطنة وذكاء، لكني في داخلي أسميتها تورية عن إلمام تام بالمنطقة.
 
كان يسير في وسطنا ونحن نتقافز حوله، مثل قرود تنط في كل الأنحاء، حتى إنَّ طريقنا صار متعرجاً وغالباً ما دخلنا أزقة بعيدة عن المسار، هو يتفرج على مرحنا ولا يشارك، مرة اندمج عندما تحولنا نحو الرقص، دبك بصلابة فطلبنا منه أن يتمها، حلقنا حوله.
 
في منتصف الطريق رجل في الأربعين من عمره وأنيق يرقص لصبية صغار، يصفقون له ويشدونه بصفير أصواتهم العالية، اندمج لحظات ثم توقف:
 
ـ أروني رقصتكم.
 
انبرت مريم مع ميرزا أولاً، رفرفا مثل طيرين يغردان، دفعته بعيداً بعدما سحق قدمها. تقدمت أنا فاندمجنا في الرقصة التي نتدرب عليها في باحة البيت، صفق الضيف مرحاً، ثم قادنا نحو مواصلة الطريق، كان يعلق على ما يبصره.
 
في نبرة صوته صخب وعنفوان لكنه جهوري، عالي النبرات وذو مخارج جميلة في أثناء النطق، قلنا ان كبر العمر يعلم الإنسان ما لم يعلم. هو عد تعليقنا طرفة، ابتسم لها كثيراً.
 
اجتزنا الحارات السكنية فدلفنا إلى سوق الحبوب، الباحة الواسعة التي تنتضد على أطرافها دكاكين البيع، الساحة ليست فارغة، بل تتكدس فيها أكياس من كل أنواع الحبوب مادام هذا السوق يعد الممول الرئيسي لبغداد. بعض المحلات مشرعة الأبواب. تناهى لنا صوت من أحدهم:
 
ـ تفضلوا.