eKtab
EN ع
جدي حكى لي...حكاية النسبية
اقرأ عينة مجانية

جدي حكى لي...حكاية النسبية

بقلم د. فوزية محمد البراهيم

صفحة 1

وما مِن كاتبٍ إلا سيفنَى
ويُبقي الدهرُ ما كتبتْ يداهُ
فلا تكتب بخطّك غيرَ شيءٍ
يسُرُّك في القيامة أن تراهُ

صفحة 2

مقدمة

درسنا نظرية النسبية في مناهج الجامعة… واجتزناها بنجاح...
ولكننا درسناها صفوفًا من المعادلات المبهمة؛ التي لم نفهمها، وربما اضطررنا لحفظ رموزها الغامضة...
لم يتجرأ أحد فيقول لنا ما هي، وما معناها ؟
ماذا تحوي، وما كنهها ؟
مُنعنا من التفكير فيها.. وفيما حولها...!
لم يشجعنا أحد أن نبحث.. أو حتى أن نسأل عنها !
ظلت تلك.. منطقة محظورة...
ربما حتى لا نُحرج أحدًا...!
بعد سنواتٍ عدة...
ومع حصيلة قراءات لي في هذا المجال...
اكتشفت مدى جهلي بهذه النظرية... !
على الرغم من شهاداتي العليا، وخبراتي العملية... !
فقررت أن أخوض غمارها...
وحاولت أن أكتشف يسيرًا من أسرارها...
أحببت أن يشاركني القراء فيما استطعت أن أستوعب منها... !
حاولتُ أن أبسط نتائجها قدر الإمكان...
وأن يكون الكتاب ذا أسلوبٍ حواريٍ قصصيٍ بسيط...
يناسب جميع المستويات، والثقافات، والتخصصات...
حرصتُ على إلا يحتوي على أي معادلة أو صيغة رياضية...
هذا الكتاب...
دعوة للتأمل في ذلك الإنجاز البشري الرفيع...
ومحاولة لفهم العالم من حولنا...

صفحة 3

نظرية النسبية...
ليست مجرد عمليات رياضية...
وحسابات معقدة من الأرقام، والرموز الجامدة...
بل هي أعظم من ذلك... !
إنها محاولة لتفسير ظواهر الكون على أساس ترابط المادة مع الطاقة، والمكان مع الزمان...
في قالب عماده وحدة الكون؛ ذلك النظام الهندسي البديع...
وما هذه النظرية...
إلا حصيلة دهور طويلة من كفاح الإنسان، وتتويج لجهود علماء في الدرب التاريخي الطويل للعلوم...
نعم… هي نظرية فيزيائية...
لكنها تنظر إلى الكون من وجهة نظر أخرى... !
لأنها جاءت بمفاهيم جديدة غريبة على العقل...
وبذلك فتحت الأبواب لعصرٍ جديد...
هو العصر الذري الذي نعيشه الآن...
قد يرى البعض هالةً سحريةً تحيط بنظرية النسبية...
وقد يُخال أنها عسيرة الفهم...
ولكنها في الحقيقة على قدرٍ كبيرٍ من السهولة...
متى ما فهمنا فرضياتها... واستوعبنا نتائجها المرعبة... !
فتَّقت نتائج النظرية أذهاننا...
ودفعتها للإبحار في رحاب هذا الكون الفسيح...
علَّمتنا كيف يمكن أن نستعمل عقولنا لنتعرف على ظواهر الكون...
ذلك المعرض الرائع لآيات الله وعجائب صنعه...
سوف نشعر بالمتعة حقًا ونحن نحلِّق في عالم النسبية الغريب...
وسنرى أن هذا الإنسان على صغره وضآلة عالمه..
ما هو إلا جزء مبدع من هذا الكون...
قادر على كشف أسراره، وعلى سبر أغواره...
فالله سخَّر لنا هذا العالم الواسع.. وأوكل لنا مهمة إعماره، واستخلفنا عليه..
قال تعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً } (البقرة : 30)
هناك دعوات صريحة في القرآن الكريم للتوغل والبحث عن نواميس الكون.. حتى نكتشف ما سخَّره الله لنا في هذا العالم من نِعَم... ونسَّخرها لعمارة أمنا الأرض...
ولن نتمكن من ذلك...
ما لم نقتحم عالم الفيزياء الرائع.
وقد آن لنا نحن المسلمون.. أن نوقد شعلة الاكتشاف من جديد…
لنستعيد بريقنا العلمي...
ونعيد بناء حضارة أمتنا...
لنرفع الراية من جديد...
آنذاك فقط...
يحق لنا أن نسود العالم...
وأن تكون لنا الصدارة بين الأمم...
أقدِّم هذا الكتاب...
ونصب عيني.. شباب الأمة...
أملها... فخرها...
أقول لهم:
حتمًا سيثير هذا الكتاب لديكم علامات استفهام...
وسوف تعترضكم نقاطٌ غامضة.. وأمورٌ مدهشة...
أدعوكم...
... للبحث عنها...
... والتعمق في معانيها...
... وتقصي دلالاتها....
فنحن ننتظركم.. ونعول عليكم...
فهيَّا... شمروا عن سواعدكم...
شدوا العزم.. اشحذوا الهمم...
فربما استطعتم يومًا ما... تقديم ما لم نستطع نحن أن نقدمه.
لن تستطيع فهم النظرية النسبية عندما تقرؤها مرة واحدة..
بل تأكد أنك ستفهمها عندما تكرِّر قراءتها وتفصّلها حرفًا حرفًا..
وتذكر عندما تيأس من فهمها....أن العلماء لم يستطيعوا فهمها سريعًا... لكنهم فهموها عندما عزموا على فهمها.
تذّكر:
لا حياة مع اليأس..

صفحة 4

تمهيد

مرحبًا بكم في عالم جديد...
عالم يعتبر كل ما كنا نعرفه خطأ...
هو عالم أغرب من أقصى أحلامنا بمراحل...
عالم لا يمكن لأحد فيه أن يرسم دائرة كاملة...
عالم فيه الخط المستقيم قد يصبح منحنيًا...
فيه اليمين قد يصبح يسارًا...
والأعلى قد يصبح أسفل...
كلما ازددتَ فيه سرعة...
كلما تقلص طولك.. و.. ازددت كتلة...
عالم من أربعة أبعاد...
لا يمكن تصور هذا البعد الزائد، ولا يمكن رسمه...!
وهل يمكن رسم شيء لا نراه ؟
لا يوجد في هذا العالم مرجع كوني ثابت... ولا مقياس مطلق...
عدا الضوء.. فهو الوحيد المطلق في عالم النسبية الغريب...
مرحبًا بكم وأهلاً... في عالم النسبية...
حيث لا يوجد فيه شيء اسمه شعور عام...
المتر فيه.. ليس هو المتر الذي نعرفه...
والدقيقة لديه.. ليست هي الدقيقة التي نعرفها...
النسبية... التي اعتبرت أن كل شيء في الكون متحرك...
وأن الثبات في مكان محدد ؛ شيء لا وجود له في هذا الكون...
النسبية التي وحَّدت بين الكتلة والطاقة...

صفحة 5

وجعلت بينهما علاقة وثيقة، على شكل معادلة بسيطة هزَّت أركان العالم...
النظرية التي مزجت بين الزمان والمكان في إطارٍ واحد...
معها أصبحت قصة السفر عبر الزمان والمكان؛ احتمالاً علميًا واردًا...
وليست خيالاً جامحًا لأديبٍ حالم...
عالم قد لا تتطرق له حتى روايات الخيال العلمي...
لأنه يتعدى حدود الخيال... وما وراء الخيال...
نظرية جعلت الأبعاد أربعة...
وفتحت المجال...للمزيد...
مع نسبية آينشتين أصبح كل من المكان والزمان نسبيًا...
حسنًا... دعنا نعرف ما هو المكان ؟...
لماذا شغل مفهوم المكان الفلاسفة والعلماء طيلة قرون عديدة ؟...
ترى... من أين تولدت فينا تلك النظرة البديهية للمكان ؟
هل المكان ممتد إلى اللانهاية ؟
من سبق الآخر: المكان أم المادة ؟
هل المكان جوهر مستقل عن المادة ؟
أم أن وجود المادة شرط أساسي لتصور مفهوم المكان ؟...
اعتبر أرسطو أن المكان مطلق...أي نفى استقلالية المكان عن المادة...
جاء نيوتن، فخالف أرسطو... ادعى عدم وجود شيء اسمه مكان مطلق...
واعتبر أن المكان يسبق المادة... وهو مستقل استقلالاً تامًا عنها...
وهذا يعني إمكانية وجود المكان بدون مادة...
لكن.. هل يمكن فعلاً أن يحدث هذا ؟...
هل يمكن أن يوجد فضاء خالٍ من المادة ؟...
بعبارة أخرى :
هل يمكن أن يوجد كون بدون كواكب أو مجرات أو نجوم ؟؟!!...
جاء آينشتين فاعتبر أن المكان الفارغ من أي مادة لا معنى له على الإطلاق..
رفض فكرة المكان المطلق...
اعتبر المكان مقدارًا متغيرًا ونسبيًا...
عرَّف آينشتين المكان بأنه " كل حيز من الفراغ يحدد المادة "...
واعتبر إمكانية تحديد مكان أي جسم بدون اعتبار للزمن؛ أمرًا مستحيلاً...
رأى أن كل حركة نسبية... وأن الحركة الحقيقة لا وجود لها...
وأنه لا وجود هناك للسكون الحقيقي !...

صفحة 6

حسنًا...
الآن... دعنا نتعرف على الزمان...
لدينا دائمًا إحساس غامض تجاه معنى الزمن...
اعتبره البعض شريطًا سينمائيًا يحتوي على جميع حوادث الحياة !...
هل هو كذلك ؟... ربما !.
عرَّفه آخرون: إنه انطباع الأحداث على شريط التسجيل الخاص بنا... الموجود في وعينا...
اعتبره آخرون أنه معدل إدراكنا للأحداث، وما ينشأ عنها من تغير في وعينا بذاتنا وبما حولنا.
أو ربما يكون هو وليد ساعتنا البيولوجية والعقلية.. وليس له علاقة بأي شيء آخر.
ربما... وليس إلا...
نستطيع بسهولة... أن نميز بين الأحداث الحالية.. والسابقة.. واللاحقة...
وهذا يعطينا تصور الزمان...
اعتبر كل من أرسطو ونيوتن أن الزمان مطلق !...
وهذا معناه:
أن ترتيب الحوادث سيكون على وتيرة واحدة بالنسبة لأي مراقب كان...
في أي بقعة من الكون؛ ساكنة كانت.. أم متحركة..
نفى آينشتين أن يكون الزمان مطلقًا...
واعتبر نسبية الزمان...
وهذا يعني:
أن الزمن لا يعتبر خلفية الوجود... بل جزء من هذا الوجود.
اعتدنا على السفر عبر المكان...
ولكن.. هل نستطيع أن نسافر عبر الزمان ؟...
هل هناك حواجز تمنع انطلاقنا إلى عوالم أخرى توازي عالمنا ؟...
عسير جدًا تصور مفهوم نسبية الزمن...
لأن معناها أن الزمن لا يجري في الكون بشكلٍ متساوٍ...
بل يقصر ويطول... حسب سرعتنا ومكاننا...
لحظة !!...
هل حقًا يمكن أن يتحول زمانك.. ليصبح جزءًا منك ؟...
هل تخيلت كيف يمكن أن تنقلب كلك؛ أو جزء منك؛ إلى زمان ؟!...
دعنا من هذا...
هل حقًا يتمدد الزمان ؟...
أين ومتى ؟
هل تختلف دقيقة أرضنا عن الدقيقة في ركنٍ آخر من الكون ؟...

صفحة 7

حسنًا...
هل يمكن أن يتجمد الزمن ؟...
متى وكيف ؟
لا نستطيع أن نتصور فكرة اللا زمن !...
إذا كانت نسبية الزمن عسيرة على التصور...
فإن فكرة الزمن المطلق أعسر.. لأنها تتعارض مع جميع الشعائر والمعايير.
ولأنها تعني... زمنًا ممتدًا، لا بداية له ولا نهاية...
أي زمنًا أزليًا...
وهذا ما ادعاه الفلاسفة الملحدون...
الادعاء بأزلية المادة...
ادعاء يخالفه الدين والعلم والعقل والفكر والمنطق...
أثبت العلم أن للكون بداية...
وهذا يدل على الخلق...
وأن الكون خُلق من قِبل الخالق سبحانه وتعالى...
وجود الشمس اليوم يعني أن لها بداية...
وإلا فنيت منذ أمد بعيد...
كيف يعقل تصور أن شمسنا أبدية بلا بداية ؟...
كيف يعقل هذا، وهي تفقد في كل ثانية 4600 مليون طن من مادتها وطاقتها ؟...
لعل خلاصة الحديث :
أن لا مكان بدون مادة... و... لا زمان بدون حركة...
هل أُصبتم بالدوار ؟...
حسنًا..
سوف نتوقف الآن...
حتى نلتقط أنفاسنا... ونستعد معًا لتقليب صفحات هذا الكتاب.

 

صفحة 8

في بيت جدي

أخيرًا... جاءت عطلة نهاية الأسبوع...
كان سعد ينتظرها على أحر من الجمر...
كيف لا، وهو سيقضيها في البيت الكبير عند جده.
ها هي السيارة تنتظره عند باب المدرسة.. سيتوجه منها مباشرة إلى القرية؛ حيث يسكن جده...
كم هو مشتاقٌ إليه.. وإلى حكاياته الجميلة...
سيحَّدث سعد جده عن مدرسته الجديدة، عن أصحابه، عن أيامه المدرسية، عن دروس الفيزياء التي تثير لديه الكثير من علامات الاستفهام.. وكم هو في حاجة لإجابات عنها.
.*****
بعد الظهر، وبعد تناول طعام الغداء.. اجتمعت العائلة تحتسي الشاي الساخن.
في الريف يكون هناك للشاي طعمٌ آخر.
ها هو الجد يجلس على كرسيه الهزاز، يصلح من وضع نظارته، يقلب صفحات من كتابٍ قديم..
بينما سعد يقف قرب النافذة.. يتأمل بساطًا أخضر قد امتد أمامه...
- سعد : كم يبدو المنظر رائعًا من هذه النافذة... يا لها من طبيعة ساحرة !
- الجَدُّ : سبحان الله العظيم الذي أبدع كل شيءٍ خلقه.
- سعد : ما أجمل أن يعيش المرء بين أحضان الطبيعة.
- الجَدُّ : هذه جنة الدنيا، فكيف بجنات الآخرة... نسأل الله إلا يحرمنا إياها.
- سعد : اللهم آمين.
- الجَدُّ : لقد ميَّز الله الإنسان، ووهبه العقل ليتفكر ويتدبر في مخلوقاته، ولتكون براهين جلية ودلائل واضحة على وحدة خالقها الذي أبدع كل شيء خلقه... فسبحانه ما أعظمه وما أكرمه.
- سعد : سبحان ربي القائل: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران : 191 )
- الجَدُّ : هل تعلم يا بني، أن مظاهر الطبيعة تنقسم إلى نوعين رئيسين ؟
- سعد : وما هما ؟

صفحة 9

- الجَدُّ : جسيمات وموجات... هل تتذكر تعريف الموجة يا سعد ؟
- سعد : كل ما أتذكره، أنه لو كان لدي حبل مستقيم، وهززت طرفه القريب مني نحو اليمين واليسار، أو نحو الأعلى والأسفل، فسأحصل على موجة تنتقل على طول الحبل.
- الجَدُّ : وهذه الموجات تنقل الطاقة والمعلومات.. وغيرها، وهناك أنواع منها ما هو طولي ومنها ما هو عرضي... كان اعتقاد العلماء السابقين أن هناك فرق بين الجسيمات والموجات، ولكن اعتقادهم هذا قد تغير الآن.
- سعد : إذن لم يعد هناك فرق بينهما.
- الجَدُّ : نعم... لم يعد هناك فرق بين الجسيمات والموجات.
- سعد : جدي، لقد تذكرت... طلب منا مدرس الفيزياء تحضير درس الكهرومغناطيسية، ترى ماذا نقصد بها ؟!
- الجَدُّ : نقصد بها... الكهرباء والمغناطيسية معًا، لقد كانت بينهما تشابهات مدهشة دفعت العلماء للبحث الدائم عن الصلة بينهما.
- سعد : جميل...
- الجَدُّ : لقد دفع التناظر بين الكهرباء والمغناطيسية، العالم البريطاني جيمس ماكسويل إلى استنباط أن الحقول الكهربية تولد حقول مغناطيسية، وأن الحقول المغناطيسية أيضًا تولد حقول كهربية، ولقد وجد أن هذه الاضطرابات أو الموجات الكهرومغناطيسية تنتقل بسرعة ثابتة دائمًا.
- سعد : رائع...
- الجَدُّ : لقد كشفت أعمال هذا العالم الفذ عن وجود "مجال كهرومغناطيسي" كعامل مسؤول عن نقل القوى الكهربية والمغناطيسية عبر ما كان يتصور أنه فضاء خاوي.
- سعد : هل هي نفس القوى الكهربية والمغناطيسية التي نعرفها ؟
- الجَدُّ : نعم، وقد كان الاعتقاد السابق أن هاتين القوتين لا علاقة لهما ببعضهما البتة، وأن هناك حاجز صلب بينهما، ولكن هذا الحاجز سرعان ما انهار على يد ماكسويل، الذي وحدَّهما في منتصف القرن التاسع عشر، وأثبت أن القوة المغناطيسية ممكن أن تتحول إلى قوة كهربائية، والعكس بالعكس، ولكن ضمن شروط معينة.
- سعد : إذن أصبح هناك علاقة قوية بينهما ؟
- الجَدُّ : نعم، لقد ثبت أن الكهرباء والمغنطيسية مترابطين بشدة، وقد صمم ماكسويل أربع معادلات مذهلة وضَّحت للمرة الأولى العلاقة الدقيقة بينهما.
- سعد : عظيم !
- الجَدُّ : ولكن ذلك احتوى في خفاياه على ثمة أمر آخر هو حقيقة الضوء، ولقد وصفت معادلات ماكسويل كيفية انتشار الأمواج الكهرومغناطيسية خلال الفضاء، وعند حساب سرعة هذه الأمواج، وجد أنها بالضبط تساوي سرعة الضوء، ومنها استنتج أن الضوء عبارة عن موجة مغناطيسية كهربائية.
- سعد : إذن بالصدفة حصل السيد ماكسويل على سرعة الضوء !
- الجَدُّ : وأعلن أن الضوء هو "موجة كهرومغناطيسية"... لاحظ يا بني أن الكهرومغناطيسية تدرس الظواهر المرتبطة بالأجسام المشحونة المتحركة، لأن الشحنات الكهربية المتحركة في العادة تنتج مجال كهربيًا يحيط بها، وهي تختص بالآثار الناتجة عن ذلك.
- سعد : ملاحظة مهمة... ولكن يا جدي العزيز، نحن نعلم أن جميع الظواهر الموجية التي نعرفها لا بد أن تنتقل عبر وسط ما، فالأمواج تنتشر خلال جزيئات الماء، وأمواج الصوت تنتقل خلال الهواء... ترى ما هو الوسط الذي تنتقل من خلاله هذه الأمواج الكهرومغناطيسية ؟
- الجَدُّ : سؤال جيد يا سعد، ويدل على أنك متابع رائع.. فالأمواج تحتاج في العادة إلى وسط تنتقل عبره، ولمَّا لم يكن هناك وسط معروف للضوء، ظهرت فكرة الأثير كوسط يملأ الفضاء بأكمله، ونُسبت سرعة الأمواج الكهرومغناطيسية إليه، ومتى ما كنا قادرين على رؤية جسمٍ ما، فهذا يعني أن هناك أثير نقل أمواج الضوء إلى أعيننا.
- سعد : إنقل سلامي وتحياتي عبر الأثير.. لكل أحبائي.
- الجَدُّ : إلا أن العلماء لم يعرفوا شيئًا عن طبيعة هذا الأثير، أصلبٌ هو أم مرن.. ساكنٌ أم متحرك ! وكل ما عُرف عنه أنه قابل لنقل الموجات الكهرومغناطيسية بسرعة معينة، التي اكتشف بالصدفة أنها سرعة الضوء.
- سعد : يا لهذا الأثير الغامض...
- الجَدُّ : لقد أصبح الأثير يؤدي دور الإطار المرجعي لحالة السكون المطلق، ويمكن أن تُقاس حركات جميع الأجسام بالنسبة له.
- سعد : هكذا إذن... بدون قصد اُكتشفت طبيعة الضوء.
- الجَدُّ : منذ القدم... وخواص الضوء تثير الدهشة، وطبيعته الغامضة موضوعًا لتأملات عميقة... حتى اكتشف ماكسويل أنه عبارة عن موجة كهرومغناطيسية تتولد من اهتزاز سلسلة من الحقول الكهربية والمغناطيسية والتي يتحول إحداها إلى الآخر بسرعة.

صفحة 10

- سعد : جدي... هل تقصد ضوء المصباح الذي نراه نفسه ؟
- الجَدُّ : نعم، هذا الضوء الذي نراه، ما هو إلا أحد أنواع الموجات الكهرومغناطيسية التي تتداخل مع كيميائيات شبكية العين وتعطينا الشعور بحالة الإبصار.
- سعد: وهل هناك أنواع مختلفة من هذه الموجات الكهرومغناطيسية ؟
- الجَدُّ : نعم، هناك عدة أنواع منها، فعندما تكون أطوال الموجات الكهرومغناطيسية بحدود متر أو أكثر، فإنها تكون ما يعرف بموجات الراديو، أما إذا كانت أقصر من ذلك ( أكثر من جزء من عشر آلاف من السنتيمتر ) فتعرف بالأشعة ما دون الحمراء، بينما تكون طول موجة الضوء المرئي من 40-80 جزء من المليون من السنتيمتر، أما الموجات الأقصر من ذلك فتعرف بالأشعة الفوق بنفسجية والأشعة السينية.
- سعد : جدي... ما الفائدة التي جنيناها من هذا الاكتشاف ؟
- الجَدُّ : لقد استفادت البشرية من تطبيق مبادئ الكهرومغناطيسية في مجالات عديدة مثل: الآلات الكهربائية، والاتصالات الفضائية، والأبحاث النووية، والألياف البصرية والرادار، والاستشعار عن بعد... وغيرها كثير.
- سعد : سبحانه وتعالى { عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }- (سورةالعلق : 5)
- الجَدُّ : إن معظم النتائج التي توصل لها علماء اليونان القدماء في مجال الضوء، كانت نتائج نظرية فقط، حيث لم تتوفر لهم الفرص لدراسة الجانب الحيوي، بينما توفرت لعدد من علماء المسلمين، في القرون الوسطى، يأتي في مقدمتهم الحسن بن الهيثم، وابن سينا.
- سعد : يا لها من نماذج تثلج الصدر، وتبعث على الفخر.
- الجَدُّ : لقد ألَّف الحسن بن الهيثم الكثير من الكتب في مختلف العلوم، ولعل من أهمها ( كتاب المناظر ) الذي وضع فيه نظريته المعروفة التي أصبحت أساس علم البصريات فيما بعد، وهي تنص على أن الرؤية تتم بواسطة الأشعة التي تنعكس من الجسم المرئي باتجاه عين المبصر، وهذا ما أثبته العلم الحديث مخالفًا بذلك العالم اليوناني بطليموس الذي اعتقد أن العين تُخرِج أشعة باتجاه الأجسام للتمكن من رؤيتها.
- سعد : إن تراثنا الإسلامي يزخر بنماذج رائعة.
- الجَدُّ : نعم.. نعم...
- سعد : هكذا إذن الضوء.. الوسيلة الوحيدة التي نعلم من خلالها ما يحدث في الكون...اعتبره السيد ماكسويل... مكون من موجات !
- الجَدُّ : نعم، لقد اعتبر الضوء ظاهرة موجية يمكنها الاهتزاز بأي تردد.. بينما كان اعتقاد نيوتن القديم أن الضوء مكون من جسيمات.
- سعد : يبدو أن طبيعة الضوء لم تكن واضحة آنذاك ؟
- الجَدُّ : نعم لم تكن واضحة، فقد كانت تتقاسم طبيعة الضوء نظريتان، إحداها اعتبرت أن الضوء مكون من جسيمات، وقد نادى بهذه الطريقة نيوتن مع مجموعة من العلماء، وقد نجحت هذه النظرية في تفسير بعض خواص الضوء، بينما أخفقت في تفسير خواص أخرى مثل التشتت والتداخل.
- سعد : حسنًا، النظرية الأخرى !
- الجَدُّ : النظرية الأخرى اعتبرت أن الضوء يتكون من موجات، وقد نادى بها مجموعة أخرى من العلماء على رأسهم ماكسويل، وهي أيضًا تفسِّر بعض خواص الضوء، وتواجه صعوبات في تفسير الخواص الأخرى... بقيت هاتان النظريتان أشبه بخطين متوازيين حتى تبينت الطبيعة المزدوجة للضوء في بداية القرن العشرين.
- سعد : طبيعة مزدوجة للضوء...؟
- الجَدُّ : نعم، لقد اعُتبر فوتون الضوء جسيم وموجة في نفس الوقت.
- سعد : وما معنى ذلك ؟
- الجَدُّ : معناه أن سلوك الضوء قد يبدو كأنه موجة، ولكنه في الوقت نفسه يمكن أن يتصرف مثل جسيم.
- سعد : هل هذا لغز ؟
- الجَدُّ : لا، ليس لغز... ولكنها أفكار العالم الألماني ماكس بلانك، الذي اعتبر أن شعاع الضوء ليس موجي الطبيعة بشكل كُلي، وأن انتقال الطاقة يحدث في رزم منفصلة محددة، لا يمكنها أن تتجزأ إلى ما هو أصغر منها، لكن يمكن أن تنبعث مضاعفات صحيحة منها، وسميت الواحدة منها (كوانتم) وهي كلمة يونانية تعني الكمية أو المقدار.
- سعد : إذن السيد بلانك اعتقد أن شعاع الضوء متقطع وليس متصل.
- الجَدُّ : نعم، وبهذا سقطت مسلمة هامة من مسلمات الفيزياء الكلاسيكية، وهي (مسلمة اتصال الطاقة المنبعثة من جسيم)، فبعد أن كان الاعتقاد أن الطاقة تنبعث بصورة متصلة، كسائل ينسكب من كأس، اعتبرها بلانك.. تنبعث بصورة متقطعة وأشبه ما يكون بطلقات تخرج من مسدس.
- سعد : طلقات مسدس !
- الجَدُّ : لقد استطاع بلانك أن يهز الأوساط العلمية كلها عندما أعلن في عام 1900م أن طاقة الموجات الضوئية تقفز بصورة غير متصلة، وأنها مكونة من أكمام... صدمت هذه النظرية الجديدة الاعتقاد العلمي السائد في ذلك الوقت، ووضعت قواعد " نظرية الكم" التي أدَّت إلى ثورة في الفيزياء وجعلتنا نقترب كثيرًا من فهم أعمق لطبيعة المادة والإشعاع.
- سعد : وما هي "نظرية الكم" ؟!
- الجَدُّ : لقد اُستعمل مفهوم الكم في الفيزياء للدلالة على أن الطاقة ليست كميات متصلة، وأن الطاقة تنتقل على شكل وحدات متناهية الصغر محددة وثابتة الكمية، ذات سرعة ثابتة وهي سرعة الضوء. وأسموها (كمات أو ثابت بلانك) وهي مقدار متناهي في الصغر.
- سعد : { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم } - (سورة يوسف: 76)
- الجَدُّ : لقد استفاد العالم الألماني آينشتين من تصور بلانك هذا لحل وتفسير ظاهرة "التأثير الكهروضوئي"، ونال على عمله هذا جائزة نوبل.
- سعد: يتردد اسم هذا العالم كثيرًا على مسامعنا !
- الجَدُّ : بالطبع.. ألبرت آينشتين هو عالم فيزيائي مشهور، ولد عام 1879 في ألمانيا، ومنذ صغره كانت تشغله كثيرٌ من الأسئلة المتعلقة بالكون، كان في طفولته يحب الصمت والتفكير والتأمل، ولم يكن يهوى اللعب كأقرانه، ولم تعجبه طرق التعليم في المدارس لأنها تحصر الطالب في نطاق ضيق، ولا تدع له مجالاً للإبداع.
- الأب : معه حق... أسلوب المدارس يخنق المواهب.
- الجَدُّ : لقد تعلق في شبابه بعلم الطبيعة والرياضيات وبرع فيهما.. أهدى إليه والده في عيد ميلاده العاشر بوصلة صغيرة، كان لها أبلغ الأثر في نفسه، وخاصة إبرتها المغناطيسية التي كانت تشير دائمًا إلى الشمال والجنوب، واستخلص هذا الطفل بعد تأمل عميق أن الفضاء ليس خاليًا، ولا بد أن هناك ما يحرك الأجسام ويجعلها تدور في نسق معين .
- سعد : طفل نابغة.
- الجَدُّ : أخفق آينشتين في امتحان القبول لدراسة دبلوم الهندسة الكهربائية لذا لم يتمكن من الحصول على وظيفة تعليمية، مما أجبره على الالتحاق بوظيفة فاحص فني بمكتب تسجيل براءات الاختراع.
- الأب : كانت فرصة جيدة له لمتابعة جديد الاختراعات.
- الجَدُّ : هذا ما حصل بالفعل، وقد وضع خلال عمله في هذا المكتب العديد من النظريات، التي جعلت من هذا العام عام 1905 عامًا ثوريًا في تاريخ العلم، ونشر ثلاثة أو خمسة أبحاث علمية في غضون أربعة أو خمسة أشهر... مع أنه لم يكن آنذاك في مركز أبحاث أو في جامعة !.
- سعد : سبحان الله.
- الجَدُّ : لقد تطرق في أبحاثه إلى مواضيع مختلفة مثل تفسير الظاهرة الكهروضوئية، والظاهرة البراونية للجزيئات وفي طبيعة المكان والزمان، وفي ديناميكا حركة الأجسام الفردية. وبعد نشر هذه الأبحاث؛ اهتم علماء الفيزياء في مختلف الجامعات السويسرية به وطالبوا بضمه إلى الجامعة.
- سعد : يستحق ذلك.
- الجَدُّ : وهكذا وضع نظرية النسبية بفرعيها الخاصة والعامة، وحاز في العام 1921 على جائزة نوبل في الفيزياء.
- سعد : يا له من عبقري !
- الجَدُّ : إنها عبقرية من نوع مختلف، لأنه لم يكن بتلك السهولة فهم نظريته.. مع أن الجميع أقر بمنطقها.. فقد استطاع آينشتين أن يكتشف علاقات الكون الأساسية ويربطها ببعض، فأضاف للأبعاد بُعدًا رابعًا، وكلٌّ من الزمان والمكان مرتبط بدوره مع السرعة، وأعظم سرعة في هذا الوجود هي سرعة الضوء.. كما اعتبر أنه لا يوجد شيء ثابت في هذا الوجود إلا سرعة الضوء، وسرعة الضوء فقط.. وبذلك مسح نظرية الأثير القديمة من الوجود.
- سعد : يا خسارة...!
- الجَدُّ : أثبت آينشتين أن الضوء ينتشر بسرعة ثابتة، ومهما كانت سرعة حركة المصدر. وتبين أن سرعة الضوء رهيبة، فلا غرابة إذن حين اعتبر ديكارت أن سرعة الضوء غير متناهية، أو حين فشل غاليلو في قياس سرعته، لأنه كان كمن يقيس الكرة الأرضية بالشبر !!.
- سعد : مع هذه السرعة الرهيبة... لا غرابة إذن أن نتحدث مع من هم في أقصى الأرض بنفس اللحظة.
- الجَدُّ : لقد ظلت طبيعة الضوء مبهمة عبر سنين عديدة، وبقي السؤال: ما هو الضوء؟... بغير جواب، إلى أن جاء آينشتين وأجاب عليه، عندما لاحظ أن الضوء إذا سقط على معدن يؤدي إلى سخونة سطحه، فاستنتج أن الضوء طاقة، وأن انتقال طاقة الضوء إلى المعدن هو الذي يؤدي إلى سخونة المعدن. وهكذا أصبح الضوء وحدات من الطاقة! أطلق على هذه الوحدات اسم (فوتونات)، استحق آينشتين جائزة نوبل على عمله هذا.
- سعد : تعني ظاهرة "التأثير الكهروضوئي" التي قلت عنها قبل قليل ؟
- الجَدُّ : نعم، وهي ظاهرة انطلاق الإلكترونات من أسطح بعض المعادن عند سقوط الضوء عليها، كانت هذه الظاهرة قد استعصت على الفهم، وعجزت الفيزياء التقليدية عن شرحها وتعليلها، ولكن آينشتين استفاد من فرض بلانك السابق في إثبات أن طاقة الشعاع التي تسقط على سطح المعدن تكون على شكل دفعات صغيرة، يؤثر كل منها تأثيرًا مباشرًا على الإلكترونات التي تصطدم بها، فتقتلعها من ذرات المعدن، لتتولد منها الكهرباء.
- سعد : يا لها من فكرة ذكية...
- الجَدُّ : لقد أرسى آينشتين رؤية غير مسبوقة للضوء الذي اعتبرته الفيزياء التقليدية عبارة عن موجات كهرومغناطيسية، ليصبح عند آينشتين جسيمات أو كمات من الطاقة ينفصل كل منها عن الآخر، ويتفاعل مع المادة بشكل مستقل.
- سعد : وما مدى استفادتنا من هذه الظاهرة ؟
- الجَدُّ : لقد استفادت البشرية منها أيما استفادة... وها نحن اليوم ننعم بتطبيقاتها في كل المجالات، فهذه الأجهزة الإلكترونية التي تحيط بنا كآلات التصوير، الهاتف النقال، والحاسب الآلي، وغيرها؛ ما هي إلا تطبيق مباشر لظاهرة التأثير الكهروضوئي .
- سعد : شكرًا يا سيد آينشتين... فلولا اكتشافك هذا؛ ما استطعت أن أحصل على جهاز النقال الرائع هذا.. ولا متابعة برامجي المفضلة في التلفزيون.
- الجَدُّ : آلة التصوير التلفزيوني مثلاً... تستخدم هذه الظاهرة مباشرة، فالضوء يدخل من خلال العدسة، ثم يصطدم بالسطح المعدني، فيخلق أنماطًا كهربائية معينة، تتحول هذه الأنماط فيما بعد إلى موجات تلفزيونية تُرسل إلى الجهاز الذي أمامك.
- سعد : هكذا إذن.. موجة الضوء امتلكت خصائص الجسيمات !!
- الجَدُّ : ليس هذا فحسب، بل أكَّدت التجارب على أن الجسيمات بدورها تبدي مسلكًا موجيًا.
- سعد : سبحان الله، الموجة الضوئية أصبحت جسيمًا، والجسيم المادي أضحى موجة.
- الجَدُّ : لا تستغرب يا بني، فالعلم مليء بالغرائب التي تنتظر من يجلي عنها الغبار.
- سعد : سنحاول أن نفعل ذلك... بإذن الله.
- الجَدُّ : أعانكم الله...و نحن في انتظار إنجازاتكم...