eKtab
EN ع
غلوب باشا جندي بين العرب
اقرأ عينة مجانية

غلوب باشا جندي بين العرب

بقلم عادل العوا

صفحة 1
مدخل تاريخي
 
يقوم القصر الملكي في عمان فوق رابية تشرف على منازل المدينة المجموعة إلى بعضها البعض، المكدسة في واد ضيق عند أقدام الرابية. وتحيط بالقصر أشجار الصنوبر، من كل جانب. وقد قامت وراءه، في هدأةٍ وادعة، على طرف الرابية، مقصورة من ثلاث غرف. وهنا، كان الأمير (الملك فيما بعد) عبدالله يحب أن يجلس ويعمل بمعزل عن الآخرين.
 
في صباح يوم مشمس من أيام نيسان 1939، رحت أمشي في الحديقة الصغيرة تحت عريشة الدالية المفضية إلى باب المقصورة، وإذا بضابط يستقبلني ويقودني إلى باب ينفتح على مدخل البهو، قائلاً:
 
- سَيِّدُنا في انتظارك.
 
كان الأمير عبدالله جالساً وراء مكتبه في مقره الخاص بالمقصورة. وقد أرسل في طلبي، على أثر استقالة الكولونيل ((بيك)) باشا الذي شغل منصب قيادة جيش الأمير، المعروف باسم ((الفرقة العربية)) لدى الإنجليز، منذ ظهرت دولة شرقي الأردن إلى الوجود، أي قبل سبع عشرة سنة وعُيّنتُ بديلاً عنه. وتراءى لي أن سموه مهتم بسفر ((بيك)) الذي خدمه طيلة تلك المدة.
 
قال، وهو يشير إليّ بالجلوس: ((أنت إنجليزي، وهذا قطر عربي، وجيش عربي، وقبل أن تتسلم زمام القيادة، أريد أن تقطع على نفسك عهداً أمامي، أنك طالما كنت في هذا المنصب فإنك ستتصرف دائماً كما لو كنت واحداً من أبناء شرقي الأردن، مولوداً فيه.
 
((إني أعرف أنك لا ترغب في مقاتلة مواطنيك، فإذا حدث أن وقع قتال بيننا وبين الإنجليز، فسأكون لك عاذراً، وسيكون في مقدورك أن تتركنا وتقف جانباً؛ ولكن إذا لم يحدث بإذن الله، شيء من ذلك، فإني أريدك أن تكون واحداً من أبناء شرقي الأردن)) .
 
وكان أن أجبته: ((سيدي! أعطيك كلمة الشرف: أنا من الآن فصاعداً ((شرقردني)) إلا في الظروف التي ذكرتها، والتي أرجو الله ألا تحدث أبداً)) .
 
الشرق الأوسط هو بالضبط، محور العالم القديم ومركزه، تمر به أقدم طرق التجارة العالمية وأحفلها بالأعمال، ويصل أوروبا وشمال أفريقيا بآسيا، كما يربط جنوب أفريقيا بمناطق الجنوب الآسيوي في أستراليا وجوارها. وهو يؤثر في أوروبا وأفريقيا وآسيا، كما يتأثر بها، وهو أيضاً الجسر البري الأوحد إلى البر الأفريقي، وعلى أرضه ترعرعت الديانات الكبرى الثلاث: اليهودية والإسلام والنصرانية. وهو، لأنه اليوم بلد مسلم في المنزلة الأولى، تثير شؤونه اهتماماً حاراً لدى جميع المسلمين، أنّى وجدوا، من مراكش ونيجيريا إلى الصين والملايو. وليست بريطانيا هي التي كانت أول من اخترع أو فتح هذا ((الممر)) للتجارة، فقد تقاتل عليه أهل روما وفارس في العصور الأولى، وكان عظيم الأهمية في تلك الأزمنة كما هو اليوم. وينبغي لنا ألا نتصور أن هذه التجارة تفيد أوروبا وحدها، وبريطانيا أكثر من غيرها، فالتجارة دوماً ذات طريقين، وأن أقطار آسيا الجنوبية، وأستراليا والشرق الأقصى تنال من الفوائد ما لا يقل عما تناله أوروبا. قد يبدو أن الطموحات السياسية والعصبيات تطغى، لزمن يطول أو يقصر، على العوامل الاقتصادية، ولكن هذه العوامل تعود فتؤكد مكانتها عاجلاً أو آجلاً.
صفحة 2
علينا ألا نتصور أن شعوب الشرق الأوسط يجب أن تذهب ضحية الاحتياجات الاقتصادية لأوروبا الغربية وآسيا الجنوبية، فالقضية عكس ذلك تماماً. لقد كانت رفاهية سكان مصر وشبه الجزيرة العربية، معلقة عبر الأزمان، على هذا الواقع، وهو أنهم يعيشون من هذه الطريق التجارية، وكانت بلاد العرب، حتى اكتشاف الزيت فيها، واحدةً من أفقر البقاع في العالم؛ ولكن تيار التجارة الذي كان يتدفق عبرها، هو الذي كان يمدها بالرخاء والمهن والخدمات المختلفة، ويجذب إليها التجار والأعمال ورجال الأعمال. وكانت المدن الغنية، المزدهرة، تنشأ غالباً في أوساط قاحلة مقفرة، حيث تتدفق قوافل التجارة مثل: البتراء وتدمر والبصرة ودمشق وبورسعيد. وكان مجيء التجار للتجارة من مختلف الأمم، ورواحهم، يأتيان بالأفكار والثقافة. والعرب أنفسهم أسهموا في التجارة: الجنوبيون منهم كانوا يبحرون إلى الهند والملايو وأفريقيا الشرقية، وأبناء الداخل يحملون البضائع في قوافل إلى الشمال والشرق، والمتوسطيون يبحرون بها إلى بلاد الإغريق وروما وغاليه (فرنسا). وحيث يتدفق اليوم الزيت في خطوط الأنابيب، كانت بضائع الهند تنقل عبر الجزيرة العربية، قبل ألفي عام، على قوافل الإبل. لقد جعلت الجغرافية، من بلاد العرب، رواقاً للمرور.
 
هذا في حالة السلم. أما في الحرب، فإن الدولة راسخة الأسس في الشرق الأوسط تستطيع أن تحتفظ بالمراكب والغواصات في المتوسط والمحيط الهندي، ويكون لها من السهول القائمة شمال الجزيرة العربية، مطارات طبيعية كبيرة، تنطلق منها لمهاجمة أوروبا وآسيا وأفريقيا، جواً. والفضل في موقعها الحيوي المهم هذا، يعود إلى الجغرافية، بصرف النظر عن كفاءات السكان أو طبيعتهم. وهذا الموقع هو الذي أطلق عليه نابليون الوصف الشهير ((مُلتقى طرق العالم)) ، وهو الذي حمل بعضهم على القول: إن الدولة التي تسيطر عليه، يصبح في وسعها أن تحكم العالم؛ وليس في هذا القول مبالغة! .
 
يرى الطيار الذي يقود مركباً جوياً فوق المتوسط الأزرق اللامع، وهو يتجه جنوباً إلى فلسطين سهلاً ساحلياً ضيقاً، ثم يشهد سلسلة جبال فلسطين الوعرة قائمةً في الشمال والجنوب، ووراءها إلى الشرق مباشرة، تهبط الأرض أربعة آلاف قدم في وادي الأردن الضيق العميق، حيث يتلوّى النهر متعرجاً في شريط فضي، منحدراً إلى قلبه. ويقوم وراء الوادي صف من الجبال الصخرية المطمئنة الأكثر إمعاناً في الزُّرقة، هي جبال جلعاد ومؤاب وأدوم التي تتحدث عنها التوراة. وسفوح هذه الجبال، في أعلى منحدراتها، تبدو منقطة بالقرى والبساتين وغابات الصنوبر، على عرض نحو من خمسة عشر ميلاً. ثم تبدأ هذه الجبال، في الجانب الشرقي، بالتلاشي تدريجياً إلى أن تذوب في سهل سوريا الأشهب السنجابي حيث تتصل بالصحراء، وتمتد بلا انقطاع مسافة زهاء خمسمائة ميل حتى تبلغ ضفاف الفرات.
 
كانت دولة شرقي الأردن تتألف من نصف ذلك الوادي الأردني شرقي النهر، من صف الجبال ذاك، وأخيراً من صحراء سوريا على مسافة مئةٍ وخمسين ميلاً شرقي نهر الأردن.
 
كانت جبال شرقي الأردن تمثل أكثر من حاجز بين وادي الأردن وبادية الشام؛ لقد كانت نقطة التقاء الشرق والغرب، وكان لفلسطين دوماً عدة صلات بأوروبا عبر شرقي البحر المتوسط الضيق. وكانت الجبال القائمة وراء الأردن مكتظة بالمدن والقرى قبل آلاف السنين، قبل بني إسرائيل بكثير، وقبل أن يبلغوا فلسطين بقيادة موسى ويشوع. ومنذ قدوم هؤلاء إلى تلك البقعة أخذوا يتعرفون إلى الإغريق والرومان والصليبيين، ولكنهم كانوا دوماً معرّضين لهجمات متواصلة، وغزوات لا تنقطع من قبل البدو الرّحل القادمين من الصحراء الشرقية.
صفحة 3
كانت جميع الأقطار العربية، قبل عام 1914م، تشكل نظرياً، جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، ولكن الأتراك لم يكونوا يبذلون جهداً يُذكر في توطيد سلطانهم على المقاطعات النائية، وإنما كانوا يحتفظون بقوات مهمة من جيوشهم في المدن الكبيرة مثل بغداد ودمشق فقط، في حين تظل البقاع الريفية تحت حكم رؤساء القبائل العرب، الذين كانوا يؤدون للسلطان خَراجاً ضئيلاً.
 
وفي عام 1915م، أعلن الشريف حسين (شريف مكة) بالاتفاق مع بريطانيا، الثورة على الأتراك، وقاتل ابنه فيصل مع المارشال ((اللنبـي)) جنباً إلى جنب في شرقي الأردن ومعه بعثة بريطانية كان من أعضائها الكولونيل ت. إي. لورانس.
 
ووُعِدَ العرب، مقابل خدماتهم تلك بحكومة مستقلة، في نهاية الحرب. وعُيِّنت حدود الدولة العربية المقبلة عند خط الطول 37 في الشمال، وتخوم بلاد فارس والخليج الفارسي في الشرق، والأوقيانوس الهندي – ما عدا عدن – في الجنوب، والبحرين الأحمر والمتوسط في الغرب، وقد أُخرجت من هذا التخطيط قطع من سوريا تقع غربي دمشق وحمص وحماة وحلب.
 
هذه العهود نُقضت من الجانبين، وكانت بريطانيا هي البادئة بالنقض، إذ أعلنت وعد بلفور في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1917م، وبه قرَّرَت أن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، فكان هذا الوعد أول مشكلة.
 
والمشكلة الثانية سببتها فرنسا، إذ وعدتها بريطانيا بالجزء الغربي من سوريا الذي لم تشمله التعهدات التي قُطعت للشريف حسين، فلما قامت الدولة العربية في دمشق تحت حكم الأمير فيصل – كانت تضم دولة سوريا الحالية وشرقي الأردن – واحتلت فرنسا المنطقة الغربية المعروفة الآن بـ ((لبنان)) ، عمدت هذه الأخيرة إلى احتلال سوريا كلها.
 
وهكذا.. كانت البقعة التي تحتلها فرنسا وراء الساحل اللبناني، وما وراء ساحل فلسطين، القائم شرقي نهر الأردن، قد تحولت إلى دولة عربية تقوم عاصمتها في دمشق. وبعد أن احتلت فرنسا دمشق، ظل شرقي الأردن في حالة فوضى، لا يمكن أن تقوم به البتة أية حكومة مركزية.
 
في تلك الأيام الصعبة اتفقت الحكومة البريطانية مع الأمير عبدالله، شقيق الأمير فيصل وابن الشريف حسين على تشكيل حكومة شرقي الأردن، وبالفعل شكّل الأمير عبدالله حكومته عام 1921م، وتولى الكابتن ((بيك)) من سرية الدوق ((وللنجتن)) قيادة جيشه؛ هذا الجيش دُعي: ((الجيش العربي)) ، وبالإنجليزية: ((الفرقة العربية)) .
 
لم أكن عام 1921م موجوداً في شرقي الأردن، عندما أنشأ ((بيك)) باشا الفرقة العربية الأولى؛ كنت قد ذهبت إلى العراق عام 1920م كضابط بريطاني، وفي عام 1926م استقلتُ من بعثتي العسكرية، ودخلتُ في خدمة الحكومة العراقية.
 
كان الأتراك قد أهملوا الصحراء، ولم يعنوا بشيء مما يجري فيها، ولذا، كانت قبائلها البدوية تتقاتل فيما بينها دون أي وازع من أي سلطة. وما كان لإدارة عصرية أن تسمح بقيام حروب خاصة، فالتزمتُ وضع حد لغارات الصحراء في العراق بأمر من حكومته الجديدة، للفترة من عام 1926م ولغاية 1930م.
صفحة 4
وفي عام 1930م، قررت حكومة شرقي الأردن وضع نهاية لمثل تلك الغارات ودَعَتْني لأداء هذه المهمة. وانتقلت إلى عمان في تشرين الثاني (نوفمبر) من ذلك العام، وكان أن وُفِّقنا إلى إنهاء غزوات البدو في شرقي الأردن، بمجرد اتخاذ تدبير واحد، هو استخدام رجال القبائل أنفسهم في إدارة مناطقهم، دون إطلاق رصاصة واحدة أو اعتقال أحد.
 
كانت آخر غارة بدوية قد شُنَّت في حزيران (يونيو) عام 1932م. وقد أنفقتُ تسع سنوات، هي أسعد أيام حياتي، بين عامي 1930م و 1939م كقائد لموقع البادية. وتكاد تكون مساحة شرقي الأردن في ثلاثة أرباعها، قفاراً صحراوية، مع أن عدد البدو من سكانها لا يتجاوز الخمسين ألفاً، كما أني شعرت بحب عميق لهذا الشعب الفقير، البسيط، وقامت لي معه أُلفة أصبحت أشعر بها كما لو كنتُ في بلدي وبين أهلي.
 
وكان الأردن بـجملته بين عامي 1932م و 1948م، في الحقيقة، من أسعد الأقطار الصغيرة في العالم. وعلى الرغم من الفقر والجدب فيه، والاضطرابات والانقلابات في البلدان المجاورة، والحرب العالمية، كان شرقي الأردن يبدو وكأنه يحيا حياة فاتنة تخلب الألباب، حتى سَرَتْ في أهله ثقة توشك أن تكون أسطورية، وكبرياء راسخ، بسعادة موطنهم، إذ لم يحدث طيلة ستة عشر عاماً، في شرقي الأردن ما هو سوء، أو يسير نحو سوء، مع حالة الاحتضار التي كان يعانيها العالم كله، ومع الانقلاب المستمر الذي كانت تجيش به الأقطار العربية المجاورة من حوله. وكثير من الشرقردنيين تنهدوا أمامي، قائلين: ((لقد كنا سعداء حتى عام 1948م!)) .
 
وعندما اضطلعتُ بأعباء قيادة الجيش العربي عام 1939م، وتعهدتُ للأمير عبدالله بأنني سأسلك منذ ذلك اليوم كما لو كنت شرقردنياً بالولادة، أخذ الثائرون من عرب فلسطين، في التغلغل إلى الجبال القائمة شمالي شرقي الأردن، وكانت تلك أول مناسبة اندلعت فيها مأساة المشكلة الفلسطينية بعنف في أوساط شرقي الأردن، رحنا منذ ذلك الحين ننغمس أعمق فأعمق، في حمأة البؤس، وسعير القنوط.
 
علينا قبل أن نمضي في سرد تلك المأساة، أن نلقي نظرةً سريعة على تاريخ المشكلة.
 
كانت فلسطين في عهد موسى، أي بنحوٍ من 1500 سنة قبل المسيح، آهلة بقوم ذوي ثقافة عالية نسبياً، وكان العابريون أو (العبرانيون) قبائل متخلفة، إذا قيسوا بغيرهم من شعوب ذلك الزمن، يتنقلون رحّلاً من مكان إلى مكان، وظل أمرهم كذلك، إلى أن عبروا نهر الأردن وغزوا فلسطين. والجدير بالذكر أن أبناء إسرائيل لا زالوا يوصفون حتى اليوم بأنهم يعيشون في الخيام، كما كانوا يوصفون في عهد سليمان وابنه رحبعام، مع أن الشعوب (الأصول) التي تفرعوا منها كانت تعيش في المدن قبل عهد إبراهيم. وعند وصول الإسرائيليين كان شعب فلسطين موزعاً، مفرقاً بين عديد القبائل من كنعانيين إلى حثيين إلى عزيزيين إلى جركسيين إلى عموريين ويبوسيين، إلى آخر ما هنالك من أسماء...
 
إننا لنخطئ حين نلصق بفلسطين التوراتية كصفات منتزعة من أفكارنا الحديثة في أوروبا الغربية عن جنسية شعوبها أو قوميتهم. والحقيقة هي أن الإسرائيليين كانوا مجموعة قبلية أخذت طريقها بالقوة إلى بقعة أغنى، وأرقى ثقافة وزراعة، واستقرت آخر الأمر فيها. وظل السكان الأصليون، بطبيعة الحال، حيث كانوا، واختلط بهم الغزاة وتزاوجوا على مرّ الزمن، وأصبح الفلسطينيون فيما بعد، هم العنصر السائد في السهول الساحلية.
صفحة 5
وحدث أخيراً أن تخربت مملكة إسرائيل على يد الآشوريين، وسيق شعبها مأسوراً عام 722 قبل ميلاد المسيح، إلى بلاد ما بين النهرين (العراق)، وعاشت بعدها مملكة يهوذا قرابة 136 سنة، إلى أن أتت عليها جحافل بابل عام 586 قبل ميلاد المسيح، ومحقتها. ومن المؤرخين من يعتقد أن القبائل العبرانية أقامت في سلام مع السكان الأصليين وتزوجت منهم، إلى أن وقعت يهوذا في الأسر وسُبيت عن بَكرة أبيها. غير أن عدداً من أهالي يهوذا رجعوا بعد ستين سنة من منفاهم، وما بقي من القبائل من غير يهوذا، استقر في العراق، حيث عاش قسم منهم في طائفة منفصلة يمارسون حياتهم كيهود، بينما امتزج القسم الآخر بالشعب العراقي وذاب وجوده فيه.
 
أما أبناء قبيلة يهوذا الذين رجعوا من بابل، فإنهم هم الذين وضعوا أساس ((الانفصالية اليهودية)) ، وشجبوا كل امتزاج ببقية العناصر التي تتألف منها قبائل فلسطين، وراحوا يغذون في نفوس رفاقهم (دُعوا فيما بعد ((اليهود)) ، نسبةً إلى قبيلة يهوذا) ذلك الاستعلاء الذي مكنهم من الاحتفاظ بـ ((تقاليدهم الغريبة)) الخاصة منذ قديم الزمن إلى يومنا هذا. ومنذ ذلك الزمن تنازعت العالم اليهودي نزعتان تتعارضان، وقسمتاه إلى فريقين: الأول ذلك الكوزموبوليتي، الأممي، الموصوف بليبراليته وتسامحه وعلو ثقافته، والثاني ذلك المنعزل، المنفرد الذي يعارض الاختلاط بالأجانب الغريبين عن ملته.
 
في عام 332 قبل الميلاد فتح الإسكندر فلسطين وأقام فيها عدداً من المستعمرات الإغريقية، وبدأت الثقافة الإغريقية، منذ ذلك الحين، تلعب دوراً رئيساً في فلسطين، إلى أن تهدم الهيكل عام 70 بعد ميلاد المسيح. ولم تكن البلاد قط يهودية بأكملها، فالسهل الساحلي كان بجملته مأهولاً بغير اليهود، ثم بالإغريق، ومن بعدهم بالرومان. والجليل يشير إليه العهد الجديد (الإنجيل) بوصفه ((جليل الغرباء)) . ولم يكن لليهود من سلطة عليا إلا في القدس وجوارها ولا يغيبنّ عن بالنا أن سيدنا المسيح، لم يشعر بالخطر عندما أُثير اليهود ضده، وأُلِّبوا عليه، إلا في أورشليم، بينما كان في جو الجليل الكوزموبوليتي، المتحرر، سليماً، مطمئناً. أما الريف الجبلي القائم شمال أورشليم، فقد كان مأهولاً بالسامريين الذين يضمر لهم اليهود أمرّ البغضاء والعداوة.
 
((يجب علينا، في الحقيقة، ألا ننظر إلى يهود تلك الأيام كما ننظر إلى يهود أوروبا في العصور الوسطى، أي ألا نرى فيهم شعباً وادعاً يكره الحرب ويأنس بالهدوء والبطالة، وينصرف إلى تحصيل المال. فإن السياسة التي سارت عليها الإمبراطورية الرومانية المسيحية هي التي حالت بين اليهود ومهنة الأسلحة، وهي التي أنتجت ((النموذج)) العادي المتعارف عليه في العصور الحديثة، للكائن اليهودي. إن يهود فلسطين في القرن الثاني قبل ميلاد المسيح لم يكونوا متميزين بأي استعداد للتجارة والشؤون المالية، وإننا لنجد رجلاً مثل يوسيفوس، يكتب في أواخر القرن الأول للميلاد العبارة الآتية: ((لسنا شعباً تجارياً)) . لقد كان اليهود منصرفين في فلسطين، إلى الأعمال الزراعية وتربية المواشي، في المرتبة الأولى، كما كان القُوَّاد في البلدان الأخرى يسعون في طلبهم باعتبارهم جنوداً صالحين، وإننا لنسمع عن حامية يهودية في مصر العليا، في القرن الخامس قبل الميلاد، والبطالسة وضعوا حراساً من اليهود على الأراضي وقت الحصاد في مختلف أقسام البلاد، وكذلك فعل أنطيوخوس الثالث في آسيا الصغرى(1))) .
 
وفي غضون تلك المدة، كان اليهود قد انتشروا في جميع أنحاء العالم، حيث استقر منهم عدد وافر في العراق بعد السبي استقراراً نهائياً، واستوطن مصر منهم جماعة اشتهرت بثرائها وتكاثرها، وقد ادعى أحد المؤرخين واسمه ((فيلو)) أن عدد اليهود في مصر بلغ المليون في عهد الإمبراطور الروماني ((قليقولا)) ؛ ويبدو أننا لا يمكن أن نعزو تشتت اليهود إلى تهديم أورشليم على يد ((تيطس)) ، فقد ورد في بيانات مبعوثي القديس ((بولس)) أثناء رحلاتهم التبشيرية ما يفيد بوجود طوائف يهودية في مدن آسيا الصغرى، وبلاد اليونان، وروما.
صفحة 6
في سنة 70 للميلاد وقعت أورشليم في قبضة تيطس ودمرها، فكان أن ذبح عدداً من اليهود، ونفى آخرين وهرب الكثير منهم، وكانت آخر ثورة يهودية قد وقعت عام 135 للميلاد وأسفرت عن اضمحلال اليهود في فلسطين وتحولها إلى مقاطعة رومانية طيلة خمسة قرون، أي إلى أن فتحها العرب عام 636 للميلاد.
 
وعندما اعتنقت الإمبراطورية الرومانية النصرانية، تَنَصَّرت معها فلسطين، وبعد الفتح العربي، تحول القسم الأكبر من سكانها بالتدريج إلى اعتناق الإسلام، وظلت فيها أقلية نصرانية إلى يومنا هذا.
 
هذه الوقائع كانت مجهولة لدى جمهور الناس في بريطانيا وأمريكا سنة 1917م. وكانت معرفة الناس بفلسطين مقتصرة إلى حد بعيد، على دراسة التوراة. وروايات التوراة تنتهي قبل سقوط أورشليم عام 70 ب.م. ومنذ كان تدريس التاريخ في إنجلترا، إلى خمسين سنة خلت، يبدأ في عام 1066م، فإن كثيراً من الناس كانوا يجهلون تاريخ فلسطين جهلاً مطبقاً منذ سنة 60 بعد ميلاد المسيح إلى الأزمنة الأخيرة، وقليلون هم الذين يدركون أن فلسطين انقطعت عن أن تكون أرض اليهود منذ تسعة عشر قرناً، وهي في الحقيقة لم تكن يوماً من الأيام مأهولة باليهود وحدهم.
 
لقد تعارف أبناء أوروبا الغربية على مفهوم البلد الواحد المأهول بعنصر واحد، كفرنسا وإنجلترا، ولكن هذا العرف لم يسبق له قط أن انطبق على أوضاع الشرق الأوسط وشؤونه، حيث نجد أن بقعة واحدة من الأرض، تكون في الأعم الأغلب، قد اقتُسِمت بين عدد من الفئات والديانات والطوائف المختلفة، وأن لكل واحدة من هذه الفئات ميزاتها وعلاماتها الفارقة، ولها حقوقها الخاصة وشرائعها ومدارسها وقضاتها وزعماؤها، وهذا الوضع أصبح – تاريخياً – هو القاعدة، ولم يعد شاذاً بحال من الأحوال، وإن كان غريباً كل الغرابة، عن أمم أوروبا الحديثة.
 
أعتقدُ أن كثيراً من البريطانيين كانوا يتصورون أن فلسطين عام 1917م كانت لم تزل أرض اليهود، ولم يحدث لهم قط أن خالجهم شك في أن الأكثرية الكبرى من شعبها تعتنق اليهودية. ولا ريب أنهم كانوا يشعرون بالدهشة حين يسمعون أن اليهود يشكلون سبعة بالمئة من مجموع السكان، وأن الثلاثة والتسعين بالمئة الباقين هم من المسلمين والنصارى.
 
وهنالك توهم آخر سرى وتغلّب، نشأ عن عدم التحديد في استعمال كلمة ((عربي)) ، أدخل في روع الناس أن سكان فلسطين من غير اليهود، إنما هم بدو رحل قدِموا إليها من الصحراء.
 
((لماذا لا يرجع العرب إلى صحرائهم؟)) ذلك هو السؤال الذي كان يتردد على الألسنة! والحقيقة أن فلسطين كانت دوماً بوتقة تمتزج فيها عدة عناصر وبها تنصهر، لقربها من نقطة الاتصال بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. و ((عرب)) فلسطين هم المنحدرون من الفلسطينيين الأوائل، والكنعانيين، وسائر القبائل التي مرت بهذه المنطقة منذ ثلاثة آلاف سنة، من إغريق ورومان ويهود تنصروا، وعرب وصليبيين ومغول وأتراك، وقد أفضى تكلمهم العربية، وتأثر معظمهم بالثقافة الإسلامية في المرتبة الأولى، إلى اعتبارهم ((عُرباً)) .
 
عندما أصبحت فكرة وطن ((قومي)) لليهود موضع نظر، ومثار جدل في نهاية القرن التاسع عشر، طُرحت عدة اقتراحات حول المكان الذي يقوم فيه ذلك الوطن، وورد اسم ((كينيا)) فيما ورد منها. غير أن فلسطين هي التي اتفق على أنها المكان الذي يقبل به اليهود جميعهم، ويتساوون في قبوله. ولكن فلسطين كانت مأهولة، والإمبراطورية التركية لم تظهر حماسة شديدة لعودة اليهود، وإن كان ثمة عدد من المستعمرات سبق أن أُقيمت قبل عام 1914م.
صفحة 7
ورأى الصهاينة الفرصة سانحة في الحرب العالمية الأولى، فانتهزوها. وحين كانت الحكومة البريطانية مستغرقة كل الاستغراق في سير الحرب عام 1917م، وكان تفكيرها مضطرباً أهملت معه التثبت من الحقائق والوقائع، فقد أصدرت تحت وطأة ذلك الظرف الحرج تصريح بلفور المبهم في كلماته، وبه تقرر أنّ حكومة صاحب الجلالة ((تنظر بعطف)) (لا ((تقيم بالقوة)) ) ((إلى وطن قومي لليهود في فلسطين))؛ وكلمة ((قومي)) هنا ذات معنى، لأن اليهود ليسوا، بالمعنى المتعارف عليه. أمة، وإنما دين.
 
والفقرة الثانية من تصريح بلفور توضح الأولى: ((من المفهوم بوضوح أنه يجب ألا يقام بأي عملٍ من شانه أن يضر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين)) .
 
وأياً كان المعنى الذي ترمي إليه الحكومة البريطانية من هذه الوثيقة المشوشة، فقد بلغ بها الصهاينة دون شك، ما أرادوا. وقد بيّن الدكتور ويزمن غرضها، وهو صهيوني معتدل لا يحمل أوهاماً، بقوله: ((أن تجعل من فلسطين يهودية كما هي إنجلترا إنجليزية)) .
 
ذلك – كما يرى القارئ – هو المفهوم العصري الأوروبي للأمة المتجانسة التي تعيش في قطر واحد، وهو مما لم يكن قط مفهوماً من مفاهيم الشرق الأوسط، ففلسطين لم تكن مأهولة بالإسرائيليين وحدهم، كما هي إنجلترا اليوم مأهولة بالإنجليز، حتى في عهد الملك داود، وهو العصر الذهبي للسلطة الإسرائيلية السياسية.
 
أما الصهاينة، فقد كان أمرهم لديهم واضحاً على أكمل وجه، كانوا واعين لما يحاولون أن يعملوه، وكان تحت تصرفهم من وسائل النشر والدعاية في جميع أنحاء العالم ما ليس في حوزة غيرهم، إذ اتخذوا من كل مقيم يهودي في كل بقعة من أديم الأرض، داعية لفكرتهم، وكان هدفهم منذ عام 1920م حتى عام 1929م إدخال أكبر عدد ممكن من اليهود، في فلسطين، ووجد البريطانيون أنفسهم، وقد ارتبكوا، وأُخرجوا من هدوئهم وتبلبل تفكيرهم، يحملون السلاح ضد العرب الذين ثاروا في وجه هذا السيل من الأجانب، إذ عاش عرب فلسطين ثلاث سنوات – بين عامي 1936م و 1939م – في حالة تمرد على حكومة الانتداب البريطاني.
 
هنا.. خلال هذا التمرد، تدفق الثائرون الفلسطينيون على شرقي الأردن في ربيع 1939م، أي في الوقت الذي تعهدت به للأمير عبدالله أن أعتبر نفسي منذ ذلك الزمن فصاعداً، من أبناء شرقي الأردن بالولادة.
 
كان كل فرد من أهل شرقي الأردن يتعاطف بعمق مع عرب فلسطين، غير أن الجيش العربي كان يطارد الثائرين الفلسطينيين اللاجئين إلى البلد ويخرجهم منها، دون تردد، فإذا كانت فلسطين سائرة إلى الدمار، فليس ثمة أدنى ربح في تدمير شرقي الأردن معها.
صفحة 8
السؤال العملي المطروح اليوم هو ما إذا كان الصهاينة سيوفَّقون إلى ما أرادوا، لأنهم وقعوا في فخ يصعب التغلب عليه، إن لم يكن مستحيلاً، هو نشدانهم تحقيق أهدافهم وآمالهم عن طريق مختصر، أعني به استعمال القوة، فقد نسوا أن أولئك الذين يأخذون بالسيف معرضون للهلاك بالسيف. أتراهم قادرين على الاحتفاظ بأنفسهم غرباء في رأس شط ضيق من شطآن آسيا، لعشرين، أو لخمسين أو لمائة سنة من الآن فصاعداً؟ أم يقدِرون على الاستعراب وبذلك يضعون حداً لعداوة جيرانهم، دون أن يضحوا بميزات ((الأمة اليهودية)) التي يرونها هدفهم الأكمل للبقاء على وجه الدنيا؟
 
وموقف بريطانيا ليس أقل حرجاً، لأن الحزام العربي الممتد من بلاد فارس إلى مراكش، يقع عبر مواصلاتنا إلى الشرق، وفي طريقنا إلى إخواننا من أبناء أستراليا ونيوزيلندا؛ وبهذا تكون حرية الانتقال (الترانزيت) عبر الشرق الأوسط أمراً حيوياً لبريطانيا.
 
لو أن بريطانيا تقيدت بتنفيذ ما كانت قد وعدت به من ((النظر بعطف)) إلى الوطن اليهودي، دون أن تؤيده بقوة السلاح، لكان في مستطاعها الإبقاء على صداقتها التقليدية مع العالم العربي والإسلامي، التي تشكل عنصراً جوهرياً في تأمين مصالحها، ولو أن اليهود كانوا أكثر صبراً وأقل عدواناً لكان بإمكانهم أن يحققوا وطنهم الروحي في أورشليم، ويحتفظوا في الوقت ذاته بحقوق المواطنين في الأقطار الغربية حيث يمكنهم ممارسة حياة حرة وديمقراطية.
 
لقد جاء البلاء، إلى حد كبير، من تطبيق المفهوم الأوروبي للأمة الواحدة في البلد الواحد، ولو كان اليهود يريدون ((حصة)) في فلسطين، لاستطاعوا تأمين وطن قومي هناك دون إثارة بغضاء العرب العارمة؛ فإن استعمال القوة، في مثل هذه القضية، على نطاق واسع، يمكن تجنبه، وما كان العرب ولا اليهود على السواء، في حاجة إلى الوقوع في قبضة سلسلة لا تنتهي من أعمال العنف، ثم لا يملكون بعد ذلك تحطيمها والتخلص منها.
 
يستطيع المراقب الأجنبي أن يقدر الخوف الذي يساور اليهود على دينهم وثقافتهم من أن يتواريا نتيجة إغراقهم بالعناصر الأخرى، وقد يعتقد البعض أن ((عودتهم)) إلى فلسطين تصديق لنبوءة، بيد أنه ليس من الصواب في شيء أن نجعل من الخير الذي يمكن أن يقع، شراً واقعاً، فإن طرد مليون عربي من ديارهم وبلادهم لا يمكن أن يُبرر بأي اعتبار من الاعتبارات.
صفحة 9
حرب وسلم وإرهاب
 
كانت الثورة العربية في فلسطين قد أخذت تخبو، حين اضطلعتُ بقيادة الجيش العربي في نيسان عام 1939م. وكان زعيم تلك الثورة، أحد أفراد أسرة كبيرة من مُلاّك الأراضي في القدس، هو الحاج أمين الحسيني. والبريطانيون أنفسهم كانوا ممن بنوا، إلى حد كبير، مركز الحاج أمين ووطدوه أخيراً بتعيينه ((مفتياً)) للقدس، وهي الوظيفة التي تعني ضمنياً، زعامة المسلمين الدينية في فلسطين.
 
كان الحاج أمين زعيماً دينياً اسماً، ولكنه في الحقيقة سياسي متعصب. وهنالك في الأساس عدالة كبرى وراء القضية التي كان يخدمها، ألا وهي مقاومة مَحْو شعب فلسطين بالقوة المسلحة، ذلك الشعب الذي كان يعارض هجرة اليهود بالجملة إلى بلاده، وضد إرادة الأكثرية من سكانها.
 
كنت قد تزوجت في تشرين الثاني عام 1938م، في كنيسة بيروت الإنجليزية الصغيرة القائمة على شاطئ المتوسط الأزرق، وكان والدي قد توفي قبل ذلك بأشهر قليلة، وجاءت والدتي وحماتي، وعاشتا كلتاهما معنا، وقد رافقتانا معاً في شهر العسل.
 
كانت مونيخ قد مضت وانقضت، وظهر لي العالم، في عمان، كله موجة شاملة من الفرح، فقد كنت سعيداً بزواجي، وفي نيسان 1939م أصبحت قائد الجيش العربي، وبدا لي أن هذا القدر الكبير من السعادة شيء لا يصدق. وكان لدي حدس أنه لا يمكن أن يدوم؛ وفعلاً أقبل أيلول وبدأت الحرب العالمية الثانية، ثم وُلد مولودنا الأول في تشرين الأول، أي بعد شهر من بداية الحرب.
 
كان المرض في أسرتي يطابق غالباً حدوث كوارث في العالم الخارجي، فقد كانت زوجتي طريحة الداء في المستشفى، بين الحياة والموت، في الفترة التي اجتاح فيها الجيش الألماني بلجيكا وهولندا.
 
كنا بعد معركة العلمين، وحتى بعد إنزال الجيوش الحليفة في أوروبا، أحسن بكثير مما هي الحال في بريطانيا، فالقتال الفعلي ابتعد عنا، ونتيجة المعركة النهائية لم تعد موضع شك. لن نشعر بظلمة العالم خارج نفوسنا، ولن يكون لدينا تقنين، وكنا نشعر، في الواقع، بكثير من الخجل في نفوسنا، لما نحن عليه من رغد.
 
وما كاد العالم يبدو لنا باسماً من جديد، حتى حل بنا في الوقت ذاته، خطب عائلي: مات ابننا الثاني لحظة ولادته، ونُقلت زوجتي المريضة إلى منزلها، في مساء اليوم ذاته بعد الغداء. ولم تكن ثمة سهولة في شيء، حتى ليعسر الوصول إلى طبيب، وكانت التلفونات المحمومة التي وزعتها هنا وهناك قد أتت آخر الأمر بطبيب بريطاني. وبعد ساعتين جاءت سيارة متنقلة كبيرة تحمل جنديين من جنود البريد التابعين للجيش، حَمَلَتْها على نقالة إلى الحديقة، وحين بَلَغَت المستشفى الإيطالي أُدخلت رأساً إلى غرفة العمليات وأُعطيت مخدراً، ثم قُدِّم لي كرسي في الممر الخارجي، حيث يلمع نور شاحب، وكان بمستطاعي أن أسمع الهمسات في الغرفة، فجلست وفي قلبي رهبة باردة. راحت الهمسات تتكاثر هناك.. ثم فُتح الباب وانفلت منه الطبيب بمعطفه الأبيض، ونزع القناع عن فمه قائلاً: (كان على زوجتك أن تتخلص من حملها، وجاء الولد ميتاً. كان ذكراً)) واختفى ثانية في الغرفة.
صفحة 10
جلست على كرسي ممسكاً به، ورحت أردد، على غير وعي لنفسي: ((اللهم كن في عوننا! ساعدنا يا رب!)) . وارتفعت الأصوات فجأة في غرفة العمليات، فخيل إليّ أنها ثابت إلى صحوها بعد البنج، وسمعت صوت زوجتي صارخاً:
 
- هل الطفل بخير يا دكتور؟
 
- نعم! نعم! كوني مطمئنة. إنه بخير! .
 
امتد الصمت دقائق قليلة. ثم صرخت ثانية بصوت يفعمه الكرب والقلق:
 
- يا دكتور! هل هو حقيقة بخير؟
 
- نعم! نعم! كوني مطمئنة! إنه بخير.
 
لم أستطع تحمّل الموقف، فقفزت من مكاني ورحت أمشي ذهاباً وإياباً. ثم فُتحت الأبواب فجأة وأخرجوها. كانت بيضاء، شديدة البياض، وظهرت فاقدة الوعي من جديد، وحملوها إلى غرفة قريبة، والتفت إليّ الطبيب قائلاً:
 
- من الأفضل أن تتركها بعيداً لتنام! ارجع في الساعة التاسعة.
 
اتجهت نحو البيت وسط الشوارع المظلمة. أطل نور شاحب في الشرق. وعندما بلغت المنزل، وجدت الجندي الخادم والطباخ ينتظران لدى ممر الحديقة، فقالا لحظة شاهداني بلهفة:
 
- خَبِّر، خيراً إن شاء الله! .
 
- السيدة بخير! ولكن ابني مات! .
 
وركضت أجتازهما إلى منزلي، وأغلقت الباب..
 
وكان أن دفنته على الرابية القائمة عبر الوادي قبالة منزلنا، وكانت هناك مقبرة بدائية صغيرة لنصارى العرب. لم يكن ثمة بريطانيون حزانى، لا لأنهم لا يستقبلون بعطف، بل لأنهم كانوا قلة يومذاك في عمان، يضاف إلى ذلك أنني لم أشعر بحاجة إلى التكلم مع أحد. وقد قام كاهنان عربيان مسيحيان بطقوس الدفن، ووقفت أنا وخادمي الجندي وسائق السيارة بجانب المقبرة.
 
ارتفعت قوة الوحدات العسكرية في الجيش العربي، خلال آخر عام من أعوام الحرب العالمية، إلى ثمانية آلاف. وكانت هذه القوة تتألف من:
 
أ- اللواء الآلي، ويندرج فيه لواء الأركان العامة وثلاث سرايا. وقد كان في الحقيقة لواء مشاة، دون سندٍ من أسلحة، أو مؤخرة تقوم بخدماته، ولم يكن لديه مدفعية، ولا وحدة هندسة، ولا مدد ولا وسائل نقل؛ كان لديه طبيب ضابط في كل سرية، دون أي ناقلة ميدان.
 
ب- ست عشرة ثلة حرس موزعة في سوريا والعراق والأردن وفلسطين، هذه كانت وحدات حراسة لم تتدرب على الفنون العسكرية، ولم يسبق لها أن انتظمت في كتيبة أو لواء(2).