eKtab
EN ع
غليان الأفكار - خواطر وأفكار في الجدل السياسي
اقرأ عينة مجانية

غليان الأفكار - خواطر وأفكار في الجدل السياسي

بقلم د. عبد الجبار الجبوري

صفحة 1
المقدمة

يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام آخر، تتغير الظروف، وتتبدل الأحوال من حال إلى حال، فتختلط السياسة بالمال، والثراء بالفقر والمجاعة، والحلال بالحرام، والإيمان بالإلحاد، والتعبد بالاستعباد، والتسلط بالاستبداد، والعنف بالإرهاب، والخطأ بالصواب، حتى يشك الإنسان في أنه يعيش في عالم لا تحده حدود ولا تقيده مقاييس، وكأن كل شيء قد تغير لإصابة العالم بتضخم من الفقر واليأس وادمان المخدرات السياسية، وتجارة الجنس في عالم كلما ازداد ثراء ازداد فقراً، وكلما ازداد ديمقراطية ازداد عنفا، وكلما ازداد حرية ازداد فوضى.

فانعكس ذلك على الحياة العامة حتى لم يعد يميز الإنسان يمينه من شماله. وظهرت إلى الوجود مبادئ أساسها الاتفاق على الاختلاف في كل شيء من دون أن يدرك أصحاب هذه المبادئ أن الأعداء يحيطون بهم من كل جانب بل يتحركون في داخلهم، ومن حولهم، وعلى كل المستويات وفي كل الميادين... يخاف بعضنا بعضا، ويدمر بعضنا بعضاً بأسلحة من صنع أيدينا، لكنها بمواد من صنع غيرنا لتخرب ديار المستضعفين من عباد الأرض والسماء من دون تمييز من حيث الدم أو اللون أو العرق أو الدين، لأن المهم عندهم هو دوي القنابل ولعلعة الرصاص، ودخان المتفجرات لتدمير سقوف تلك البيوت الخاوية على رؤوس أصحابها من آلام الفقر والحرمان والموت، بعد أن أطل علينا الاحتلال بلباس جديد من الاستعمار الحديث الذي يسمونه مشروع (تحرير) البلدان الدكتاتورية وطرد ابنائها خارج التاريخ لتسلمهم شهادات وفاتهم في بلاد الشتات والوحشة والإذلال.

إننا بعد هذا الحصار القاتل، علينا أن نفهم أن التحدي يجب أن يكون قويا وشاملا من الداخل والخارج. ومن داخل ذواتنا ومن خارج ذوات الآخرين، لنحرق الزمن، ونخترق الحدود، من أجل اسعاد الإنسان وتأسيس مجتمع فاضل تسوده العدالة والمساواة، من خلال تحويل الحروف الأبجدية إلى سيوف تقاوم القمع والاضطهاد، وتحول الكلمات إلى دروع لمقاومة الظلم والاستبداد.

وبهذا السيف والدرع نقاوم سلميا كل تحديات العصر من فقر وحرمان وعنف وإرهاب، وتسلط واستبداد. وأظن أن غليان الأفكار عامل من عوامل المقاومة السلمية، التي يتسلح بها بعضنا من أجل خدمة الوطن، وكشف المستور من السلبيات التي يحرص بعضنا الآخر على سترها.

رغم كل ما يجلب للوطن من آلام ومصائب، وما على المخلصين والوطنيين والقوميين من أمم كل العالم الا تسخير الكلمة الحق من أجل المحبة، وعلى الأرض السلام.

عبد الجبار عبد الوهاب الجبور

يبغداد - 10 / 10 / 2010
صفحة 2
غليان الأفكار

خواطر وأفكار في الجدل السياسي

بقلم الناقد الشاعر حامد حسن الياسري

إن من يتابع ما يكتبه المحامي الكاتب عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري في الصحف والمجلات العراقية والعربية، يجد أن هذا الكاتب تناول بأهمية مواضيع مختلفة من حياة المجتمع العراقي، وقد قرأت كتابه الجديد (غليان الأفكار) الذي تطرق فيه إلى عدة تقاطعات تداخلت في المجتمع العراقي، وأحداث شتى تتمفصل في فصول أربعة تعالج تقاطعات الدولة مع الشعب، ففي الفصل الأول تطرق الكاتب إلى وضعية الغليان في سبعة عشر موضوعا مختلفا بين السياسة والاجتماع، كموضوع الاستراتيجية الثابته، والترابط العضوي بين الوطن والمواطنة، والتعايش الإنساني، مرورا بالتعددية والتكامل والتنازع الفكري، والديمقراطية في نظرية العمل المحمدية، وغيرها من المواضيع التي تتعلق بالحياة الاجتماعية. وفي هذه الموضوعات تناول الكاتب عادات وتقاليد بعض الناس في ازدواجيتهم الشخصية، وفشل الحكومة في تقديم الخدمات والأمن العام، والتفاوت المعيشي بين طبقات الشعب ،وربط ذلك بسيرة الرسول محمد (ص) عندما كان رحيما بالكفار، متواضعا بين الناس، حتى نزلت عليه (ص) السور والآيات القرآنية تثني على عمل الرسول وسلوكه الكريم، وهو يصالح بين القبائل والشعوب، ويعمل على توحيد كلمة الإسلام لا تفريقها، ويطبق المبادئ الواردة في القرآن الكريم.

كما ذكر الكاتب بعض الأمثال عن الرسول والإمام علي (ع) في الاعتدال والمساواة بين الناس والفقراء، حتى شكلت ثورة فكرية نهضوية، قادت المجتمع إلى التعايش الإنساني، ويرى الكاتب أن هذه المبادئ تؤدي إلى التعددية والترابط بين ديمقراطية الأحزاب وأحزاب الديمقراطية، ويرى أن التكامل والتنازع الفكري، هما من أولويات انتاج الأفكار الجديدة التي تنتج جوهر الحضارة والتقدم الإنساني، ولم ينس الكاتب وضع عشائر العراق، وامتدادها في الجزيرة العربية، مثل عشيرة (الجبور) وكيفية انحدارهما وتوليهما الإمارة في جزيرة العرب.

وتناول الفصل الثاني عدة عناوين منها (الفقير الصابر افضل من الغني الشاكر، والنظرية في أمة العرب، وأوراق مصرية، وأولادنا أكبادنا، وبدع وضلالات) وغيرها من الموضوعات الأخرى، وأفرد في هذا الفصل عدة أمثال للإمام علي (ع) تتعلق بالفقراء، مقارنا ذلك بما يتعرض له الفقراء الآن في العراق، ثم انتقل إلى محور الصراع العراقي الإيراني في الجوانب الدبلوماسية والقانونية، ذاكرا عدة معاهدات وقوانين تتعلق بهذا الشأن.

ثم انتقل إلى المعذبين في الأرض، ثم إلى نظرية أمة العرب من زمن الجاهلية مرورا بفترة وجود الرسول (ص) وانتهاء بدور الخلفاء الراشدين ومن تبعهم في الحكم من أولي الأمر، وكيفية التعامل مع الناس وفق احكام القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ولم ينس الكاتب في هذا الفصل، التطرق إلى عادات العشائر ومظاهر الحياة الاجتماعية والأخلاقية الأخرى، كما ذكر ذلك في موضوع (بدع وضلالات) و(مضرب الأمثال) و(تطابق الأسماء).

وفي الفصل الثالث، تناول الكاتب عدة مواضيع منها (غليان الأفكار) و(ثورة الأغلبية) و(خطايا غاندي) و(فصل القضاء عن السياسة) وغيرها من الموضوعات الأخرى، ذاكرا ما تميز به الأنبياء من صفات، حيث كان النبي يوسف (ع) مثلا أعلى للصمود، والنبي موسى (ع) مثلا أعلى للصبر، والنبي عيسى (ع) مثلا أعلى للاستشهاد في سبيل المبدأ، والنبي محمد (ص) مثلاً أعلى، تجمعت فيه كل المثل والخصائص العليا للأخلاق الأصيلة في الأمة العربية، ويرى الكاتب في (ثورة الأغلبية) أن الدول إذا لم تستجب لمطاليب الشعب فإن الشعب سيستخدم الأساليب الثورية المسلحة والسلمية، لمعالجة مثل هذه الحالة، وأما عن (ثورة الإمام بمبادئ نبي) فإن الكاتب يذكر ثورة الحسين (ع) ورسالتها وعلاقتها برسالة جده محمد (ص) من الناحية العقائدية والرسائلية، التي تمثلت في شعار (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الذي جاء به الرسول لإحياء دولة المبادئ، والإسلام الذي كان قانونه القرآن الكريم، حيث قاوم الحسين (ع) بقوة الجبروت والطغيان والفساد وانحراف الحكم، حتى انتصر الدم على السيف، بحيث تجسدت ملامح الأمة المحمدية وحل العدل والسلام في أرجاء المعمورة، حتى تركت ثورة الإمام الحسين (ع) في الحياة العربية، خطاباً تاريخياً، سطره بدمه ودم شهداء معركة الطف في كربلاء.

وأشار الكاتب في الفصل الرابع إلى أهمية الدستور حيث وجد أن هناك تعارضا بين مواد الدستور العراقي، وعاب على المشرع وجود اختلافات كثيرة في الدستور تؤدي بالدولة إلى الفساد الإداري والمالي، وعدم إشارته إلى أن العراق جزء من الأمة العربية، في حين أشار إلى تعدد اللغات وحق العراقي في أن يحمل أكثر من جنسية، مما يجعل العراق دولة تحمل كافة الجنسيات التي تمزق البلد وتجعله ساحة للانقسامات والتناحر الطائفي والعرقي.

وذكر الكاتب في هذا الفصل عدة مواضيع أهمها (العولمة والاغتصاب الثقافي) و(العلاقة بين العروبة والإسلام) إضافة إلى مواضيع أخرى، تناولت السلبيات والأمراض التي تنهش جسد الأمة، وتغتصب ثقافتها السياسية والاجتماعية، وتجعل من النظام السياسي للدولة منظومة من التجاذبات المهيمنة على الحياة السياسية، وتمفصلاتها المكانية والحركية، التي تتجه بالبلد نحو الأحداث والعراك السياسي، والنفعي الذي يكشف المستور من المقاصد الفاسدة.

لقد حاول الكاتب بدقة أن يسلط رأيه الخاص على أغلب مواضيع الكتاب، كما سلط آراءه في كتابه (غليان الأفكار) على الأفكار المتضاربة، وما تنطوي عليه من بدع الأشرار الذين يحاولون تهديم بنية العراق الاجتماعية والسياسية والثقافية وسلب ثرواته المتعددة، محاولاً كشف المستور بطريقة لاذعة وشفافة، جاعلاً من هذا الكتاب قاموسا لمتواليات السياسة والاحتراب الطائفي والعرقي، فاضحاً محاولات بدع الأشرار، والتجاذبات والأحداث التي مرت على هذا البلد، منذ الرسول (ص) إلى الآن.

إن هذا الكتاب في تقديري، يمثل توصيفاً تكاملياً لتشفيرات الجدل السياسي المتشعب القوى والحراك، والمتخندق في الحركة السياسية، التي لم تعط أهمية استراتيجية لشعوبها في حق تقرير مصيرها. وإني أرى أن رؤى الكاتب قد تجلت في هذا الكتاب الذي أبدعه أيما إبداع، وتناوله مفصلاً كل حيثيات الحكام من زمن الرسول (ص) إلى زمننا الحاضر، وبرأيي إن الكاتب ذهب بتفصيلاته المتخذة اساسا للكشف والتحليل، قد وجد أن هذا الغليان سوف ينفجر بقوة ليعيد الحياة الحقيقية إلى الشعوب المغلوبة على أمرها، طوال عهود قاسية مرت عليها كما قال الشاعر الكبير ابو القاسم الشابي:

إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

العراق

15 / 11 /2010

حامد حسن الياسري
صفحة 3
الفصل الأول

الاعتدال

اتركوا الإنسان على فطرته ليختاردربه ودينه ووجوده بيده

محمد (ص)

(1)ابن الوقت

يقول علماء القانون إن القانون (ابن الحياة) لأنه لم يكن في نظرهم مفهوماً تجريدياً كما هو في الفكر البرجوازي، وإنما هو يولد وسط الحياة لذلك لا يمكن فهم اصوله بمعزل عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة به، وهذا ما يؤكده المبدأ الحضاري الاشتراكي لمعنى القانون من كونه (ابن مرحلته). ويقول علماء المتصوفة إن الإنسان (ابن الوقت) لأنه يعيش الحاضر من دون الاهتمام بالماضي أو التفكير في المستقبل وإن (غدا) ليس من شروط الطريق، ويرون أن التفكير في الماضي من الأمور العبثية لأن الماضي أصبح في طيات العدم. فالإنسان الذي يفكر في الماضي كأنه ميت ولذلك ينبغي له إزاحة قضايا الماضي ودفنها. وكذلك الحال بالنسبة إلى المستقبل. فهو عدم أيضاً فلا ينبغي التفكير فيه بل يجب أداء حق الحاضر والعمل بمقتضيات الوقت الحالي كمن يعيش فصل الصيف فيهيئ مستلزماته.

وفي المفهوم السياسي يعني (ابن الوقت) الشخص الانتهازي المتلون الذي يقال أنه في (حزب الرياح) لا أصل له ولا أساس، وهذا المعنى يعكس قيمة سلبية في حركة الإنسان وخصوصاً في الميدان السياسي لأنه يعتبر من أهم الأخطار التي تتعرض لها الحركة السياسية، حيث يعرضها إلى الانشقاقات والصراعات السياسية والطائفية والعرقية، مما يؤدي إلى الانحرافات الفردية والجماعية في التنظيمات القائمة، كما يحصل الآن في الحركة السياسية العراقية الناشئة بعد مرور ثمانية أعوام من غزو العراق واحتلاله من قبل القوات الأميركية والدول المتحالفة معها، فابن الوقت هو أحد إفرازات وانشقاقات وصراعات الحركة السياسية المعاصرة.

فابن الوقت هو الانتهازي الذي يحاول اصطياد مصالحه الشخصية وتغيير سلوكه ولونه بما يضمن الحصول عليه من مكاسب ومنافع خاصة من توظيف وسلطة وثروة ومركز وظيفي غير مشروع كما يحصل الآن في العراق. حيث نجد هذا الانتهازي يقدم على اتخاذ عدة قرارات أو مواقف مبدئية متناقضة لا يؤمن بها أساساً لتكريس انتهازيته واقتناص ما يستطيع الحصول عليه من ثراء مادي أو معنوي. لذلك نرى أن هناك مئات من (أبناء الوقت) في أكثرالأحزاب والتيارات السياسية يحاولون البقاء فيها رغم عدم ايمانهم بمبادئها إذا تأكد لهم أن الحصول على المناصب الوظيفية قريب منهم، أو الانسحاب منها إذا لم يتحقق لهم ذلك، وهذا ما حصل فعلاً في مسيرة الحركة السياسية الراهنة بعد الاحتلال في العراق.

فعندما يشعر بعض أعضاء الكتل السياسية بأن كتلته لم تحصل على مناصب في الحكومة أو مجلس النواب، أو أنها غير قادرة على أن تكون القاعدة الأساس في الدولة يعلن انسحابه أو انشقاقه وينضم إلى حزب أو كتلة جديدة أو قائمة أخرى تؤمن له ما يطمح اليه. وعندما لم يحصل هؤلاء الطارئون على العمل السياسي على المكاسب والمنافع، حاولوا خلق المشاكل والانقسامات والتكتلات داخل صفوف الحركة السياسية عن طريق تعميق الخصومات الفردية والعشائرية والطائفية بين المذاهب والقوميات والأقليات المختلفة الأخرى وبذلك تتهدد وحدة الشعب وتتعرض الحركة السياسية إلى الانتكاسات والصراعات التي تتحول إلى العنف والانقلابات العسكرية.

إن ما يحصل في المسيرة السياسية في العراق بعد الاحتلال الاميركي له إنما هو افرازات طارئة من أشكال (أبناء الوقت) الانتهازيين حيث تنامت (الانتهازية الطائفية) بما تقدمه من افكار ومبادئ وطموحات غريبة أمام عنصر المواطنة و(الانتهازية العنصرية) بما تقدمه من تنازلات ومساومات أمام العنصر القومي (والانتهازية الإصلاحية) بما تقدمه من آمال وأحلام أمام المثقفين الثوريين (والانتهازية الدبلوماسية) بما تقدمه من أساليب التضليل و( الانتهازية الوظيفية) بما تقدمه من تنازلات ومديح ومساومات أمام المراكز الوظيفية المترددة لدى كبار السياسة وصغارها.

كل هذه الأشكال من الانتهازية الفردية والجماعية مورست من أجل مصادرة الطاقات البشرية السامية وإصرارها على انتهازيتها والتشبث بمواقعها مما أدى إلى الحاق الضرر بالحركة السياسية شكلاً ومضموناً، وضياع المقاييس الموضوعية وتعطيل الكثير من الطاقات الثورية المناضلة التي تقود الحركات الوطنية والتقدمية.

ولعلاج ظاهرة (ابن الوقت) في أحزاب الرياح أرى أن المرونة السياسية في التكتيك دون التخلي عن المسار الاستراتيجي هي الأساس في طبيعة التعامل السياسي والأيديولوجي، ففي رسالته إلى العمال الأميركيين يقول لينين: "عندما أطلق ضواري الامبريالية الالمانية قواتهم في شباط عام 1918 ضد روسيا العزلاء من السلاح التي كانت قد سرحت جيوشها لم أتردد وقتذاك لحظة واحدة في الاتفاق مع ملكيين فرنسيين"... ويقول: "تصافحنا الملك الفرنسي وأنا وكل منا يعرف جيداً أن زميله مستعد لشنقه بكل طيبة خاطر. ولكن مصالحنا كانت متوافقة موقتاً ضد الضواري الالمان الذين كانوا يهاجموننا". إلّا أن هناك حالات لا تخضع لما يسمى (ابن الوقت) عندما يتخلى فرد أو بعض الافراد عن تنظيماتهم السياسية فيتهمون بالانتهازية والحقيقة خلاف ذلك. فأولئك يتركون العمل السياسي لثقتهم بعدم جدوى العمل الحزبي نتيجة انطباع سيّئ عن الحزب أو الحركة أو التيار السياسي والاقتناع بالانقطاع عن العمل الحزبي والسياسي.

لذا فإن مصطلح (ابن الوقت) لا يطلق كصفة على جميع الخارجين أو المنشقين عن أحزابهم أو منظماتهم الأولى، وإنما يطلق على من يكون انسحابه وخروجه من أجل المنافع والمكاسب والثراء غير المشروع.

وللقضاء على هذه الظاهرة، ينبغي العمل على تطهير الحركات الثورية والتيارات الوطنية من العناصر المترددة، وإحداث التغييرات التقدمية في التكوينات الاجتماعية والاقتصادية التي تعمل بها تلك الحركات، وبناء علاقات وإنماط سلوكية متحررة تقضي على كل أشكال الاستغلال والظلم والتسلط اللاإنساني، وعلى التثقيف والتثقيف الذاتي، وتطويره وإعداد الكوادر المثقفة والمؤسسات الثقافية المختلفة، وتوفير شروط الوعي السياسي وإيجاد التنظيمات السليمة ذات الايديولوجيات الواضحة القوية، التي تمنع المتسللين إلى صفوفها وتعرية الانتهازيين وإخراجهم من نطاق العمل السياسي، وحجب حرية التخريب الاجتماعي والاقتصادي عنهم.

ومتى كانت التنظيمات السياسية متماسكة لم يجد (ابن الوقت) مكاناً له يتنفس فيه.
صفحة 4
(2)أسـر الحقيقة

لا بد للحكومات الفاشلة أن تواجه بغضب شعبي، ربما يتحول عندما يبلغ الحماسة مستوى الانفجار إلى عصيان مسلح، ثم إلى ثورة جماهيرية واسعة، وهذه بديهية تاريخية عرفتها شعوب العالم في القارات كافة ضد من يعمل على اخماد شعلة الروح الوطنية ومصادرة حقوق الإنسان من أجل الحفاظ على الاعتبارات الاجتماعية والمراكز الوظيفية بشتى الوسائل القمعية والأساليب الذرائعية كما حدث ذلك، وسوف يحدث، من أحداث شعبية في بعض المحافظات احتجاجاً على تردي الكهرباء كواحد من الملفات الخدمية التي طال الزمن على عدم معالجتها خصوصاً وأن درجات الحرارة في هذه الأيام تزداد ارتفاعاً مما يزيد في معاناة الجماهير المسحوقة والفئات المحرومة من نعمة الكهرباء التي تحولت إلى نقمة للفقراء.

ومع هذا كله لا يعترف المسؤولون في (الحكومات المحلية) و(الحكومة المركزية) بفشلهم في إدارة ملف الخدمات العامة والخاصة، فظلت هذه الحكومات أسيرة الحقيقة متهمة جهات سياسية وحزبية وشخصية وراء هذه الأحداث العفوية، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على خوف الجهات المسؤولة من الاستياء الشعبي الذي يتحول إلى ثورة عارمة كما أسماها أحد المواطنين المتظاهرين بأنها بداية (ثورة الجياع) أو بداية الثورة ضد الوضع السياسي كما أسماها أحد الناطقين لإحدى الحركات السياسية في العراق، على طريق تحرير الإنسان من الظلم والتعسف اللذين يواجههما باستمرار في حياته اليومية ولا سيما في الجانب الخدمي.

ولكن مع الأسف الشديد لم نجد هناك من يعالج هذه الفوضى الخدمية، فبدلا من مواجهة مطالب الجماهير الغاضبة بروح ديمقراطية شفافة، يجابهون بإطلاق النار عليهم والتهديد والقتل ومنع الغضب الشعبي من الأساليب الديمقراطية التي هي حق قانوني ومشروع يعبر من خلاله الشعب عن آرائه وطموحاته. فلماذا هذا الربط بين الملفات الخدمية والملفات السياسية؟

ولماذا لا تواجه الدولة (السلطة) الشعب صراحة لتقول إننا (طلاب) مناصب لا دعاة مناقب.

على الدولة متمثلة بالسلطة ألّا تخاف من الشعب، لأن الخوف في هذه الأيام لا يفسر الهروب من غضب الجماهير، وإنما يفسر الخوف على المكاسب التي حصلوا عليها، والخوف على الأموال والثراء والمراكز الوظيفية التي عاشوا فيها وعليها، وإني أرى أن مواجهة الشعب بالغضب والقسوة والنار هي فشل في إدارة الدولة والتمسك بها بالقوة وسلب وتدمير حقوق الناس.

إن متابعة الملف الخدمي ومعالجته هما الطريق الصحيح لحل الملفات الأخرى وفك أسر السلطة من الضلال والوعود البراقة وتبيان حقيقة ما يحدث في الساحة العراقية من فشل مستمر في معالجة التجاوزات والسلبيات التي ترافق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والخدمية، والدولة الرائدة الواثقة بنفسها تحرق الوعود بتقديم المنجزات على ارض الواقع.

ولكن مع الأسف الشديد ينام الإنسان العراقي على (أواعدك يا وعد) ويقعد على (أسقيك يا كمون) فمتى ينام (وعد) بهدوء على الأقل؟ على هواء (المروحة) السقفية أو العمودية اللاهب في فصل هذا الصيف الحارق.

وصدق من قال لأصحاب الوعود الكثيرة: (أواعدك يا وعد وأسقيك يا كمون).
صفحة 5
(3)أشداء على الكفار رحماء بينهم

عندما بدت ملامح الموت واضحة على محيا الرسول (ص) ناشد الناس مناشدة جدية، حتى أخذت الكلمات المتعبة تخرج بعسر من فم أيبسته حرارة الحمى قائلا: "أيها الناس من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح إلا إن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة". قال ذلك وهو يعلم أنه لم يؤذ أحداً طوال حياته حتى في تلك الحادثة (عندما كان فيها أحد البدو يسير براحلته لصق راحلة النبي مما أدى إلى اصابة رجل النبي، إثر ذلك انزعج (ص) قليلاً وقال له بغضب: أبتعد عني قليلاً. إلّا أنه بعد أن عاد إلى المدينة استدعى ذلك الأعرابي واعتذر منه كثيراً، وألزم نفسه بتقديم ثمانين رأساً من المعز كفدية على ذلك). وهو الآن لا يتذكر، أنه قد آذى أحداً من الناس أو أنه مطلوب لأحدهم، إلّا أنه يخشى أن يكون قد تصرف خلال حياته المليئة بالأحداث تجاه شخص بطريقة لاإرادية بحيث أزعج الآخرين وهو لا يعلم بذلك.

وطالب الناس بالاقتصاص منه إذا بدر منه أي سلوك من هذا القبيل. انتظر محمد (ص) والناس خجلون، فقام له أعرابي وقال يا رسول الله إن لي عندك ثلاثة دراهم. قال محمد (ص): اعطه يا فضل. فأعطاه الفضل بن العباس.. وجلس الأعرابي. ( ثم قام رجل ووضع عينه بعين النبي وهو مضطرب قائلاً: لقد ضربتني سوطا على بطني يا رسول الله في واقعة.. سكت الناس. أما النبي وبوجه هادئ رفع ثوبه الذي بلله العرق من شدة الحمى وكشف بطنه إلى اعلى صدره وطلب من الرجل أن يقتص منه، فتقدم الرجل نحو النبي والناس يطأطئون رؤوسهم دهشة.. لحظات مؤلمة.. صمت رهيب.. وفجأة يهز فضاء المسجد ضجيج اليم. ورفع الناس رؤوسهم وهجم الرجل على بطن النبي (ص) هجوم المجانين وبدل القصاص قبل بطنه قبلة الوالهين. فهطلت الدموع ووجد الناس انفسهم بعد خجل مرفوعي الرأس أمام النبي.. لقد غابت تلك الخاطرة المخجلة.. فرح الناس وأثبتوا للنبي أنهم يعرفونه جيداً..).

من هذه الدروس والعبر المحمدية لا بد للإنسان أن يقارن بين سلوكه وبين ما استفاد من مدرسة الرسول من رؤية أخلاقية وعقائدية في مجتمع يسوده العدم والإبهام والظلمات، وتسيطر عليه الروح العدائية والانتقامية والثأرية وتسوده الممارسات الضالة منذ وطئت أقدام المحتل أرض بلاد الرافدين وخصوصاً في أذهان وسلوك الأفراد التابعين له.

ومن هنا يمكن القول، تبعاً لذلك السلوك، أن المجتمع الذي نحن فيه سيكون محروماً من الرقي والتحول والتطور، وينخر العقل ويتوقف الفكر والإحساس حتى تتعفن الإنسانية وتموت مظاهرها التسامحية والتصالحية ويبدو الإنسان حيواناً يحمل بيده اليمنى سيفا وبيده الأخرى معولا ليدفن الأرواح والأجساد التي حصدها سيفه القاتل حتى تتحول الدنيا إلى ظلمات غارقة بوحل العجائب والغرائب لرؤية الاحتلال الديمقراطية الانتقامية منذ حاصرت قواته أرض العراق عام 2003 إلى أن فتح عينه فجأة فوجد نفسه أمام الضربات الموجعة العراقية التي أرغمته، مجبراً على إعادة حساباته، عندئذ تتكسر نظريات الاحتلال وتزول الظلمات وتتحطم الحواجز وتبدأ نهضة الشعوب مستلهمة تأريخها من عقارب الزمن المحمدية التي سكتت قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة لتتحرك من جديد في نهضة تسامحية صادقة، ورؤية تصالحية ناهضة ليخجل الناس وتطأطأ رؤوسهم من جديد أمام دروس وعبر تلك الرسالة المحمدية.. ولتكن حياة محمد (ص) الاجتماعية والسياسية والفكرية مدرسة عقائدية، وليكن وجدانها الأخلاقي قائما على قاعدة رسالية الهية نموذجية مفادها لنكن { ب ة ت ث ج }. سورة الفتح / 29، صدق الله العظيم.
صفحة 6
(4)الاستراتيجية الثابتة

وأنا أقرا مذكرات مستر (همفر) الجاسوس البريطاني الذي أوفدته وزارة المستعمرات البريطانية عام 1710 في عداد تسعة جواسيس آخرين ممن تتوافر فيهم الحماسة التجسسية، إلى سائر أجزاء الإمبراطورية البيزنطية، وكانت حصة هذا الجاسوس البلاد العربية (مصر والعراق والحجاز) لغرض جمع المعلومات المتعلقة بعوامل الضعف والقوة لتلك البلدان، ورفعها إلى وزارة المستعمرات لتنفيذ الاستراتيجية التجسسية في منطقة الشرق الأوسط بصورة عامة وشبه الجزيرة العربية بصورة خاصة.

وتبين لي أن تلك الاستراتيجية تقوم على مبادئ وأسس وخطط ثابتة، وذلك من خلال قراءة الأوضاع التي تعرضت لها البلاد العربية عام 1710 وما يتعرض له الوطن العربي الآن عموماً والعراق خصوصاً. فالأهداف والمبادئ والخطط والوسائل والمهمات التي كانت تسير عليها استراتيجية التجسس منذ عدة قرون، لا تختلف عنها في القرن الواحد والعشرين، لأن القاعدة العامة التي تستند إليها وسائل التنفيذ لا تزال هي قاعدة (فرق تسد..فرق تحطم.. تستفد اكثر) هذه القاعدة التي تهدف إلى إبقاء السيطرة على ما تم السيطرة عليه من جهة وضم ما لم يتم السيطرة عليه من جهة اخرى، وذلك باختيار (المهمات) المناطق ذات القوميات المختلفة، والأديان المتعددة، واللغات المتباينة، والمصالح المتقاربة، ثم وضع الخطط اللازمة لتعميق التفرقة والتشجيع على الرشوة والفساد الإداري والمالي والعمل على توسيع نطاق الجهل والفقر والمرض، تماما كما حدث في العراق بعد الاحتلال (إحدى وسائل تنفيذ تلك الاستراتيجية) عام 2003.

وحدث مرة أن ذكر هذا الجاسوس في أحد تقاريره: "أن العرب والمسلمين لو كانوا يعرفون مصالحهم لتركوا الخلافات ووحدوا كلمتهم وقاوموا كل هذا التخلف"، فلم يكن من رئيسه إلا أن نهره قائلا له: "واجبك أن تزيد الشقة لا أن تحاول جمع كلمتهم، فمهمتك هي أن تتعرف إلى النزاعات اللونية والقبلية والإقليمية والقومية والدينية والطائفية وأن تعرف البركان المستعد للانفجار بهم لأننا لا يمكن أن نعيش برفاه، إلّا بزرع الفتن والنزاعات بين الشعوب وتقسيم دولهم إلى حكومات وأقاليم مختلفة والبحث عن عوامل القوة وتبديلها بنقاط الضعف".

وقد رأيت في هذه المذكرات أنها تؤكد على أن البحث عن النقاط التي تضعف الأمة وتمزقها ،كما يريد الاحتلال الآن، يتم عبر البحث عن وسائل الاختلاف بين المذاهب الدينية والاختلاف بين الحكام والشعوب، وبين العلماء والحكومات، وبين القبائل ورؤسائها، وسيطرة الجهل والأمية، وخمول الروح الوطنية وذبول المعرفة وفقدان الوعي، وتشجيع دكتاتورية الحكام واستبدادهم، والعمل على تدهور عناصر الصحة العامة، وفقدان الأمن، واحتقار المرأة، وتشجيع الفوضى في شؤون الإدارة والنظام وتعطيل القوانين، وتدهور الاقتصاد، وانتشار الفقر.

بعد ذلك يتم العمل على تعميق نقاط الضعف في الأمة عن طريق ترسيخ هذه الاختلافات وتوسيعها، والإبقاء على الجهل والفقر والمرض والفوضى والفساد، وفقدان الأمن وإضعاف صلة الشعوب بعقائدها؛ وإغراء المرأة والشباب بشتى الوسائل ليقع الفساد بينهما. ومن يلاحظ اليوم ما يجري على الساحتين الإسلامية والعربية يجد أن سياسة القرون السابقة تتجدد في القرن الواحد والعشرين، وذلك باتباع سياسة (فرق تسد - فرق تحطم - تستفد أكثر) حيث نشطت النزاعات والخلافات الشديدة بين الشعوب وقادتها؛ وإذكاء نار الطائفية والعرقية واثارة النزاعات الدولية واليوم الإقليمية والمحلية، واحياء المذاهب حتى البائدة منها، والتخطيط لتقسيم الدول إلى أكبر عدد ممكن من الحكومات المحلية الصغيرة، ومحاولة جعل المذاهب أديانا مستقلة لا ارتباط فيما بينها ثم اعادة الخلافات بينها، ونشر الفساد وزرع الجواسيس في الدول عن طريق الشركات الوهمية، ومحاربة الأمة العربية، وتوسيع اللغات الأخرى، وتشجيع اللهجات المحلية المتفرعة عن العربية كمحاولة لقطع العرب عن اللغة الفصحى التي هي لغة القرآن والسنة؛ وتمييع الشباب بنات وبنين، واشعال الحروب والثورات الداخلية والحدودية والثأرية بين العرب وغير العرب، وبين المسلمين وغير المسلمين، وحتى بين المسلمين أنفسهم لاشغالهم عن التفكير في مقاومة المحتل ومتابعة الإعمار والبناء والمساهمة في توفير الأمن والأمان للمواطنين كافة.

لنعمل جميعا بما جاء في القرآن الكريم بقوله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)(وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ)(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)(وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ)(خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)(مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ) (... ونظم أمركم) فلماذا لا تطبق هذه المبادئ الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية، التي تشير إلى الاتحاد والألفة، والأمر بالشورى ،وتقوية الجيش، واحترام المرأة، والأمر بالعمران، والعمل بالنظام....أليست هذه المبادئ وغيرها تهم الأمة؟

فلماذا لا نعمل بها من أجل مقاومة سياسة الاعداء القائمة على قاعدة (فرق تسد... فرق تحطم... تستفد أكثر).
صفحة 7
(5)الاعتدال

روي عن الإمام علي (ع) أنه سأل رسول الله (ص) عن سنته فقال: "المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني ،والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة". وكثيراً ما كان يردد (ص) مثل هذه المبادئ في نضاله السري والعلني لنشر دعوته ومبادئه في بناء الإنسان والدولة ووحدة العرب خارج الجزيرة وداخلها، مخاطباً الأنصار والمهاجرين وسائر أتباع رسالته قائلاً: "أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها: أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد (الاعتدال) في الغنى والفقر، وأن اعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبراً"

من يلاحظ هذه الأقوال الشريفة يستنتج أن محمدا (ص) لم يكن مبعوث أمة إلى نفسها لتعطي نفسها وتحس بوحدتها وكرامتها، وإنما بعثه الله تعالى إلى الناس كافة ليعطي لهم قوانينهم الحياتية العامة والخاصة من سلوكه وشخصيته ومبادئه الشعبية والثورية تماماً كما جاء سيدنا آدم ليعطي الأرض أبناءها من صلبه.. جاء ليعطي الأمة كل ما عنده من عطاء لا يخشى منه فاقة، وليعطي الناس المثل الأعلى لممارسة البناء والنضال والجهاد بقيادة لا يتطرق اليها ضعف ولا يستعبد صاحبها متاع. لقد جسدت المبادئ التي ذكرها النبي (ص) سمات القائد الشعبي الذي لا يعيش حياته بمفرده من أجل المصالح الشخصية والمنافع والإثراء غير المشروع، وإنما يعيش تطلعات الجماهير المظلومة والفئات المسحوقة ليعطي كل ما عنده من عطاء للآخرين مستهدفا قلع جذور الظلم والظالمين، والفساد والمفسدين، ليؤكد مسألة أساسية في كل ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية أن (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وأن عقيدة (الاعتدال) في الغنى والفقر، والترهيب والترغيب، والردع والسيف، واستعمال الحكمة والموعظة الحسنة، وإبانة الصواب من الخطأ، من أهم معالجات الحركات السياسية في تطبيق التوازن في الحقوق والواجبات في مجتمع تختلف فيه الآراء والأفكار، وتسوده المصالح الشخصية والطبقية والعشائرية، وتتصارع فيه الطوائف المذهبية والعرقية كما يحدث الآن في العراق بعد الاحتلال الاميركي له عام 2003.

إن عقيدة (الاعتدال) و(الوسطية) وجدت لتوفر الحرية للإنسان وتغلبها على مبدأ العنف والتشدد والقتل والسيف، والحرص على ضمان حياة الإنسان وتهيئة فرص الحياة الحرة الكريمة المستقرة له، وأن من أبرز وسائل تحقيقها ممارسة سياسة الاعتدال في حركة الدولة وتطبيقها في كل ميادينها الداخلية والخارجية، ولنا في تجربة الرسول (ص) ورسالته، المثل العظيم الذي مكنه من السيطرة على زمام الأمور داخل الجزيرة العربية وخارجها، حيث أدت إلى هزم أكبر إمبراطوريتين كانتا تتحكمان في مصير العالم إمبراطورية فارس في الشمال وإمبراطورية الروم في الجنوب.

إن فلسفة ادارة الدولة كما أرى، يجب أن تكون (الفلسفة الوسط) (لدولة الوسط) في (الأمة الوسط) التي اختارها الله تعالى في العرب بقوله تعالى:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)

إن ممارسة سياسة الاعتدال في كل دولة حضارية تستند إلى استيعاب كامل لواقع الناس وظروفهم وطبيعتهم، لأن أساس الاعتدال عامل مهم في تكوين البناء المادي والنفسي والروحي للإنسان لأنه ابن واقعه وظروفه وطبيعته، مثلما هو ابن الحياة والتاريخ.

إن سياسة الاعتدال في إدارة الدولة هي بنت العقل والبصيرة والذكاء والحكمة والموعظة الحسنة.

وإن سياسة العنف والفوضى والتشدد هي بنت التحجر الفكري والتحزب المجرد من المبادئ الإنسانية القائم على العنف والثأر والانتقام. فلماذا لا نقرأ وقائع التأريخ ونستنتج أن نظام الحكم في الدولة العربية الأولى التي بناها الرسول (ص) وقادها في المدينة كانت أكثر أنظمة الدول أصالة في الحكم وادارة البلاد التي تجمع بين الشورى والديمقراطية المركزية(وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ).

وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على نجاح القيادة في ممارسة سياسة (الاعتدال) في الشورى والمركزية التي حققت الانسجام والاخوة بين أفراد القيادة من جهة، وبين القيادة والشعب من جهة اخرى، وهذا يؤدي إلى تعميق التآلف بين الناس واحلال السلام مقام الدم والمساواة، ومقام التفاخر ووحدة الكلمة مكان التشتت، والاتفاق مكان الافتراق، والمحبة والرشد مكان الكراهية والعنف.

فمتى فقدت هذه الشروط في إدارة الدولة فقد الإنسان حاضره ومستقبله... وهذا ما لا يريده كل مواطن عربي غيور لنفسه ووطنه وامته. ليكن صمتنا فكراً ونطقنا ذكراً ونظرنا عبراً.. صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
صفحة 8
(6)الترابط العضويبين الوطن والوطنية والمواطنة

إن عملية الترابط العضوي بين الوطن والوطنية والمواطنة، وإعادة الحياة اليها بعد عملية اختزال مقصودة من المسائل الهامة في هذه المرحلة، لأنها حولت الولاء إلى الوطن إلى ولاء لحزب، والوطنية إلى ولاء لعائلة أو قبيلة أو مذهب، والمواطنة إلى تبعية تحمل الحب إلى دولة أخرى يضيع فيها الوطن وتذوب فيها الوطنية وتخترق المواطنة، وبذلك تصبح الدولة دون مركز للانتماء القانوني والسياسي؛ وقد ساهمت في هذه العملية، ومنذ مختلف المراحل، الأنظمة السياسية والتنظيرات الأيديولوجية للنخب والحركات والأحزاب السياسية المختلفة بتأثير الانتماءات العرقية والطائفية والمذهبية. وفي ضوء هذا الواقع المؤلم المخترق لا يمكن أن تقوم دولة وطنية معاصرة ذات هوية تقوم على أساس المواطنة باعتبارها من أهم مستلزمات الوطنية والانتماء للوطن... فهل يبقى الإنسان بلا وطن أو نهوض بالوطنية أو شعور بالمواطنة؟

إن قيام الدولة الوطنية المعاصرة، ونهوض الوطنية الحقة وإحياء المواطنة الأصيلة، كل ذلك يحتاج إلى تفعيل العلاقة الجدلية بين الوطن والوطنية والمواطنة في ضوء ثورة فكرية نهضوية شاملة في البنية التحتية والفوقية للدولة والإنسان من جهة، وفي العديد من المفاهيم والممارسات المتعلقة بالدولة ومنظماتها ومؤسساتها المختلفة بعيدا عن المؤثرات العرقية والطائفية والحزبية التي لا تستقيم مع المفهوم الوطني والقومي والإنساني من جهة أخرى، وإعادة النظر بالرؤى والبرامج السياسية الحالية وفق منظور حضاري وقانوني وتنظيمي جديد لتلافي الفشل والاختراق والتبعية في علاقة الوطن بالوطنية والمواطنة التي همشت طويلاً لضمان قيام دولة وطنية، شريطة عدم الانعزال عن الآخرين، والتقوقع على الذات الضيقة وإهمال التعامل مع الآخرين على حساب أمتنا وبلدنا ودولتنا الوطنية، وهذا يستلزم عدم الفصل بين الوطن والوطنية والمواطنة القائمة على قاعدة أساسها جعل الوطن والإنسان والمصلحة الوطنية قيما عليا لا يمكن المساومة بشأنها أو إهمالها أو تهميشها، وعدم فهم الوطن والوطنية والمواطنة فهما تقليديا أو فهماً سياسياً نخبوياً تذوب فيه الذات الوطنية والمواطنة الصالحة لمصلحة الولاءات الخارجية على حساب الولاءات الوطنية والقومية والإنسانية. فالوطن ليس مجرد دكان يبيع فيه الإنسان الخضروات، وليس مجرد دار يسكنها الإنسان، وليس مجرد أرض زراعية استوطنها وزرعها وأقام دارا عليها، وإنما هو مركز الانتماء القانوني والاحتضان السياسي والثقافي والشعوري والعاطفي الذي أسست على ضوئه الحدود والقوانين والأنظمة والحكومات، وأوجدت الاستحقاقات القانونية التي انبثق عنها الكيان السياسي الذي يسمى (الدولة الوطنية) القائمة على العدل والمساواة والتكافؤ بين المواطنين على اساس عملية التوازن بين الحقوق والواجبات والتعايش السلمي وفق مرتكزات أصلية ومكتسبة تدخل في صياغة الوطن وتميزه عن الأوطان الأخرى وفق خصائص تختلف من حيث التكوين والصيرورة والهوية والانتماء والمصلحة والرابطة التي تربطه مع الأمم الأخرى بحدود وأنظمة واتفاقيات.

هذا المركز القانوني الانتمائي يسمى (الإقليم الجغرافي) للدولة والأمة والشعب الذي يقيم عليه كعائلة أو مجتمع أو قبيلة أو أمة يشعر ابناؤها بالولاء (الوطنية) قيماً ووعياً وشعوراً وانتماءً وحباً تربطه بأرضه وشعبه المواطنة، المصالح والولاء، وله فكر وخصوصية ورمز وهوية. وهنا تبرز العلاقة العضوية بين الوطن والوطنية والمواطنة.

فعندما يكون الوطن مركزاً للانتماء القانوني والسياسي يتحول شعور الفرد فيه إلى وعي وانتماء طوعي وحب تلقائي يشعر فيه أن هناك وطناً يحتضنه ويحن إليه ويعود إليه، وتنشأ له فيه حقوق وتترتب عليه واجبات في البعدين الإنساني والقانوني القائمين على ثنائية العلاقة بين المواطن ووطنه (الوطنية) وما تستوجبه من الحقوق الدستورية والقانونية والإنسانية، كحقوق العيش والمساواة والعدل والأمن والكرامة والحماية والتعبير وواجبات الدفاع والالتزام بالمسؤولية والولاء وحب الوطن (المواطنة). وتتم العلاقة بين الوطن والوطنية من خلال عوامل الاعتراف والدفاع والولاء المتبادل بين المواطنين والوطن ضمن منظومة متوازنة وعادلة بين الحقوق والواجبات تنتج عنها ما يسمى بمبدأ (المواطنة) الذي هو حق ثابت من حقوق المواطن السياسية والاجتماعية بين الدولة ورعاياها في ذلك الوطن، ومبدأ المواطنة حصيلة حتمية كمركز الانتماء القانوني والسياسي للوطن ،ومفهوم يقوم عليه مبدأ المشاركة السياسية في تعميق العضوية الكاملة بين الفرد والدولة لتحدد مقومات وطنية الفرد التي تتجسد في الدفاع عن الوطن لما يمنحه من حقوق وواجبات من أهمها حق التصويت والترشيح وتولي المناصب في الدولة التي تعتبر من أهم مستلزمات الانتماء للدولة كوحدة سياسية متكاملة تتألف من وطن (إقليم جغرافي) وأمة (شعب) ونظام وسلطة (دولة).

ومثل هذه المستلزمات تفرض حقوقا وتستلزم واجبات متكاملة لا تعرف الفصل من هذه العلاقة المسماة بالمواطنة، أن المواطنة المتأتية من الانتساب والانتماء الطبقي للوطن هي حق إنساني لا يمكن مصادرته، فهي ليست هبة من احد ليحق له سحبها أو مصادرتها وفق الأهواء والأمزجة القائمة على أساس القيم العنصرية والمذهبية والحزبية، ومن خلال الترابط بين الوطن والوطنية والمواطنة تنشأ الدولة الوطنية التي تؤسس حدودها الوطنية وأنظمتها الداخلية ودستورها وحكومتها على أسس راسخة تعمل على إيجاد هوية واضحة وانتماء محدد لا مجال لتجاوزه لانتماءات أخرى تبعية بأي شكل من الأشكال.

إن الدعوة لإيجاد مفاهيم ومبادئ وطنية تعمل على تعميق العلاقة بين الوطن والوطنية والمواطنة، يجب أن لا تستغل من قبل البعض بدعوى الانعزال والتشدد على الذات الوطنية، وإنما أراها دعوة لتطوير الوعي الوطني لبناء الذات الوطنية من أجل التكامل والتفاعل مع ذوات الآخرين على المستوى القومي والإنساني والأممي مع رفض التبعية بأي شكل من الأشكال السياسية والثقافية والدينية لهذا البلد او ذاك، وعلى حساب ذاتنا الوطنية والقومية. وخلاصة القول وطن بلا مواطنة ووطنية مثل (السمج بالماي يا هو اليجي يصيده).
صفحة 9
(7)التعايش الإنساني

روي في كتب السيرة النبوية أن الرسول (ص) أقام في بني سعد حتى الخامسة من عمره، ترضعه (حليمة) من بني سعد بن بكر بنت أبي ذؤيب بن عبد الله بن الحارث، وقد من على ابنتها (الشيماء) أن كانت في حملة أسر مع بني هوازن بعد حصار الطائف، فلما جيء بها إلى الرسول (ص) عرفها وأكرمها وردها إلى أهلها بعد أن بسط لها رداءه وأجلسها عليه رعاية لحقها ولحق أمها. (سيرة ابن هشام 1 / 170 وما بعدها).

وفق هذا المنظور الإنساني الشامل كان الرسول (ص) يتعامل ويعايش الناس في كل المناسبات العامة والخاصة، وفي كل الظروف والبيئات، في حالة الحرب والسلم، داخل مكة وخارجها، قبل الهجرة وبعدها، لأنه يرى أن الناس حين يتوادون ويتراحمون ويتحدون يرفع من بينهم الظلم والعدوان، ولا يستطيع الطغاة المستبدون استعبادهم واستغلالهم للمصالح الشخصية والفئوية والحزبية والقبلية.

إن جوهر التعايش الإنساني يقود الأمة إلى تحقيق الفضيلة ومكارم الأخلاق ونبذ الأنانية والتمسك بالمثل العليا والخلق العالي والتعاون على البر والتقوى والارتباط بقيم السماء ارتباط الحب والرجاء والأمل.

إن التطلع إلى المثل العليا والتعايش الإنساني والتمسك بالسلوك الفردي والاجتماعي الفاضل يحصن الأمة ضد الخوف والتردد والاستعلاء والبغي، ويقودها إلى التوحد بدل الفرقة والفتنة، ويربط أبناء الشعب بعضهم إلى بعض برباط الحب والتعاون والرجاء والمصير المشترك بدل التفكك والتفتت والانزواء.

إن في سلوك الرسول (ص) رسالة إنسانية شاملة في الحب والرحمة إلى الإنسانية والبشرية كافة من دون التفريق بين النوع والجنس واللون والدين بخلاف ما نراه اليوم من استعلاء مذهبي وغرور وظيفي، واحتكار سلطوي، واستغلال في الثراء، وتسلط في السلطة، وتمزق في العلاقة بين القاعدة والقيادة، وخلق طبقة ارستقراطية وظيفية سخرت (القريب) لخدمتها وفائدتها، وهمشت (البعيد) لانتقامها وثأرها، والسبب في ذلك يعود إلى طبيعة الجهل الذي يغرق فيه عدد كبير ممن لا يفقه أسلوب التعامل مع الناس. أقول إن الانتساب إلى الدولة ليس كافياً... وإن الانتساب إلى الطائفة أو المذهب ليس كافياً... وإن الاحتماء بالغير ليس كافياً.. وإنما المهم هو الانتساب إلى الأمة والوطن والشعب والضمير الإنساني الرسائلي الذي جاءت به الرسالة المحمدية للإنسانية كافة.

المهم أن يكون الانتساب إنسانياً يحتضن الجميع، فالانتساب الجيد كالغذاء الجيد، والغذاء الجيد تختلف حصيلته بين البقرة والغزال، وبين الثعبان والنحلة، وقديماً قال السيد المسيح (ع): "إن الناس معادن فمنهم النحاس ومنهم الفضة أو الذهب". كما قال افلاطون: "إن الناس معادن فمنهم النحاس والفضة والذهب". واليوم وبعد مرور سبعة أعوام على الاحتلال الأميركي للعراق، ما أحوجنا في هذا العالم المضطرب الذي قسمت فيه البشرية إلى معسكرات متقاتلة بين المذاهب والعقائد والقوميات أن نسعى إلى وحدة الأمة من أجل القضاء على التفكك والعصبية والفرقة، والتمسك بالنظر إلى الخصم وكأنه صديق، لأن ذلك قمة الانصاف والثورة والانقلاب على الذات، ومن يسلك ذلك فإنما يشهد لنفسه بالفضل وحسن الرأي حين يعطي لذي الحق حقه مهما اشتجر الخلاف.. علينا أن ننصف الناس بالحق كما أنصف الرسول (ص) (الشيماء) بعد حصار الطائف لأنه كان رسالة ورسولاً وأمة ودولة ونظرية وتطبيقاً. ولتكن لنا جميعا أمة ودولة ورسالة أسوة حسنة بالرسول العظيم محمد (ص) قائد ورسول الإنسانية كافة. "أحبوا بعضكم بعضا فالإسلام دين المحبة. والناس عيال الله وعيبته، وليس هناك أحد أغير من الله، ولا تخاطبوني كما يخاطب المسيحيون أنبياءهم... ادعوني فقط: يا عبد الله ورسوله". صدق رسول الله (ص).
صفحة 10
(8)التعددية بين ديمقراطية الأحزاب وأحزاب الديمقراطية

أمامي قائمة تصنيف القوى السياسية والشخصيات الموجودة الآن على الساحة العراقية، تمثل التيار القومي العربي، والقوميين المستقلين، والتيار القومي الكردي، والتيار الديمقراطي والتيار الإسلامي (الشيعي والسني) والمجموعة العسكرية، والعشائر العربية والكردية ،وبعض الشخصيات الوطنية وشيوخ العشائر. ونحن لا نستغرب هذه (التعددية) المتمثلة بالأحزاب (الدينية والعلمانية) وإنما نستغرب أمرين أحدهما أن ما حدث في العراق لم يحدث له مثيل في التاريخ القديم والحديث، فانهيار أي نظام حكم لا بد له من بديل يحل محله، والأشد غرابة في الأمر الثاني غياب المنهجية، والتوافق الذي شهدته هذه (التعددية) في وضع مشروع أو ميثاق توليفي يحل محل النظام السابق رغم اجتماعات صلاح الدين ولندن والناصرية وبغداد سابقا والاجتماعات الثنائية والثلاثية والسباعية حالياً.

ما حصل في غزو العراق واحتلاله في التاسع من نيسان 2003 ورغم ظاهرة التنوع السياسي (الخارجي والداخلي) التي تعتبر من مصادر القوة ورفض التسلط والانفرادية السياسية، فإن هذه التعددية فقدت قوتها بين صراع فوضى ديمقراطية الأحزاب وأحزاب الديمقراطية. وبقيت الأحزاب أسيرة هذا الصراع الذي يفور مرة ويخفت أخرى. ولأهمية التعددية رغم هذه الصراعات الساخنة، فإنها تعتبر الأساس في بناء المجتمع الديمقراطي المتحضر الذي يتسم بالتطور الاجتماعي والازدهار الاقتصادي. ولكي يعرف القارئ الكريم أهمية هذه التعددية لا بد له أن يعرف العلاقة الجدلية بين التعددية الحزبية وديمقراطية الأحزاب واحزاب الديمقراطية خصوصاً في مرحلة ما بعد احتلال العراق.

إن الأحزاب السياسية وسيلة من وسائل التطور الاجتماعي والاقتصادي والحضاري حيث أنها تنقل الأفكار المهنية من المستوى التلقائي النظري (الممارسة) إلى مستوى الفهم الموضوعي العملي (التطبيق) لتنظيم العلاقات الخاصة والعامة وفق منطلقات أيديولوجية واضحة لها علاقة بالفرد والمجتمع والأمة، ولم يعرف العالم سابقا الأحزاب السياسية بالمفهوم المعاصر، وإنما كانت هناك نوادٍ ثقافية وجمعيات فكرية ومنتديات أدبية ذات اتجاهات مختلفة تعبر عن الرأي العام الشعبي. غير أن هذه النوادي والجمعيات والمنتديات تحولت إلى حركات وأحزاب تنظيمية في منتصف القرن التاسع عشر، فكانت هناك الأحزاب التقدمية والرجعية والقومية والإقليمية والدينية والاشتراكية والبرجوازية واليسارية ،وأصبح من الضروري أن تتحول التلقائية الحزبية إلى واقعية حزبية تتوافر فيها شروط التكوين التنظيمي ليحتل موقعه في عملية التغيير والبناء وترسيخ أحزاب الديمقراطية، فهل توافرت الموضوعية والضوابط التنظيمية في أحزاب ما بعد احتلال العراق؟

لكي تتوافر الموضوعية والضوابط التنظيمية لكل حزب أو تنظيم يجب أولاً، أن يتوافر لكل حزب دليل نظري (وجود أيديولوجية) يمثل التصور الشامل لأهدافه ومبادئه ويحدد البنية التنظيمية والسياق النظري والتطبيقي له. وثانياً، (الوجود الجماهيري) الذي يعتبر شرطاً رئيساً لوجود ذلك الدليل الذي يحدد الدور الأساس في استيعاب مبادئ تلك النظرية وأهدافها، غير أن هذا الوجود الجماهيري يتحول إلى فوضى واطياف سياسية متناقضة تتفجر من خلالها المصالح الشخصية والتنافس السلبي إذا لم توجد قيادات واعية تتفاعل تفاعلاً جدلياً مع المشاريع والبرامج والمواثيق السياسية التي تطرحها الأحزاب لتحقيق طموحات الشعب.

وثالثاً، (الشكل التنظيمي) الذي ينقل الإطار النظري إلى المضمون التطبيقي، بعيداً عن الأخطار المصلحية والاستفزاز السياسي الحزبي الذي يؤدي إلى رد فعل قوي يقود إلى العدوان على الآخرين، وهذا لا يتم إلّا من خلال التفاعل الجدلي الجاد والإيمان المطلق ببرامج تلك الأحزاب والمنظمات والحركات التي تطالب بحقوق الشعب ومن أهمها حق (الديمقراطية) الذي نادى به كل الكتاب والمفكرين والمثقفين والسياسيين منذ فجر النهضة العربية حتى الآن فما هي الديمقراطية؟ وما هي العلاقة بين ديمقراطية الأحزاب واحزاب الديمقراطية؟

وهل الممارسات التي تقوم بها الأطياف والأحزاب السياسية التي بلغت أكثر من مائة طيف، هي شكل من أشكال التعددية السياسية التي تمد المجتمع بالصحة والعافية، أم هي عامل تعطيل لقدراته وشل حركاته؟

الديمقراطية كلمة يونانية قديمة تتكون من شقين (Demos) أي الشعب، و( Cratuse ) أي الحكم والسلطة، والديمقراطية تعني (حكم الشعب أو السلطة) وللديمقراطية عدة مصطلحات كالديمقراطية السياسية التي تعني تمتع المواطنين بحق الاقتراع السري العام، والديمقراطية الاجتماعية وتعني العدالة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين من دون تفرقة، والديمقراطية الشعبية التي هي امتداد سياسي يطلق على النظم الشيوعية التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية كما هو في الاتحاد السوفياتي (سابقاً) والصين وكوريا الشمالية وفيتنام الشمالية مع اختلافات محلية عديدة إضافة إلى المسميات الأخرى كالديمقراطية المباشرة وغير المباشرة وشبه المباشرة. وأيا كان شكل الديمقراطية فهي المذهب الليبرالي والمذهب الاشتراكي.

فأي نوع من الديمقراطية والأحزاب ظهر على الساحة العراقية بعد احتلال العراق؟ ما بعد احتلال العراق ترددت خطابات سياسية غريبة، وشاعت شعارات حزبية مختلفة من شتى الانتماءات الوطنية والقومية والمذهبية تحمل الكثير من الأفكار والتطلعات والهموم والآمال من جهة، ولكنها تعبر عن طموحات يتوهم فيها هذا الطرف بأنه أحق من الطرف الآخر بامتلاك السلطة من جهة أخرى، وتحولت هذه التطلعات والطموحات إلى فوضى في حرية تشكيل الأحزاب وممارسة الديمقراطية، فشاعت ديمقراطية احزاب الاستيلاء على الدوائر العامة ومؤسسات الدولة الرسمية وشبه الرسمية، وإشغال دور المواطنين رغم فتاوى المرجعيات الدينية، لتكون مقراً لهذا الحزب أو تلك المنظمة من دون أن تكون لمعظم هذه الأحزاب والحركات والجمعيات أنظمة أو منهجية واضحة، أو ميثاق مبرمج يحدد الأهداف والمبادئ باستثناء بعض الأحزاب الدينية والعلمانية ذات التاريخ النضالي الطويل، ويطلق على هذه الخطابات والشعارات السياسية والنشاطات التلقائية فوضى حرية (ديمقراطية الأحزاب) ومن مميزات هذا النوع من الديمقراطية ما يلي:-