eKtab
EN ع
غرفة أبي
اقرأ عينة مجانية

غرفة أبي

بقلم عبده وازن

صفحة 1

غرفة أبي

كنت أتصفّح دفاتري القديمة التي اعتدت العودة إليها مرّات في العام، مسترجعا ذكريات لعلها الأحبّ إليّ، عندما وقعت على أوراق صفر كنت كتبت عليها، أيام المدرسة، قصائد قصيرة بخطّ واهٍ، هو خطّ الطفل الذي كنته. لا أدري لماذا احتفظت بهذه القصائد، ولم أرمها مثلما فعلت بأوراق كثيرة كنت أخبّئها حرصاً على لحظات جميلة من ماضٍ لم يكن كلّه سعيدا. كتبتُ هذه القصائد، على ما أذكر، غداة رحيل أبـي، بعضها بالفصحى الركيكة وبعضٌ منها بالعامية، ولم أضع لها عناوين، وكأنّ وفاة الأب هي عنوانها الخفيّ. رحت أقلّب القصائد هذه، البريئة والمشبعة بحزن طفولي، لكنني عوضاً من أن أبتسم كما كان يحلو لي دوماً عند قراءتها، شعرت بحال من الحيرة والاضطراب، وسألت نفسي: متى توفّي أبـي؟ هل يمكنني أن أنسى متى رحل أبـي إلى الأبد؟ لم تكن القصائد تحمل تاريخا يدلّ على عام الوفاة ولا على الشهر واليوم.

لا أعلم لماذا ألمّ بـي هذا الاضطراب المفاجئ. وعندما أعدت القصائد إلى الدفاتر وخبّأتها في الدرج الذي كانت ترقد فيه سألت نفسي: لماذا أصرّ على نسيان تاريخ وفاة أبـي؟ هل ثمة ما أخشاه في تاريخ وفاته؟. لم أستطع فعلاً أن أتذكّر متى توفّي. أذكر فقط أنّه لفظ أنفاسه عند الغروب. ولكن متى؟ لا أعرف. وعندما ألحّ عليّ الأمر، توجّهت نحو الخزانة الصغيرة التي أحتفظ فيها بالأوراق الرسمية، مع أنني كنت على يقين أنّ ليس من سجلّ بين هذه الاوراق يدل على هذا التاريخ. كان ممكناً، في وطأة هذا الإلحاح الذي انتابني، أن أتصل بأمي وأسألها، لكنني أعلم أنها ما عادت تذكر السنة ولا الشهر، فالأشهر في حسبانها تؤرّخ بدورة الفصول، وتعلم أمّي أن زوجها مات في آخر الشتاء. وتعلم جيداً أنّه مات في ريعان الشباب، وأنّ كان له من العمر ثمانية وأربعون عاماً وأنّ البلدة كلّها بكت على شبابه. وكانت تقول لي إنني كان لي من العمر عشرة أعوام. ولكن سرعان ما تذكّرت أنني قرأت يوماً تاريخ ولادته بالعام، وتاريخ وفاته باليوم والشهر والعام، على ورقة خضراء قديمة تميل إلى البهتان وهي عبارة عن "إخراج قيد" كما يقال، وقد شطب اسم أبـي بحبر أحمر. أذكر الآن جيداً هذه الورقة وكيف حلّت بـي الحيرة عندما شاهدت للمرّة الأولى ذلك الخط الأحمر فوق اسم أبـي، ثم علمت لاحقاً من عمّي أنّ مَن يتوفّى يُشطب اسمه من سجّل العائلة. لكنّ الاسم بقي وإن مرّ عليه هذا الخطّ الأحمر الذي قد يكون خط القدر. تذكّرت أيضاً أن هذه الورقة اختفت وأنني سألت عنها أمّي مرة، ولم تكن تعلم مَن أخذها. كانت تقول لي إنها استخرجت هذا "القيد" لأمر يتعلّق بالإرث... وكان لكلمة "قيد" وقع في أذنيّ مستغرب: أيموت الإنسان مقيداً؟ لا أعلم متى لفتتني هذه الكلمة ولا في أيّ آونة من طفولتي. غير أنني ما زلت أذكر وقعها المريب عليّ.

لم يمضِ يوم حتى ذهبت إلى منـزل أمّي، منـزلنا الذي نشأت فيه وعشت أعواماً. لم أذهب إلى مقبرة أبـي لأقرأ تاريخ وفاته على شاهدة المقبرة، كما فعل صموئيل بيكيت أو راويه، في كتاب "حب أول" الذي كنت قرأته، ياللمصادفة، قبل أيام. يقصد الراوي الذي هو بيكيت ربما، قبر أبيه بحثاً عن تاريخ وفاته، تاريخ وفاته تحديداً، لا تاريخ ولادته الذي يقول إنه لا يعنيه. كان عليه أن ينـزع القشرة الرقيقة التي ترسبت على شاهدة القبر ليبصر الأحرف والأرقام... لكنّه ما لبث أن عاد إلى المقبرة بعد أيام ليدوّن تاريخ ولادة أبيه، بغية معرفة العمر الذي توفي فيه، فتاريخ الموت لا بدّ له من أن يُرفق بتاريخ الولادة. لم أقصد قبر أبـي لأقرأ تاريخ موته على "الشاهدة"، فمعظم المقابر في بلدتنا تفتقد إلى "الشواهد"، تلك اللوحات الرخام التي يُحفر عليها اسم الميت وتاريخ ولادته ورحيله. تحمل رخامة المقبرة اسم العائلة فقط، أما الموتى الذي يحلّون "ضيوفا"ً عليها فتغيب أسماؤهم، وحتى هياكلهم العظم، لا تبقى طويلاً هناك، فهي تُجمع وتُلقى في بئر المقبرة ليتسنى للعائلة دفن موتاها الآخرين.

ذهبت إذاً إلى منـزلنا، منـزل أمّي، عساي أجد هذا "القيد" الأخضر القديم فأقرأ فيه تاريخ وفاة أبـي، ولم أكن أعلم تماماً لماذا ألحّ عليّ هذا الأمر. توجّهت فوراً إلى الخزانة في غرفة أبـي، هذه الغرفة التي ما لبثنا نسمّيها باسمه على رغم غيابه الذي جاوز الأربعين عاماً. فتحت الدرفة ووجدت العلبة الخشب في مكانها الذي لم تبارحه منذ سنوات. أخرجت العلبة المملوءة صوراً وأوراقاً وصكوكاً وفتحتها. رائحتها ما زالت هي نفسها منذ سنوات. رائحة خشب ممزوجة بما يشبه رائحة النفتالين. لم تسألني أمي لماذا أفتح العلبة التي كدت أن أنساها ولم أعد أعيرها انتباهاً كما في السابق. بل لعلّها استغربت إقدامي على بعثرة الصور والأوراق التي في داخلها. كانت هذه العلبة الجميلة، المنقوشة والمطعّمة بحبيبات من عاج، علبة "الذكريات" في نظرها. كلّ صور العائلة ترقد هنا، وبينها صور أبـي وهي قليلة وبعضها يضمّه مع أمّي في الأعوام الأولى من زواجهما. وهذه كانت الأجمل لأنها تخفي زمناً لم نعرفه نحن، أبناء العائلة، وكانت أمّي كلما شاهدتها، تغمض عينيها وتتذكر ثم تخبرنا قصص تلك الصور. لكنّ العلبة لم تخل من صور جمعتنا أطفالاً مع أمي وأبـي، وكلّ واحدة منها تروي حكاية أو مشهداً عائلياً. كانت الصور كثيرة في العلبة، علاوة على الأوراق الرسمية، وكانت أمي أضافت إلى الصور القديمة أخرى جديدة وبعضها جديد جداً، لأحفادها الذين غلبت الفتيات عليهم.

صفحة 2

وجدت نفسي عاجزاً عن البحث في هذا الكم من الصور، فقرّرت أن أحمل العلبة معي فأتفرّغ لها بهدوء. كانت العلبة كنـز أمي وذاكرتها و"شريط" ماضيها، وعندما أبصرتني أحملها رفعت صوتها شبه متذمرة، لكنها سرعان ما قالت لي: انتبه عليها وأعدها غداً. بدت رائحة العلبة كأنها لم تفارقني. وعندما شممتها تذكّرت للحين أياماً مضت. الرائحة تلك، رائحة الخشب والصور مشبعة برائحة النفتالين، كانت تهبّ علينا في أول الشتاء، عندما تفتح أمّي السجّاد وتفرشه. كنّا نشاهد تلك الحبّات البيضاء التي تخبئها داخل السجادات قبل أن تلفّها لتحفظها من الحشرات. رائحة النفتالين هذه التي كانت تملأ الخزانة أيضاً صنعت قدْراً من ذاكرتنا الأولى، ذاكرة البيت، ذاكرة غرفة النوم والأغطية الشتوية. وما أحلاها رائحة كانت. ولا أعلم حتى الآن كيف كانت هذه الرائحة تنسلّ إلى علبة الصور فتمكث فيها ولا تغادرها.

لا أعلم إن كنت أكتب إليك رسالة، أيها الأب، لكنني جالس إلى طاولتي وعلبة الصور بالقرب منّي، هذه العلبة التي أصررت ألا أفتحها منذ أعوام، أقلب الآن صورها وكأنني أشاهد شريطاً بالأبيض والأسود. معظم صورك بالأسود والأبيض، بل كلّها على ما أظن. كأنّ زمنك هو زمن الأسود والأبيض، الزمن العاري أو المكشوف، الذي لا يخادع ولا يحابـي. كنت أحمل الصور تلك وألوّنها، أضفي عليها ألواناً كما يحلو لي. أتخيل لوناً لقميصك ولوناً للسترة وآخر للبنطلون. كنت أتخيل ألواناً للمشهد كلّه، للشارع، للرصيف، للواجهات التي في الخلف، للناس العابرين الذين يظهرون أحياناً... كنت أتخيل لون وجهك وعينيك... وكذلك ألوان فستان أمي، زوجتك... هذا ما يمنح الأسود والأبيض سحره ياأبـي. صور تفتح نافذة المخيلة فتروح تلوّن المنظر كما تشاء، تلون العالم كما تحبه أن يكون. ناهيك بجمالية هذا الأسود والأبيض، هذين اللونين المتنافرين اللذين يمتزجان امتزاجاً سحرياً فيتناغمان خالقين لوناً ثالثاً لا هو بالأسود ولا هو بالأبيض. كان يتهيّأ لي دوماً أن "الأبيض والأسود" هو الذي يليق بك، عندما لوّنوا مرّة صورة لك، بدوت غريباً ياأبـي. المصوّر الذي أنجز هذه المهمة لم يفقه سرّك، أضفى عليك ألواناً لم تكن تليق بك ولا تعبّر عن مشاعرك، في تلك اللحظة التي وقفت فيها أمام الكاميرا. كان هذا المصوّر الأرمني يأخذ الصور بالأسود والأبيض ثم يردّها بالألوان. وكم كانت مضحكة. ما قدّر بالأسود والأبيض لا يمكن تزييفه بالألوان. لم يكن لوناً الأسود والأبيض، كان قدراً. إنّه اللون الذي لا لون له، ليس هو بالأبيض ولا هو بالأسود بل هو كلاهما معاً، وكلاهما منفصلين.

ليس ما أكتبه رسالة إليك، فأنا أعرف جيداً أنّك لن تقرأها ليس لأنك لم تكن تجيد القراءة، مثل أمي، بل لأنها لن تصلك. هل يكتب امرؤ رسالة إلى شخص يعرف أنها لن تصله؟ ولكن ها آنذا أكتب إليك، لا أدري لماذا، ها آنذا أخاطبك وكأنّك شبح مثلك مثل والد هاملت. هل ما أكتبه هو ممّا يسمى "مونولوغ" أم أنني أخاطبك حقاً؟ لا أدري، أيها الأب. كأنني أكتب لنفسي، كأنني أنا الابن والأب. لا أكتب إليك لأجعل منك شبحاً أو طيفاً أخاطبه كما يحسن لي، فأنت شبح وأجمل الكلام ربّما هو الكلام إلى شبح. ولا أخفيك أنّك لو كنت حياً لكتبت لك رسالة أخرى، لقلت لك كلاماً آخر لا أعرف الآن ما هو. فالكلام إلى رجل حيّ ليس الكلام نفسه إلى رجل ميت. كنت أود أن أسألك ماذا تريد أن أكتب إليك، ماذا تريد أن أروي لك، أنت الغائب! ربما كان الأحرى بـي أن أكتب إلى أمّي، لأنها حية ولأنها لن تقرأ ما سأكتبه إليك. أنتما الآن سواء، هي لا تقرأ وأنت لم تبق قادراً على القراءة. ولا أخفيك أيها الأب أنني أكره كتابة الرسائل وقراءتها. لا أدري لماذا. لكنني، مع كرهي هذا، أكتب إليك. نادراً ما كتبت رسائل. لم أتقن يوماً كتابة هذا النوع من النصوص. كنت كلّما سعيت إلى كتابة رسالة إلى فتاة أحبّها، أشعر أنني أكتب ما يشبه الاعتراف المشوب بالبوح. وهذا أكره ما أكره. أشعر أن الرسالة تحمل ملمحاً قدرياً والقدر هو ما عملت طوال حياتي على الهروب منه لا مواجهته. ليصنع القدر نفسه. أما الرسائل القليلة جداً التي كتبتها فكانت خلواً من أي اعتراف أو عواطف. رسائل مختصرة لا تكاد تقول إلا القليل وربّما أقلّ ما يمكن قوله. الرسالة ليست أيضاً طريقة لكسر العزلة التي كثيراً ما عرفتها. العزلة لا تكسرها رسالة مهما أكبّ الشخص على الكتابة متوهّماً أن الآخر الذي يخاطبه هو أمامه أو إلى جانبه. مع ذلك أكتب إليك، لا أعلم لماذا. لكنّ ما أعلمه يقيناً أنني، عندما شرعت في كتابة هذه الرسالة شعرت كأنني أحلم مستيقظاً، الأوراق أمامي، القلم بين أصابعي، أمّا عيناي فسابحتان في سماء متلبّدة. كنت أخاف أن أكتب عن نفسي لا عنك أيها الأب، أن أرسم صورة شخصية أو "بورتريه" كما يقال، لنفسي لا لك، لأنك الغائب ولأنني الحاضر في غيابك لا الغائب في حضورك كما تفترض العلاقة الأزلية بين الأب والابن. لكنني إذ أرسم هذه الصورة الشخصية أجهل مَن هو الرسام ومَن هو الشخص "الموديل". هل أنت الرسام أم أنا؟ هل أنت "الموديل" أم أنا؟

أعترف لك أيها الأب أنني نادراً ما جذبتني هذه "الحرفة" أو لأقل هذا الفن العريق، فن كتابة الرسائل. حتى الرسائل التي أحبّها قليلة جداً وقد تعد على الأصابع. أحببت- أعترف إليك- بضع رسائل كتبها بودلير ورامبو وجبران وريلكه وكيركغارد وفرناندو بيسوا وكافكا وأسماء أخرى لا أذكرها. تشعرني الرسائل بالملل، على خلاف عديد القراء والمبدعين. لا أدري إن كان هذا نقصاً فيَّ أو عيباً. أحببت كثيراً رسائل بيسوا إلى الخطيبة، بدت لي أشبه بالأشراك الحميمة التي راح ينصبها ليتفلت منها هذا الشاعر الذي لم يستطع إلا أن يكون عازباً. أما كافكا فأحببت رسائله إلى فيليس الخطيبة الهاربة التي عجز عن القبض عليها رغبة منه- وربما تواطؤاً مع نفسه- في ألا تأسره. يكتب المرء أجمل رسائل إلى الخطيبة. الخطيبة هي الفتاة الواقفة على حافة حلم قد يتحقق وقد لا، إنها بمثابة نافذة تطل على أيام لا أحد يقدر أن يتوقّعها. إنها أشبه بغيمة صيف تظلّل القلب. فاكلاف هافل كتب أيضاً رسائل جميلة إلى أولغا، زوجته، عندما أدخل السجن. كانت الرسالة حيلته الوحيدة ليكلّمها من هناك، من خلف القضبان. ومن خلف القضبان أيضاً كتب الشاعر عبد اللطيف اللعبـي رسائل مؤثّرة إلى جوسلين، امرأته، طوال عشرة أعوام.

صفحة 3

لا أخفيك، أيها الأب، أنّ رسالة كافكا إلى والده أحدثت فيّ حالاً من القلق، ولعلها هي التي حفزتني على الكتابة إليك، مع أنني كنت أعلم أنني إذا قرّرت كتابة رسالة في يوم ما، فهي ستكون لك، لأنك لن تقرأها. وهذا أجمل ما يمكن أن تحظى به رسالة، ألا يقرأها الشخص الذي وجّهت إليه. وهذا ما حصل فعلاً مع كافكا، فرسالته الشهيرة هذه لم يتسنّ لوالده أن يقرأها. إنها بقيت بلا قارئ، حتى وإن تلقفها قرّاء لا يحصون في العالم. فما دام الوالد لم يقرأها فهي ظلت مجهولة لأنها أصلاً رسالة إليه. تأثرت بهذه الرسالة لكنني لم أسع إلى تقليدها، فكافكا عرف والده عن كثب وعانى الكثير من وطأة الأبوة، وكان، عندما كتبها، يهجس بأمور يريد حسمها مع والده. إنها، إذا شئت، رسالة إدانة، لكنّ كافكا هو الذي يؤدّي فيها شخص "الطاغي" ولو كان أشبه بمتسوّل، كما يعبّر. كان كافكا في التاسعة عشرة عندما قرّر أن يقاضي أباه. أنا أكتب إليك في الثانية والخمسين، أنت الذي غبت في الثامنة والأربعين. ماذا يمكن أن يكتب الابن إلى أب أضحى أصغر منه؟ إنني الآن أكبر منك وسأظل. لكنني عندما أكتب أشعر أنني ابنك الصغير الذي كبر فجأة. لن أقول لك ما قاله كافكا لوالده: "كنت أنسحق بمجرّد وجودك أمامي". أنت لست بموجود، قد تكون روحك هنا أما جسدك فلا. لكنني أنا هنا، بجسدي، جالس إلى طاولتي وأمامي أوراق وأنت أمامي أو ورائي، شبح أخاطبه ولكن مخاطبة الابن لأبيه، الابن الذي بالكاد عرف أباه، الابن الذي لا يخشى أباه لأنه أصبح أكبر منه. كتب كافكا إلى والده ليجيبه على سؤال كثيراً ما عجز عن الإجابة عنه مشافهة ووجهاً لوجه. يقول له: "سألتني أخيراً لماذا أدّعي أنني أخافك"، ثم يضيف: "كالعادة لم أعرف البتة كيف أجيبك". هل كان يعلم كافكا أنّ والده لن يتمكّن من قراءة الرسالة فراح يقاضيه كاشفاً ما يعتمل في داخله من كراهية؟ ما أصعب فعلاً أن يقول الابن لوالده: "غالباً ما كنت أهرب منك باحثاً عن ملجأ في غرفتي، بالقرب من كتبـي، مع رفاق مجانين أو أفكار غريبة". ومع أنّه يعترف بأنّ بينهما حالاً غير سويّة فهو يبرّئه لأنه غير مذنب كما يقول له. لم يسع كافكا إلى تسوية هذه الحال مع أبيه، فهو يعلم جيداً أنه "الابن الضعيف، المضطرب، المتردّد والقلق". ويعترف له أنه كان ليكون سعيداً لو أن الوالد كان بمثابة صديق أو عمّ أو جدّ. كان يحلم بأن يكون والده شخصاً، أيّ شخص، ولكن ليس الوالد. هل يمكن المرء أن يهرب من أبيه؟ هذا ما لم يجب عنه كافكا إلا مداورة، لأنه كان يعلم أن الوالد هو بمثابة القدر الذي يستحيل تخطّيه. هذا الولد الخائف لم يسعفه عناده في التخلّص من ظلّ أبيه.

لا أعلم لماذا جذبتني رسالة كافكا هذه. الأب الذي أسمّيه أبـي لا يشبه البتة والد كافكا. تقول أمّي إنه لم يكن قاسياً كما كان من المفترض على الآباء أن يكونوا. قرأت رسالة كافكا مرّتين، لم أبهر بها مثل نصوصه الأخرى، لكنّها أثرت فيّ. رحت أفتش فيها عن ملامح الأب، هذا الأب الذي أجهله والذي طالما خشيت فكرة حضوره. غياب الأب أصعب من وجود أب تصطدم به أو تحبه أو تحترمه. إنها فكرة الأب، فكرة أب وجِد ولم يوجد. قرأت رسالة كافكا مع أنني أكره قراءة الرسائل وكتابتها. هذا فنّ يدعو إلى الملل، مهما ارتقى به أصحابه. حتى الروايات المكتوبة على طريقة الرسائل ما كانت تجذبني. قرأت "العلاقات الخطرة" فأحببتها وضجرت في الحين عينه، ولولا مديح بودلير لها لما أقدمت على قراءتها. الرسائل تبعث فيَّ السأم. ما أريد أن أقوله للآخر أود أن أبقيه لنفسي. أكره الحوار مع هذا الآخر، وإن كان صديقاً أو حبيبة. الكلام الحقيقي هو الذي لا يقال، وأجمل كلمات يمكن أن تُكتب إلى امرأة تختصرها نظرات تقول كلّ شيء من دون كلمات. الكلام يكذب دوماً، حتى إن كان صادقاً، يكذب. الكلام يعجز دوماً عن قول ما يريد قوله، أو لعله يقصّر في قوله. كان لي صديق يهوى كتابة الرسائل، كان يكتب إلى أشخاص يعرفهم وآخرين لا يعرفهم، لكنه لم يكن يبعث بها إليهم. يكتب الرسائل فقط، يمزّق بعضها ويخفي بعضها في أدراجه. كان يهوى هذا الفنّ، ويتمتع به كفعل بذاته. لا يهمّه لمن يكتب. فالشخص الذي يتوجه إليه لم يكن إلا ذريعة للكتابة. لم يكن ينـزل إلى مكتب البريد ولم تكن تعنيه فكرة الطابع البريدي، على خلاف بضعة أصدقاء كانوا يهوون جمع الطوابع. وهذه هواية لم أفهمها يوماً. ماذا يعني أن يسعى أناس إلى جمع الطوابع وحفظها في مجلدات؟ هذا شغف شبه مرضي. ترى هؤلاء الهواة ينقضون على الطوابع بحماسة أو شراسة يمزّقون الرسائل ويسطون على طوابعها، ثم يحملونها إلى المجلدات لتنام فيها. وكم من هواة دفعوا مالاً كثيراً ليحصلوا على طوابع قديمة.

صفحة 4

في الصغر كنت أحبّ النظر إلى الطابع الملصق على ظرف الرسالة. النظر إليه وليس إزالته عن الظرف. كنت أبصر فيه معالم البلد الذي أتى منه. كنت أشمّ فيه رائحة المدن التي يخفيها في حناياه. أتخيل المسافة التي اجتازها ليصل إلى هنا. كان الطابع بهجة ولو خاطفة. أتخيل حتى الموظف الذي ختمه وساعي البريد الذي حمله إلى الطائرة والطائرة التي نقلته. الطوابع المحلية لم تكن تعنيني. الصور التي تحملها أعرفها جيداً ولا أحتاج إلى أن أكتشفها. أما الطوابع الآتية من الخارج فكانت تشغل مخيّلتي وتبعث فيّ الكثير من الدهشة. وأذكر كيف كانت تجذبني الطوابع الأفريقية الملصقة على ظروف الرسائل التي كانت تبعثها إلينا خالتي من أفريقيا. كنّا نقول أفريقيا ولا نسمّي البلد الذي كانت قد هاجرت إليه. عرفت بعد أعوام أنها كانت في الكونغو، كونغو كنشاسا كما كانت تُسمّى. كنّا ننتظر رسائلها في الأعياد. حتى الورق الذي كانت تكتب عليه كان جميلاً، رقيقاً وذا رائحة عطرة. كنت أُدهش أمام هذه الطوابع، بعضها كان يحمل صورة امرأة سوداء تحمل طفلاً وبعضها صورة الزعيم بعصاه. لم نكن نحتفظ بالطوابع بل بالرسائل، كان ابن الجيران يستولي عليها بفرح. هذا الفتى المولع بالطوابع، كان ينتظر ساعي البريد الذي كان يؤمّ حيّنا مرّة في الأسبوع حاملاً الرسائل ومعظمها كان يأتي من البرازيل وفنـزويلا وأفريقيا... كان ساعي البريد هذا يأتي مشياً في أحيان وعلى درّاجته الهوائية السوداء في أحيان. كان شخصاً ودوداً، شديد اللطافة، لا تفارق الابتسامة وجهه. عندما كان يأتي سائراً، كان يستريح قليلاً في البيوت المتاخمة للطريق. كانت أمي كلما رأته دعته ليجلس قليلاً عند مدخل بيتنا، تأتيه بالإبريق فيشرب ثم يمسح فمه ووجهه بمحرمة يضعها في جيبه. وكان يدخل في أحيان ليغسل وجهه من العرق. وكانت تتدلى على كتفه جعبة ملأى بالظروف والرسائل. ولم يكن يخطئ بالعناوين مع أن البيوت لم تكن مرقّمة ولا الأحياء منتظمة بل كانت متداخلة عشوائياً. وعندما يصل كان الحيّ يعرف بقدومه للفور، فتأتي النسوة إليه سائلات عن رسائل إلى عائلاتهنّ. فالنسوة كنّ يمكثن طوال النهار في البيوت. كان صديقي، جامع الطوابع، يرافقه خلال الصيف في تطوافه في الأحياء القريبة، متصيّداً الطوابع من الناس الذين تصلهم الرسائل، وكان في مرات يلحّ على بعضهم ويرجوهم أن يعطوه الطوابع، وكانت قلّة تتمنع مؤثرة أن تحتفظ بالرسائل كما وصلت. وبات هذا الفتى على صداقة مع ساعي البريد، يهدي إليه فاكهة وعصيراً قبل أن ينطلق برفقته، وكان هو يخبّئ له طوابع يتخلى بعضهم عنها غير مبالين بها. أما عندما كان يأتي الساعي على درّاجته السوداء الكبيرة، فكنا نتحلق حوله، نحن صبية الحيّ، ننفخ البوق الأسود ونشدّ الفرامل العليا بأيدينا. ونحرس الدراجة عندما يقصد بضعة منازل ليوزّع عليها البريد.

ما كان أجمل صورة ساعي البريد هذا، شخص يجوب الأزقة مشياً أو على درّاجة، حاملاً إلى الناس رسائل تُفرحهم أو تُحزنهم. كنت أحبّ اسمه بالعامية الذي كنا نناديه به: "البوسطجي" وعلمت في ما بعد أنّه أجنبيّ أصلاً. لكنني أحببت كثيراً الاسم بالعربية الفصحى: "ساعي البريد" ولا أعلم كيف وضع هذا اللقب أو هذه الكنية، مع أن "الساعي" يعني العامل والجابـي... كم أحببت شخص البوسطجي، هذا الساحر بإطلالته، الحامل البشرى أو الخبر المشؤوم. كانت طرقات البوسطجي على الباب تترجّع في قلوب أهل البيت: ها قد أتت رسالة من هنالك، من وراء البحر أو من خلف الأفق، من البعيد الذي كان حينذاك بعيداً جداً. لم تكن الرسالة تنفصل عن هاجس السفر، فهي تعني أولاً أنها آتية من المهجر، حاملة الكثير من الشوق والحنين. الرسالة الآتية من قلب البلاد لم يكن لها بريق الرسالة الأخرى. الرسالة إما أن تأتي من الخارج وإما لا تكون. المهجر هو الذي كان يضفي على الرسالة وهجها وعلى البوسطجي سرّه الجميل. أذكر أيضاً أنّ البوسطجي كان يحمل برقيات ولم أكن أفهم ما تعني هذه الرسائل الصغيرة المطبوعة بأحرف سوداء.

عندما شاهدت فيلم "البوسطجي" أو "إل بوستينو" أبهرتني شخصية البوسطجي فيه أكثر من شخصية الشاعر التشيلي المنفيّ بابلو نيرودا. شعرت أن البوسطجي هو الشاعر ببساطته المشرقة، وعفويته وحبه وعندما اكتشف مفهوم "المجاز" كما لقّنه إياه نيرودا راح يستخدمه بألق شديد. بعدما شاهدت الفيلم اشتريت الرواية، لكنّ سحر السينما خفّف من حماستي إزاء الرواية المكتوبة مع أنها جميلة أيضاً. أحببت كثيراً عنوان فيلم لا أتذكره جيداً لكنني لا أنسى عنوانه الذي ما زال يثير فيّ حالاً من الفتنة الملغزة: "البوسطجي لا يدق الباب مرّتين"... كم مصيب هذا العنوان. إذا طرق البوسطجي الباب ولم يردّ عليه أحد يكون القدر هو الذي رمى نرده. ستظل الرسالة مغلقة ولن يفتحها أحد أو يقرأها. ستنام في أدراج القدر.

صفحة 5

كنت كلّما صادفتني شخصية البوسطجي في رواية أو قصة أقف أمامها طويلاً وأعاود القراءة مستعيداً ذكرى الزمن الذي ولّى، الزمن الجميل، الذي كنت وما زلت أسمّيه زمن الأب. لطالما سررت بما كتب يحيى حقي وإبراهيم أصلان وسواهما عن هذا البوسطجي الذي غاب وانطوت معه حكاياته البديعة. الآن ما عدنا نبصر بوسطجياً، وأبوابنا ما عادت تطرقها يد. موظف البريد بات يتصل بنا لنذهب إلى المكتب ونتسلم الرسائل التي باتت نادرة جداً. أما ما يصلنا إلى البيت فهو بريد عملي: فواتير وإيصالات وهلمّ جراً. الرسائل الآن صارت تصلنا عبر البريد الالكتروني الذي غزا الكون، هذا الكون الذي بات يوصف بـ "القرية العالمية"، وما أبشعها "قرية" وما أبشع هذه الرسائل التي نقرأها على الشاشة الفضية من دون أن نلمسها ونتحسّس دفئها ونشمّ حبرها. ما كان أجمل زمنك أيها البوسطجي.

لا أدري أيها الأب إن كنت أكتب إليك رسالة، أقول مرّة أخرى وأخرى من شدّة حيرتي. إنني أكتب بالقلم وعلى أوراق بيض. شئت أن أكتبها هذه الرسالة بالحبر، مع أن جهاز الكومبيوتر على الطاولة وبتّ أكتب عليه مجبراً أو مكرهاً، فأنا رغماً عني أصبحت ابن هذا العصر البشع، عصر الأبناء، عصر الابن الذي هو أنا، عصر الأحفاد الذين سيأتون. لكنها البشاعة الخادعة التي تجعلنا نحبّها ونعجب بها، مع أننا نعلم تماماً أنها خلو من الروح والصفاء والسحر. لم نعد نعلم أيها الأب ما هو الجمال. عصرنا شوّه مفهوم الجمال. حتى جمال القبح لم يبق جميلاً. حتى القباحة لم تبق قباحة. لم نبقَ قادرين على التمييز بين ما هو جميل وما هو قبيح. لقد اختلط الجمال بالقبح وكادا يصبحان حالاً واحدة. لم يبقَ من خيط يفصل بينهما. هذا ما يحصل في عصرنا أيها الأب، عصر الأبناء. بات الجمال مثاراً للشك مثله مثل القبح. صرنا نخاف على الجمال من الجمال نفسه. في عصركم كان كلّ شيء أجمل. كلّ شيء. هل أقول هذا لأن عصركم أمسى ضرباً من الذكرى؟ إلا أنّ الذكرى أجمل دوماً من الحاضر مهما كانت حزينة. كان كلّ شيء أجمل في عصركم، هذا العصر الذي لا يقاس بالسنين، الذي يقاس بالعواطف، بالمشاعر والأحاسيس الصغيرة. عصركم الذي ولّى. عصركم الذي يولّي أكثر فأكثر. حتى الصابون كانت له رائحة أجمل: هكذا تقول فيروز في أغنيتها. حتى الليمون والزيتون... حتى عينا الحبيب. ما آلم هذه الأغنية التي ترثي فيها فيروز عصركم: راحوا. أجل رحتم وراح معكم كلّ شيء جميل. لا أعلم إن كنت أبالغ ياأبـي، لكنّ هذا ما أحسّه فعلاً. حتى الحبّ الذي كنت أحبّه كان أجمل. هل أبالغ؟ حتى الوجوه. حتى الصور. حتى الشوارع. حتى الأرصفة. حتى البحر. الشواطئ. السطوح. الأحراج... هل لأننا نتذكر؟ هل لأن الجمال الآن وقع في "فخ" الاصطناع؟ هل لأنّه أصبح خدعة؟ هل لأنّه أصبح جمالاً افتراضياً؟ إننا نكاد ياأبـي نصبح كائنات افتراضية، نحيا وكأننا لا نحيا، نموت وكأننا لا نموت، كأن كائنات أخرى تحلّ محلّنا بينما نحن نفتح عيوننا مدهوشين، صامتين، مقموعين. كأننا لسنا نحن، كأننا سوانا.

أكتب إليك بالحبر، على ورق طالما أحببته، وسأظلّ. الشاشة الفضية الصغيرة باردة والضوء الذي ينبثق منها خادع، هذا ضوء مصطنع مثل حياتنا الآن، يبهج العين ويجعلها ساهية. على هذه الشاشة تبدو الأحرف جميلة لكنها بلا روح. أي سطر تكتبه يغدو جميلاً وإن كان حفنة من كلمات لا معنى لها. هل يمكن شخصاً- مثلي- أن يكتب من دون أن يشمّ رائحة الورق؟ من دون أن يملأ الصفحة بالبقع السود التي تخفي حالاً من الحيرة والارتباك؟ هل يمكنني أن أكتب بلا ورقة تفضح أسرار ما أكتب؟ المسوّدة أيها الأب اختفت. أصبحت الكتابة بلا مسوّدة. أصبح الأدب بلا مسوّدات. لقد تلاشت الأسرار مع تطاير الأوراق في الريح، لكنني أعترف أنني ما زلت أقاوم فكرة التخلي عن القلم والانصراف إلى الكتابة على آلة الكومبيوتر، مع أنني بتّ أتقنها رغماً عني. ما زلت عاجزاً عن تصوّر نفسي جالساً أمام الكومبيوتر أكتب مباشرة عليه، قصيدة أو نصاً أو حتى مقالاً. أكتب به أو أكتب عليه؟ لم يُحسم أمر الكومبيوتر حتى الآن لغوياً. نقول نكتب بالقلم على الورقة، أما في شأن الكومبيوتر فإننا نكتب به وعليه وكأنه القلم والورقة في آن واحد.

ما زلت أقاوم فكرة هذه الكتابة "الاصطناعية" التي تخيفني أو ترهبني نفسيا، مصرّاً على حمل القلم والكتابة به، مستخدماً كعادتي دوماً، يدي اليسرى، أنا الرجل الأعسر الذي طالما فرح بهذه الخصلة التي منحته إياها الحياة. أعترف بأنني تعلّمت الطباعة على الكومبيوتر بعد جهد. أقول أطبع على الكومبيوتر ولا أقول أكتب. الاختلاف بين هذين الفعلين ليس بالقليل. فالكتابة مباشرة على الكومبيوتر عمل معقّد، لم أتمكن حتى الآن من استيعابه. أكتب بالقلم ثم أطبع ما كتبته على الكومبيوتر. أما الكتابة عليه فما زالت أمنية، أخشاها بقدر ما أطمح إلى تحقيقها. ولعلني، سأسخر من نفسي لاحقاً عندما أجدني جالساً أمام الآلة أكتب عليها مباشرة، نصاً أو قصيدة. أشعر أن قدر الكومبيوتر لا مفر منه، مهما حاولت أن أتواطأ ضده أو أن أتآمر عليه.

هل يأتي زمن أتخلّى فيه عن القلم نهائياً؟ هذا السؤال شائك ومربك فعلاً. لكن جوابـي أنني لن أتخلّى عن هذا الرفيق، اللطيف والأنيس، حتى وإن دخلت عالم الكومبيوتر وغرقت فيه. حتى الآن ما زلت أستهجن فكرة العلاقة بين الرأس ومفاتيح الكومبيوتر. هل يمكن الأفكار أن تسري من الرأس فوراً إلى هذه المفاتيح الباردة؟ هل يمكن مفاتيح الكومبيوتر أن تحلّ محلّ القلم؟ لا أعتقد أن العلاقة الحميمة بين القلم والأصابع، بين اليد والورقة، ستضاهيها العلاقة بين المفاتيح والأصابع. الدفء هناك ينقلب برداً هنا. وبياض الورقة يستحيل فضة تبثها شاشة قادرة على خداع العين وإيقاعها في شركها. والدم الذي يسيل مع الحبر من شرايين اليد التي تحمل القلم، يمسي أشبه بالمصل الذي تبتلعه الشاشة المضاءة. هل أنا شخص تقليدي؟

صفحة 6

لطالما تخيلت القلم إصبعاً من أصابع اليد. قلم من لحم ودم أكثر مما هو من معدن أو بلاستيك وحبر. هذا القلم السحري لا يستمد "نوره الأسود" إلا من الشرايين النازلة من الرأس والمعرّجة على القلب... حبره نور أسود، حبره دم أبيض، لأنه حبر الروح والمهجة والعقل. لا أمتدح القلم إلا لأمتدح الحبر والورق. هل تقوم كتابة من دون حبر وورق؟ هل من رائحة أعذب من رائحتهما عندما يتزاوجان؟ إنها الكتابة بلا رائحة، الكتابة بلا دفء، الكتابة بلا رقة، الكتابة بلا ماء... أليست هكذا الكتابة على الكومبيوتر؟ وقد لا أبالغ إن قلت، إنني طالما خشيت أن تصاب اللغة بالجفاف عندما تدخل الكومبيوتر أو تخرج منه. جفاف أو يباس أو تصلّب أو قسوة... لكنني قد أكتشف قريباً، عندما يصبح الكومبيوتر خياراً أخيراً أن كل هذه الهواجس ليست إلا غيوماً عابرة. سأكتشف أن كل هذه الهواجس لم تكن سوى أوهام بأوهام. وهذا ما يخيفني أكثر. كأنني أودّع بالسرّ زمن القلم والورقة البيضاء التي كم جلست أمامها، حائراً حيناً، مفتوناً حيناً. كأنني أودّع زمن المسوّدات، تلك الأوراق التي كانت تمسي تحت أقلام الكتّاب أشبه بساحة حرب بين الكاتب نفسه وقلمه، فتتشح الأوراق بأزياح سود وخرطشات. وما كان أجمل تلك الأوراق، تخفي الكثير من أسرار الكاتب أو تفضحها بالأحرى. غاب زمن المسوّدات وأضحت الكتب بلا أصولٍ أولى، في ما تحمل هذه الأصول من علامات مخاض الكتابة، وآثار المواجهة السافرة التي يعيشها الكاتب مع الورقة البيضاء. غابت الورقة البيضاء، غاب هاجس البياض الذي كثيراً ما شغل شاعراً يدعى مالارمه. كيف يحيا الشعراء اليوم هذا الهاجس أمام الشاشة الفضية؟

لا أتخيل نفسي بلا قلم، لا أتخيل نفسي شخصاً يكتب باليدين معاً، أنا الذي كنت وما زلت أعسر، أنا الذي تميّزت بصفتي أعسر. القلم جزء حميم من الحياة اليومية ومن دونه تبقى الحياة في حال من النقصان. الكتابة طقس عماده القلم والورقة ولا كتابة بلا طقس. الكومبيوتر يعجز عن صنع هذا الطقس، مهما أحببناه وأحنينا عليه. الكومبيوتر آلة باردة، آلة اصطناعية، لا يمكنك أن تخلو إليها أو تخلو بها، ببراءة وطمأنينة. أما القلم فدفء وحرارة. يكفي أن يغسله في أحيان عرق الأصابع ليصبح ندياً نداوة الأصابع نفسها. الحبر على الورقة لا يخدع، أما الحرف على الشاشة فخدّاع والويل لمن يقع في شرك خداعه. على الورقة يُعمل الكاتب قلمه، يشذّب ويحذف ويسوّد و"يخرطش" كما يقال بالعامية، أما على الشاشة فقد تخدعه الصفحة المضاءة وقد تغشّه الأحرف المشعة، فيظن أن لا حاجة به لأن "يسوّد". وهذا ما أخشاه حقاً. يشعر الكاتب أنه لا يحتاج إلى مسوّدة، فيكتب ويكتب. هكذا تفقد الكتابة أسرارها التي لا تحفظها سوى المسوّدات. هل تُكتب الكتب بلا مسوّدات؟ أعرف أنّ هذه الشجون لا تعنيك أيها الأب. أنت لست بكاتب ولن تكونه يوماً. لكنها لحظة شوق تشرق فيّ، لحظة حارقة لا تخبو، لحظة حنين إلى زمنك أيها الأب، هذا الزمن الذي خرجنا منه وأصبح وراءنا.

عندما دخلت غرفتك بحثاً عن العلبة التي تضمّ صور العائلة وبينها صورك القليلة، شعرت كأنني أدخلها للمرّة الأولى. نسيت لوهلة أنها كانت غرفتي لأعوام وأنني ورثتها عنك واحتللتها لأحلّ مكانك. تراءى لي ذلك الفتى الصغير الذي كنته والذي كان ينسلّ إلى الخزانة ويفتحها سراً باحثاً في محتوياتها عمّا لا يعرفه. كانت متعة البحث في خزانة الزوجين، الأب والأم، وحدها الحافز على مثل هذا الفعل. رائحة الخزانة ما زلت أشمّها، رائحة خشب ممزوجة بروائح عطرة. أبصرتني في تلك اللحظة الفتى الذي كنته، أبصرت السرير الذي أتذكرك راقداً عليه، عليلاً، يحلّ بك عياء، تأكل فيه ولا تغادره إلا إلى الحمّام. كانت تلك لحظاتك الأخيرة التي لا أذكر كم امتدت. ثم أصبح السرير فارغاً. فراغ السرير كان يعني رحيل الأب. أمي هجرت الغرفة حزناً وأسى، فترةً لا أعلم كم، ثمّ عادت إليها. كان لا بدّ لها من الرجوع إلى سرير الزواج. جسدها يحتاج إلى جسدك ولو غائباً. ذكرى الجسد تكون في أحيان أقوى من الجسد نفسه.

عاودتني هذه الصور والأفكار عندما فتحت باب الخزانة. لا أعلم لماذا تذكرتك في تلك اللحظات، لماذا أبصرتك بما تبقى من ملامحك في هاتين العينين، عينيّ طفلاً. الغرفة نفسها ما عادت تذكّر بك، لقد تغيّرت مراراً. ورثتها عنك برضا أمي بعدما قرّرت أن تنتقل إلى غرفة إخوتي. ثم عندما غادرتُ بيت الأهل أقام فيها أخي. والآن بعدما غادرها أخي، هي غرفة لا أحد، قد يحل بها بضعة ضيوف عابرين وهم نادرون أصلاً. لكنها ما زالت غرفتك أيّها الأب. لا أدري لماذا أصرّ على تسميتها باسمك. كأن البيت لا يكتمل من دون غرفة تسمى غرفة الأب. كم تأثرت عندما قرأت نصّاً لشاعر صديق لا أعرفه عاش في ألمانيا في القرن التاسع عشر ويدعى نوفاليس يقول فيه: "لا يشعر الفتى بالأمان إلا في غرفة أبيه". إنها غرفة الأب التي لا بدّ منها كي يشعر فتى مثلي بالأمان، حتى وإن كان الأمان متوهّماً. كنت أكتفي بأن أقيم في هذه الغرفة لأشعر بالقليل من الطمأنينة. فظلُّ الأب لا يغادر مهما شعر بالعزلة أو البرد. وفي ملامح هذا الظل كان على الحياة أن تكون أقل كآبة. احتللت الغرفة أعواماً لكنني ظللت أسمّيها غرفة الأب. الابن لا يمكنه أن يستولي على غرفة أبيه فيسمّيها غرفته، قد يرث كلّ ما يملك أبوه وما لا يملك، لكنه يظل في حاجة إلى غرفة أبيه في هذا العالم.

صفحة 7

قبل أن أنتقل إلى غرفة الأب هذه قرّرت أمّي أن تستبدل أثاثها القديم أثاثاً جديداً على رغم شدّة تعلّقها بالسرير الخشب الكبير والخزانة ذات القشرة اللامعة وسواهما مما يصنع غرفة النوم التي هي غرفة الزوجين. كان الأثاث القديم هو نفسه الذي احتل هذه الغرفة أعواماً، منذ أن انتقلت الأسرة الصغيرة من بيتها الحجر القديم إلى البيت الجديد الذي ارتأى الأب بناءه في عام ولادتي. ارتبط هذا المنـزل إذاً بولادتي وكانت أمّي تُسرّ بهذا العام، عام بناء المنـزل وولادة الصبـي الذي طالما انتظرته، هي والأب. وكان الصبيّ الأول مات لحظة ولادته جرّاء خطأ ارتكبته الداية، فهي بدلاً من أن تمسك بجسمه الليّن لتخرجه أمسكته بعنقه فاختنق للحين وأخرجته ميتاً. ظلّت أمي تخبر عنه طوال أعوام وكيف كان جميلاً وممتلئاً. وقد تولّى الأب والجدّ دفنه في الحديقة عوض أن يُرمى مثل الأجنّة الميتة حيثما كان. هذا الصبـي الذي كاد أن يكون بكر الأسرة لم يغب عن عينيْ أمي. حلّت بها بعد وفاته كآبة عميقة فانـزوت في الغرفة تبكي وتتألم. لم يكن مضى على زواجها سوى عام وكانت لا تزال عروساً، كما يقال، وكانت الصدمة هذه شديدة الوقع عليها ولم تنهض من كآبتها إلا بعد فترة. ثمّ حملت أمّي وكان الوليد فتاة هي أختي الكبرى وسمّاها والدي عبلة تيمّناً بالشخصيات التاريخية الشعبية التي كان يحبّها. ثم ولدت أمّي فتاة ثانية سمّيت ميليا وهو اسم جدّتي والدة أبـي ثم ما لبث أن أصبح اسمها تريز بعد أن نذرت للقديسة الشهيرة "تريز الطفل يسوع" وهي قديسة فرنسية شفيعة الأسر المسيحية في لبنان. ولدت شقيقتي الثانية شبه مريضة وانهمكت أمّي بعلاجها منذ طفولتها، ولم يكن أمامها إلا أن تسلّمها إلى القديسة تريز ناذرة إيّاها لها، مؤمنة أنّها ستنقذها. لكنّها ما لبثت أن رحلت في عمر يقارب عمر القديسة، في الخامسة والعشرين، بعدما عاشت الموت مفتوحة العينين وظلّت تحتضر طوال سنتين، في الفراش. وكان الأطباء توقعوا أصلاً أنّها لن تحيا أكثر من خمسة عشر عاماً، لكنّها قاومت عشرة أعوام أضيفت إلى عمرها القصير، المفعم بالآلام والأوجاع والجروح.

الوليد الثالث كان أنا، الصبيّ الأول في الأسرة وكانت أمّي نذرتني قبل أن تحمل بـي إلى القديس عبدا وهو قديس من بلاد فارس، كان شفيعاً للنسوة العواقر والأطفال. هكذا كان لا بدّ من أن اسمّى باسم هذا القديس، لكنّ اسمي حمل الواو في آخره عوض الألف، فأصبحت عبدو. وهذا الاسم بالواو يجمع بين القديس المسيحي وفكرة العبودية لله. وعبده، بالهاء، هو مختصر لاسم عبدالله الشائع في التاريخ الإسلامي. وأصررت فيما بعد على كتابة اسمي منتهياً بالهاء عوض الواو رغبة منّي في الطابع العربـي للاسم. أما في الهوية والأوراق الشخصية فيُكتب اسمي بالواو. لكنني لم أفهم العبودية لله هنا في معناها الديني، فالله لا يريد عبيداً بل أبناء، وأنا واحد من هؤلاء الأبناء. انتهى عصر العبودية منذ أن بدأ عهد الأبوة. وترسّخ هذا الاعتقاد لديّ منذ أن توفي الأب.

عندما استوليت على غرفة الأب لم أتمكّن من تسميتها غرفة الابن. غرفة الأب تظل غرفته مهما تغيرت أو مهما فعل بها الزمن. السرير الخشب الكبير حلّ محلّه سرير صغير أو "مفرد"، يتسع ما يكفي لجسد الفتى. الخزانة أيضاً حلّت محلّها خزانة صغيرة و"مودرن". البقية الأخرى من الأثاث اختفت، لكنّ السجادة ظلّت هي نفسها، فهي من السجاد الباهظ الثمن. كنت أشعر أنّ أمي ظلت تخفي قدْراً من الألم الخفيف في قلبها كلّما دخلت الغرفة ولم ترَ الأثاث القديم، لا سيّما التخت الخشب الكبير. كان يظهر هذا في نظراتها شبه الحائرة. وعندما نقلنا ذلك الأثاث، كانت تنظر إليه نظرة وداع صامتة وكأنها تودّع زمناً لن تبقى منه سوى ضغائث أو أطياف. كان السرير العريض يعني لها الكثير. كانت مرآة الخزانة الصغيرة أو "الشيفونييرا" كما نسمّيها، صديقتها اليومية، تجلس على الكرسي الصغير أمامها لتمشط شعرها وتضع على وجهها القليل من البودرة الزهرية وتهندس الحاجبين بقلم الكحل... هذا ما كانت تفعله قبل مرض الأب ولزامه الفراش. وما زلت أذكر قنينة العطر الفرنسية الكحلية الزجاج وكانت تحمل اسماً فرنسياً هو "سواريه دو باري". ولو ركّزت قليلاً لاستطعت ربّما أن أسترجع القليل من عبقه الجميل الذي ران كثيراً على الغرفة. إنها ذاكرة الشمّ وأشعر دوماً أنها قوية لديّ. وكم كنت أفاجأ أن العطر قادر أن يعيدني إلى ماضٍ ليس بقريب عندما أشمه، فأتذكر فتاة أحببتها أو غرفة، أو كتاباً. يرحل الأشخاص لكنّ عطرهم يبقى. عطرهم قادر على أن يعيدهم ولكن كما في لمحة برق. العطر لا يمكن التقاطه باليدين ولا مزجه بالحبر على صفحة. العطر يُشمّ فقط، لا يُكتب ولا تبصره عين. وكم من ذكريات ارتبطت في ذاكرتي بروائحها. حتى الكتب عندما أشمّ جوفها أستعيد للحين ما قرأت فيها. كأنّ روائح الكتب تصنع الكتب. وما أجملها تلك الروائح. كأنّ لكلّ كتاب رائحته، مثلما لكلّ كتاب نصوصه. كأنّ للكتاب رائحة هي رائحة البشرة، بشرة امرأة لا تُشمّ بالأنف فقط. حتى الأزهار، عندما أشمّها أسترجع لحظات عبرت. هناك أزهار تذكّر بروائح الجنازة. كم كرهتها تلك الأزهار. هناك ورود تذكّرك بما أحببت، بما تخبّئه في ثنايا ضلوعك. هناك الغاردينيا التي ترجع إليك ربيعاً، بضيائه، ببهجته وسماء سنونواته... الحبق الذي يذكّرك بمصطبة الجدّة والصعتر الذي يحفظ رهبة الأحراج... هناك البخور الذي يخفي في غمامه صوراً وصلوات أليمة أو بريئة... بخور الموتى، بخور العيد ثم بخور مريم ولا أعلم حتى الآن، لماذا سمّيت هذه الزهرة البديعة بهذا الاسم.

صفحة 8

عندما أخرجنا الأثاث القديم من الغرفة شعرت أمّي أن زمناً انتهى فعلاً وأنّ على أنقاضه سيبدأ زمن آخر. زمن الأب الذي كان زوجاً أضحى زمن الابن الذي لم يسع يوماً إلى قتل الأب والاستيلاء على زوجته. الأوديبية لم تعنِ لي أمراً. كنت في أحيان كثيرة أظنّها مزحة سمجة، على رغم رهبتها. كان لي صديق شديد التعلّق بأمه، كان متعلّقاً بها بجنون، لم يستطع أن يتركها يوماً ولم يحبّ امرأة ولم يتزوّج. ظل ينام في غرفة أمّه، على سرير يشبه سريرها حتى لحظة انطفائها. كان والده رحل باكراً ولم تبق له سوى هذه الأم هو الابن الوحيد، ولم يحبّ سواها. عندما توفيت أمه بكى بكاء امرأة، كما كانوا يقولون، ولم يقدر على أن يتحرّر من حبّها. لو كان والده حياً لنافسه حتماً على حبّ زوجته التي هي أمّه، ولعلّه قتله كما تزعم أسطورة أوديب.

منذ ذاك اليوم الذي بدّلنا فيه أثاث الغرفة، أصبحت الغرفة غرفتي. السرير غيّرت أمي مكانه لئلا يذكّرها ربما بالسرير القديم. سريري بات ملاصقاً للنافذة، وفي محلّ الخزانة وضعنا طاولة لأدرس عليها وأكتب وأقرأ. لم تكن الغرفة مكتملة، الأثاث قليل، أثاث فتى لا أكثر ولا أقل. لكنها راحت تمتلئ على مرّ الأيام، الجدران حملت صوراً للأب ولبضعة قديسين، علاوة على صورة المسيح مضفوراً بالشوك، متألماً، يخضّب الدم وجهه. وأذكر أنّ صديقاً لي أتاني بصورة لتشي غيفارا الذي كان يحبّه، فوضعتها في الدرج ولم أعلّقها، على خلافه هو الذي علّق لهذا المناضل أكثر من صورة في غرفته. الكتب وحدها راحت تزداد في الغرفة ووحدها التي ظلت تزداد.

أذكر كيف أنني لم أنم جيداً في ليلتي الأولى في غرفة الأب. كنت شبه خائف ومسروراً في آن واحد. تخيّلت وجه أبـي الذي كثيراً ما رنوت إليه في الصورة المعلّقة على جدار الصالون. فكّرت فيه كثيراً واستعدت ما بقي من ملامحه في الرأس، وهي ملامح ما لبثت أن امّحت أو اضمحلّت عاماً تلو عام. ولولا الصور لما استطعت تذكّر وجهه وأشيائه القليلة. تستيقظ ذاكرة الطفولة في أحيان في ما يشبه المعجزة، فأبصر وجوهاً وأشخاصاً ومناظر أفاجأ كيف أتذكّرها بقوة وصفاء. أما أبـي فلا أتذكّره إلا من خلال الصور وبضعة ملامح تلوح في عتمة الرأس.

لا أعلم إن كان ما أكتبه على هذه الأوراق البيضاء، هو رسالة لك. قليلاً ما كتبت رسائل في السابق، لكنني أكتب إليك وكأنّك أمامي، أخاطبك وكأنني أخاطب نفسي، أروي لك بعضاً مما أذكره، مما لا يزال عالقاً في ذاكرة الفتى الصغير الذي كنته، أروي لك- ولي- أيضاً، بعضاً ممّا جمعته من هنا وهناك، ممّا سمعته من أمي، من بضعة أصدقاء لك، كنت تحبّهم وقد رحلوا الآن جميعاً ما عدا جارنا الذي تخطى التسعين. إنها أخبارك القليلة أجمعها مثلما يجمع طفل قطع "البازل" ليصنع صورة أو منظراً. أجمع هذه الأخبار وأعجز عن صنع صورة لك، صورة شخص لم يكن بطلاً ولم يحلم يوماً في أن يكون بطلاً. شخص عبر من دون أن يترك وراءه أثراً. أعترف لك أيها الأب أنني أمضيت أعواماً أبحث عن أثر لك فلم أجد. وما كنت لأحزن أو أندم على خطأ لم أرتكبه أنا ولا ارتكبته أنت. كنت أتعزّى عندما أنظر إلى نفسي وأقول: سأكون أبـي. لكنني لم أكنك يوماً. كيف أكونك وأنا لم أعرفك؟ كيف أكونك وأنا أرفض أن أكونك؟ كنت أدرك أنني لم أرث عنك سوى هذه الطيبة التي أمضيت عمراً أحاربها لأتخلّص منها. الجميع أخبروا عن طيبة القلب لديك، القلب الذي أعلّته الطيبة، القلب الذي جعلك رجلاً وديعاً لم يحقق سوى حلم واحد هو الأبوة. كنت أباً للجميع، تقول أمي. حتى لأبناء عمّي، العمّ المقامر والعاشق الهارب، كنت أباً. أنت ربّيتهم أيام كان العمّ غائباً لأعوام مع عشيقة له في دمشق. هكذا روت أمي، بل هكذا روى أبناء أخيك الذين ظنّوك أباهم. كنت أيضاً أباً لأبيك، جدّي الذي يميل إلى الشرب ومغازلة النسوة والانفاق عليهن. كنت تحبه على رغم العتب الذي تكنّه له. باع بعض أملاك العائلة ليتمتع بحياته وينفق بلا هوادة. كنت أباً لأمك أيضاً، أمك التي كنت تركع أمام سريرها حين احتضارها وتقبّل يديها. كان عليّ أيها الأب أن أتخلّص من هذه الطيبة التي ورثتها عنك مثلما ورثت داء القلب الذي قضى عليك وتمكّنت أنا من أن أواجهه وأحيا. هذه الطيبة ما كان أثقل وقعها عليّ. ظننت أنني تخلّصت منها. ولكن لا أعتقد. دفنتها في تراب الذاكرة، لكنّها ما لبثت أن استفاقت. جدّفت ضدّ هذه الطيبة وأنكرتها مرّات، تبرأت منها خائناً نفسي. ولكن عبثاً.

ماتت شقيقتي في غيابك أيها الأب. شقيقتي تريز التي كان اسمها ميليا وقد بدّلته أمّي، لعلّك تذكر، بعدما نذرتها إلى القديسة تريز الطفل يسوع إبّان مرضها طفلة. أصبح لها مذّاك اسمان. اسمها في الهوية كان ميليا أمّا في الحياة فهو تريز. ولم يربكها هذا التعارض يوماً لأنها لم تعش كثيراً لتحتاج إلى اسمها الأول، كما يحصل عادة عندما ينال الطالب شهادة أو عندما يلتحق بوظيفة. لم أقصد يوماً أن أتبيّن بدقة كم سنة عاشت. كنت أتناسى قصداً. ماتت في مقتبل العمر. لم أعدّ تلك الأعوام القليلة، لم أشأ أن أعدّها. قررّت أن أدعها تعدّ نفسها. وكان يردّد طبيبها أنها ربحت بضعة أعوام زائدة بعدما كان قدّر لها أنها ستموت باكراً. عاشت أكثر مما توقع لها الطبيب. قهرت الموت، قهرته ولكن مقهورة، ماتت مفتوحة العينين، ترقب حلول الساعة يوماً تلو يوم. لا أعتقد أيها الأب أنك كنت قادراً على النظر في عينيها وهي على سرير الاحتضار. كان جسدها انتفخ جرّاء الماء الذي لم يكن ينصرف منه، وكانت تتكلم بصعوبة كما لو أنّها تختنق. تنظر إليك بأسى وتقول كلّ ما تبغي قوله دون أن تلفظ كلمة، فتحار أنت أمام نظراتها، تذكر أنّك عاجز عن فعل أي أمر، لا تقدر أن تخفّف عنها وطأة الألم ولا أن تطرد شبح الموت الذي يحلّق من حولها. نظرات مكسورة لم أكن أواجهها إلا بنظرات مكسورة. في الأيام الأخيرة لم أعد قادراً على رؤيتها، لا حزناً أو ألماً، بل حيرة وارتباكاً، بل اضطراباً. الألم يتضاءل في مثل هذه اللحظات. تمسي أنت مشاهداً وتعتاد مثل هذا المشهد الرهيب. ليس ما هو أقوى من نظرات شخص يحتضر. يعرّيك بتلك النظرات، يفضحك، يذلّك، يقهرك ولكن من غير قصد منه. تشعر أمامه أنك أنت مَن يحتاج إلى الشفقة، إلى الحنان، إلى المواساة والرحمة. أمام تلك النظرات تشعر أنك أصبحت حبة رمل، نقطة ماء تسقط، صفراً... وقد تشعر أيضاً أنّ المحتضر هو الذي يعينك لتقف أمامه وتنظر إليه.

إنّها لحظات أليمة أيها الأب، قاسية وأليفة، جارحة برقّتها، حارقة بما تحمل من مأساة قدرية. هل ألقيت تلك النظرات على سرير احتضارك؟ كيف أبصرت الذين ينظرون إليك في تلك اللحظات المريرة؟

ماتت شقيقتي في غيابك، فتاة في مقتبل الصبا، في منتهى الألم والفقدان، وقد حمّلتها النسوة وهي على فراش الموت سلاماً إليك. هل وصل السلام؟ كنت أضحك بالسرّ كلّما سمعت النسوة يحمّلن الموتى الذين يبكينهم هذا السلام إلى موتى سابقين. أظن أن هذا الأمر هو أقصى ما يمكن أن تبلغه العبثية. وأحياناً كانت إحدى النسوة تصرّ على تعداد أسماء موتاها الذين ترسل إليهم سلامها.

عندما ماتت شقيقتي لم أستطع أن أبكي، ياأبـي، عصيني الدمع وخجلت من نفسي ومن الآخرين. كان يجب أن أبكي عنك أيضاً لأنني الابن الكبير، ففي مثل هذا الموقف يجب أن تبكي وإلاّ... وعندما يخون الدمع فهو، يخون حقاً. الناس يعزّونك ناظرين إليك وانت لا تبكي. هم يستهجنون وقد يعتبون، ظناً منهم أنك قاسي القلب. مع أن الدمع لم يعد يجدي في تلك اللحظة، فات وقته، بعدما أغلق المحتضر عينيه. لكنها تقاليدنا المضحكة.

أصبحت شقيقتي قديسة ولم تحتجْ لأن تُعلَن قداستُها. قديسة بالألم الذي كابدته، بالحياة التي لم تعشها، بالحيرة التي خالجتها، بوجهها الذي ظلّ سماوياً، بجسدها الذي كان من جروح، بروحها الفسيحة... هذا ما سأظلّ أعتقد به، أيها الأب، مهما تقدم بـي العمر، أو أخذني الشك أو حتى لو أصبحت ملحداً. إنها الآن تباركنا. تباركنا بعدما منحتنا حياتها ورحلت. قلْ إنني ساذج. قلْ إنّه الطفل الذي لم يغادرني، هو مَن يتكلم هكذا. لم أعلن يوماً هذا في سبيل التعزية، كما جرت العادة، بل إيماناً منّي بأن الدموع التي ذرَفتْها بالسرّ هي وحدها تكفي لتجعل منها قديسة. فالدموع تزن في حساب الله.

صفحة 9

ماذا يكتب ابن لأب صار على مرّ الأيام أكبر منه؟ أصبحت أصغر منّي أيها الأب. رحلت أنت في الثامنة والأربعين وها أنا الآن في هذه اللحظة أناهز الثالثة والخمسين. تذكّرت هذا الأمر عندما أصابني داء القلب، هذا الداء الذي أصابك وقضى عليك لأنك تأخرت عن العلاج، كما تقول أمي نقلاً عن الطبيب الذي قال لها: تأخّرتم. المسألة ياأبـي هي إما أن تتأخر أو لا. ليست المسألة أن تكون أو ألا تكون. هذا قول غير واقعي. إمّا أن تتأخر أو لا. لقد تأخرت ياأبـي، تأخرت كثيراً كما تقول أمي. ذهبت إلى الطبيب متأخراً. لكنك أسرعت في موتك، سبقت الشمس إلى غروبها. في موتك وحده أسرعت.

ماذا يكتب ابن لأب أمسى أصغر منه؟ أهكذا تكون الأبوّة؟ إنها اللحظات الخفية التي تفصل بين الابوّة والبنوّة. اللحظات التي تجعل الأبوة بنوة والبنوة أبوة، اللحظات التي تقلب نظام الحياة وتهدم الجدار الفاصل بين زمنين: زمن الأب وزمن الابن. كان انتقال الابن إلى منـزلة الأب قدراً. كان فعل مصادفة أو رمية نرد أو ضرباً من ضروب المجهول. لكنّ هذا الابن لم يتمكّن من أداء دور الأب كما كان يفعل الفتيان عندما يموت آباؤهم. كنت منطوياً على نفسي، خجولاً، خائفاً من أمر كنت أجهل ما هو وما زلت أجهله. لم أكن مهيّأ لأؤدي دور الأب كلّ تلك الأعوام، وكان على أمي أن تؤدّيه هي ولكن بالكثير من البساطة. فهي مهما حاولت أن تقسو علينا كانت سرعان ما تتلاشى قسوتها. كنا نتواجه معاً، أمي من جهة وأنا وأخوتي من جهة ولم يكن أحد يفوز. في مرات قليلة كانت تتمكّن منّا فنذعن، وفي مرّات عندما تنفعل وتغضب تترك البيت ذاهبة إلى بيت جارتها. ثم تعود وكأنّ أمراً لم يكن. حياتنا الخالية من قسوة الأب كانت جميلة. وكنا نعجب كيف أن أبناء الجيران يتحمّلون قسوة آبائهم الذين ما كانوا يتورّعون عن ضربهم وأحياناً بالحزام. كانت إحدى جاراتنا عندما يبدأ زوجها بضرب أولاده تهرب إلى منـزلنا وتختبئ. فهو لم يكن ليوفّرها من لسعات حزامه، ولم تكن هي قادرة على مشاهدة أولادها يُضربون بعنف. لكنها لم تكره زوجها يوماً بل كانت تتكلم عنه بإعجاب. وكذلك الأولاد كانوا ينسون قسوته بسرعة ثم يتذكرونها عندما يعاود ضربهم. لم أحتمل صورة الأب كما تمثلت في جارنا. كنت أقول: لو ظل أبـي حياً هل كان ليكون قاسياً؟ هل كان ليُعمل فينا حزامه؟ معظم آباء رفاقي كانوا قساة. هذه القسوة كانت رائجة كثيراً في أيامنا تلك. وفي ظن الآباء أنهم إذا قسوا على الأبناء ربحوهم. "دع ابنك يبكي لئلا تبكي عليه" كانوا يقولون. ولكن لم أفهم يوماً لماذا كان بضعة رجال في حينا يضربون نساءهم، وبدلاً من أن يقاومن كنّ يخضعن خشية الفضيحة. لم أكن أتصوّر نفسي يوماً أباً لابن. ما كان يعنيني أن يصبح لديّ ابن، كنت أميل دوماً أن يكون لي ابنة، أن أكون أباً لابنة. مَن يكون أباً لابنة فهو يمكنه أن يكون أماً لها. ليس أجمل من أن يصبح الأب أماً. إنها مستقبله. الأمومة هي مستقبل الأبوة. أذكر ذلك الأب الذي توفيت زوجته باكراً فحلّ محلّها. كان يُضرب به المثل في الحيّ. يطبخ ويغسل ويهتم بشؤون الأسرة وكأنّه الأم. لكنّ أمومته لم تسمح له أن يكون أباً صارماً. عندما كبر ابنه راح يقسو عليه وكأنه هو الأب. مرّة ضربه وشتمه على مسمع أهل الحيّ. ابنته بكت. وحدها ظلّت إلى جانبه وكأنه أخت لها. الابن ركل الباب وغادر. عندما كان يعود حيناً تلو حين لم يكن يعير أباه اهتماماً. هذه أجمل صورة يمكن أن تكون لأب هو أمّ وأخت. ما أجمل تأنيث الأب. ما أجمل أن يكون الأب في هذه المنـزلة، في هذا الضعف والتسامح والصمت. كلنا في الحيّ كنّا نشفق عليه، وكنا نجهل أن هذا الأب كان شجرة العائلة، كان اللحاء الذي يخرج من جذع هذه الشجرة، كان الماء الذي تختزنه جذورها. كانوا يقولون بالعامية: الدنيا أمّ. هذه الدنيا يمكنها أن تكون أباً إن كان الأب أمّاً.

ما الذي جعلني أتذكّر الآن هذا الأب المفرط في أمومته؟ هل كنت أتخيّل أبـي أمّاً؟ هل كنت أرسم له صورة تشبه صورة ذلك الأب الرقيق؟ وأمي؟ هل كنت أتخيلها أباً في حال من الأمومة أم أمّاً تفيض أبوّة؟ هذه أفكار وربّما أحاسيس ظلّت راقدة فيّ ولم تخرج يوماً إلى الضوء طوال تلك الأعوام التي مضت على رحيل الأب. كلّ ما أذكره أنني لم أكره أبـي يوماً. كنت أحب أن أُسمّى ابن قيصر وليس باسم أمّي كما درج أهل الحيّ على مناداة الأولاد الذين يفقدون آباءهم باكراً. وعندما باشرت الكتابة كنت أوقّع اسمي مرفقاً باسم أبـي والعائلة: عبده قيصر وازن. ولا أعلم الآن متى حذفت اسم الأب ليحتل اسمي التوقيع وحده.

لعلّ ما كان يعزّيني أنني تخلّصت من همّ الضرب باكراً. كان ضرب الآباء لأبنائهم الذين هم رفاقي في الحي، همّاً يساورني صغيراً. لو كان أبـي حياً هل كان ليضربني بهذه القسوة؟ كنت دوماً أسأل نفسي. وكنت أتخيّل دوماً أنني لن أدعه يضربني وأنني سأقاومه. لكنّ أمي كانت تقول لنا إنّ أبـي ما كان ليُقدم على ضربنا، مع أنّه كان قوياً وصلباً. كانت تروي لنا كيف ضرب شقيقه مرّة عندما دخل عليه في الصباح ووجده مع عشيقته في السرير. كانت زوجة عمّي تنام مع الأولاد في الصالون وعمّي والعشيقة على السرير في غرفة النوم. هبّ أبـي كالمجنون، تقول أمي، أيقظهما وراح يضربهما شاتماً إياهما، ثم طردهما من المنـزل الصغير الذي يجاور منـزلنا. سرت الواقعة في الحيّ والبلدة وبات الجميع يتندّرون بها مادحين أبـي. وتخبر أمي عن منظر عمّي والعشيقة راكضين نحو سيارة عمّي وهاربين أمام أنظار الجيران. كلما أخبرتنا أمي هذه الحكاية كانت تضحك. هل يمكن أن يطرد زوج امرأته من غرفة النوم ليرقد مع عشيقته على سرير زواجهما؟

كنت أفتقدك أيها الأب بالسرّ. لم أبح يوماً أنني احتجت إليك. بل كنت دوماً أوهم الآخرين أن الابن يمكن أن يكون بلا أب، أن يكون هو الأب. لم أضعف يوماً أمام الرفاق، مع أنني كنت أشعر دائماً أنّ ضلعاً من أضلاعي مكسورة ولن يجبرها أحد. أنّ لديّ جرحاً في الداخل لم يندمل. وكان كلما شاهدني أحد حزيناً- وهذا من طباعي- يظنّ أن السبب هو الأب. وكلّما لمس الأقارب أنني شبه منعزل ومنطوٍ على نفسي ظنّوا أن غياب الأب ما زال يؤثر فيّ. وكنت أكره نظراتهم إليّ، أنا الصبيّ الذي لم يعرف يوماً كيف تمازج الحزن والحبور في حياته، الألم والحلم، الانطواء واللعب... كيف كان في الحين نفسه ملاكاً وعفريتاً صغيراً، يمامة مجروحة ودوريّاً متفلتاً من الأسر.

كانوا يصفون الأب برتاج الباب. كنت أحب هذا التشبيه. كان بابنا بلا رتاج مثل حياتنا نحن وأمّي. كنت أنظر إلى الرتاج المسند على باب الجيران وأسأل: هل تخافون السارق؟ هل تخشون "الحرامي"... كما كنّا نردّد صغاراً، متخيّلين هذا "الحرامي" شبحاً يحلّ في الظلام فيدخل المنـزل ويسرق... لم يغادرني يوماً حال من القلق لم أعرف له سبباً، قلق والأصح لا طمأنينة. كانت تنقصني الطمأنينة دوماً، الطمأنينة أو الأمان. هذا الشعور ظلّ يخامرني أعواماً طوالاً. في الداخل فراغ لا يمكن ملؤه، في الداخل نقصان يظلّ ناقصاً. حتى غرفة الأب، هيكل الطمأنينة لم تكن توفر لي ذلك الأمان الذي طالما بحثت عنه. إنها غرفة الأب ولكن بلا أب. الغرفة التي أضحت غرفة الابن هل يمكنها أن تحفل بالطمأنينة؟

صفحة 10

لا أعلم حقاً إن كنت أكتب إليك أم أكتب لنفسي. كلّ ما أعلمه أنّك لن تقرأ هذه الرسالة وهذا عزاء لي. إنني أكتب عنك كما يحسن لي، كما أراك الآن أو كما ألمحك بعينَيْ هذا الفتى الذي لم يتسنّ له أن يعرفك. وأجمل ما في مثل هذه الكتابة حيرتها أو ارتباكها. أب ليس غائباً فقط بل غريب وشبه مجهول. أب أستعيده من عالم الظلال لأستعيد عبره نفسي ولأنتقم منه ومن نفسي دون إحساس بذنب. كأنني حين أستعيدك أقتلك بالسر، لا أحييك. هذا قتل مجازي أيضاً. كأنني عندما أستعيدك أعاود خلق تلك الناحية الخاوية من طفولة كانت لي، ذلك الجزء الأليم من سيرة لا تكتمل مهما طال العمر. إنني أسعى إلى توضيب الحياة التي عشتها بنقصانها، إلى رسم صورة شخصية لي من خلال نظرتك. كيف كنت لتكون لو ظللت حياً؟ هل كان العالم ليكون أجمل؟ والحياة؟ هل كان يمكنها أن تكون أشد سحراً؟ هذا النقصان الذي فيّ هل كان ليمتلئ أو ليتلاشى؟ أسأل نفسي ولا أسألك. إنني أحدّث نفسي كما لو كنت أمام مرآة. إنني أكلم نفسي بصوت خافت. إنني أحاور نفسي وكأنني هاملت، هاملت ولكن وحيداً على شرفة قصر وهميّ. أنا المتكلّم وأنا المخاطَب. أنا من يتكلم وأنا مَن يسمع. هذا مونولوغ صامت يؤدّيه شخص في رواية لم تُكتب ولن. ليست هذه كلمات بل أمواج تجتاز الروح، أفكار تتموّج، أحوال يتقاذفها بحر الليل في ضوء قمر خافت. ليست الكلمات هي التي تقال، بل ما وراءها، ما تحتها، ما يظل صامتاً فيها، أبكم ومتكدّراً، قاتماً وملغزاً. لا يهمّني أن أوضح ما أعيش أو أحسّ أو يعتمل فيّ، يهمّني أن يظل الغامض غامضاً والحائر حائراً والناقص على نقصانه.

كنت أعجب من الذين يكرهون آباءهم كراهية مطلقة، فلا يجدون فيهم ولو قبساً من عطف أو حنان. هؤلاء لا يكرهون الأب الذي ولدهم فقط بل فكرة الأبوة. الأب هو السلطة التي يجب الانقلاب عليها. الأب هو التاريخ المشبع بالدم الذي تجب مواجهته. الأب هو الوحش المختبئ في ثوب راهب. هكذا كان هؤلاء يتخيّلون آباءهم. أحد الأصدقاء لم يزر أباه مرّة خلال احتضاره الطويل، وعندما توفّي لم يشارك في جنازته ورفض تقبّل التعازي. لا أعتقد أنّ أحداً بلغ شأو هذه القسوة. يقتل الابن أباه حيّاً أما أن يقتله ميتاً فهذا أمر يتخطى القتل نفسه. يمسك الابن بعنق الأب الراقد على سرير الموت ويخنقه مرّة تلو مرّة. أو يطلق على جثته عشرين رصاصة مع أنه يعلم أن رصاصة واحدة تكفي. هذا مشهد يميل إلى أن يكون سينمائياً، أي متخيّلاً. فالقتل هنا واقعي ورمزي في آن واحد، واقعي ومتخيّل أيضاً. إنه القتل في أقصى تجلّياته.

إلا أنّ قتل الأب غالباً ما يتم في الروايات والكتب وعلى الشاشات. هذا القتل يظل نظرياً، وفي منـزلة التمنّي والتخيّل. عاش أنطونان أرتو، هذا الحكيم المجنون سبعة وعشرين عاماً في صميم "الكراهية الغامضة للأب" كما يقول. ولم يخلد إلى الراحة التي هي الاضطراب الداخلي إلا بعدما رحل والده. محمد شكري قتل أباه أكثر من مرّة في "الخبز الحافي" وأنـزل عليه لعنته وانتقم منه لنفسه وبال على قبره. أتذكر أيضاً كيف لجأ بازوليني إلى لغة أمّه في شبابه وهي "الفريولية" متمرّداً على لغة أبيه الذي كان يكرهه ويكره فيه فكرة الرجولة المتمثلة في الزيّ العسكري الذي يرتديه. اختار في صباه لغة الأم ثم صورتها ثم أعلن مثليته جهاراً ضدّ الأبوة وانحيازاً إلى الأمومة. انتصر بازوليني لمقولة اللغة- الأم، بجسده وروحه. وهل أجمل من أن تكون اللغة من شجون الأم؟ كان جان بول سارتر يردّد "أنّ ما من أب صالح" لكنّه في مذكراته "الكلمات" لم يكن قاسياً على أبيه. وحده هاملت قلب المعادلة وانتقم لأبيه. وحده هاملت قتل قاتل أبيه، قتل عمّه انتقاماً للأب وانتقاماً من الأم التي لم تكن بريئة من قتل زوجها. أما كافكا فلم يستطع أن يتحرّر من الخوف الذي زرعه الأب في دخيلته وظل يعاني الشعور بالعجز أمام فكرة الأبوة التي كانت تسحقه جاعلة منه غباراً. أتذكّر صور الأب هذه كما تخيّلتها في الكتب، كما أبصرتها على الشاشة، ولو بحثت في ثنايا الذاكرة لعثرت على المزيد منها... ثمّ ماذا عن "الأخوة كارامازوف" والأب. هل يمكن نسيان هؤلاء الأخوة وأبيهم فيدور الذي لم يكن بريئاً من الجريمة التي اقترفها الأبناء وإن بيد أخيهم غير الشقيق سمردياكوف؟ بلغت كراهية الأب في هذه الرواية ذروتها عندما أصبح الأب بمثابة الخصم، في الحب كما في الحياة وعيشها. كان الأب خصم ابنه ميتيا في عشق المرأة اللعوب غروشنيكا. كان ميتيا يحبّها، لكنّ هذا الحب سرعان ما وقع في الخيبة عندما أصبح والده منافساً له أو خصماً، في هذا الحبّ. أما إيفان فكان يحتقر هذا الوالد وسمردياكوف يكرهه جرّاء قسوته التي كان يبادره بها. وحده أليوشا ظلّ بمثابة الابن المتفرّج. كانت فكرة القتل تساور ميتيا العاشق الخائب وإيفان، وكانا عاجزين عن المضيّ بها. لم يكونا قادرين على قتل الأب بالجسد. لكنهما لم يتوانيا، عن دفع سمردياكوف الابن غير الشرعي، شبه المعتوه والذليل، إلى تحقيق هذا "الفانتسم" الذي يقضّهما، فيقتل الأب، ولا يلبث لاحقاً أن ينتحر.

لا أدري ما الذي دفعني إلى استعادة هذه الرواية الساحرة. لا أدري لماذا سردتها بهذه السرعة وكأنني أسردها لنفسي، أو لك أيها الأب. عندما أحبّ رواية أحبها بصمت. لا أحب أن أفسّر لماذا أحببتها، مثل كلّ ما أحبه من حولي أو ممّا لا أراه. لكنني لطالما كرهت الأب فيدور كرمز وليس كشخصية ابتدعتها مخيلة العبقري دوستويفسكي.

أتذكّر أيضاً بول أوستر وكيف رثى أباه في نص له عنوانه "صورة شخصية لرجل غير مرئي". هذا نصّ يغرب في مديح الأب بُعيد رحيله، مستعيداً إياه لئلا تترسّخ فكرة موته في ذاكرة الابن. أتذكر سهيل إدريس في مذكراته وكيف فضح أباه الشيخ عندما كان يضاجع غلاماً. ما أقسى هذه الطعنة التي وجّهها صاحب "الحيّ اللاتيني" إلى والده. ألغى أبوّته في لحظة هي لحظة الاعتراف هذا. كأنّه شعر هو بالإثم الذي ارتكبه والده فكفّر عنه بالاعتراف به. كأنّه لم يحتمل هذا الإثم طوال الأعوام التي صمت فيها عنه ولمّا أصبح أكبر من أبيه باح به ليشفى من هذا الجرح الذي أنهك حياته.

كم جذبتني الكتب التي تتحدّث عن الأب، عن الأب والابن، عن حبّهما واحداً للآخر أو عن كراهيتهما أباً لابن، ابناً لأب. كنت كلّما وقعت على رواية تدور حول هذه العلاقة المعقدة والمبهمة، أحتفظ بها. حتى النصوص التي يمرّ فيها ذكر الأب كنت أضمّها إلى أدراج مكتبتي. كنت أبحث بنهم وبالخفية عن مثل هذه الكتب، أياً يكن مصدرها أو أصحابها، بالعربية أو بالفرنسية أو معرّبة. وكثيراً ما شعرت أنّ الصدفة تتيح لي أن أقع على مثل هذه الكتب. وكنت أقرأها بشغف الابن الذي هو انا، الذي ليس أنا، الذي يبحث عن صورة لأب كان يوماً أباه. أتذكر كيف بهرني كتاب للبريطاني روديارد كيبلنغ الذي كنت أتحاشى قراءته جرّاء مقولته الشهيرة التي راجت في عالمنا العربـي: "الغرب غرب والشرق شرق ولن يلتقيا"... قد تكون هذه المقولة صحيحة لكنّ ما دفعني إلى كرهها أنّ الشرق هو المُدان هنا وأنا شرقي، ما يعني أنني أنا المُدان... الكتاب الذي جذبني سمّاه كيبلنغ "ستصبح رجلاً يابُنيّ" وأُرفق بعنوان آخر "رسائل إلى ابني". لكنّ الكتاب ضمّ رسائل متبادلة بين الأب وابنه. ورسائل الابن كانت آخر ما تبقى منه بعدما فُقد في الحرب بين بريطانيا وألمانيا واختفى فلا بان له جسد ولا أثر. كان جون في السابعة عشرة عندما التحق بالجبهة الفرنسية عام 1914. ومن هناك كان يراسل أباه، وهناك في الجبهة كان يتلقّى رسائل أبيه. كان الأب يتودّد إليه مسمّياً إياه "عزيزي العجوز" وبدا في رسائله كأنّه يعيش ألم الابن أكثر من الابن نفسه. يشجّعه ويخفف من وطأة عزلته وقسوة الحياة العسكرية. أما الابن، الذي هو العسكري، فكان يلاطف أباه قائلاً له: "عزيزي الأب" وكأنّه صديق وليس أباً. رسائل عاطفية تدمع لها العينان، وقوّتها في ما تحمل من ضعف، ضعف الأب أمام الابن، وضعف الابن إزاء أبيه... مرض كيبلنغ بعد رحيل ابنه، والأحرى بعد اختفائه وعدم عودته إلى منـزل الأب.