صفحة 1
هيثم
اشتقت لزافين···
هذا ما ردده هاني الذي تلقبه أمه بهنوش لنفسه وهو في طريقه بسيارة الأجرة التي أقلته من المطار شبه المهجور في أطراف ولاية يوتا الى الفندق الذي لا تحيط به سوى حقول الذرة ··· حقول ذرة لا تنتهي وسهول شاسعة وكأن الاختراع الذي يسمى جبالاً كان قد ألغي فجأة من الوجود···
دخل هنوش الى الغرفة التي استأجرها عن طريق الإنترنت في أطراف يوتا ليقضي فيها بعض الوقت ريثما يستلم شقته الجديدة، التي أستأجرها عن طريق السفارة في إطار منحة الدكتوراة التي حصل عليها لثلاث سنوات في جامعة يوتا في موضوع علم نفس ما بعد الصدمات
وفعلا فقد كانت صدمته كبيرة جدا ··· فكل شيء وكأنه نسي أن يكون ··· موت وحقول ذرة··· وعربات تجارية ومطاعم همبرجر منسية ولا أحد يمشي في الشارع··· أين الناس؟؟؟ أين بلاد العجائب؟؟؟··· ثلاث سنوات··· أي عجيبة تعيدني الآن الى عصرونة شجية في حينا الحبيب في ديانا ··· هذا ما صرخت به نفس هنوش وهو يضع حقائبه التي أعدت للسنوات الثلاث أرضا··· ثلاث سنوات ··· اشتقت للناصرة ولأمي ولنانا ومنال وميرا ···· اشتقت حتى لزعران البلد، أتمنى أن يضربني أحدهم الآن ويهشمني- لأنني لم أعطه مجالا لتجاوزي بعربته- على أن أكون هنا···
هنوش الذي حارب بشراسة للحصول على هذه المنحة في أمريكا وقضى معظم العام المنصرم بين الناصرة وتل أبيب، حتى إنه حفظ معظم ملامح الطريق عن ظهر قلب، وكل ذلك من أجل إتمام إجراءات المنحة· والطريف أن قبوله النهائي للمنحة جاء في يوم الأربعاء 21 تموز أي في يوم اندلاع الحرب···· ومن يومها لم يذهب الى تل أبيب بل ظل في الناصرة يتابع الحرب وينتظر صفارات الإنذار ويتهيأ للسفر، حتى إنه لم يدقق تماما بتفاصيل المنحة جغرافيا ··· المهم أنها عبر البحار ··· في أمريكا··· وانتهت الحرب وجاء موعد السفر بعدها بعشرة أيام ··· وهكذا···
الحرب··· هذا الصيف المجنون ··· وكأنه تكاثف خصيصا كي يذكّر هاني مرة واحدة وللأبد بالفرق بين المكان واللامكان··· الحرب ··· الصواريخ ··· المجازر في الجزيرة ··· بين بيروت الحبيبة وحيفا··· هذا الحوار الأسطوري المؤجل ··· التجاهل الصارخ للحرب في الناصرة ··· صفارات الخامسة مساء والانفجارات المريبة··· السادس من آب ··· الرابع عشر من آب في الساعة الثامنة··· وها هو يذكّره وبامتياز ····
استلقى هاني على السرير بعد أن شعر أن صخرة عظيمة تجثو على صدرة وتدفعه نحو جب أسود عميق ··· عميق جدا··· هاك لحظة من الوحدة النظيفة الخالصة التي لا يشوبها شيء ولم يتم خلطها بأي عنصر مخفف ··· وحدة أصلية بكر··· أجهش هاني ببكاء مرير يبكيه المرء لنفسه عندما يكون متأكدا أن لا أحد يسمعه ··· ولا أحد سوف يسمعه··· أبدا ···
صفحة 2
اليوم الاثنين ···· برنامج زافين سيرة وانفتحت عن سيكولوجية ما بعد الحرب··· في يوتا··· بالتأكيد··· لو أنني أنصتُّ الى أمي وتزوجت قبل أن أسافر!!!
حول هاني النظر مرة أخرى من نقطة العدم التي يوجد فيها والتي تمتد لثلاث سنوات متواصلة وقرر الاستمناء لسببين، الأول: من أجل التواصل مع جسده الذي انسلخ عنه مدة السفرة الطويلة الى المقبرة الموعودة هذه؛
وثانيا : لتفريغ الشحنات ··· والنوم ربما···
ولكن عبثا ··· دون جدوى··· لم ينتصب ذكره هذه المرة··· من شدة الوهن·· بل تنملت يده من شدة المحاولة·
أشعل هاني التلفاز كعادة الأشخاص في اللحظات الأولى عندما يكونون لوحدهم في الفنادق·· وأخذ يقلب بين المحطات التي كانت تتداول أخبارا محلية جدا عن سرقات بنوك وندوات عن اللحمة الاجتماعية ··· استقر هاني أخيرا على محطة بيئية تبث عملية التهام مجموعة من الأسود لفيل ضخم···
كانت الغرفة مرتبة جدا ومحيطها صامت جدا وكأن أشباحا كانوا قد جهزوها وفرّوا مللا ···
كان هاني ما يزال يستلقي داخل الهاوية ، يفكّر في الغد وما بعده وما بعد بعد بعده عندما لاحظ وجود ورقة مكتوبة بخط اليد في سلة المهملات الفارغة وشبه المعقمة··· تناول هاني الورقة التي كانت بالإنكليزية···
عزيزي جون
عندما تقرأ هذه الرسالة سوف أكون في طريقي الى سان فرانسيسكو عند جيسيكا ··· وأخيرا وبعد أن اكتشفت ميولي الحقيقية لا أستطيع مواصلة العيش معك وهنا بالذات··· لا مفر من التغيير ··· وقد آن الأوان لذلك ··· سوف أترك لك الأولاد هنا منعا للصدام بيننا، وأرجوك أن تهتم بهم وأن تزوروني أيضا·· وأعتقد أنه قد حان الوقت لكي تتحمل قليلا من المسؤولية في البيت وفي حياة أولادنا··· قبلاتي للجميع ··· لنانسي··· ليندا··· وهيثم···
آسفة
المحبة
دي
هيثم ؟؟ قالها هاني بصوت مرتفع···· وهرول الى الحمام باحثا····
صفحة 3
وكأننا في دولة أخرى
بعد سنوات طويلة لم تطأ قدمه هناك ···· عاد جاد الى القدس···· كي ينتحر فيها··· وقد جاء اختياره سريعا دون تردد يذكر··· لأنه طالما اعتبرها مدينة تفوق عظمة صمتها في كل ما يحيطها من أمور عابرة··· وكأنها تمد لسانها ساخرة من كل من يعبر أزقتها بخجل غير عارف ماذا يفعل بنفسه بعد ذلك··· لا شيء في القدس أهم منها ذاتها ··· فما أحلى النهاية فيها إن كان لا مفر منها··· لقد فقد جاد معنى الأشياء في الأطراف البعيدة وأصبح مركز كينونته مراكز متعددة غير مهمة ··· دون وقع حقيقي يظلل الأشياء ويقودها نحو نقاط ترقّب مثيرة··· حتى غدا داخله يتآكل ببطء وباستمرار طوال الليل والنهار··· صار التآكل ملازمًا لحركته··· أصبح للتآكل صوتٌ عال لا يسمعه سواه···· كان جاد يعشق المواقف الدراماتيكية لذلك اختار القدس لتنفيذ خطته، واختار فندقا متواضعا في البلدة القديمة كي يشكل موقع الحدث··· وألذ ما في الأمر أنه قرر الاتصال من هناك بمن أحب طوال حياته ممن غدرهم وغدروه؛ ليترك لهم رسائل مفعمة بالشعرية الداماتيكية وبكلمات طالما تمنى أن يقولها لهم ولغيرهم··· كلمات مثل·· وداعا صار متأخرا هذا مصيري ولا مفر منه لا فائدة ولا جدوى لقد كان مجرد تفكيره بصياغة رسالة وداع قصيرة لرلى مثلا··· تجعله يثار فجأة مقتربا بتسارع من جذوته···
كان اليوم هو الأربعاء الموافق للثاني عشر من تموز من عام ألفين وستة···
كانت طريق تل أبيب القدس تتبدل كلما اتجهنا شرقا، وتحديدا بعد مفترق باب الواد الشهير، حيث تتحول الطريق المستقيمة القاحلة والمنزوعة من أي معنى الى مجمع جبلي متصاعد من الأسرار والرموز والرهبة والترقب الذي كونته السنوات···· آلاف السنوات··· وكأن ثمة أجراسًا يتعاظم صوتها وتتنافس الهمسات داخلها كلما اتجهت سيارة السرفيس أكثر وأكثر نحو بوابة المدينة ···
ساد التوتر غير المفهوم فضاء السرفيس، وأطلق بعض الركاب تمتمات فاشية نسبيا بالعبرية ··· وفي المذياع تحدثوا عن جنود خطفوا··· وآخرين قتلوا··· وحرب وشيكة·· وتجنيد الاحتياط··· وضرورة الرد···· والمناعة الداخلية···· وقوة الردع··· ونصرالله وجنوب لبنان وأولمرت وبيريتس··· وضرورة الرد··· والصواريخ التي يملكها حزب الله··
كان الصراخ داخل الأجراس أقوى من أية مرة أخرى دخل فيها جاد إلى القدس من قبل·· وكانت رائحة خريف قادم في عز الصيف···
ترجل جاد عابرا شارع يافا شرقا عبر البلدية والنوتردام ثم اتجه شمالا نحو باب العامود··· حيث كان الغروب يزحف مختلفا··· وفي باب العامود تذكر أنه لا يملك علبة سجائر إضافية فعاد أدراجه ودخل الى سوبرماركت في شارع صلاح الدين·· وهناك كان الزبائن والبائع الكهل يتجمعون أمام التلفاز ويتابعون قناة المنار اللبنانية والتي كتب على شاشتها···· الوعد الصادق
تمازجت الروائح بصيحات الباعة والزبائن ودفق الزمن المداهم بعذوبة··· في أزقة البلدة القديمة ···
صفحة 4
دخل جاد الى الغرفة الصغيرة في الفندق المتواضع الذي يدعى الأندلس ··· وضع هاتفه على الطاولة···· وأخرج علبة دواء ووضعها أيضا على الطاولة ثم أخذ يبحث في أرجاء الغرفة عن كأس فارغة عبثا··· ثم فتح النافذة التي كانت تطل على أسطح متكاثفة وأطراف من المسجد الأقصى··· أخذ يتأمل طويلا سرب حمام يغادر الى حيز مضيء··· عاد يبحث عن كأس فارغة··· يحمل علبة الدواء تارة··· وتارة أخرى يعيدها الى الطاولة الصغيرة قرب السرير الحديدي بالألوان الفاقعة·· توجه أخيرا الى الحمام الذي خلع بابه ووضع جانبا وفتح الحنفية وأحضر علبة الدواء والهاتف··· حاول الاتصال ولكن الإرسال قرب الحنفية كان شبه معدوم··· حاول قرب السرير وعند الباب وداخل الخزانة وتحت الطاولة وعند حافة النافذة··· و··· و ··· ولكن عبثا··· كان الإرسال شبه مفقود··· وكأننا في دولة أخرى ····
كانت الغرفة خالية من أي وسيلة اتصال بما فيه جهاز تلفاز··· خرج جاد من غرفته حاملا علبة الدواء الزجاجية والهاتف··· وصار يتجول في أرجاء البلدة القديمة باحثا عن شيء غير محددة معالمه··· ماء···
كان الغروب قد احتل خان الزيت تماما·· وقد مثله في ذلك نسيم عليل لا يشبـه سوى أيام جميلة مضت··· وقد بدأ التجار بتوديع أحدهم الآخر بلكنة مقدسية طريفــة···
قال التاجر الأول مازحا:
أودعكم··· أنا مغادر الى الجنوب للقتال·
قال التاجر الثاني:
أتمزح؟؟
إن لم أجىء غدا ··· فاعرفوا أنني مشغول في لبنان·····
قال التاجر الثالث متهكما:
أنا باق هنا··· لأسرق زبائنكم··· أثناء غيابكم···
صعد جاد أدراج حارة النصارى باتجاه باب الساهرة·· كانت أزقة الحي شبه فارغة وكأنها تترقب لحظة محددة عظيمة ··· لمح جاد من بعيد مجموعة من الصبية يلعبون كرة القدم على الأدراج المتجدّلة وهم يتغنون بأمجاد المقاومة في لبنان وفلسطين··· اقترب جاد منهم ببطء عندما طارت الكرة باتجاهه فجأة وارتطمت بيده التي كانت تحمل زجاجة الدواء والهاتف؛ فسقط الاثنين أرضا وامتلأت الأرض البنية الناعمة بالأقراص المنومة المهشمة···
تناول جاد الكرة وركلها برجله··· وانغمس دون أن يشعر باللعب مع الصبية عندما كان المساء ينزف حنينا صيفيا··· وغدًا مرصعًا بالمجهول···
صفحة 5
غرفة واحدة في عمّان
دخلت سلسبيل الشاعرة الباحثة السرمدية عبثا عن الإثارة إلى غرفتها في الفندق العماني الفخم، وكانت قد استلمت مفتاحها الممثل بالبطاقة الممغنطة قبلها بلحظات؛ وقد رافقها إلى غرفتها عبر المصعد الواسع حامل الحقائب الخجول ذو الشارب الخفيف والجسم الرجولي المثير والطبيعي، والذي لا يشكل محصلة عمل مضن في نوادي اللياقة البدنية المنتشرة مثل النار في الهشيم، بل هو نتاج حياة ملأها العمل الجسدي الشاق منذ الصغر··· منذ أيام المخيم ربما أو ربما منذ طفولة الجنوب التعيسة في الكرك أو معان، أو ربما هو عراقي أصلا قتلت عائلته كلها فلجأ هاربا من فكرة الموت التي تتجسد كل مرة من جديد، فثلث العائلة من الذكور ماتوا في الحرب الإيرانية والثلث الثاني في معتقلات صدام، والبقية في تفجير بغدادي فتتهم إربا·· إربا···
وربما يكون سوريا طرد نفسه من لبنان بعد اغتيال الحريري وكل ما تلاه من تفجيرات وحرب··· ولجأ إلى هنا··
كانت فكرة مضاجعة حامل الحقائب فور الوصول··· لذيذة··· لذيذة جدا بمثابة فانتازيا طالما تبادلت فكرتها الصديقات في جلسات سمرهن على نسق سيكس آند ذا سيتي ··· فكرة لذيذة ومخيفة أيضا أو بالأصح مريبة··· فقد تكون الغرفة مراقبة من المخابرات بحجة أن ساكنتها ممن يطلق عليهم عرب الثمانية والأربعين حاملو الجوازات الإسرائيلية أو بوليس الآداب كما يحدث دائما في الأفلام المصرية، فتتحول التجربة الجسدية المثيرة إلى كابوس لا أول له ولا آخر، هذا إضافة الى الفضيحة والصحف والسجون وزنزانات التعذيب بالماء والأفاعي وبراز الضباط··· وقد يكون هذا الشاب عنيفا فينهال عليها بالضرب عندما يشعر أنها تحاول إغواءه؛ فتذهب الى لقاءاتها الأدبية بعيون سوداء متورمة وتخشى أن تبلغ الأمن في الفندق تجنبا للنظرات المتهمة المتفحصة···
وقد يكون من هؤلاء الذين يمنحونك جسدهم وأجمل لحظات الحب والوله والكلام المعسول ويقدمون بعدها مباشرة كشف حساب طويل··· مباشرة بعد السيجارة التي تتبع نكاحا أسطوريا أو بالأحرى تأتي كتتويج له·· ليبدأ الابتزاز ··· ساعديني وأعينيني ··· اشتري لي وأقرضيني ألفي دولار··· و·· و··· ألم أسعدك؟ ··· ألم أطفئ ظمأك؟····· قـد يكـون مخلوقـا وديعـا كالنسمة له حكاية قاسية لا يحتملها الموقف المفترض فيه أن يكون موقفا تحريريا باعثا على الأمل··· قد يكون من المخيم أو عراقيا قتلت عائلته أو سوريا أو لبنانيا دمرت الحرب مقهاه الجنوبي أو··· أو·· وقد يكون مثليا أصلا فينام معها وكأنه يتقلـب أرقا··
توجه حامل الحقائب نحو الشرفة فاتحا غطاء الستائر ثم نطق أخيرا وبلهجة مصرية:
صفحة 6
خدمة تانية يا افندم؟
ثمة لحظة غريبة ومربكة وكئيبة نوعا ما ··· تلك اللحظات الأولى التي يجد فيها المرء نفسه وحيدا في غرفة·· في فندق·· في مدينة ما ··· لحظة موحشة بغض النظر عن طبيعة هذه الغرفة ·· أجمل أجنحة برج العرب في دبي أو شيراتون الجزيرة على النيل القاهري الساحر أو الدروشستير في لندن أو أحقر نزل في بنغلاديش··· ثمة شعور يجعلنا نشعل التلفاز في الغرفة فورا بعد تسلمها وخروج حامل الحقائب منها···· حتى في جناح معلّق على أعلى قمم منهاتن··· نشعل التلفاز····
أشعلت سلسبيل التلفاز في احتدام اللحظة وقد كانت كل محطة تبدو تماما كما هي في البيت ··· فـالمستقبل هي المستقبل بالأفق غير المريح، وإل بي سي، وإم بي سي، والجزيرة، والمصرية، والسودانية، والعراقية، والفلسطينية، والليبية···· تماما كما في البيت··· حتى القناة الإسرائيلية الثانية··· قد تكون هذه هي ميزة الفنادق في عمان·· ولكن الشعور المتعاظم بالملامح التلفزيونية للبيت قادها إلى هاوية عميقة مظلمة مليئة باللاجدوى··· وبأنها باتت مربوطة بحبل سميك واحد مع كل ما تسعى للفرار منه··· أمها المتسلطة··· أبيها الأعمى·· أخيها المزيّف وزوجته البومة··· أختها الشريرة ··· جاراتها الثرثارات··· صديقاتها الحزينات··· احتمالات أمومتها المتلاشية··· هذا الزمن المندثر···
لقاءات أدبية في عمان حجة هشة للاحتفال بعيد الميلاد التاسع والثلاثين···
خرجت سلسبيل إلى الشرفة ··· كان الجو باردا ··· برد غريب بمثل هذه الساعة من العصر الأيلولي·· بيوت عشوائية بيضاء··· إلى جانب بيوت بيضاء ··· هضاب قاحلة إلى جانب بيوت بيضاء أخرى··· غبار·· بيوت بيضاء·· تماما كما في البيت····
عادت سلسبيل إلى داخل الغرفة وحولت المحطة الى إم بي سي فاليوم الحلقة الأخيرة من مسلسل يسرا···
قرع الباب بعدها بحين عندما كانت بطلة المسلسل تلطم على وجهها حسرة ومرارة، توجهت سلسبيل كي تفتح، وهناك كان ينتظرها يزن، شاب فارع بالغ الفتنة بثقب طبيعي في ذقنه، يحمل طبقًا يحتوي على كعكة يشتعل داخلها صاروخ وهمي، إلى جانبها سلطة فاكهة وبطاقة تهنئة بعيد ميلاد سعيد وابتسامة ساحرة تطلق احتمالات تتجدد ·· في زمن يندثر···
صفحة 7
علا
استلمت علا مفتاح الغرفة في الفندق المحذوف خارج الزمان في رام الله، وكأنه لا يوجد في وسط بؤرة اهتمام عالمي ··· فندق يعبر عن اعتذاره وندمه على كل لحظة حاول أن يتألق فيها··· فقد بني هذا الفندق في المنتصف الثاني من التسعينات أو بكلمات أخرى أيام العز على الطريقة الفلسطينية ··· تلك الأيام المرصعة بالآمال بغد جديد، تتحوّل فيها رام الله أخيرا وبعد عشرات السنين من الفرضيات الوهمية الى سويسرا الشرق، وعلى الطريقة الفلسطينية أيضا، بحيث تمتلىء المدينة وفنادقها المنشأة بالزوار من الشرق والغرب ···· الخليج والشام والمغرب··
عرب وعجم···· سود وبيض··· ولكن القرن الواحد والعشرين جاء مادا إصبعة الوسطى لهذه المدينة ولكل ما حولها من شعب وبلدات ومشروع دولة ··· مع أن رام الله كانت قد استقبلته بألق لا يوصف···
دخلت علا الى الغرفة وسط النظرات المترقبة والمتواطئة في آن واحد للموظفين الضجرين في الفندق شبه الفارغ···· جلست علا عند حافة السرير وأخذت تراقب من تجلس قبالتها داخل المرآة بتشكك···
رن الهاتف النقال···
- نعم حبيبي أين أنت
- متى وصلتِ؟
- الآن ··· قبل قليل
- كيف الأوضاع في حيفا
- لا أعرف!··· أين أنت؟
- حبيبتي ··· آسف سأضطر أن أتأخر··· لدي جلسة··· فجائية!!
- كم من الوقت··
- ساعتين ربما أكثر ربما أقل
- (بسخرية مريرة) على أقل من مهلك ····
- ألا تدرين ماذا حدث هنالك، مجزرة جديدة في قانا
- قانا!!!
- افتحي الجزيرة
أقفلت علا الهاتف وقد كانت في نهاية العقد الثالث من عمرها عندما تعرفت على عدنان، ذلك الرجل الوقور والمهم الفاعل في الحياة الاقتصادية في رام الله والسلطة على الإطلاق··· كان عدنان في بداية العقد السادس، متزوج ولديه من الأولاد ثلاثة، و كان يؤمن دائما، بوجوب الحفاظ على متنفس للحب والانطلاق الى جانب الحياة العائلية والعملية الملتزمة····
صفحة 8
شعرت علا بأنها عالقة داخل تلك الغرفة لمدة غير محددة··· فهي لا تستطيع التجوّل في الخارج هكذا··· لوحدها··· لأسباب عديدة···· عديدة جدا···
أشعلت علا التلفاز ثم أشعلت سيجارة، ثم رنّ الهاتف مرة أخرى··· كانت صور الأطفال المنتشلين في قانا تتوالى وتتسارع··· وكان مشهد الموتى الصغار·· مفزعا·· حيث رفع معظمهم يده اليمنى في الهواء استغاثة بائسة خلال ليل الموت الطويل···
الأحد 30 تموز 2006
- نعم ماما···
- أين أنت ··
- قلت لك في تل أبيب··
- يا حبيبتي·· الوضع سيء عودي الى البيت·
- ماما بأي منطق تتكلمين··· أولا لدي عمل هنا··· وثانيا·· الصواريخ في حيفا على ما أظن··· وليس في تل أبيب···
- متى تعودين؟
- غدا صباحا··· على الأغلب···
- لا تدخلي في جدالات مع أحد ··· لا دخل لنا بما يجري···
- لا تبقوا بحيفا اليوم··· من المؤكد أن نصرالله سوف يرد بعنف على المجزرة···
- أين نذهب
- لا أعرف··· الى بيت لحم·
- على فكرة ··· اتصلت بك رغد···
كانت ردود الفعل على المجزرة تتتابع بسرعة لم تنافس سرعة ورود الصور أو السرعة التي كانت تشعل فيها علا السيجارة تلو الأخرى···
الرئيس السنيورة يتحدث الآن···
والهاتف يرّن أيضا···
نظرت علا إلى شاشة الهاتف بارتباك ··· قررت في ختامه الإجابة···
- رغد··· هاي !
صفحة 9
- شاهدت ماذا حدث؟
- نعم··· فظيع··· مجرمون·· أشعر أن أعصابي سوف تنهار··
- أين أنت؟
- في حيفا·
- ولكنني اتصلت بك وقالت لي طانت إنك في تل أبيب·
- ربما تبلبلت·
- أنا في رام اللة ··· ولن تصدقي مع من !
- نعم؟
- مع عدنان ··· إنه ما زال يحبني يا علا··· شكرا·· شكرا على المساعدة·
هو لا يسمعنا الآن لقد ذهب الى الحمام···
- رغد ··· يجب أن أذهب··· يبحثون عني···
كانت الجثث ما تزال تنتشل··· وكان الشبان يحطمون مقر الأمم المتحدة في بيروت·· وكانت كوندليزا تلغي رحلتها الى لبنان··· وكانت الصواريخ قد بدأت تنهمر على الشمال··· وكان الهاتف يرن مجددا·
- حبيبتي هل مللت؟
- لا··· أشاهد المجزرة·
- أنا في طريقي اليك·
- حسنا بانتظارك·
تعرّت علا بسرعة مذهلة··· ودخلت الى الحمام كي تغتسل من الحر ···· وزحام الحواجز···
صفحة 10
حميمية
استلمت هديل مفتاح الغرفة من الموظفة الروسية الهرمة التي كانت تؤدي عملها برتابة وبرودة غير متناهية·· دون أن تفارق السيجارة شفتيها الملطختين بأحمر الشفاه الفاقع، الذي ترك آثاره على الأعقاب المتناثرة في المنفضة الزجاجية القبيحة··· كان العامل العربي يمسح الأرض وهو يدندن أغاني غير مفهومة، وصاحب الفندق الكردي الأصل يتمدد على الأريكة المقابلة يضغط على أزرار هاتفه الخليوي تارة، ويهرش منطقة أعضائه التناسلية بغرائزية رخيصة تارة أخرى···
كان الفندق واحدا من تلك المنتشرة بكثرة في شارع بن يهودا في وسط تل أبيب الملامس للشاطىء، والتي تؤجر غرفها لمدة أقصاها ثلاث ساعات بسعر 25 دولارا، محتضنة بذلك عشرات مشاريع الشهوة الآنية المحتدمة، والتي ترعاها تلك المدينة الكبرى··· لم تسدد هديل المبلغ للموظفة الروسية لأن هذا يعد من اختصاص أفرايم الملقب بـإيفي، ذلك الرجل الوقور الأنيق المنحدر من أصول ألمانية بولونية مختلطة··· أصول توحي بالبرود الجنسي وانعدام الحس المرهف، تماما بعكس الواقع الذي كانت تشهده هديل مع ذلك الرجل كل مرة من جديد··· كانت هديل تلتقي مع أفرايم الملقب بـإيفي مساء أول ثلاثاء من كل شهر في المكان نفسه·· وكان لقاؤهما الجسدي يمتد ويتواصل لساعتين أو أكثر ··· ساعتين من المتعة الحسيّة الخالصة التي تمتزج فيها الكثير من الروحانيات المستترة··· التي تجعل المرء يشعر بالرضى الصافي بعد هذا اللقاء، من دون الحاجة للإمعان في التفسيرات غير المجدية··· وأهم ما يميز هذه اللقاءات الشهرية هو ذلك الصمت··· أو السكوت الاختياري··· أو عدم تبادل الأحاديث··· والمعلومات الشخصية ···· والأحوال العامة··· كل ما كانت تعرفه هديل عن أفرايم أنه مدير عام في شركة اقتصادية كبيرة في تل أبيب·· وأنه عشيق رائع يجعل من شريكته في الفراش ياسمينة تحلق في حديقة زاهية···· لم تسأله مرة عن حياته وكذلك هو··· إن كان متزوجا وإن كان يحب زوجته··· و··· و···· كان عدم الخوض في التفاصيل أهم ما يجعل من هذه العلاقة ·· أو منظومة اللقاءات··· مثيرة لطرف واحد على الأقل··· خاصة أن تبادل الحب البديع وسط كل هذا المجهول يعطي لكل طرف مساحة لا بأس بها من الإسقاطات الخصبة على الطرف الاخر··· أهم ما كان يميّز أفرايم الملقب بـإيفي أنه كان يمنح الحب بانسياب وكمال لا توحي به ملامحه الشمال أوروبية الحادة··· وأهم ما كان يميز هديل أنها كانت مولعة بذلك التباين···
دخلت هديل الى الغرفة بالتفاصيل التي لا يمكن تذكرها بعدها بدقائق··· وأشعلت التلفاز وأخذت تبحث عن المحطة العربية الوحيدة التي كانت تظهر فيها··· وفي هذه المحطة كان يبث فيلم مهمة في تل أبيب لنجمة الجماهير نادية الجندي··· كان صناع الفيلم متفائلين جدا عندما رسموا ملامح المدينة الوهمية في مشروعهم الطموح····
الثلاثاء 25 تموز 2006
كانت الجولة الأولى من جولات هديل وإيفي في ملعب الحب والرغبة··· رائعة ومليئة بالإبداع والتجديد كالعادة··· وضعت هديل رأسها على صدر إفرايم بشعيراته الرمادية الخفيفة··· متوقعة أن يسود الصمت اللذيذ حيث يحلق كل واحد في عالمه الزهري الآتي··· ولكن هذا ما لم يحدث··· فقد داهمها أيفي بسؤال لم تتوقعه··· منتهكا فيه اتفاقية الصمت النوعية المبرمة:
- ما رأيك بالحرب؟
- جيدة!!··· آسفة أقصد·· فظاعة لا تنتهي····
- الجميع يريد تدمير هذه الدولة···
- لا أعتقد·· لا تبالغ···
- لقد سقطت صواريخ بقربكم في الناصرة··· هل كنت هناك؟
- لا ··· لقد كنت في العمل·