صفحة 1
المقدمة
كتاب (جماليات السرديات التراثية، دراسات تطبيقية في السرد العربي القديم) يتناول بعض الأشكال السردية القديمة، في النص النثري القديم، تحليلاً وتأويلاً ؛ للكشف عن ذلك المخبوء المعمّى، المستتر خلف حكائية هذه السرديات التراثية، بغية إعادة اكتشافها، والانفتاح عليها من منظور أكثر اتساعًا، عبر تحليل أبنيتها السردية والدلالية ، مع الأخذ بالحسبان اختلاف السياقاتِ الثقافية لكلِّ نصٍّ منها.يُشار إلى أن السرديات التراثية تتوزع على أنواع كثيرة، إلا أن ما ورد منها في هذا الكتاب يمثل عددًا محدودًا من هذه الأنواع، لكنه في الوقت نفسه يعطي نماذج حية من هذا التراث الضخم، الذي يستحق مزيدًا من البحث، والغوص في بحره لاكتشاف ما فيه من كنوز ثقافية ومعرفية ثرة خصبة.
لقد حاولت الدراساتُ التي تضمنها هذا الكتابُ أن تكشف هذا المعمى، من خلال تناولها عددًا من هذه السرديات، بأشكالها ومضامينها المتنوعة، موزعةً على ستة فصول، يمثل كل فصلٍ منها نوعًا سرديًا معينًا، ما بين الحكاية التاريخية، والعجائبية والشعبية والمنام والنادرة:
الفصل الأول، وهو دراسة بعنوان: الحكاية التاريخية في الموروث السردي حكاية الوليد بن يزيد ويزيد بن عبد الملك قراءة تأويلية.
من البديهي أن نعرف، أن أي نص، لا يعبر عن الحقيقة وحدها، إنما يعبر عن آخرَ يعززه دليل، يغري بالكشف عنه في هذا النص، مع مراعاة خصوصيته وسياقات تأويله. وموضوع هذا الفصل حكايةٌ شخوصها حقيقيون، وأحداثها كذلك؛ فقد وقعت هذه الأحداث في العصر الأموي. لكن، أُدخلت فيها شخوص متخيلة ـ أنيطت بها أدوار ذات ملامح واقعية، من هنا، جاءت هذه الدراسة؛ للكشف عن القصد وراء ذلك، بتأويل يعطي هذه الحكاية معناها في سياقها التاريخي.
الفصل الثاني، وهو دراسة بعنوان: "الحكاية العشقية في مصارع العشاق حكاية جناية السبع على العاشِقَيْن البناء والموتيف" وهذه الدراسة تمحورت حول تقنيات السرد في هذه الحكاية، مع محاولة التوقف عند "موتيفات" بعينها تُطلّ برأسها عبر مجرياتها، وتعكس بعض ملامح السلوك الاجتماعي والمعتقد الثقافي والأخلاقي في المجتمع العربي، الذي عاش فيه العشاق قديماً. وتحدثت الدراسة – كذلك – عن إمكانية وضعِ الرواة لهذه الحكايات؛ ربما بقصد تسليط الضوء على الأعراف والتقاليد في العلاقات الاجتماعية، التي سادت المجتمعات آنذاك علاوة على التشويق والإثارة.
الفصل الثالث، وهو بعنوان: الحكائيـة ودلالـة السـرد فـي كتـاب سلوان المطاع في عدوان الأتبـاع لابن ظُفُر الصقلّي (ت 565هـ/ 1169م)، وهو عبارة عن دراسة تسلّط الضَّوْءَ على هذا الكتاب ، وتحديداً على المادةِ الحكائيةِ فيه، مع التركيزِ على حكاية "سابور بن هرمز وقيصر الروم"، التي جمعت في ثناياها نوعين من أشكال التعبير في الأدب الشعبي، وهما: الحكاية الشعبية والحكاية الخرافية (حكاية الحيوان).
وهذه الدراسة، إذ تركز على المادة الحكائية في الكتاب، فهي تحاول إبراز ملامح السردية وتقنياتها ودلالاتها، وربط ما في الحكاية -المشار إليها- من إشارات خاصة بالحكم وأولي الأمر، مع ما كان من أحداثٍ جارية في القرن السادس الهجري، وكيفية تصرف أولي الأمر آنذاك إزاءَ الأحداثِ الخطيرة، وكيف كان يجب أن يكونَ، وذلك من خلالِ شخصيةٍ محوريةٍ في العمل الحكائي المذكور، ونعني بها، شخصية وزيرِ الملك سابور.
الفصل الرابع: وهو دراسة بعنوان: المنامات في نشوار المحاضرة للقاضي التنوخي قراءة في المضمون والدلالة.
منذ قرون بعيدة، استقطبت المنامات اهتمامَ المسلمين تأويلاً وتفسيرًا، وفرضت نفسها بقوة عليهم؛ لارتباطها الوثيق بثقافتهم المجتمعية ومعتقداتهم الدينية، ولارتباطها بأعرافهم وتقاليدهم، فتحكمت بهم وسيطرت على أذهانهم، وسلوكهم، وبما أن الرؤيا في حقيقتها فعل باطني، ومجموعة من الأحداث المتخيلة في النوم، فلا يمكن أن تستنبط دلالتها أو تنكشف إلا حين تتحول إلى (سرد) يقوم به الرائي ويتواصل به قصًا أو حكيًا مع طرف آخر، وحين تتحول الأحداث المتخيلة إلى سياق سردي قصصي، عندها يصبح التأويل ممكنًا.
وتتجلى في نصوص الرؤى والمنامات ملكة التصور، والقدرة على التخيل، الذي يخرجها من التقريرية إلى الرمز، ومن المباشرة إلى التأويل، فالرؤى والمنامات تكشف المخبوء، وتعلن عن المخفي وهي في كل ذلك، تحمل أنساقاً ذات توجهات تهدف إلى أداء رسالة محددة واضحة.
يضاف إلى ذلك أن الرؤى والمنامات في التراث الإسلامي في العصر الوسيط ذات دلالات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحركة المكان والزمان، وبحركة التاريخ والثقافة، بل إنها كانت توجه إنسان ذلك العصر، حتى في قراراته وتوجهاته، لارتباطها أساساً بالتكهن وتوقع ما ستأتي به الأيام، من هنا يجدر الاهتمام بها كنوع سردي؛ حتى يتمكن الدارس من دراسة المجتمعات الثقافية المنتجة لهذه الرؤى والأحلام في ضوء المعطيات التي تتوافر عليها هذه الوحدات السردية، مما لم يرد في الموروثات الثقافية الأخرى التي أنتجتها هذه المجتمعات عينها، وأعني بالتحديد: الشعر والنثر الرسميين، وهذا عينه هدف هذه الدراسة.
الفصل الخامس: وهو بعنوان: السقطة، عامل توليد الضحك في نادرة الأدب العباسي. والسقطة، أو: Down Fall، أو: Fallhoehe، وهي: قوة التعارض بين المستوى المتوقع الحصول والمستوى الذي حصل فعلاً ". معنى ذلك: أنه في نقطة معينة، عندما يتوقع المرء استمراراً منطقياً في مستوى معين مطروح يظهر عنصر غير ملائم من المستوى الآخر، مع أنه عنصر يمكن أن يكون منطقيًا جدًا، عكس خلفيته في المستوى الآخر، وهذا التناقض أو التعارض هو مفتاح الروح الفكاهية في تلك النوادر. وهذا الفصل يهتم بهذا العامل الأساسي الذي يجعل النوادر مضحكة، إضافة إلى استعراض بعض النظريات الحديثة حول ظاهرة الضحك، وتطبيقها على ثلاث نوادر قديمة.
الفصل السادس، وهو بعنوان: من حكايات ألف ليلة وليلة: حكاية أبي محمد الكسلان، دراسة تحليلية تأويلية .
تتميّز حكاية أبي محمد الكسلان في أنها ذات سمات استقلالية: فهي لم تتولد عن غيرها، ولم يتولد عنهاغيرُها، كما هي الحال في الحكايات الأخرى. ومع ذلك، فهذه الحكاية لم تستقلّ عن الحكاية الإطار – حكاية شهرزاد - استقلالاً تاماً؛ فهناك روابط خفية تربطها بها، وهذه الروابط لا يمكن أن تستعصي على الباحث الجاد، الذي يتناول النص بالقراءة المتأنية والتأويل السليم. يُضاف إلى ذلك، أن هذه الحكاية تحتوي على مفاتيح أو (تيمات)، تشكل عوناً للدارس على كشف المبهم، وفك الغامض. وحكاية " أبي محمد الكسلان" كمثيلاتها في "الليالي"، لا تنسلخ عن البيئة العربية والثقافة الإسلامية: ففيها مواقف عدة وإشارات واضحة تنم عن ذلك، مع ما فيها من العجائبية والغرائبية، ومع ما فيها من الجن والعفاريت. وقد حاولت هذه الدراسة الوقوف على ما خفي وراء ذلك كله، من خلال تأويل معطياتها.
وأخيراً، أرجو أن أكون قد أضفت ولو نقطةً، إلى بحر الدراسات السردية الحديثة، التي لا تزال تبحث في الموروثات السردية القديمة عن ضالة لم تجدها بعد، والله ولي التوفيق،
مي أحمد يوسف
عمان في 21/3/2011 جامعة اليرموك
صفحة 2
الفصل الأول
الحكاية التاريخية في الموروث السردي
حكاية الوليد بن يزيد ويزيد بن عبد الملك
توطئة
تزخر كتب التراث الأدبي العربي بمواد حكائية، جاءت في معرض سرد لبعض الأخبار، والنوادر والأمثال، فيصدق على معظمها أنه عبارة عن مجموعة من القصص الإخباري، ونعني بذلك: الحكايات والأسمار الكثيرة والأخبار المشتتة الألوان، متشعبة الأهداف. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام، أن الخبر التاريخي يظل " مجرد خبر إلى أن يغادر التاريخ إلى الفن، في حال تشكله وفق أصول الفن القصصي، بل ربما يبارح دائرة القصة إلى دائرة الحكاية الشعبية إذا أسرف الخيال في تصويره وأضفى عليه من المبالغة..." وربما كان هذا سبباً لانجذاب القارئ العربي إلى مثل هذه المواد الحكائية، علاوة على عناصر التشويق الأخرى، التي أخرجتها من طابعها التاريخي الجامد وأدخلتها في إطار الحكاية، حتى الشعبية منها. فأكب عليها قارئها مستزيدًا منها، مفتشًا بين حناياها عن الوقائع التاريخية، خاصة ما يوحي بالصدق منها: فمرة يصدقها، وأخرى يبعدها، ليس مكذبًا وإنما مستغربًا دهشًا. هذا الشعور بعينه ينتاب قارئ حكاية الوليد بن يزيد وابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك: فشخوص هذه الحكاية حقيقيون، وحادثة الثورة أو التمرد حقيقية، ذكرتها كتب التاريخ التي أرّخت لتلك الحقبة من الزمن، بل إن القضاء على الوليد كان حدثًا حقيقيًا. وما لم يكن حقيقيًا بين هذه الأحداث، ما أُدخل في الحكاية من شخوص حكائية متخيلة، وما أُنيط بها من أدوار خلعت على الحكاية ملامح واقعية لتبدو أكثر إقناعًا. فكأن واقعيةَ ملامحِها هنا كانت بديلاً للسند، الذي اختفى في مقدمتها، على غير ما تعودنا أن نراه في مثل هذه المواد في كتب التراث، خاصة المجاميع الأدبية منها، وكأني بسارد الحكاية أو مؤلفها، قد اكتفى بهذا عن السند. على كل حال، فإن الأدوار التي قامت بها شخوص الحكاية التاريخية الطارئون عليها لم يُقصد منها أن تكون شاهدًا على ما حدث بعينه، ولا تدليلاً على صدق واقعة بعينها، بل هي مكمّلة لعناصر متخيلة فيها، من أجل الوصول إلى القصد الذي من أجله حيكت الحكاية. ولا يتم الكشف عن الغرض ولا التصريح بالقصد، إلا بالتأويل الذي يعطيها معناها في سياقها التاريخي، وهو الذي يميز بين فهم محتوى الحقيقة وفهم المقاصد، دون أن يرتبط – كشرط – بإدراك الحقيقة، بل بقدر البحث عن المحتوى الكامن في التعبير.ولا يفوتنا هنا أن نذكر، أننا إذ نقوم بذلك، فإننا نستلهم من النظرية الحديثة ما يتلاءم مع طبيعة هذا النص القديم، دون أن نعمد إلى تطبيق حرفي لهذه النظرية، حتى لا يتحول التأويل إلى عمل مجرد من كل روح.
الحكاية
الحكاية موضوع الورقة، وقعت أحداثها في العصر الأموي، وهي تحكي ما وقع بين الوليد بن يزيد، وابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك: إذ لما بلغ الوليدَ ابن يزيد أن ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك قد شرّد عنه القلوب ونازعه في ملكه، احتجب عنه سُمَّارُه، دعا يومًا خادمًا له وأمره أن يمضي متنكراً إلى بعض الطرق، ويأتي له بكهلٍ رثّ الهيئة، يمشي الهوينى وهو مطرق، فجاء له بواحد. فلما رآه الوليد سأله إن كان يُحسن المسامرة، فأجابه الكهل إجابات فيها ذكاء وحكمة. ثم أخبره الخليفة بشأن رجل من رعيته – دون أن يصرح من هو – يسعى في ضر ملكه، فرد عليه الشيخ أنه سمع بذلك، فبادره الوليد بطلب النصيحة بهذا الشأن! وفي الحال سرد له الشيخ حكاية عبد الملك بن مروان عندما خرج لقتال عبد الله بن الزبير في مكة، وكان عمرو بن سعيد بن العاص معه في الحملة، فادعى الأخيرُ المرضَ، ورجع إلى دمشق واستولى عليها، ثم خطب في الناس محرضاً إياهم على الخليفة. فلما سمع عبد الملك ذلك، لم يشأ أن يعود إلى دمشق، وصمم على المضي إلى ابن الزبير. فلما رأى تخاذل بعض ولاته عنه، سارَ حتى انتهى إلى شيخ ضعيف سيء الحال ، سأله عن عسكر الخليفة أين هم؟ فقال له الشيخ: وما سؤالك عنهم؟ فأخبره أنه يريد الالتحاق بهم، فنصحه الشيخ بعدم فعل ذلك؛ لأن الأمير - ويعني به الخليفة عبد الملك - قد انحلت عرى ملكه، وأن نهايته وشيكة. عندها طلب عبد الملك رأي الشيخ، فيما يجب عليه أن يفعل، فأشار عليه أن يتيقّن أولاً من وجهة الأمير: إذا كان سيذهب إلى ابن الزبير فإنه مخذول وعليه اجتنابه، وإن كان سيعود إلى دمشق لاستردادها من عمرو بن سعيد فليرجُ له السلامة. وبعد جدال بين عبد الملك والشيخ حول حالته مع ابن الزبير، وحالته مع عمرو أجابه الشيخ: أنه إذا حارب ابنَ الزبير فسيكون بصورة الظالم؛ لأن ابن الزبير لم يغتصب ملكه، وأما إذا حارب عمروَ بن سعيد فإنه سيكون بصورة المظلوم الذي ظلمه من اغتصب ملكه، وضرب له مثلاً من قصص الحيوان حكاية ثعلبين، هما: ظالم ومفوِّض: احتلت الحية جحر ظالم ولم يستطع العودة إليه، فسار حتى وجد جحراً، فسأل عن صاحبه وأُخبر أن اسمه مفوِّض، فناداه ورحب مفوض به، وسأله عن حاله فأخبره، ثم عرض عليه أن يبيت عنده حتى يجد له حلاًّ. إلا أن ظالماً طمع في جحر مفوِّض لسعته وحسنه، ورتب في نفسه مكيدة ليستولي عليه، ولكن المكيدة ارتدت عليه وبالاً، إذ مات محترقاً، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه! كما قال مفوّض!!
صفحة 3
(التأويل) ما هو
التأويل، أو فن التأويل، كما يفضل بعضهم تسميته، هو: "فن بمعنى طريقة الاشتغال على النصوص، بتبيان بنيتها الداخلية والوصفية ووظيفتها المعيارية والمعرفية، والبحث عن حقائق مضمرة في النصوص، وربما المطموسة، لاعتبارات تاريخية وإيديولوجية، هو ما يجعل التأويل يلتمس البدايات الأولى، والمصادر الأصلية لكل تأسيس معرفي وبرهاني وجدلي".تعود الفاعلية التأويلية بجذورها إلى المصطلح الإغريقي Hermeneutics، وكان هذا المصطلح يغطي الحقل الدلالي لمعاني: التعريف، والشرح، والترجمة، والتفسير، والتأويل. فقد كانت الهيرمينوطيقا تعني – في معناها التقليدي – نظرية التأويل أو علم التأويل ،ومعناه: أن يؤول المرء أو يترجم إلى لغته الخاصة أمراً ما يستوضحه ويجعله قابلاً للفهم، بمعنى أن هذا الفن يرتبط " بتيسير ما ليس في طاقة الإنسان وتحويله إلى صورة مفهومة".
من المعروف أن مصطلح الهيرمينوطيقا ارتبط بالنشأة الدينية، وبالتحديد: بقراءة النصوص المقدسة قديماً. وقد مارسها الإصلاحيون اللوثريون، الذين دعوا إلى حرية غير منقوصة في قراءة الإنجيل، وإلى فهم محتوياته دون إكراه. فكانت هذه الدعوة إلى فهم النص الديني المسيحي أساسًا لنشأة فن التأويل، حيث فتحت - هذه الدعوة - الباب أمام الهيرمينوطيقا ليتسع مفهومها، ولينتقل من مجال علم اللاهوت إلى دوائر أكثر اتساعًا تشمل كافة العلوم الإنسانية بما فيها الأدب.
أما التأويلية المعاصرة، فقد ارتبطت باسم الفيلسوف الألماني جادامر Heinz George Gadamer، وكانت نظرته التأويلية قائمة على الفهم والإفهام، منطلقة من مفاهيم ثلاثة رئيسة عنده: التفسير والفهم والحوار، " وهذا يعني أن التفسير يتطلب دائماً الفهموينطوي عليه بالضرورة. ولكن الفهم من ناحية أخرى لا يمكن أن يكون فهمًا حقًا إلا من خلال حوار" وقد عمل جادامر على صياغة جديدة للتأويل وللنظرات التأويلية التي وضعها أشهر فلاسفة التأويل، وبالأخص: شلايرماخر،Schleiermacher رجل اللاهوت الألماني (في أوائل القرن التاسع عشر)، وفيلهيلم دلثي، Wilhelm Delthy، وذلك في كتابه: (الحقيقة والمنهج). فقد اتخد جادامر منهما، أي من: "الحقيقة والمنهج" إطاراً لتحليل الظاهرة الفنية وعلاقتها بنوعين من الفهم: أحدهما جوهري، متعلقبمضمون الحقيقة، والآخر قصدي مرتبط بمقاصد المؤلف، وعلى ذلك "تقتضي وظيفة التأويل انتاج فهم للدلالة يراعي خصوصية النص وسياقات تأويله" .
وأما الشخصية الرئيسية الأخرى في (الهيرمينوطيقا)، أو فن التأويل الفلسفي، فهو: بول ريكورPaul Ricoeur (المولود عام1913)، وهو يرى أن "هدف الهيرمينوطيقا يشمل إنجاز المرء ذاته، فالذات، التي هي موضع تركيز أولي في كتابات ريكور، لا يمكنفهمها من خلال شكل من أشكال الفحص الديكارتي المباشر، بل عن طريق التفاف عبر الأعمال الثقافية، وخصوصاً الأعمال الأدبية". ويرى ريكور أيضًا، أن الممارسة التأويلية تجعل من الذات المؤوِّلة مصدرًا لمعرفة أساسها "يقينية الوعي الذي يتخذ من مقصد المؤلف مصدره، ومن النص معطاه، ومن القارىء دوره ".
فالقراءة التأويلية أولاً وآخرًا تسعى إلى فحص النص داخليًّا وربطه بسياقه العام خارجيًا. وعلى هذا فإننا لا نجاوب الصواب إذا قلنا: إن التأويل "إصغاء لما يقال، وما لم يُقل على السواء. التأويل لا يتركز فحسب على ما يصرح به النص. من الضروري أن نذهب إلى ما وراء النص بحثًا عنه". وعلى ذلك، فإن التأويل يرتبط بالموضوعات التي تمتلك معنىً عميقاً، أي: أن المعنى الطافي على السطح ليس هو مجال اشتغال هذا الفن.
حكاية الوليد بن يزيد ويزيد بن عبد الملك، قراءة تأويلية:
تجدر الإشارة هنا، وقبل البدء في تأويل الحكاية وعناصر تشكلها، أن نذكر: أن حكاية الوليد هذه تروي خبراً، وهو: "جنس سردي تراثي" كما نعرف، وهذا الخبر (الحكائي التاريخي) لا يخلو من أثر كلي، وهذا عينه شرط من شروط تحول الخبر إلى قصة، عند هذه النقطة نقترب من التشابه بين النص التاريخي والنص الأدبي: كلاهما يبحث عن حقيقة وعن الوضع الإنساني أو الوضع التاريخي "ومفهوم الحقيقة يرتبط بالقصدية المشترطة لكل أنماط فعل السرد" . يضاف إلى شرط الخبر أعلاه شرط آخر، هو: أن يكون لهذا الخبر بداية ووسط ونهاية، بمعنى: "أن ما يسمى بالحدث يجب أن ينتهي إلى لحظة كشف أو ختام يمنح الحادثة مغزاها، يُسمى لحظة التنوير" وعلى الرغم من مظهر حكايتنا البسيط، إلا أنها لا تخلو من بعض تلك الشروط، وسنوضح هذا لاحقًا.
أشرنا إلى أن هذه الحكاية تتضمن أحداثًا حقيقية، هذا صحيح: فهي – من جهة - تأريخ لحوادث وقعت، كانت ذات أثر كبير على مجريات الأمور أيام الدولة الأموية، ولكنها من جهة أخرى هي حكاية، من حيث داخَلَها عناصرُ تخييليةٌ. هذه الحكاية " تستحضر تاريخًا أكثر مما تقدم تاريخًا محكيًا " ، وسيلحظ القارىء - في هذا النص - إنتاج أحداث، لم ترد في التاريخ، بل لم يستطع – هذا التاريخ -الكشف عنها.
ومما يجدر ذكره هنا، أن حكاية الوليد وابن عمه يزيد قد وردت في كتاب (سلوان المطاع في عدوان الأتباع) لابن ظفر الصقلي، (توفي 565هـ) والعصر الذي عاش فيه ، و هو القرن السادس، هو القرن الذي شهد النزاعات السياسية، والانقسامات الحادة داخل الدولة العربية الإسلامية، وكذلك النزاعات بين شيعة وسنة، وبين عرب وترك. وقد أضعفت هذه الانقسامات المسلمين، وأدت إلى استيلاء الصليبيين على معاقلهم في: أنطاكية وبيت المقدس، وقيسارية وعكا وبيروت وصيدا وطرابلس في بلاد الشام، وهزيمة الفاطميين في مصر. ومما لا شك فيه، أن إيراد هذه الحكاية في هذا الكتاب له دلالته: فقد تمحورت أهداف ابن ظفر في كتابه المذكور حول "تجديد الوعي بإمكانية استمرار الدولة وتنظيمها، وبنائها على الإيمان. وكذلك تطويرها بالاستناد إلى الصورة القديمة المثالية لدولة الخلافة الإسلامية ..." . كما أن استدعاء التراث القديم في هذا الكتاب، وتحديداً حكاية الوليد هذه، لم يكن بهدف تثبيت أهلية السلطة وشرعيتها، لأن هذا الأمر لم يعد ملحًّا في ظل تهديدات فرضتها ظروف الحروب الصليبية كما أشرنا. لذا، فإننا نجد أن "البحث عن مقومات الذات والهوية المفتقدة هو الأساس" في ظل تلك الظروف الحرجة. المؤلف لم يشر إلى ذلك صراحة، ولكن هناك ما يدلل على هذا في سلواناته: ففي حكاياته كلها وحتى في قمة تأزمها، يتجسد الأمل عنده (بمنقذ) يتخذ عنده شكل الحكيم مرة، (كما هي الحال في حكايتنا)، وفي شكل وزير حكيم مرة أخرى، أو في شكل رجل دين مرة ثالثة. ولا غرو إذا ادعينا – في هذا المقام - "أن مثل هذه الحكايات تتخذ منحى أخلاقياً، فتكافىء الخيّرَ بما قدمه من خير، والشرير بشره"، ويظهر الشيخ - بعد ذلك - للمأمون في حكاية أخرى، فكأني براوي الحكاية أو مؤلفها - في سرده - قد: "عاقب بين فصل سردي متخيل، وفصل وثائقي" منتزع من التاريخ؛ ليشير على المأمون بما عليه أن يفعل في خلافه مع الأمين .
صفحة 4
قصة داخل قصة
أول ما سنشير إليه، في معالجتنا للحكاية التاريخية موضوع الدراسة، أن القصة داخل القصة قد برز استخدامها هنا، بمعنى: أن هناك حكاية تولدت عن الحكاية الإطارية،أو الحكاية الأم وحكاية أخرى تولدت عن الحكاية المتولدة الأولى، والربط بين مثل هذه الحكايات المتولدة يجب أن لا يكون مفتعلاً، وأنا أعتقد أن الربط في حكايتنا لم يكن مفتعلاً أيضًا، فقد جاءت الحكاية المتولدة الأولى – كما يبدو من مجرياتها - جواباً عن السؤال أو القضية الواردة في الحكاية الإطارية، وهي حكاية الوليد وابن عمه يزيد. فحكاية عبد الملك تحتم انبثاقهـا عن الحكاية الأولى ، ونراها تستمر في نطاقها، مع أنها جرت في زمن آخر (قبلها)، لشخصيات أخرى، ولكنها تتسم بالأجواء نفسها التي وسمت الحكاية الأولى، بل إنها تتشابه في المعطيات ذاتها من تمرد وثورة، وبحث عن مخرج من المأزق الذي وقعت فيه الشخصيتان المحوريتان في الحكايتين: الإطارية، والمتولدة الأولى. وكذا حكاية الحيوان التي تولدت عن حكاية عبد الملك، فقد جاءت موضحة لها، ومدلِّلَة على ما طُرح فيها من مسائل. صحيح أن كل حكاية من هذه الحكايات يمكن أن تكون مستقلة، إلا أنها يمكن أن تندمج مع الأخرى؛ فكل منها يؤدي في النهاية إلى غرض حدده المؤلف سابقًا؛ إذ لا يمكننا "أن نتحدث عن تأويل محدد ما لم نفترض سلفاً قصدًا للمؤلف يوجه ذلك التأويل"، وهذا ما ذكرناه سابقًا عن هدف مؤلف الكتاب الذي وردت فيه الحكاية.الحكاية الأولى – كما أوردنا أعلاه – تدور حول شخصية الوليد بن يزيد، الذي يتناهى إليه أن ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك يثير الناس عليه، وقد شرّد القلوب عنه، و أخذ يشعر أن الدنيا قد أطبقت عليه بفكيها، وغدت موليةً عنه، منذرة بقرب الأفول، فما كان من المؤلف أو الراوي، في هذه اللحظة إلا أن أقحم عنصر التخييل بابتداع شخصيات متخيلة بدءاً بشخصية الخادم، وانتهاءً بشخصية الشيخ الذي أحضره هذا الخادم للوليد، وكأني بالخليفة هنا كان يتوسل العون والنجاة من أي جهة كانت، طالما تنطبق عليه الصفات التي تجسد طوق النجاة له، فكان هذا الشيخ، الذي كان يلبس رث الثياب، ويمشي الهوينى مطرق الرأس، ضعيفاً. لقد ملك اليأس على الوليد نفسه، فلاذ بما يخرجه منه: التجربة والحكمة وصواب الرأي:
فالشيخ كان طاعناً بالسن، وهو على هذه الحال يمثل التجربة الثرة والحكمة الصائبة والمعرفة الواسعة، وكان رث الثياب، تبدو عليه علامات الزهد، والعزوف عن الدنيا، ميمِّماً شطر الآخرة: فمظهره ينبىء بأنه لم يكن يرجو من الدنيا أكثر من الذهاب منها بسلام، لذلك، اعتقد (الوليد) أن نصيحة هذا الشيخ ستكون خالصة، لا يرجو من ورائها كسبًا ولا مغنما، وربما كان هذا المظهر هو الذي بث في نفسه شيئاً من الراحة والطمأنينة، يظهران في تبسطه بالكلام مع الشيخ فيما بعد. تسلسلُ الأحداث – عند هذه النقطة– يجعلنا ندرك أن "السرد قد يكشف الحكمة كما قد يخفيها، بل لعله يخفيها أكثر مما يكشفها"، كما سنرى فيما بعد.
نعود إلى الشيخ (الحكيم): إنه يمشي الهوينى، لأنه ضعيف لا يقوى على شي – أو هكذا يبدو -، فهو لهذا مأمونُ الجانب، لا تُخشى منه وثبة ولا تمرد. وهذا ما أراده الوليد: فقد عانى من هذا التمرد شيئاً كثيراً. وربما أراد مؤلف الحكاية أن يُذكّر القارىء بأن الإنسان ضعيف حتى لو بلغ من السلطة والقوة ما لا يتخيله عقل ولا يتوقعه إنسان، فما بالك في من يطلب العون من ضعيف؟ فهو إذن أكثر ضعفاً منه! هنا يبدو الوليد ضعيفًا، وأنه لا يستطيع أن يرى السبيل الواضحة للخلاص من المأزق؛ فتراءت له أمنية الخلاص حلمًا على هيئة رجل رث الثياب ضعيف، ودَّ لو يكون هذا الحلم حقيقة أو هكذا أراد مؤلف الحكاية لهذا الموقف أن يبدو. الضعف صفة إنسانية يراها الإنسان في غيره ولا يحب أن يراها في نفسه، ففي حقيقة الأمر هنا، أن الشيخ الضعيف كان مرآة الخليفة رأى فيها حقيقته ، ولكنه لم يجرؤ على الاعتراف بها أو مواجهتها، فجسَّدها في غيره، هرباً من وقعها عليه، فجعله ذلك ينشد معجزة تنتشله مما به! وهذا ما يؤكد أن وظيفة الحكاية التاريخية ليست مجرد توصيل الأخبار أو المعلومات فحسب، بل إنها – أيضاً – " الإثارة إلى حد المشاركة الفعالة بين رسالة ذات معانٍ متشابكة ، ومستمع أو قارىء". هذا الطلب الذي تمنى الوليد أن يراه في هيئة شيخ، عنصر تخييلي أُقحم في الحكاية، فاختلط فيه الخيال مع الحقيقة، بل إن هذه الشخصية بلغت درجة قصوى من التخييل: "فهي شخصية مستمدة من عالم ما ورائي ممعن في الخيال... لذلك لا إمكان للتعامل معها إلا من وجهة نظر قصصية؛ باعتبار أنها لا تحيل على واقع حقيقي بقدر ما تحيل على عجيب الأدب وغريب الإبداع"، وهذه الشخصية، بالمهمة التي أنيطت بها، هي التي أخرجت الحكاية من آلية التاريخ الجامدة إلى حيوية الخلق والتخييل، وهذا أيضاً ملمح من ملامح الحكاية الشعبية: "فمن المألوف في هذه الحكايات أن يظهر (للبطل) في ساعة يأس رجل شيخ، يقدم له العون، أو حيوان خيِّر ينقذه من مأزقه"، وكان أن ظهر هذا الشيخ، وحسم الحيرة التي كانت مسيطرة على الوليد،الذي لم يستطع أن يحقق المعرفة اللازمة ، التي يستطيع بها أن يخرج من أزمته مع ابن عمه (الذي يمثل بالنسبة إليه القوى الشريرة) فتوسم الإنقاذ في الخبرة والحكمة اللذين تجسدا له في شكل رجل عجوز، (يمثل القوى الخيرة)، وهذا عينه هو عنصر الحكاية الشعبية هنا: فمؤلف الحكاية "أفرغ في هذا العنصر تجارب اللاشعور الذي يغلب على الوجدان الإنساني، تمامًا كما في الأحلام."
الحكاية الثانية، هي الحكاية المثل التي ساقها الشيخ؛ لتكون تأكيداً على فكرة أوردها كجواب على استفسار صدر عن الوليد، وتقول الحكاية المتولدة عن الحكاية الأم: إن عبد الملك طلب النصيحة من شيخ ضعيف فقير الحال بسيط، التقاه في طريقه، عند خروجه من دمشق إلى مكة، لمحاربة ابن الزبير، وكان أن أسدى الشيخ له النصيحة، وهي أن عليه أن يعود إلى دمشق لتخليصها ممن استولى عليها، وهو عمرو بن سعيد, وإلا ظهر بمظهر الظالم إذا هو أصر على محاربة ابن الزبير.
هناك توازٍ ملحوظ بين الحكايتين، حكاية الوليد بن يزيد، وحكاية عبد الملك بن مروان، على الرغم من أن الثانية متولدة عن الأولى: فكلا الخليفتين يتهددهما خطر التمرد والوثبات، إلا أن الحكاية الثانية كانت أكثر تفصيلاً من الأولى، للسبب الذي سقناه سابقًا، وهو أنها جاءت جوابًا على تساؤل مطروح، أو تأكيدًا على قصد حدده المؤلف سابقًا. وما ينبغي أن يكون عليه علم التأويل – هنا – "إنما هو محاولة إعادة بناء القصد الأصلي للمؤلف بأي بيّنة تصل إلينا" وعلى ذلك فإن التفصيلات الواردة في الحكاية الثانية كانت مهمة للحكاية الأولى، بل إنها تضفي عليها مزيدًا من الواقعية، وتشكل دلائل وبيّنات على مواقف ذات خطر، ربما كانت أشباهها ماثلة للعيان، في عهد المؤلف، تحتاج إلى من يحل لغزها، ويفرّج تعقيداتها.
مرة أخرى يظهر شيخ ضعيف مسن، سيىء الحال فقير: صفات هي عينها صفات شيخ الوليد، شخصية ترين عليها، هنا وهناك، علامات الغموض، فمن مظاهر القص المتعلقة بالشخصيات في الحكاية العربية القديمة، خاصة تلك التي تسطع فجأة، " أن تحمل علامة، " توظف توظيفًا خفيًّا طوال الحكاية، إذ تظل محاطة بهالة من الغموض تتبدل تدريجيًا مع تطور الأحداث ".
يركز المؤلف/أو الراوي على هيئة الشيخين في الحكايتين، ويحرص على أن يكون كل منهما سيئ الحال رث الثياب. هذه إيماءة من الراوي/المؤلف لا تخلو من لمحة وعظية تعليمية! فهذا المظهر يناقض تماماً مظهري الخليفتين دون شك، وكأن المؤلف/الراوي أراد من هذا التركيز على مظهر الشيخين أن يقول: إن من تُناط به مهمة كبرى، كمهمة قيادة الأمة، عليه أن يتجرد من كل ما هو دنيوي زائل، لتكون كلمته في الحكم صائبة لا تشوبها شائبة. وبما أن القراءة التأويلية تسعى إلى تقديم وجه محتمل من وجوه عديدة محتملة"، فإن هناك تأويلاً آخر يدخل في دائرة الاحتمال هنا، وهو هذا الموضوع: المظهر. فعلاوة على التأويل أعلاه، فإننا نعتقد أن التأويل الآخر له هو: أن المؤلف/الراوي أراد من الشيخين أن يكونا قدوتين في المظهر والمخبر معًا، في التواضع والحكمة، في الزهد والتقوى، في الحكمة والحنكة للوليد وعبد الملك، ولغيرهما من الحكام بعدهما، خاصة إذا تذكرنا أن الحكاية سُردت في القرن السادس الهجري، وأن الوضع يحتاج من الحكام أن يكونوا كما الشيخ في تلك الصفات.
صفحة 5
ثنائية الأزمة والانفراج
يتضح للناظر في ظهور شخصيتي الشيخين بشكل قوي في الحكاية، أنهما وُظفتا لخدمة ثنائية بنيت عليها الحكاية، وهي ثنائية الأزمة والانفراج، فهذه الثنائية تتفاعل بقوة، إما لتعميق أزمة الشخصية المحورية فيها، وتكثيفها، وإما لمساعدتها على تجاوز الأزمة والإسراع بمصيرها نحو الانفراج.عنصر المصادفة يلعب دوراً مهماً في الحكايتين: الإطارية والمتولدة، وهو من عناصر التشويق الضرورية من أجل جذب القارىء لمتابعة القراءة. وهذا العنصر لم يسطع فجأة في فضاء الحكاية عبثًا، بل إن له قصدًا لا يخفى على القارىء الفطن، وهو: التحول. نعني بذلك: نقل مصير البطل إلى الضد تمامًا، فيصير سعيدًا بعد شقاء، أو شقيًا بعد سعادة، وهذا يفسر فكرة الأزمة والانفراج التي ذكرناها آنفًا: فهل تحققت هذه القصدية في الحكايتين؟
قلنا: لقد توازت الحكايتان وتماثلتا، ولكنهما لم تبقيا على هذا المستوى من التوازي فحسب، بل التقتا في حكاية ثالثة ساقها راوي الحكاية الأم تدليلاً على وجهة نظره، التي حاول أن يقنع بها عبد الملك في الحكاية الثانية، وفي الوقت نفسه حتى يقتنع الوليد بن يزيد بها- وربما غيرهما من الحكام كما أشرنا - لتماثل مقصديهما. الحكاية الثالثة، وهي أيضًا متولدة، لكن عن الحكاية الثانية، تعالج – كذلك - موضوع ضياع الحقوق، الذي سببه قلة الحرص وانعدام الحذر.
حكايتا الوليد بن يزيد، وعبد الملك بن مروان تمثلان ثنائية أخرى واضحة للعيان ،مرتبطة بالثنائية الأولى: الأزمة والانفراج، نعني بها: ثنائية السلطة والتمرد، ومع أن الحكايتين تلاقتا في بعض أحداثهما، إلا أن نهاية كل منهما تكاد تختلف عن الأخرى، إذ اتخذت كل واحدة منهما منحىً يختلف عن الآخرى.
مؤلف خبرنا التاريخي كان من الذكاء بحيث ترك حكاية الوليد دون نهاية، وترك للقارىء مهمة توقع هذه النهاية. صحيح أن التاريخ يعلمنا بمقتل الوليد عام 126هـ، إلا أن هناك معطيات توحي بهذه النهاية، وفي الوقت عينه، آثر المؤلف الوصول إلى (النهاية السعيدة) في حكاية عبد الملك. ولكن، لماذا؟
الإجابة على التساؤلات الواردة هنا تحتاج منا – كمؤولين – أن نكون على بينة مما قصده المؤلف/الراوي من حكايته، ولا يستطيع أن نفهم مراميها إلا إذا أُخذت بالاعتبار أجزاؤها الصغرى المكونة لها، وحُللت، ومن ثم رُبطت بالحكاية باعتبارها عملاً كليًّا، فارتباط الجزء بالكل ، والكل بالجزء حتمي من أجل فهمٍ أكثر جلاء، وهذا ما يُسمى "بالدائرة التأويلية"، أو "الدائرة الهيرمينوطيقية ".
وفي ضوء ما ذُكر، وكما توحي مجريات الحكاية الأولى، فإن فالوليد لم يكن يتمتع بذكاء عبد الملك ولا بحذقه في التعامل مع المتمرد، ولم يكن قراره في مواجهته كقرار عبد الملك: إذ لما سأل الشيخَ عن نفسه، تسمى وانتسب، لكنه لم يعرفه وأنكر نسبه، في نهاية الحكاية، وهذا السلوك يؤوّل بتجاهل الوليد لنصيحة الشيخ! بعدما سعى إليها سعياً يائسًا!، وبالإضافة إلى ما ذُكر، فمجريات الحكاية وأحداثها لا توحي بأن الوليد قد أخذ بما جاء في نصيحة الشيخ من احتكام إلى العقل والمشورة ويبدو – كذلك - أنه لم يحتط ولم يقم بما أوحى له به الشيخ من وزن الأمور ومقارنتها بمثيلاتها؛ حتى يتمكن من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، فلم يستطع منع النتائج التي ترتبت على التهور وعدم الحذر، وكذلك الاستهتار وعدم الجدية. في حين كان عبد الملك أكثر وعيًا وأبصر بنهايات الأمور منه. فقد أدى خلاف الوليد مع ابن عمه يزيد إلى مقتله، عام 126هـ، كما أسلفنا، وأصبح يزيد خليفة من بعده، كما تقول الروايات التاريخية. هنا، لم يتحقق التحول إيجابًا بل سلبًا: من السعادة إلى الشقاء، بل من الحياة إلى الموت. وقد أراد المؤلف/الراوي أن يصل إلى هذه النتيجة، التي تطابقت مع واقع الحال، لتكون عبرة لمن يعتبر.
وأما الحكاية الثانية، المتولدة، حكاية عبد الملك فإنها تومىء إلى أن الخليفة قد أخذ بنصيحة الشيخ، وعاد أدراجه إلى دمشق ليخلصها من عمرو بن سعيد الذي استولى عليها في غيابه، كما يُفهم من كلام الشيخ له، وتغلب عليه وقتله، (كان ذلك عام 70 هـ). هنا وفي هذه الحكاية أيضًا تتطابق الحكاية في نهاياتها مع الروايات التاريخية، ويتحقق التحول إيجابًا، من الشقاء إلى السعادة، وفي ذلك إيحاء، بأن من يحكّم العقل، ويأخذ بالمشورة والنصيحة يسلم من الضياع، وتؤول الأمور لما يحب ويرضى. وهذا مقصد آخر من مقاصد المؤلف/الراوي.
صفحة 6
هناك عناصر أخرى في الحكايتين، تؤيد الاختلاف بين الشخصيتين المحوريتين في الحكايتين: الوليد بن يزيد، وعبد الملك بن مروان، مما أدى إلى اختلاف النهايتين: فمع أننا أشرنا إلى وجود تماثل بين حكايتيهما، من حيث حصول الوثبات والتمرد، إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا خطيرًا بينهما، ربما كان عاملاً في توجيه النهاية التي اتجهت إليها كل من الحكايتين:
أولاً: أرسل الوليد بن يزيد الخادم؛ ليعثر له على شيخ رث الثياب يمشي الهوينى،... وجاء له به، معنى ذلك أنه أسلم زمام أمره في موضوع البحث عن مخرج من المأزق الخطير إلى خادم، وهذا التصرف عينه مقتل، لا يبشر بخير! بل إنه أوحى بإرهاصات أفول نجم الوليد ونهايته. وهذا التصرف – كذلك – يؤكد ما أوردته الروايات التاريخية من عدم جدية الوليد في إدارته لأمور الدولة، وانكبابه على الملذات، مما أدى إلى نهايته المفجعة على يد ابن عمه يزيد. فاستعانته بالخادم؛ ليوفر له طوق النجاة من الأزمة، المتمثل بالشيخ، تصرف يبعث على الاستغراب والاستنكار أيضًا، وكان أولى به، وهو الخليفة الحريص على مصلحة الأمة، أن يسعى إلى الخلاص بنفسه، وليس بوساطة الخادم! ليكون مقنعاً لذاته أولاً، ولمن حوله من الرعية ثانياً. فنهايته على الشكل الذي تمت به لم تكن مفاجئة، لأن معطيات كثيرة كانت تومىء إليها مسبقاً، وأقواها: الخادم، وهوشخص يمكن أن يكون خائنًا لمخدومه إذا أتيحت له الفرصة لذلك. فالحكايات، حتى الخرافية منها، كثيراً ما تسم الخدم بالخيانة: من هنا كان اعتماد الوليد على خادمه تصرفًا غير مسؤول.
وثانياً: إذا نحن أمعنا النظر في ما ورد في الحكاية المنبثقة عن حكاية الوليد، ونعني بها حكاية عبد الملك، نجد أن الخليفة كان أكثر جديةً وأعقل في توجيه الأمور، بل أكثر حرصًا على العمل بالنصيحة التي سعى إليها بنفسه، ولم يطلب من أحد أن يأتي له بها، وأخذ ما قاله له الشيخ على محمل الجد، بل إنه قربه إليه وأكرمه. وحتى عندما خرج من دمشق، ميمِّماً شطر مكة، قبل لقائه الشيخ، استعان بالحرس، وهم يمثلون القوة والمنعة، والإخلاص والتفاني، وهذا تصرف حكيم، وليس كتصرف الوليد باعتماده على الخادم.
وحتى الحكاية الدليل، حكاية ظالم ومفوض، هي الأخرى تحمل في ثناياها إرهاصات مقتل ظالم، الذي استولى على جحر مفوض، بالاحتيال والخيانة: فقد جاء ظالم بحِملٍ من الحطب، ووضعه في مدخل الجحر، ليمنع مفوض، صاحب الجحر الشرعي من الدخول إلى جحره.هذا الحدث بعينه، يحمل في ذاته إرهاصات هلاك ظالم، فالحطب قابل للاشتعال، ولا بد له أن يشتعل، ولكن كيف، وفيمن؟ . طالما أن ظالم قد أوقع ظلمه على غيره، فلا بد له من العقاب، وكان ذاك.
المصادفة – مرة أخرى – قامت بدورها هنا في هلاك ظالم مرتين، الأولى: عندما جاء مفوض بقبس من نار، ووضعه إلى جانب الحطب في مدخل جحره، دون أن يعلم أن ظالمًا بداخله، فاشتعل الحطب، ومات ظالم، واكتشف مفوض إذ ذاك خيانته، وقال هذا المثل: هذا الباحث عن حتفه بظلفه.
المصادفة قامت بدورها في هذه الحكاية مرتين: الأولى في احتراق ظالم، كما أشرنا، والثانية في اسمي الثعلبين: فالأول اسمه ظالم، وهو وصف لفعلته المنكرة، وهي الاستيلاء على بيت ليس بيته، والاسم الثاني: مفوِّض، ويوحي بأنه قد فوض أمره لله، حتى لو لم يكن يعلم بنية ظالم إلا متأخرًا، ولكن إرادة الله أنصفته، وأعادت إليه حقه منه. فكأني بالمؤلف يوحي للقارىء بأن يفوض أمره لله، بعد أن يكون قد أخذ للأمر عدته، وهنا يمكن أن يكون القارىء المعني بهذه الإشارة هو صاحب الأمر، الذي عليه أن يعقل ويتوكل.
أولاً: أرسل الوليد بن يزيد الخادم؛ ليعثر له على شيخ رث الثياب يمشي الهوينى،... وجاء له به، معنى ذلك أنه أسلم زمام أمره في موضوع البحث عن مخرج من المأزق الخطير إلى خادم، وهذا التصرف عينه مقتل، لا يبشر بخير! بل إنه أوحى بإرهاصات أفول نجم الوليد ونهايته. وهذا التصرف – كذلك – يؤكد ما أوردته الروايات التاريخية من عدم جدية الوليد في إدارته لأمور الدولة، وانكبابه على الملذات، مما أدى إلى نهايته المفجعة على يد ابن عمه يزيد. فاستعانته بالخادم؛ ليوفر له طوق النجاة من الأزمة، المتمثل بالشيخ، تصرف يبعث على الاستغراب والاستنكار أيضًا، وكان أولى به، وهو الخليفة الحريص على مصلحة الأمة، أن يسعى إلى الخلاص بنفسه، وليس بوساطة الخادم! ليكون مقنعاً لذاته أولاً، ولمن حوله من الرعية ثانياً. فنهايته على الشكل الذي تمت به لم تكن مفاجئة، لأن معطيات كثيرة كانت تومىء إليها مسبقاً، وأقواها: الخادم، وهوشخص يمكن أن يكون خائنًا لمخدومه إذا أتيحت له الفرصة لذلك. فالحكايات، حتى الخرافية منها، كثيراً ما تسم الخدم بالخيانة: من هنا كان اعتماد الوليد على خادمه تصرفًا غير مسؤول.
وثانياً: إذا نحن أمعنا النظر في ما ورد في الحكاية المنبثقة عن حكاية الوليد، ونعني بها حكاية عبد الملك، نجد أن الخليفة كان أكثر جديةً وأعقل في توجيه الأمور، بل أكثر حرصًا على العمل بالنصيحة التي سعى إليها بنفسه، ولم يطلب من أحد أن يأتي له بها، وأخذ ما قاله له الشيخ على محمل الجد، بل إنه قربه إليه وأكرمه. وحتى عندما خرج من دمشق، ميمِّماً شطر مكة، قبل لقائه الشيخ، استعان بالحرس، وهم يمثلون القوة والمنعة، والإخلاص والتفاني، وهذا تصرف حكيم، وليس كتصرف الوليد باعتماده على الخادم.
وحتى الحكاية الدليل، حكاية ظالم ومفوض، هي الأخرى تحمل في ثناياها إرهاصات مقتل ظالم، الذي استولى على جحر مفوض، بالاحتيال والخيانة: فقد جاء ظالم بحِملٍ من الحطب، ووضعه في مدخل الجحر، ليمنع مفوض، صاحب الجحر الشرعي من الدخول إلى جحره.هذا الحدث بعينه، يحمل في ذاته إرهاصات هلاك ظالم، فالحطب قابل للاشتعال، ولا بد له أن يشتعل، ولكن كيف، وفيمن؟ . طالما أن ظالم قد أوقع ظلمه على غيره، فلا بد له من العقاب، وكان ذاك.
المصادفة – مرة أخرى – قامت بدورها هنا في هلاك ظالم مرتين، الأولى: عندما جاء مفوض بقبس من نار، ووضعه إلى جانب الحطب في مدخل جحره، دون أن يعلم أن ظالمًا بداخله، فاشتعل الحطب، ومات ظالم، واكتشف مفوض إذ ذاك خيانته، وقال هذا المثل: هذا الباحث عن حتفه بظلفه.
المصادفة قامت بدورها في هذه الحكاية مرتين: الأولى في احتراق ظالم، كما أشرنا، والثانية في اسمي الثعلبين: فالأول اسمه ظالم، وهو وصف لفعلته المنكرة، وهي الاستيلاء على بيت ليس بيته، والاسم الثاني: مفوِّض، ويوحي بأنه قد فوض أمره لله، حتى لو لم يكن يعلم بنية ظالم إلا متأخرًا، ولكن إرادة الله أنصفته، وأعادت إليه حقه منه. فكأني بالمؤلف يوحي للقارىء بأن يفوض أمره لله، بعد أن يكون قد أخذ للأمر عدته، وهنا يمكن أن يكون القارىء المعني بهذه الإشارة هو صاحب الأمر، الذي عليه أن يعقل ويتوكل.
صفحة 7
دلالة الحوار بين الوليد والشيخ
وفي عرضه لمفهوم المسامرة، في الحكاية الإطارية/حكاية الوليد بن يزيد، يجعل المؤلف/الراوي الشيخ يكشف عن ذكاء وقاد، وجواب لماح: ففي جوابه للوليد عن سؤاله إن كان يُحسن المسامرة يقول له: "إن المسامرة إخبار لمنصت، وإنصات لمخبر، ومفاوضة فيما يعجب ويليق".فالإنصات يعني: الاستماع بكل الجوارح بهدف الاستيعاب، فالفائدة من الاستيعاب لا تتأتى إلا به، والأخذ بما يقال، وفي هذا شرط خفي أطلقه الشيخ ليحفز الوليد على فهم ما سيقول، وإلا فلن ينجو.
والإنصات لمخبر، يعني: الوثوق بما يأتي به مخبر الخبر، والتمعن بحقيقة الخبر وأخذ الحيطة والحذر بناء عليه. هذه العبارة تبدو لأول وهلة تكرارًا لسابقتها، لكنها في الحقيقة ليست كذلك؛ لأن المراد منها هو: أن يصغي الخليفة لمن يدلي له بالنصيحة، ومن ثم يعمل بها.
وأما عبارة: "مفاوضة فيما يعجب ويليق"، فأقرب تأويل لها، هو: أنه بعد توفر المستمع بكل جوارحه، للمخبر الموثوق بخبره، يجري النقاش، وتُتخذ المواقف: إما مؤيدة لما عُرض، وإما رافضة له، في جو من التفاهم وتغليب العقل.
وفي رده على سؤال الوليد إن كان يحسن المسامرة، يصنفها الشيخ، فيقول: أحدهما الإخبار بما يوافق خبرًا مسموعًا، والثاني الإخبار بما يوافق غرضًا من أغراض صاحب المجلس.
فالشيخ (كما أراد المؤلف) كان من الذكاء بحيث قدم للخليفة الوليد خيارًا من اثنين؛ لتحديد موضوع المسامرة بينهما، وهما ما أشرنا إليهما، ولكن ما الهدف من وراء هذا التقديم؟
أراد الراوي أن ينقل إلى القارىء شيئًا من الجو، الذي كان يكتنف مجالس الخلفاء وعلية القوم، وأن يبين أن جليسهم ليس حراً فيما يختاره من موضوعات، خاصة إذا كانت لا تروق لهم. إلا أن هذا الراوي جعل الشيخ يوحي للوليد بالموضوع الذي يود مسامرته به، فحمى بذلك نفسه من غضب السلطان، الذي يمكن أن يبطش به لو أنه عرض موضوعاً (لايعجب). فمن شروط المسامرة "مفاوضة فيما يعجب ويليق". وهو هنا يرى أن الموضوع الذي كان على وشك أن يعرضه أو (يفجره)، هو: موضوع التمرد على الخليفة، وهو موضوع – بلا شك – سيثير حنق الأخير، وربما يدفعه إلى البطش بمن يخوض فيه، خاصة إذا كان الكلام سيكون فيه إدانة للخليفة نفسه. وقد حفَّزَ الشيخ الخليفةَ الوليد على الكلام فيه دون غيره، ليدلي – هو – بدلوه في النصيحة بشأنه. ولكنه لم يرد أن ينصح أو يعظ وعظًا مباشرًا، فآثر أسلوب الحكاية؛ لما فيه من عناصر التشويق: من سرد وأحداث متخيلة وشخصيات مبتدعة. فبدأ بسرد حكاية عبد الملك وعمرو بن سعيد: وهذا معناه أن تكون الحكاية الثانية توضيحًا للقضية المقدمة في الحكاية الأولى.
هذا الحوار الذي دار بين الوليد بن يزيد والشيخ المسن يمثل نقطة اتفاق خفية بينه وبين الحكاية الخرافية/حكاية الحيوان، التي سردها الشيخ الثاني على مسامع عبد الملك؛ لتكون له هاديًا في اتخاذ قراره بشأن المسير إلى ابن الزبير أو إلى عمرو بن سعيد. الاتفاق الذي نزعمه هنا، يتجلى في حذر الشيخ من التعبير المباشر والصريح عن إجابةٍ، ربما تكون سبباً في البطش به – كما أسلفنا -، إذا لم توافق قبولاً لدى الخليفة. فسرده لهذه الحكاية، إنما أراد منه أن يعرض صورًا رمزيةً لشخصيات وحوادث أخرى يمكن التعرف عليها عن طريق المقابلة والمناظرة. فحرص الشيخ على الإتيان بشخصيات خيالية رمزية، تتشابه وشخصيات حقيقية في سياق السرد القصصي، غرضه: إثارة ذهن الخليفتين لمعرفة الشخصيات الحقيقية بالمقارنة بينها وبين الشخصيات الخيالية؛ ليتمكنا من اتخاذ القرار بناء على هذه المقارنة، فيكون المؤلف/الراوي بذلك قد شارك في اتخاذ القرار في الحكايتين.
صفحة 8
العوامل المتغيرة والعوامل الثابتة
تتضح من الحكايات الثلاث عوامل ثلاثة تبرز بوضوح، في كلٍ منها: اثنان من هذه العوامل متغيران، وثالث ثابت.فأما المتغيران، في الحكاية الأولى، الحكاية الإطارية، فهما:الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ويزيد بن الوليد بن عبد الملك. وأما العنصر الثابت فيها، فهو: الصراع.
وفي الحكاية المتولدة الأولى، العاملان المتغيران هما: عمرو بن سعيد، ومرة أخرى: عبد الملك وابن الزبير، والعامل الثابت دائمًا الصراع.
العاملان المتغيران في حكاية الحيوان: ظالم والحية، ومرة أخرى: مفوض وظالم. والصراع هو العامل الثابت هنا أيضًا.
هذه العوامل أو العناصر، تلتقي كلها في شكل أساسي واحد يُطلق عليه " البيئة التحتية للتعبير، وهذه البيئة ثلاثية التركيب.
وكما أشرنا، فالعاملان (أ) و(ب) متغيران، وفي حالة صراع دائم، وعلى هذه المحاور قامت الحكاية التاريخية. وتحكُم العامل الأول (أ) والعامل الثاني (ب) علاقةٌ جدلية، لذا كانا متغيرين، وأما الثالث/الصراع، فهو العامل الثابت دائمًا، " فلا مجال لتغيره إنه من طبيعة العمران البشري، كما يقول ابن خلدون.
فبالنسبة للحكاية الأولى الإطارية، فإننا نرى العوامل فيها تتموضع كالآتي: (حسب المعطيات والأسباب).
هكذا هي العلاقة كما تبدو بين العوامل في الحكايات الثلاث، وكنا قد أشرنا سابقًا إلى أن العاملين أ و ب متغيران، فإذا تغيرت المواقع، بحيث كان الظالم في مكان المظلوم، كان ذلك ممكناً بالتأويل: حسب المعطيات والدلالات الكامنة في النص، فالتأويل يمكنه كشف ما لا يستطيع التاريخ كشفه في مثل هذه النصوص.
صفحة 9
دلالة التغيير
والآن: ما دلالة هذا التغيير الذي طرأ على مواقع العوامل في كل حكاية؟وهل هناك صلة ما بين المتغير ومن يمثله من الشخصيات؟
مفتاح الإجابة يكمن في الحكاية الثالثة، حكاية الحيوان.
فمن يتمثل بحكاية الحيوان، خاصة في موقف كموقف الشيخ مع عبد الملك، لا يفعل ذلك تسرية عن النفس أو تسلية لإنسان، أو ترفيها عن مسؤول، فغالبًا ما يُتمثل بمثل هذه الحكايات دفعًا لبطش السلطان، ودرءًا للنفس من غضبه، لأنه يثير فيها نقاطًا مفصلية حساسة ذات خطر، فيدع الحيوان يتكلم بلسانه، وينطق بفكره.
وبالعودة إلى مفتاح الإجابة عن التساؤل الذي عرضناه عن دلالة تغير العوامل بتغير صفات من تمثله، فإننا سنجد أن هذا المفتاح يكمن في كلمة (ظالم)، وهو اسم علم للثعلب الأول الذي استولت الحية على جحره، ثم استولى هو على جحر مفوض.
ليس من قبيل المصادفة أن يسمي المؤلف/الراوي الثعلب الأول ظالمًا، مع أنه بدا في أول الحكاية مظلوماً، إلا أن إصراره على الاستيلاء على جحر مفوض، وهو ما ليس له، وسمه باسمه على الحقيقة: ظالم، فتغير موقعه من مظلوم إلى ظالم. وهذا ما أراد الشيخ أن ينبه المروي له الأول: الوليد بن يزيد إلى مغبة الظلم، ويحذره من عاقبته الوخيمة، وكذا للمروي له الثاني: عبد الملك، ولكلِّ من يتسلم زمام الأمر في أمة المسلمين.
لقد تعاطف القارئ – بلا شك – مع الوليد في بداية الحكاية، لوقوع الظلم عليه من ابن عمه، ولكن، عندما نتعرف على الخلفية التاريخية التي أتت به إلى الخلافة، وما اقترفه في حق كثيرين ممن حوله خلال فترة حكمه القصيرة، تنقلب المواقع، وتتغير المعايير، وكذا المواقف: وما لبث أن أصبح المظلوم ظالماً. حال (الوليد) هنا تشبه تمامًا حال الثعلب (ظالم): ففي أول الحكاية كان مظلومًا، وربما تعاطف معه القارئ لذلك. ولكن مع تقدم الأحداث، وتغير مسارها، بعد استيلائه على جحر مفوض، تغير من موقع المظلوم إلى موقع الظالم. المؤلف لم يأت بهذه الحكاية عبثًا، فهو قد قصد إليها قصدًا، والسبب يكمن بين سطورها، وقد ترك للقارئ الذكي مهمة استخلاص قصده منها: إنه يدين الوليد ولا يدافع عنه، كما أدان ظالماً، بقوله: هذا الباحث عن حتفه بظلفه! في حين لم يكن موقفه من عبد الملك هذا الموقف، فقد اتضح موقفه على لسان شيخ عبد الملك، الذي فتح له أفق النجاة على مصراعيه، عندما أوحى له بكل وضوح، الحل الملائم والأنسب لأزمته، وكان عبد الملك ذكياً، والتقط الإيحاء ونفذه، وتحققت نجاته. فكأنه يريد أن يقول: إن قضية عبد الملك عادلة، بالمقارنة مع قضية الوليد، التي هي القضية المحورية في الحكاية كلها. بل إن قضية كل إنسان يستهتر بأمر نفسه ورعيته، هكذا ستكون نهايته، وأما من يأخذ بزمام الأمور بتعقل وروية، وحكمة وتروٍّ، يصل شط الأمان.
ذكرنا سابقاً: أن الحكاية ، موضوع هذه الورقة، ربما بدت ساذجة أو بسيطة، وتكاد أحداثها لا تنم عن شيء خفي، ولكن، وبعد محاولات التأويل التي سقناها، يبدو هذا الحكم غير دقيق، بل ساذج وبسيط: فبعض أحداث هذه الحكاية ومعطياتها تثير كثيراً من التساؤلات، وكل تساؤل "ينطوي على جواب... فلا غرابة أن نزعم ... أن النص يتحرك في أفق سؤال ليس أقل أهمية من أية إجابات مقترحة أو مقدمة: المهم أن الحوار لب القص".
وبعد،
فهذه محاولة (تأويلية) لنص حكائي تاريخي، اضطلع بمهمتين: مهمة تأريخية، بإعطاء القارىء بعض التغذية التاريخية الراجعة عن فترة من التاريخ الإسلامي، والمهمة الأخرى: أنه يلقي الضوء على ما يمكن أن يسمى تداخلاً بين النص التاريخي والنص الحكائي، بما فيه نص الحكاية الشعبية. ولا تناقض في ذلك، بل على العكس، إنه يضفي على الأحداث التاريخية شيئًا من الجدة والطرافة، يحتاج إليها الخبر التاريخي الجامد. وقد خضع هذا النص إلى تأويل أحداثه ومهمات شخوصه، ورأينا إمكانية تأويل مثل هذه النصوص، مما يدفع على الاعتقاد،أن هذه النصوص عينها: قديمها وحديثها، يمكن أن تؤوَّل، ولكن ضمن سياقاتها التاريخية والثقافية.
صفحة 10
الفصل الثاني
الحكاية العشقية في مصارع العشاق
(ابن السراج ت 500هـ /1106م)حكاية جناية السبع على العاشقين
البناء والموتيف
المقدمة
العشقُ عاطفةٌ إنسانيةٌ، وجدتْ مع الإنسان منذ أن خلقه اللهُ على وجهِ الأرض، وهو "سرُّ أودعه الله في الأرواحِ عند صفائها وسهولةِ انقيادها، ثم يختلفُ باختلافِ البواعثِ والدواعي وميلِ النفوسِ بحسبِ مرادها.والبحثُ الذي بين أيدينا سيتمحورُ حول حكاياتِ العشقِ التي نسجتها المخيلةُ العربيةُ. ومما لا شكَّ فيه أن هذه الحكاياتِ تحملُ في طياتها فكرَ ناسِها، وعقليةَ مجتمعاتهم وطابَعهم الثقافي والروحي والوجداني. وما يلفت النظر في هذه الحكاياتِ بناؤها الذي يكادُ أن يكونَ عامًّا ومشتركًا في معظمها، وفي ما حوته من موتيفات (أي: موضوعات جزئية أساسية) مشتركةٍ تكشفُ عن قيمِ المجتمعِ الذي أُلِّفت فيه، وعاداتِ الجماعاتِ الإنسانيةِ التي عاشتْ بينها شخوصُ تلك الحكاياتِ الرئيسيةِ. يضافُ إلى ذلك، أن هذا (الفنَّ) كان ينافسُ الشعرَ والغناءَ في تلك المجتمعات في القرونِ الإسلاميةِِ الأولى، "فقد كان الناسُ في مجالسهم – العامةِ والخاصةِ– يتذاكرون أخبارَ العشاق، ويتحدثون بقصصِهم" ويعجبون بما فيها من مواقفَ مثيرةٍ، وتصويرٍ معبرٍ وجوٍّ مؤثر ، علاوةً على ما فيها من الأحداثِ، التي تكادُ تبعدُ عن حدِّ المعقولِ إلى اللامعقولِ في بعضِ الأحيان.
لقد انطوتْ كتبُ الأقدمين على حشدٍ هائلٍ من أخبارِ العشقِ والعاشقين وقصصهم، وتنافس مؤلفو تلك الكتب في عرضِ تلك المادةِ، وتسابقوا في إضفاءِ عنصرِ التشويقِ عليها لتكونَ أكثرَ إثارةً للقارىء، وأقربَ إلى نفسه. وهذه المؤلفاتُ، وإن هي عرضت لبعضِ أخبارِ الحبِ الحسي المنهوم، إلا أنها أكثر احتفالاً بقصصِ الحبِّ العذري المحروم، كما هي الحالُ في "مصارع العشاق" ولقد صادفتْ هذه الحكاياتُ هوى في نفوسِ العرب، واستحوذتْ على خيالهم ومشاعرِهم ، حتى التصقتْ بذاكرتهم، ونجحتْ في خلقِ الدهشةِ والاستغراب فيهم. فليس من المستغربِ -إذن- أن تكونَ هذه الحكاياتُ " قد وُضعتْ لتلبيةِ رغبةٍ تعبرُ عن حالةٍ مزاجيةٍ تنطوي عليها النفسُ العربية، التي ترى في الحياةِ عاطفةً يمكنُ أن يحدثَ فيها وبسببها الأعاجيب ، وهي عاطفةُ الحب". وقد تكونُ هذه الحكاياتُ قد نُسجتْ حول شخصياتٍ حقيقيةٍ ، لكنها تمددتْ واتسعتْ حتى اشتملتْ على أحداثٍ لم تحصلْ على أرضِ الواقع، بل في مخيلةِ واضعها. أو أن تكون حكاياتٍ تدورُ الأحداثُ فيها حولَ شخصياتٍ ممن يُشكُّ في وجودِها ، أو ليس لها وجودٌ أصلاً، فشخوصُ مثلِ هذه الحكاياتِ إما: أعرابي، أو فتى من قبيلةٍ ما، أو ابنُ سيدِ قبيلةٍ، أو غيرُ ذلك من شخصياتٍ اخترعها ساردها، الذي لم يكن يتوقفُ عند حد اختلاقِ هذه الشخصيات، بل تراه يخترعُ أحداثاً هي أقربُ إلى الخوارق، التي تبعد شخصياته بالتالي عن أن تكونَ بشريةً في أعمالها. وهذا يجعلُنا نعتقدُ أن مثلَ هذه الأحداثِ كان مصدرُها الحكاياتِ الشعبية، التي وجدتْ، وتجدُ في المجتمعات البشرية تربةً خصبة لنمائها وانتشارها، كل ذلك بقصدِ التشويقِ، أو لفتِ النظرِ إلى موضوعٍ يود القاص تنبيهَ الناسِ إليه، وإقناعهم به، كالعفةِ والطهارةِ مثلاً، أو أن يكونَ هدفه تسليطَ الضوءِ على الأعرافِ والتقاليدِ في العلاقاتِ الاجتماعيةِ وسلوكياتِ الأفرادِ ، ممن انتابتهم أحوالُ العشقِ، كل طرفٍ منهم اتجاه الآخرِ.
وعلى كل حالٍ، فإنه يمكن القولُ: إن هذا الزخمَ الهائل من حكاياتِ العشقِ في التراثِ العربي قد اختط لنفسه مسارًا واضحًا، يغطي كافةَ جوانبِ السلوكِ الإنساني العربي في حالةِ العشقِ، ثقافيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا. وستتناولُ هذه الورقةُ الحكايةَ العشقيةَ، من حيث بناؤها وتقنياتُ هذا البناءِ، ومن ثم إلقاءُ الضوءِ على (موتيفاتٍ) بعينها، تكررتْ في حكاياتِ العشق العربيةِ القديمة، ودراستها، مع توضيحِ ما توحي به من دلالاتٍ، وذلك من خلال حكاية (جناية السبعِ على العاشقين)، التي تقومُ نموذجًا لغيرها من حكاياتِ الموضوعِ نفسه، في كتاب"مصارع العشاق".