مقــدمـة
«الديموقراطية هي الحل» لازمة تتردد في نهاية كل مقالة يكتبها الروائي والكاتب علاء الأسواني. الديموقراطية هي أول السطر وهي آخره كذلك. لا يكتب بجهادية. منحاز إلى الحرية بلا مواربة، كتابته ملتزمة، كل مقالة منصة، وكل مقالة موقف.
يكتب في السياسة ملتزماً بالتغيير. ينخرط في الكتابة كانخراطه في «الميدان». في الكتابة يواجه ويتحدى ويتفوق، أما في «الميدان» فلا يتراجع. كما كان في البداية هو كذلك الآن. من يعتدي على الحرية، أية حرية، خصم ينازله، ويشهر به. من يتنكر للديموقراطية ينازله ويثبت له أنه على ضلال وعلى ظلم وعلى استبداد. يهجس بالإنسان. والإنسان عنده، منتصب القامة يمشي. اختار منذ البدء أن يكون على الضفة الأخرى من السلطة بجرأة، بدت أحياناً تهوراً، فإذ هي بعد ذلك، سلاحاً للثبات في مواقع الثورة على الطغيان.
أحياناً، يلجأ إلى الحكاية متوخياً بلوغ غاية لا يسهل الحديث عنها مواجهة. المواربة الفنية أبلغ، تصيب حيث تمتع، وتصل حيث يتعذر الإبلاغ. يحشد موهبته في كتابة سياسية مختلفة. لا يتصنع ولا يحاول الإبهار، الكثرة وضوحه، يتشبّث أحياناً بالمباشرة، كأنه في منازلة يستعد للانتصار فيها بكل ما أتي من حجة ومحاججة وبكل ما لديه من قناعة وما تزود به من خبرة الثقافة ومونة.
لا يبدو في السياسة أنه روائي. تطغى عليه صفة المناضل الذي يندفع إلى الفوز على خصمه: وهو خصم يتمتع بقوة السلطة أو قوة القمع أو قوة الدين أو قوة الموقع. كتب ضد مبارك، يوم كان مبارك في أوج اطمئنانه إلى مستقبله ومستقبل ورثيه. كتب ضد محمد مرسي، يوم كان متوّجاً بصناديق الاقتراع التي انقلب على ديموقراطيتها، فأضحى طاغوتاً آخر ولكنه يأتمر بقائد «الإخوان»، ويحكم بشرعية الدين وليس بمرجعية الشعب. كان متمرداً دائماً، وفي مقالاته الأخيرة ظهرت علامات التمرد على عودة العسكريتاريا إلى الحياة السياسية.
لا نجد في مقالته غير الأمل. لا ذرة يأس، برغم حناكة التفاؤل العام وضخامة المشكلات الكبرى.
أبرز ما في مقالاته، هذه النزعة إلى المنازلة، كأنه في «ميدانه» حاكم وديان، يكتب باسم الغلابى، ينطق باسم المظلومين وهاجسه، حق الناس في الحرية، وهو حق مقدس، حق المرأة في الحرية، وهو الحق الأقدس، وحق الشعب في السيادة، وهو الحق الذي يحتاج إلى تقديس في النصوص والنفوس.
كتاب «مجلة اعتراضية» مؤلف من نصوص اعتراضية ومعترضة، لكل ما يمس الإنسان في حريته وكرامته وخبرته وإنسانيته.
ممتع أن تقرأ علاء الأسواني روائياً، مثير أن تقرأه ثائراً.
من أين تنفقون؟
عزيزي القارئ، إذا كنت تعمل طبيباً أو مهندساً ولديك عيادة أو مكتب خاص... فهل يجوز مثلاً أن تتصل تلفونيا آخر العام بمصلحة الضرائب وتخبرها بأنك خسرت في عملك هذا العام، وبالتالي لن تدفع الضرائب؟ أم أن القانون يلزمك بأن تقدم دفاتر مصروفاتك وإيراداتك لتراجعها مصلحة الضرائب وتثبت أرباحك وتقدر الضرائب المستحقة عليك؟ هل يجوز أن تعتبر تقديم حساباتك للضرائب انتهاكاً لأسرارك؟ هل يمكن أن ترفض حق مصلحة الضرائب في أن تعرف كم كسبت من عملك؟ هذه الأسئلة إجابتها بديهية: من حق الدولة أن تعرف أرباح المواطنين في أعمالهم حتى تقدر الضرائب المستحقة عليهم وتحصلها منهم.. إذا كان هذا حق الدولة على المهنيين الذين يكسبون لينفقوا على أولادهم، فما بالكم بالسياسيين الذين يعملون بالعمل العام ويترشحون للمجالس النيابية والذين يتم اختيارهم لمناصب الدولة العليا؟ أليس من حق الدولة ومن واجبها أن تراقب تمويل هؤلاء السياسيين وأحزابهم وجمعياتهم؟ أليس من حق المواطن أن يعرف مصدر تمويل من سيكون نائباً عنه في البرلمان أو رئيساً للوزراء أو رئيساً للجمهورية؟
إن كشف مصادر تمويل الأحزاب والسياسيين حق أصيل للدولة ومواطنيها. في مصر ظهرت عندنا حالة غريبة بعد الثورة. الأحزاب المصرية كلها تخضع لإشراف الدولة وتعلن عن مصادر تمويلها وتنشر ميزانياتها في الصحف، إلا جماعات الإسلام السياسي، فالمسؤولون عنها يرفضون بشدة أن يعلنوا عن مصادر تمويلهم، بينما هم ينفقون ملايين الجنيهات أمام أعيننا كل يوم. «الإخوان» والسلفيون يشترون مئات المقرات في محافظات مصر بأموال مجهولة المصدر. يكفى أن نعرف أنّ «الإخوان المسلمين» لديهم 1375 مقراً في أنحاء مصر بل إنّ مقر «الإخوان» الرئيسي في المقطم ـ وحده ـ تم بناؤه بتكلفة 30 مليون جنيه. أثناء الانتخابات نرى «الإخوان» والسلفيين وهم يوزعون آلاف الأطنان من المواد الغذائية مجاناً على الفقراء من أجل شراء أصواتهم، بل انهم أحياناً يدعمون سعر أنابيب البوتاغاز بطريقة تعجز الدولة عنها. ثمة أدلة قاطعة نراها كل يوم تؤكد أن ميزانية «الإخوان» والسلفيين تقدر بمئات الملايين من الجنيهات لكنهم لا يقولون أبداً من أين يحصلون على هذه الأموال الطائلة. لقد طالبنا قيادات «الإخوان» والسلفيين مراراً بالكشف عن مصادر تمويلهم وفي كل مرة ينتابهم الغضب ويردون علينا بسيل من الشتائم والاتهامات.. إذا طالبت بحقك كمواطن في معرفة مصدر تمويل «الإخوان» والسلفيين، فستتحول فوراً في رأيهم إلى علماني فاسق معاد للإسلام ورافض لشرع الله وعميل للغرب والصهيونية العالمية.. إنهم يتحدون الدولة ويضربون بقوانينها عرض الحائط عندما يرفضون الكشف عن تمويلهم. قال أحد قيادات «الإخوان» مرة: «نعم عندنا مليارات الجنيهات ولن نقول من أين حصلنا عليها. لا دخل لأحد بأموالنا. موتوا بغيظكم».
هذا المنطق شاذ ومرفوض لأننا لا نتحدث عن مخالفة بسيطة بل جريمة سياسية وجنائية. السؤال هنا: هل الدولة مهملة وغافلة عن تمويل «الإخوان» والسلفيين أم أنها متغافلة ومتواطئة معهم؟ ثمة مؤشرات على تواطؤ واضح من الدولة.. قبل الثورة كانت الجمعيات السلفية تستأذن وزارة التضامن الاجتماعي من أجل الحصول على تمويل من شخصيات وجمعيات خليجية، وكانت وزارة التضامن كثيراً ما ترفض السماح للجمعيات بقبول التمويل لأسباب أمنية، بمعنى أن جهات الأمن كانت تكتشف أن هذا التمويل سيستعمل لأغراض سياسية، فتوصي وزارة التضامن برفضه.. بعد تنحي مبارك تحالف «الإخوان» والسلفيون مع المجلس العسكري لتبادل المنافع. العسكر كانوا يحتاجون إلى فصيل منظم يدعمهم ويضمن لهم استمرار امتيازاتهم و«الإخوان» والسلفيون كانوا يريدون الانتخابات أولاً حتى يحصلوا على الأغلبية في البرلمان، ليكتبوا دستور مصر على هواهم بعيداً عن بقية القوى الوطنية.. نتيجة لهذا التحالف تجاهل المجلس العسكري تماماً مراقبة مصادر تمويل «الإخوان» والسلفيين. في يوم 21 فبراير 2011 وافقت وزارة التضامن الاجتماعي على تمويل ورد من الخليج إلى جمعية سلفية بمبلغ 296 مليون جنيه، وهو مبلغ هائل لا يتفق إطلاقاً مع أهداف الجمعية الخيرية، وقد فشل المسؤولون عن الجمعية في تفسير أوجه إنفاق هذا الملغ فقالوا إنهم أنفقوا 30 مليون جنيه في أغراض كفالة اليتيم ورعاية الفقراء أما بقية المبلغ فقال المسؤولون عن الجمعية إنهم أنفقوه في «أغراض تنموية مختلفة» وهو كما نرى مصطلح مبهم ومطاط ولا يحتاج المرء لذكاء كبير ليدرك أن هذه الأغراض التنموية المختلفة ليست بعيدة عن دعم الأحزاب السلفية أثناء الانتخابات.. نذكر هنا أن هذا المبلغ الهائل (296 مليون جنيه) ورد من شخصيات خليجية معروفة، وأنه دفعة واحدة من التمويل المستمر لجمعية سلفية واحدة فقط. ولنا هنا أن نقدر حجم المليارات التي تنهمر على «الإخوان» والسلفيين بينما ظلت الدولة المصرية طوال الفترة الانتقالية تغمض عينيها حتى لا يحرج المجلس العسكري حلفاءه من الإخوان والسلفيين. مرة واحدة حاولت الدولة المصرية أن تراقب تمويل الإخوان والسلفيين عندما شكل وزير العدل الأسبق المستشار محمد الجندي لجنة قضائية للتحقيق في التمويل الخارجي، لكن المدهش أن هذه اللجنة بعد أن كشفت عن مبلغ الـ 296 مليون جنيه الذي حصلت عليه الجمعية السلفية المذكورة، قررت اللجنة فجأة إغلاق ملف تمويل جماعات الإسلام السياسي إلى الأبد وحصرت جهودها في مراقبة تمويل منظمات المجتمع المدني وأحالت المسؤولين عنها إلى المحاكمة الشهيرة التي تم تهريب المتهمين الأميركيين فيها بإيعاز من المستشار عبد المعز (الذي قام مرسي بتكريمه بعد ذلك).
الباب مفتوح إذاً على مصراعيه لأموال ضخمة تنهمر على «الإخوان» والسلفيين من مصادر لا يريدون الكشف عنها أبداً. وهم يستعملون هذا المال كما شاهدنا جميعاً من أجل شراء أصوات الفقراء والمحتاجين. وقد حدث هذا التمويل الضخم برضا المجلس العسكري ثم وصل «الإخوان» إلى السلطة فصار الوضع أكثر تعقيداً لأنه لا يمكن أن نتصور أن مرسي سيأمر بمراقبة تمويل الجماعة التي ينتمي اليها والتي دفعت به إلى السلطة. نحن لا نتهم أحداً بالخيانة ولا نشكك في وطنية أحد لكن القضية خطيرة فعلاً، ولا يمكن السكوت عليها وذلك للأسباب التالية:
أولاً: في الدول الديموقراطية جميعاً يتم تجريم أي تمويل خارجي لأغراض سياسية. هذا التجريم قاطع بدون أي استثناء، وإذا ثبت أن أحد السياسيين تلقى أموالاً من الخارج ليستعملها في حملته الانتخابية فإنّ مصيره المحتوم سيكون العزل من منصبه والسجن. المجال يضيق عن ذكر القضايا التي تم فيها التحقيق مع مسؤولين في دول ديموقراطية لاتهامهم بتلقي أموال من الخارج لأغراض سياسية.. نحن إذاً بصدد جريمة سياسية وجنائية انتبهت لخطورتها الدول الديموقراطية جميعاً ولا يمكن أن نقبل ارتكابها في مصر إذا كنا نريد أن نبني ديموقراطية سليمة.
ثانياً: تدفق أموال مجهولة المصدر على «الإخوان» والسلفيين ينسف مبدأ مهماً في الديموقراطية: تكافؤ الفرص. الانتخابات النزيهة لا تتحقق فقط بانعدام التزوير، وإنما تتحقق عندما يمنح المرشحون كلهم فرصة عادلة متساوية لكي يعرضوا برامجهم وأفكارهم، وتتحقق عندما يختار الناخب مرشحه بحرية بعيدا ًعن الرشى الانتخابية، وتتحقق عندما يعرف الناخب مصدر أموال كل مرشح وكيف حصل عليها. لا يمكن قبول نتائج أية انتخابات إذا استمر «الإخوان» والسلفيون في انفاق ملايين لا نعرف مصدرها، من أجل استغلال فقراء مصر وشراء أصواتهم الانتخابية. في ظل هذه الظروف حتى لو لم يحدث تزوير في صناديق الانتخاب، فلن تكون الانتخابات ديموقراطية أبداً لأنها لن تعبر عن إرادة الشعب الحقيقية وانما ستعبر عن استغلال «الإخوان» والسلفيين حاجة الناس من أجل الوصول إلى السلطة بأي طريقة وأي ثمن .
ثالثاً: إنّ استعمال أحزاب الإسلام السياسي أموالاً مجهولة المصدر يقضي على سيادة الدولة وكرامتها ويعرضها للخطر لأنه يسمح لأطراف خارجية بالتحكم في مجريات الأمور في مصر... نتمنى هنا أن نعي درس لبنان ونتذكر ما حدث لهذا البلد العظيم منذ السبعينيات عندما تدفقت الأموال من أطراف خارجية لتعيد تشكيل لبنان، كما تحب الاطراف الممولة، حتى انتهى لبنان إلى الحرب الأهلية. نحن لا نتهم «الإخوان» والسلفيين بالعمالة لا سمح الله، لكننا مع احترامنا لهم نتساءل: إذا كان «الإخوان» والسلفيون لديهم مصادر مشروعة للتمويل فلماذا لا يعلنون عنها ولماذا يرفضون الكشف عن ميزانيتهم للرأي العام وإخضاعها لرقابة الدولة...؟ وإذا افترضنا أن تمويل «الإخوان» والسلفيين يتدفق عليهم من هيئات أو حكومات في الخليج فهل نحن من السذاجة بحيث نعتبر هذه الهيئات الممولة جمعيات خيرية..؟ هناك مثل أميركي يقول: «I PAY I SAY» أنا أدفع أنا آمر...
من المنطقي أن تكون للهيئات الممولة «للإخوان» والسلفيين أهداف سياسية تحرص على تحقيقها في مصر؟ إذا افترضنا أن هذه الأموال تتدفق على جماعات الإسلام السياسي من دول خليجية فلا بد من أن ندرك أن بعض العائلات الحاكمة في الخليج تتخذ موقفاً عدائياً من الثورة المصرية منذ بدايتها وحتى اليوم.. هذه الأنظمة الخليجية ترى في الثورة المصرية خطراً داهماً على استقرارها في الحكم. وهم يعلمون بأن الثورة لو نجحت في مصر وأقامت دولة ديموقراطية سليمة فان النموذج الذي ستقدمه مصر سيؤدي في نهاية إلى سقوط أنظمة خليجية عديدة. هل نتصور مثلاً أن هذه الأنظمة الخليجية تمول جماعات الإسلام السياسي من أجل انجاح الثورة، أم أنها تدفع هذه الملايين من أجل احكام قبضة الإسلاميين على السلطة، ما يبعد عنها خطر الثورة؟
إنّ الكشف عن مصادر تمويل «الإخوان» والسلفيين واجب وحق أصيل للدولة وللمواطن في مصر.. إذا كانت الثورة تنضج وتتعلم من أخطائها فلا يمكن دخول انتخابات البرلمان القادمة ونحن لا نعرف من ينفق على من. وإلا فإن ما حدث في الانتخابات من قبل سيحدث من جديد وسوف نرى أصوات الفقراء يشتريها «الإخوان» والسلفيون عياناً جهاراً بأموال لا نعرف مصدرها. قبل أن يغضب «الإخوان» والسلفيون منا عليهم أن يضربوا نموذجاً في النزاهة والاستقامة ويكشفوا للرأي العام عن مصادر تمويلهم... قبل أن تشترك القوى الوطنية في أي انتخابات قادمة يجب عليها أن تجد إجابة لهذا السؤال: ما هي مصادر تمويل الإسلام السياسي في مصر..؟! أيها «الإخوان» والسلفيون، من أين تنفقون؟
الديموقراطية هي الحل.
1/1/2013
أن تكون مسلماً في بريطانيا!
أن تكون مسلماً في بريطانيا معناه أن تدرك مبكراً أنك مختلف، عندما تخرج وأنت تلميذ من الفصل في حصة الدين تطاردك نظرات الفضول والدهشة من زملائك الصغار، لتأخذ درس الدين في مكان آخر مع بضعة تلاميذ مسلمين مثلك. بعد ذلك، ستصاحب التلاميذ المسلمين وتحتمي بهم حتى لا يسخر أحد من دينك أو يسيء معاملتك. أن تكون مسلماً في بريطانيا، يعني أن كثيرين لا يحبون ديانتك ولا يعترفون بها، وبالتالي ما أن تنطق باسمك الذي يدل على دينك، حتى تصفعك غالباً ردود فعل سلبية تتراوح بين المعاملة الباردة والكراهية الصريحة... أن تكون مسلماً في بريطانيا معناه أنك إضافي، هامشي، زائد عن الحاجة، مشكوك في أمرك ونادراً ما ينتبه أحد إلى حقوقك وكرامتك. معناه أنك ستضطر إلى الدراسة والعمل في أعيادك الدينية لأن الدولة، ذراً للرماد في العيون، تعترف لك بعيد واحد فقط وتعتبره عطلة رسمية، أما بقية أعيادك الدينية فهي بالنسبة إلى الدولة أيام عادية لا تعيرها أي اهتمام خاص.. تذكّر كم مرة ذهبت يوم العيد إلى محاضرة مهمة أو اجتماع في العمل. كم مرة فسدت بهجة العيد على أولادك لأن لديهم يوم العيد امتحاناً.. أن تكون مسلماً في بريطانيا معناه أن تبذل كل مجهودك في الدراسة، وأنت تعلم أنك غالباً لن تحصل على الدرجة النهائية حتى لو كانت من حقك. أثناء الامتحانات الشفوية في الجامعة ما أن يقرأ الممتحن اسمك المسلم حتى يربد وجهه ويعطيك درجة أقل من زملائك، حتى لو حصلت على أعلى الدرجات فسوف تتحايل إدارة الجامعة لتمنع تعيينك معيداً لأنك مسلم. الذين يمنعونك من حقك في التعيين، غالباً متدينون يؤدون فرائض دينهم، لكنهم ببساطة يعتبرونك كافراً ولا يمكن أن تتمتع بحقوقهم نفسها. أن تكون مسلماً في بريطانيا يعني أن تعد نفسك للهجرة في أي وقت، عليك أن تختار أسماء أولادك ودراستهم بحيث تلائم البلد الذي قد تضطر للهجرة إليه إذا تعرضت لاعتداء من المتطرفين. أن تكون مسلماً في بريطانيا معناه أنك لن تصل أبداً إلى مناصب عليا في الدولة. مهما بلغت كفاءتك لن تكون أبداً رئيساً للجمهورية أو رئيساً للوزراء أو قائداً للجيش أو مديراً للمخابرات. لماذا..؟ لأنك مسلم، وبعض رجال دين الأغلبية يعتقدون أن الله قد حرّم تعيينك في المناصب العليا، كما أن الدولة في بريطانيا، بصراحة، لا تثق بك تماماً. أنت في نظر الدولة مشروع خائن قد يتصل بالأعداء في أي لحظة، لأن الأعداء لهم دينك نفسه. أن تكون مسلماً في بريطانيا، معناه أن تعاني بشدة من أجل بناء مسجد تمارس فيه دينك. سوف يمنعك من بناء المساجد الدولة والمتطرفون. الدولة تضع قوانين مقيدة تجعل من بناء المساجد مهمة صعبة للغاية وتمنع تجديد أو ترميم أي مكان في المسجد (حتى لو كان دورة مياه) إلا بعد أخذ موافقات عديدة من السلطات.. أضف إلى ذلك أن المتطرفين في بريطانيا يعتبرون بناء أي مسجد اعتداءً صارخاً على دينهم وكرامتهم.. ما أن تشرع في بناء المسجد حتى يهب مئات المتطرفين فيهاجمونه ويحرقونه ويعتدون عليك وعلى أهلك وأولادك وهم يلعنونكم لأنكم كفار. كل هذا سيحدث لأنك تريد بناء مكان لعبادة الله، وسوف يتركهم رجال الشرطة يفعلون ما يريدون ثم يصلون متأخرين ليكتبوا محضراً بعد فرار الجناة.. أن تكون مسلماً في بريطانيا، معناه أنك معرض في أي لحظة للتهجير من الحي الذي تسكنه.. يكفي أن يرسل إليك المتطرفون تهديداً بالقتل ويمهلونك يوماً أو يومين حتى تغادر. عندئذ سيكون عليك أن تأخذ أهلك وأولادك وتترك بيتك إلى أي مكان بعيد. وإذا ذهبت تستنجد برجال الشرطة سيقولون لك:
ـ ننصحك بأن تغادر بيتك لفترة لأننا بصراحة عاجزون عن حمايتك.
إذا كنت مسلماً في بريطانيا فأنت معرض في أي وقت لمذبحة، قد تدهسك مدرعات الجيش إذا تظاهرت من أجل حقوقك وقد تكون خارجاً من المسجد مع زملائك يوم العيد فيهجم عليكم المتطرفون ويقتلونكم أو قد يتشاجر تاجر مع زبون (ويكون أحدهما مسلماً) في الحي الذي تسكنه، فيتحول الأمر فوراً من نزاع تجاري إلى حرب دينية. عندئذ سيهجم المتطرفون على بيوت المسلمين ويحرقونها وقد يقتلونكم، وسوف يأتي رجال الشرطة متأخرين كالعادة ويلقون القبض على بعض المهاجمين، ولكن مهما بلغ عدد قتلى المسلمين فإن القتلة غالباً سيأخذون أحكاماً مخففة أو تتم تبرئتهم. إذا كنت مسلماً في بريطانيا وشاء حظك العاثر أن تسكن في قرية أو منطقة عشوائية فقيرة، فيكفي أن يقف أحد الجيران تحت نافذتك ويصرخ:
ـ هذا الكافر يشتم ديننا على «الفايسبوك».
حوار بين شاب ثوري ومواطن طيب
تم الحوار بالمصادفة. كان الشاب الثوري جالساً داخل مقهى في وسط البلد وقد وضع على المائدة أمامه لافتات تحمل شعارات سياسية، وعلى المائدة المجاورة جلس رجل خمسيني أصلع، راح يشرب الشاي بالنعناع ويدخن الشيشة في تلذذ واضح.. تطلع الرجل إلى الشاب ثم سأله بأدب:
ـ لا مؤاخذة.. ممكن أعرف إيه اللافتات دي؟
ـ دي لافتات حنرفعها يوم الجمعة 25 كانون الثاني في التظاهرات، بمناسبة الذكرى الثانية للثورة.
ـ هو أنت من شباب الثورة؟
ـ أنا واحد ضمن عشرين مليون مصري قاموا بالثورة.
ـ بصراحة أنا ماشتركتش في الثورة. تفرجت عليها في التلفزيون. أنا واحد من اللي بيقولوا عليهم حزب «الكنبة». كنت ضد مبارك طبعاً وفرحت لما تنحى، لكن عمري ما مشيت في تظاهرة.. بأقولك إيه يابني مش كفاية علينا تظاهرات؟ إحنا عاوزين استقرار. عاوزين عجلة الإنتاج تدور.
ـ الاستقرار لا يمكن أن يحصل إلا لما الناس يحسوا بالعدل، ثم ان التظاهر السلمي من حقوق الإنسان. كل الدول الديموقراطية فيها تظاهرات يومياً واقتصادها لم يتأثر. نظام «الإخوان» زي نظام مبارك بيرمي فشله على شماعة التظاهرات.
ـ طيب ممكن تقول لي الهدف من تظاهرات يوم الجمعة؟
ـ سنتظاهر، لأن شيئاً لم يتغير بعد عامين من الثورة، بل على العكس تغيرت أشياء كثيرة إلى الأسوأ. حكم «الإخوان» زي نظام مبارك. الاستبداد نفسه وكذلك الظلم والقمع والغلاء والفقر والبطالة.. الاعتداء على القضاء ومحاولة استغلاله. إرهاب الكتاب والصحافيين ومحاكمتهم بتهم زائفة مثل إهانة الرئيس وازدراء الأديان. المحاكمات العسكرية للمدنيين. الاعتقال والتعذيب في الأقسام. هات لي شيء واحد تغير عن أيام مبارك.
ـ لكن الرئيس مرسي بقى له ستة اشهر فقط في الحكم وهو بيقول اصبروا واعطوني فرصة.
ـ إسمع يا حاج. الإنسان لما يوعد مش المفروض يوفي بوعده؟
ـ طبعاً.
ـ لو أنا وعدتك عشر مرات وكل مرة أخلف وعدي. هل لو وعدتك بعد كده تصدقني؟
ـ لا طبعاً لو صدقتك أبقى عبيط.
ـ أهو أنت قلت بنفسك. الشعب المصري مش عبيط. على فكرة، أنا في الانتخابات الرئاسية برغم أني ضد «الإخوان» عصرت على نفسي ليمونة وانتخبت مرسي ضد شفيق. قلت لنفسي «الإخوان» مهما كانت عيوبهم، حيبقوا أرحم من نظام مبارك، لكن للأسف طلعوا الاتنين حاجة واحدة. كنت أتمنى أن الرئيس مرسي يكون كما وعد رئيساً لكل المصريين لكنه أثبت أنه رئيس لـ«الإخوان» فقط وبقية المصريين لا يهمونه في قليل أو كثير.
ـ «الإخوان» بيقولوا لازم ننتظر أربع سنوات قبل ما نحكم على الرئيس مرسي.
ـ بص يا حاج. افترض إني اتفقت معك إني أوصلك بسيارتي إلى الساحل الشمالي ثم أخذتك في الاتجاه العكسي إلى طريق الصعيد. هل ضروري إنك تنتظر لغاية لما نوصل الصعيد عشان تعترض؟
فكر الرجل قليلاً ثم قال:
ـ لا طبعاً. لازم أطلب منك ترجعني فوراً لطريق الساحل اللي اتفقنا عليه يا إما تنزلني من السيارة.
ـ هيَّ دي حالة مصر بالضبط.. مرسي بدل ما ينفذ وعوده بينفذ تعليمات مكتب الإرشاد وهو غير مهتم بأي حاجة إلا مصلحة «الإخوان». مرسي يعمل على تمكين جماعته من الدولة بحيث يستحيل بعد ذلك خلعهم من الحكم. لا يمكن أن ننتظر أربع سنوات حتى يتم تنفيذ مخطط مكتب الإرشاد. إما أن يعدل مرسي وإما يرحل.
ـ ما تنساش إنه رئيس منتخب.
ـ صحيح الرئيس مرسي منتخب لكنه أخلَّ بشروط انتخابه. أنت تنتخب الرئيس وفقاً للقانون، فإذا جاء هذا الرئيس ودهس القانون بقدمه وحصن قراراته ضد القانون وسمح بحصار المحكمة الدستورية العليا حتى لا تصدر أحكاماً ضد اللجنة التأسيسية الباطلة التي شكلها، إذا فرض الرئيس المنتخب علينا نائباً عاماً بالمخالفة للقانون، وإذا طلب هذا النائب العام من المحامي العام حبس مواطنين أبرياء حتى لا يحرج الرئيس، يبقى نثق إزاي في النائب العام أو في الرئيس نفسه؟ إذا فرض الرئيس على الشعب دستوراً لا يمثل إلا جماعة «الإخوان» عن طريق استفتاء مزور.. إذا فعل الرئيس المنتخب كل ذلك فلا بد أن يفقد شرعيته قطعاً، لأن الشرعية مستمدة من احترام القانون والحاكم عندما يهدر القانون يبقى غير شرعي.
ـ ممكن أسألك سؤال وما تزعلش مني؟
ـ تفضل.
ـ هو انت علماني شوية؟
ـ قصدك إيه بالضبط بكلمة علماني؟
ـ بصراحة إمام الجامع اللي باصلّي فيه بيقول إن كل اللي بيعارضوا الرئيس مرسي من العلمانيين الرافضين لشرع الله وأعداء الإسلام.. بس أنت شكلك ابن حلال.
ابتسم الشاب وقال:
ـ إذا كان المسلمون الأوائل انتقدوا تصرفات عمر بن الخطاب وأبي بكر، رضي الله عنهما، يبقى إحنا مش من حقنا نعارض مرسي. كلمة علماني معناها فصل الدين عن السياسة، يعني ممكن تبقى علماني ومسلم ملتزم. حضرتك طبعاً تعرف سعد زغلول ومصطفى النحاس وجمال عبد الناصر؟
ـ دول زعماء مصر العظام.
ـ كلهم كانوا علمانيين. مش معنى كده إنهم ضد الدين، بالعكس كانوا بيعتزوا بإسلامهم لكن كان رأيهم إننا لا يمكن نبني دولة ديموقراطية حديثة على أساس ديني.
سكت الرجل وبدا عليه التفكير بينما قال الشاب:
ـ إحنا الحمدلله مسلمين، ونريد تطبيق شرع ربنا، لكن المصريين ما كانوش كفار قبل ما يحكمهم «الإخوان». معظم القوانين الموجودة في مصر مطابقة للشريعة الإسلامية، وهذا رأي وزير العدل أحمد مكي وهو ينتمي فكرياً إلى «الإخوان» المسلمين، بالإضافة إلى أن «الإخوان» هدفهم الأساسي السلطة وليس الشريعة.
ـ إزاي؟
ـ فيه مشروع اسمه الصكوك الإسلامية سمعت عنه؟
ـ بصراحة ما ركزتش فيه.
ـ «الإخوان» عاوزين يؤجروا مصر مفروشة. أي واحد أجنبي يدفع يبقى من حقه يمتلك أي شيء في بلدنا، حتى لو كان السد العالي أو قناة السويس.
ـ يا نهار إسود!
هكذا هتف الرجل بانزعاج وشرح له الشاب مشروع الصكوك الإسلامية ثم قال:
ـ مشروع الصكوك الإسلامية رفضه مجمع البحوث الإسلامية وأكد أنه مخالف للشريعة، ومع ذلك «الإخوان» مصممون على تنفيذ المشروع بالرغم من مخالفته الشريعة. يبقى «الإخوان» يهمهم تطبيق شرع الله؟
ـ أعوذ بالله. بصراحة أشكرك لأنك شرحت لي الوضع. فعلاً المفروض تحاولوا بكل طريقة توقفوا المشروع ده لأنه خطير. إزاي نبيع بلدنا ياناس؟
ـ الصكوك الإسلامية واحدة من كوارث كتيرة عملها حكم «الإخوان» في ستة أشهر... «الإخوان» اعتدوا على حقوق المصريين وفرضوا عليهم دستور المرشد بالعافية عن طريق استفتاء مزور. بعد عامين من الثورة، لسه المصريين بيموتوا في القطارات، والعمارات بتقع عليهم لأنها بدون ترخيص، لسه بيتحاكموا عسكرياً وبيتعذبوا في الأقسام.. لسه المصري في الخارج مالوش قيمة ولا كرامة.. نجلا وفا، وأحمد الجيزاوي وغيرهم كثير اتحبسوا واتجلدوا ظلم في السعودية. مرسي قلب الدنيا عشان 11 إخواني اعتقلوا في الإمارات بينما المعتقلون المصريون في كل دول الخليج ولا بيسأل عنهم مرسي ولا بيعمل لهم حاجة.
ـ لماذا لا تغيرون حكم «الإخوان» عن طريق الانتخابات؟
ـ أي انتخابات ديموقراطية في العالم لها شروط من أهمها الشفافية وتكافؤ الفرص.. أين هي الشفافية و«الإخوان» والسلفيون ينفقون الملايين أثناء الانتخابات من أموال مجهولة المصدر، وهم يرفضون خضوع ميزانيتهم لإشراف الدولة. إذا لم نعرف من أين ينفق «الإخوان» والسلفيون فلا شرعية لأي انتخابات ثم أي انتخابات هذه التي تجري وفقاً لقانون يضعه مجلس الشورى الباطل بناء على تعليمات مكتب الإرشاد؟
ـ يعني أنت رأيك نقاطع الانتخابات؟
ـ لقد أعلنا عن شروط لنزاهة الانتخابات لو لم تتحقق سنقاطعها.
ـ كلامك مقنع لكن تفتكر إن التظاهرات ممكن تجيب نتيجة؟
ـ التظاهرات دي هي اللي خلعت مبارك وحاكمته ووضعته في السجن.
ـ يعني إنتم عاوزين تخلعوا مرسي؟
ـ إحنا عاوزين حقنا. حقنا نعمل دستور يعبر عن المصريين كلهم. حقنا إننا نتعامل بكرامة واحترام. حقنا إن يكون فيه عدل وحرية. حنستمر في الثورة لغاية لما نحقق أهدافها. لازم مرسي يحترم الشعب المصري ويلغي الدستور المشوه ويعطي المصريين حقهم في كتابة دستورهم. أما إذا رفض مرسي ذلك فلا بد أن يرحل.
سكت الرجل المسن وتأمل الشاب لحظة ثم قال بود:
ـ إنت عندك كم سنة؟
ـ عندي 28 سنة وخريج هندسة القاهرة قسم مدني دفعة 2007.
ـ طيب يابني إنت شاغل نفسك في التظاهرات والاحتجاجات وبتعرض نفسك للخطر. ممكن تنضرب أو تموت، لا قدّر الله، أو على الأقل يعتقلوك ويعذبوك.. ما فكرتش إنك تسيبك من وجع القلب ده وتشوف لك عقد عمل في الخليج. تروح هناك تكسب وتكوّن نفسك وترجع بعد كم سنة تعيش ملك؟
ابتسم الشاب بحزن ثم نظر بعيداً كأنما يبحث عن كلمات مناسبة وقال:
ـ بص ياحاج أنا اشتركت في الثورة من أول يوم وشفت الشباب بيموت جنبي. أنا شلت على كتفي ده شهداء وشفت ناس كثير فقدوا عيونهم من الخرطوش.. كان القناصة بيضربونا بالرصاص. دائرة «الليزر» كانت بتلف علينا وكل مرة تقف تنطلق رصاصة في دماغ واحد منا ويقع وسطنا. أنا كان ممكن أموت في أي لحظة، لكن ربنا أراد للشهداء إنهم يموتوا، وسابني عايش لأجل أقوم بالمهمة اللي استشهدوا من أجلها .الشهداء ماتوا وهم بيحلموا بالعدل والحرية والكرامة وأنا حاستمر في الثورة لغاية لما حقق حلمهم.
ساد الصمت لحظة ثم قال الرجل المسن:
ـ بصراحة إنت وزملاؤك شباب شجعان وعندكم حق تتظاهروا.
ـ إذا كنت مقتنع بكلامنا يبقى تنزل معنا يوم الجمعة.
ـ أنا عمري ما مشيت في تظاهرة.
ضحك الشاب وقال:
ـ ولا يهمك. إنزل معي التظاهرة وأنا حاخلي بالي منك.
ضحك الرجل والشاب وراحا يتفقان على موعد ومكان اللقاء في تظاهرات الجمعة.
الديموقراطية هي الحل.
22/1/2013
لماذا يقتل مرسي المصريين؟
لا يستطيع محمد مرسي أن يزعم أن الملايين الذين يطالبون بإسقاطه هم فلول نظام مبارك أو ليبراليون ويساريون معادون للإسلام السياسي. الحق أن أصوات «الإخوان» قد عجزت وحدها عن إنجاح مرسي في انتخابات الرئاسة، والذين أوصلوه إلى مقعد الرئاسة في الجولة الثانـية هم ثمانية ملايـين مـصري، كلـهم من خارج «الإخوان»، بالإضافة إلى عدد كبير من الثوريين الليبراليين واليساريين الذين قاموا بتدعيم مرسي حتى لا يعود النظام القديم على يد منافسه شفيق.
كل ما يتردد عن مؤامرة ليبرالية يسارية إذاً محض هراء، كما أن تصوير ملايين المعارضين لـ«الإخوان» باعتبارهم فلولاً للنظام البائد، كذبة غبية، فلو كان نظام مبارك يملك ملايين المؤيدين لما سقط أصلاً.. كل هذه أساطير يخدع بها «الإخوان» أنفسهم وأتباعهم ليخفوا حقيقة أنهم باتوا مكروهين من الشعب المصري الذي خدعوه وقمعوه وقتلوه.
في اليوم التالي لتنصيبه رئيساً دعا مرسي القوى الثورية إلى اجتماع في القصر الرئاسي، حضرته، فوجدت ممثلين لكل أطياف العمل الوطني من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. أثناء الحوار الذي دار بيننا قبل لقاء مرسي، لمست عند الجميع، بلا استثناء، تفاؤلاً بأول رئيس مصري مدني منتخب واستعداداً صادقاً لمساعدة الرئيس، حتى ينجح وتتحقق نهضة مصر على يديه. لكن الرئيس مرسي انحدر إلى الفشل بسرعة لم يتوقعها أنصاره وخصومه على السواء. بعد أسابيع قليلة فوجئ المصريون بأن مرسي رئيس منتسب غير متفرغ، رئيس غائب عن الواقع منفصل عن الأحداث، وكأنه خارج لتوه من مغارة، أو كأنه يعيش في واقع افتراضي ذهني بعيد عن الحياة اليومية. اتضح للجميع أن مرسي ليس صاحب قرارات الرئاسة وإنما تأتي إليه من مكتب الإرشاد معدة سلفاً ليفض غلافها ثم يقرأها وكأنها صادرة عنه. اكتشف المصريون أنهم لم ينتخبوا رئيساً لمصر وإنما مندوباً لـ«الإخوان المسلمين» في الرئاسة.. هناك فيديو وصورة يعبران عن هذه الحالة. الفيديو يصور بعض «الإخوان المسلمين» وهم ينحنون على الارض ليتسابقوا من أجل تلبيس مرشد «الإخوان» حذاءه، بينما يقف فضيلته ماداً قدمه الكريمة لأتباعه حتى ينجزوا مهمتهم الجليلة.. وصورة نرى فيها مرسي وهو يشب على قدميه ليقبل رأس خيرت الشاطر (حاكم «الإخوان» الفعلي). هكذا هي علاقة مرسي بمرشده بديع ورئيسه الشاطر. خاب أمل المصريين في رئيسهم المرؤوس، ثم تضاعفت خيبة الأمل عندما بدأ الرئيس يتنصل من وعوده واحداً تلو الآخر. لا يتسع المجال هنا لاستعراض وعود مرسي الزائفة، فقد تعود على أن يعد ولا يفي بوعوده وهو لا يخجل إطلاقاً من أن يقول شيئاً ويعمل عكسه.. ثم اكتشف المصريون أن مشروع النهضة الذي طنطنت له آلة «الإخوان» الإعلامية ليس إلا كلاماً في الهواء. فقد مرسي مصداقيته بسرعة بالغة وشيئاً فشيئاً اتضح المشهد: «الإخوان» ومن ورائهم السلفيون والإرهابيون التائبون (الجهاد والجماعة الإسلامية) لا يعتبرون وصول مرسي للحكم فوزاً ديموقراطياً بمنصب الرئيس، بل هو في رأيهم نصرٌ إلهي على أعداء الإسلام (الذين هم بقية الشعب المصري)، وبالتالي فقد قرروا استعمال الديموقراطية باعتبارها سلماً خشبياً يصعدون به إلى السلطة ثم يركلونه بعيداً حتى لا يلحق بهم أحد.
إن ما يسعى «الإخوان» لتحقيقه هو ببساطة إعادة ترتيب أوضاع الدولة المصرية بحيث يظلون إلى الأبد في الحكم، وهم يريدون استعادة الخلافة الإسلامية. هنا يكفي أن يقرأ الإنسان قليلا عن الفظائع التي ارتكبها الاحتلال العثماني لمصر والجرائم الوحشية التي قامت عليها الدولة الأموية والدولة العباسية ليعرف أنّ الحكم الإسلامي الرشيد، طوال 15 قرناً، لم يوجد إلا لمدة 31 عاماً (29 عاماً للخلفاء الراشدين وعامان لعمر بن عبد العزيز).. الخلافة الإسلامية فـكرة قد تكون جــميلة لكنها قطعاً غير قابلة للاستعادة لأنها لم توجد أساساً. لكن مشايخ الإسلام السياسي يحشدون أتباعهم تحت شعار الخلافة، مستغلين جهلهم بالتاريخ وعواطفهم الدينية الجياشة. الخلافة الإسلامية مثل طواحين الهواء التي حاربها دون كيشوت في رواية سرفانتس، وهو يتخيل أنه يقهر جيوش أعداء وهميين لا يوجدون إلا في خياله.
«الإخوان» إذاً يرتبون للبقاء في السلطة إلى الأبد، ولذلك فقد تحول مرسي إلى دكتاتور وأصدر اعلاناً غير دستوري ليعطي نفسه صلاحيات مطلقة تمكنه من فعل أي شيء يريده، ودمر النظام القضائي بأن حصن نفسه وقراراته من أية ملاحقة قضائية. وقد سمح مرسي لأتباعه بمحاصرة المحكمة الدستورية العليا حتى تنتهي اللجنة التأسيسية الباطلة من كتابة الدستور الباطل الذي تم إعداده في مكتب الإرشاد.. سقط القناع عن وجه مرسي فذهب المصريون في احتجاجات سلمية أمام قصر الاتحادية، فإذا بخيرت الشاطر يرسل بميليشياته المسلحة ليهاجموا المعتصمين في «الاتحادية» ويقبضوا عليهم ويعذبوهم ببشاعة. وسقط شهداء من المعتصمين و«الإخوان» ذنبهم جميعاً في رقبة مرسي ورئيسه الشاطر.. تصاعدت المقاومة ضد الدكتاتور الجديد لسبب بسيط: أن المصريين قد قاموا بثورة قدموا خلالها آلاف الشهداء وعشرات الألوف من المصابين، لا يمكن بعد كل ذلك أن يقبلوا استبدال دكتاتور بآخر. على أن استبداد «الإخوان» لا يشبهه إلا فشلهم في ادارة الدولة.. فبعد مذبحة الأطفال في حادثة قطار أسيوط فشل مرسي في اتخاذ أبسط الإجراءات من أجل منع تكرار المذبحة، فتوالى سقوط الشهداء في قطارات الموت ثم ارتفعت الأسعار، واستمر الكساد وظل مرسي يتوسل صندوق النقد الدولي حتى يمنحه قرضاً، وقدم الشاطر مشروع الصكوك الإسلامية الذي يؤدي إلى بيع مصر لمن يدفع أكثر، وهنا حدثت المفاجأة، فقد رفض مجمع البحوث الإسلامية مشروع الصكوك لأنه مخالف للشريعة الإسلامية، وبرغم ذلك ظل «الإخوان» مصممين على تنفيذ المشروع المخالف للشريعة، التي يتشدقون بها، وهذا دليل على أن الاستمرار في الحكم عند «الإخوان» أهم من الدين ذاته. هكذا انكشف «الإخوان» أمام الشعب بانتهازيتهم وكذبهم وفشلهم وعجزهم، فلم يعد أمامهم إلا القمع. كان الحل أن يستعمل مرسي وزيراً للداخلية، يعيد سياسات حبيب العادلي الإجرامية، ويقتل المصريين بوحشية حتى يعيدهم إلى قفص الخوف والإذعان.. من يشاهد قتل المصريين في الأيام الأخيرة لا بد أن يتساءل: هل قتلت اسرائيل خمسين فلسطينياً في يوم واحد؟ هل قتلت اسرائيل الفلسطينيين بالرصاص وهم يشيعون موتاهم إلى قبورهم؟ لقد تفوق «الإخوان المسلمون» على إسرائيل في القتل، لكن الفرق أن اسرائيل تقتل من تعتبرهم أعداء إرهابيين، بينما مرسي يقتل مواطنين مصريين، كثيرون منهم انتخبوه للرئاسة، بل واحتفلوا بفوزه، وهم لا يعلمون أن مرشحهم الفائز هو الذي سيقتلهم رمياً بالرصاص...
لماذا يقتل مرسي المصريين؟! الإجابة التقليدية لأنهم يهاجمون منشآت الدولة. ألا يمكن الدفاع عن المنشآت بدون قتل الناس؟ ألا يحدد القانون إجراءات متدرجة للتعامل مع المتـظاهرين بدءاً من قـنابل الغـاز وخراطيم المياه ثم الإنذار وإطلاق الرصاص في الهواء وأخيراً إطلاق الرصاص على أطراف المتـظاهرين حتى يتم منعهم من دون قتلهم؟ هل كان صعباً على ضباط الشرطة أن يصوبـوا بنادقهـم إلى أقدام الـناس بـدلاً من صدورهم ورؤوسهم؟! ألا يمكن أن نحافظ على أرواح مواطنين مصريين ثم نقبض عليهم ونحاكمـهم كما يحدث في أي دولة محترمة؟ عشرات الشهداء من المدنيين وشهيدان من الشرطـة سقـطوا في يومين وسالت دماؤهم لتلطخ أيدي «الإخوان» إلى الأبد. مرسي يقتل المصريين على أمل إدخالهم في حظيرة «الإخوان» التي عاش عمره فيها، لكن الثورة بددت الخوف إلى الأبد. المصريون مهما قتلهم مرسي لن يذعنوا ولن يخافوا...
بعد أن قتل مواطنيه، يخرج علينا مرسي، ليلقي بياناً عقيماً ركيكاً فلا يعتذر عن إزهاق الأرواح ولا يسعى إلى اجتياز المحنة التي تسبب فيها، وإنما يرفع إصبعه في وجوهنا مهدداً بالمزيد من القتل. ولا ينسى مرسي أن يشكر رجال الشرطة القتلة، وكأنه يدعوهم إلى قتل المزيد من المصريين .المؤسف أن هذه الاستهانة بأرواح المصريين تصدر عن مرسي الذي يقدم نفسه باعتباره رجلاً متديناً يقرأ القرآن ويصلي في الجوامع ويتكلم عن الدين ويطلق لحيته تأسياً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لقد أثبت مرسي أن الإسلام الحقيقي العظيم الذي نعتنقه ونعتز به يختلف إلى حد التناقض مع الإسلام الذي يتبناه «الإخوان المسلمون».. بعد التهديد والوعيد ينهي مرسي بيانه البائس بدعوة للحوار. ما هو هذا الحوار، وما فائدته بعد أن نفذ مرسي تعليمات مكتب الإرشاد كلها فينا بدءاً من تعطيل القانون إلى فرض دستور «الإخوان» على مصر كلها إلى تزوير الاستفتاء إلى القتل المتواصل للمصريين..
علام نتحاور ياأخ مرسي ولماذا؟ ألحق أن مرسي لا يحتاج إلى الحوار وإنما إلى التقاط صورة للحوار. لقد فقد «الإخوان المسلمون» سمعتهم ومصداقيتهم في الداخل والخارج، وهم يحتاجون إلى تزيين صورتهم القبيحة باجتماعات زائفة شكلية يقدمون فيها أنفسهم للعالم باعتبارهم منفتحين على القوى الثورية. يا مرسي، لو أردت إنقاذ نفسك من المحنة التي أوقعت مصر فيها، عليك أولاً أن تعود إلى الحق وتلغي الدستور المشبوه الذي فرضته على المصريين بدون إرادتهم. إذا أردت أن تنقذ نفسك من مصير مبارك عليك بمحاكمة قتلة المصريين، سواء أكانوا من الشرطة أو الجيش أو المدنيين. لن يتحقق الاستقرار إلا بالعدل ولن يتحقق العدل إلا بإرجاع السلطة إلى الأمة التي انتخبتك ووثقت فيك، فانقلبت عليها وعطلت القانون وتحولت إلى دكتاتور تمارس أعتى السياسات الفاشية الوحشية من أجل استقرارك في الحكم.
إن الشهداء الذين سقطوا في مدن مصر المختلفة دماؤهم في رقبة مرسي. الغريب أننا نحاكم مبارك بتهمة قتل المتظاهرين، بينما مرسي يرتكب الجرائم نفسها، وما زال يملك من الجرأة ما يجعله يخرج علينا ليهددنا بالمزيد من القتل. يا مرسي أنت وجماعتك تنتمون إلى الماضي والثورة تنتمي إلى المستقبل. لا أنت ولا رئيسك «الشاطر» ولا مرشدك محمد بديع سيكون بمقدوركم أن تمنعوا المستقبل وتقضوا على الثورة. لقد تواطأتم على الثورة من البداية وكذبتم وعقدتم الصفقة مع العسكر على حساب الشهداء من أجل الاستئثار بالحكم إلى الأبد وبأي طريقة.. إقتل يا مرسي المصريين وامعن في القتل، ولكن إعلم إنّ القتل لن يحميك من مصيرك ولن يقضي على الثورة. رسالتك وصلت يا مرسي وبقدر قتلك للمصريين فإن رد الثورة عليك سوف يصلك قريباً.. أقرب ما تتصور.
الديموقراطية هي الحل.
29/1/2013