صفحة 1
كايد ..
الذي درس في جامعة دمشق وعمل معلما في احدى قرى رام الله أقنع حامولته بعمل بقالة تعاونية تبيع أبناء البلدة احتياجاتهم بدلا من شرائها من القدس، ويكون ريعها للمساهمين، واقترحوا أن يكون احمد بن أبو عليّ المسؤول الأول عن البقالة، براتب قدره خمسة دنانير شهريا، على أن يتعهد بدفع أيّ خسارة تلحق بالبقالة، وأن يجتمع بالمساهمين ليقدم لهم تقريرا عن سير العمل كل ثلاثة شهور، واتفقوا أن يشتروا حمارا لإيصال البضاعة الثقيلة الى بيت المشتري... بضاعة ثقيلة مثل إيش يا عمّي يا كايد؟ سأل أبو فالح.
- مثل كيس طحين ومثل جالون كاز.
بس مين بدّو يكون مسؤول عن الحمار؟ أحمد مش معقول يترك الدكان ويروح يودي اغراض للناس لبيوتهم.
- طيب اختاروا واحد من هالناس القاعده لا شغله ولا عمله وخّلوه مسؤول عن الحمار.
اسمع يا أبو علي قال أبو فالح:
ابنك احمد مسؤول عن الدكانه...معناه المسؤول عن الحمار لازم يبقى من عِيلتنا.
- ما عندنا مشكله...بس شو بدكم تعطوه أجره؟
- ثلاث دنانير...بس مين اللي بدكم تشغلوه؟
- ابني فالح لكن... ليش هو ابنك أحسن منه تيوخذ خمس دنانير؟
- لا ياعمّي ابني متعلم وبقدر يشتغل شغله أحسن من هذي وبأجره أكبر.
- دخيلك ابنك شو متعلم؟ والله اللي يسمعك تقول متعلم بحسبه دارس في الأزهر.
- لا دارس في الأزهر ولا في غيره ...درس خمس سنين في المدرسه ويعرف يقرا ويكتب.
وهنا تدخل الحضور واقترح أبو فايز ان تكون أجرة فالح اربعة دنانير، فسكت أبو فالح على مضض بعد أن تلثم بكوفيته، ورفض شرب الشاي.
بعد ستة شهور دبت الخلافات بين أفراد الحامولة حول"دكان الحامولة" فأبو سالم قام بحملة تحريضية واسعة، زاعما بأن هناك من يريدون الغنى على ظهر الحامولة، وهاجم كايد بشدة واصفا إياه بأنه يقبض من جهات خارجية، ويحرض الشباب على الحكومة، وهو لا يهدف مصلحة الحامولة ولا مصلحة القرية، بل يريد أن يبني مركزا له على ظهورنا، والله أعلم متى ستسجنه الحكومة، وعندها ستصادر البقالة وما فيها، ولن تستطيعوا عمل شيء عندها سوى خسارة أموالكم، والله أعلم إن كانت الحكومة ستكتفي بذلك أم ستسجنكم أيضا.
صفحة 2
أبو سالم دعا المساهمين في "دكان العيلة" وعددهم ستون شخصا لاجتماع في بيته، بنى بيت شعر يتسع للجميع، حضر حوالي أربعين شخصا، طرح عليهم مخاوفه من كايد ومخططاته، فسأله أبو كايد:
قل لي يا أبو سالم: ليش حاط قردتك ع هالولد؟ شو عمل معك وللا مع غيرك؟ من يوم ما صارت هالدكانة وإنت قايم قيامته، أيّ والله لولا خفت تقولوا أبو كايد ما بدّه يشارك مع الحاموله ما ساهمت بالخمس دنانير، والدكانه هي نفعتكم وللا ضرتكم؟ هاي ست شهور مرّت وكل واحد منكم والطحين والرز والسكر والشاي والصابونه والكاز وغيره تصل لدوركم وانتو مثل الشيوخ.
أبو سالم: هَيْ هايْ.. مليح إنّك اعترفت إنك ساهمت بخمس دنانير خجل من الناس، يعني ميشان تورط غيرك، إلا قل لي: ابنك المحروس كايد وينه؟
وانت يا أبو فالح والله لولا ابنك اشتغل ع حمار الدكانه ما وافقت تدفع خمس دنانير.... يا عمّي شو ناقصك ابنك فالح يقبض أربع دنانير في الشهر، وأحمد إبن أبو علي يقبض خمس دنانير...وكله ع ظهورنا.
أبو كايد: إتّقي ربك يا زلمه، كايد الله يرضى عليه سافر لبيروت يكمل تعليمه...كلها سنة زمان ويرجع حامل شهاده كبيره، وع العيد راح يرجع زيارة...بعد أقل من اسبوع يكون عندنا لمدة اسبوعين.
أبو سالم: شو وصّله لبيروت؟...ومين بصرف عليه؟
أبو كايد: بعثه ع الجامعة الأمريكية.
أبو سالم: شو قلت؟ الجامعه الأمريكيه...شو عرّفه بالأميركان؟ وشو علاقته معهم؟
أبو كايد: شو دخّلك انت في هيك أمور؟ الولد وهو يتعلم في سوريا تعرف ع دكتور لبناني وصاحبه وهو اللي دبّر له بعثه.
أبو فالح: أنا شايفك يا أبو سالم مش مصلّي ع النبي، وحاسدنا ع الأربع دنانير اللي يقبضها الولد أجرته من الدكانه، يا عمّي أنا ابني من بكره يسلمكم حمار الدكانه ودبروا حالكم، والرزقه اللي من وراكم ما بدّي إياها.
أبو علي: وابني أحمد مش أحسن من فالح... من بكره ما برجع للدكانه.
أبو سالم: شايفين يا جماعه... مِن ما كشفت طابقهم ... ظهروا ع حقيقتهم... يا عمّي ما حدا يستنى رمضان حب فيه... لكن حبّ بطبايخه؟.. شو رايكم يا اصحاب المال؟ لا تحملوني المسؤوليه... أنا حبيت أوضح إلكم الأمور.. وكل واحد منكم خطيته في رقبته.. يا بوخذ مصرياته.. يا بطلب العوض من الله.
أبو حسن: يا عمّي.. وحدّوا الله وخلّوا المركب ساير، أي والله من ما صارت هذي الدكانه ارتحنا.. والغرض اللي بدنا إياه ولد صغير يروح ويجيبه، والدكانه تبيع أرخص من القدس، والربح إلنا يا ناس...
أبو سالم: أنا عارف إنه مصلحتك ما تخلّيك تقول الصّحيح.
أبو حسن: عيب يا أبو سالم... شو اللي تقول فيه؟ وشو في مصلحه إلي أكثر من مصلحة كل واحد فيكم؟ وانت أصلا ما ساهمت في الدكانه.. وشو مغلبك؟
أبو سالم: شو مغلبني؟ نص مصريات الدكانه من إخوتي وولاد عمّي... إن شاء الله بدّي أترككم تلفوها وأنا أتفرج؟
أبو علي: احفظ كلامك ولا تقول تلفوها... ليش شايفنا حراميه؟
أبو سالم: انت في داري وللا كان عرفت شو أرد عليك؟ لكن ميشان ترضى انت وكل من قال بقولك...عليّ الطلاق من أمّ سالم اذا عادت وفتحت الدكانه من بكره لأحرقها.. وأشوف شو بدكم تعملوا.
انتفض أبو فالح وأبو عليّ وخرجا.. وخرج معهما أقاربهما وهم يرددون: إذا إنك زلمه احرقها....
أبو حسن: لا حول ولا قوة الا بالله... اسمع يا أبو سالم... لا تحرق الدكانه ولا عَ بالك.. أنا رايح أشوف أبو علي وأبو فالح.. يا يشتروا الدكانه هم وجماعتهم ويردّوا مصرياتكم لكم.. أو تشتروها انتم وتردّوا لهم مصرياتهم...
أبو سالم: هذا الكلام الصحيح... واحنا يا عمّي بدنا مصرياتنا.
انفضت الجلسة وعادوا الى بيوتهم، في المساء ذهب أفراد من أقارب أبو سالم الى أبو مفلح وإلى أبو عليّ وطلبوا منهم أن لا يدفعوا قيمة أسهمهم في البقالة لأبو سالم، فالرجل "يأكل الضبّ الذي سلم على الرب" كما وصفه حسّان بن عمّه.
صفحة 3
وصل خليل البيت مرفوع الرأس مختالا بنفسه، فقد كان في عمّان، وعند المخابرات، وجلس مع الباشا، طلب طعاما من والدته، فَقَلَتْ له بيضة بالسّمن البلدي، سأله والده:
- خير يا ولد وين كنت؟
- عند المخابرات في عمّان.
- شو بدهم منك؟
- سألوني عن الحزب الشيوعي.
- شو قلت يا ولد؟ الحزب الشيوعي... من وين فيه حزب شيوعي؟
- الجائزة اللي قلت لكم فزت فيها من إذاعة موسكو باللغة العربية هي اللي جابت إلنا الدَّوَرْ.
- وشو سألوك غير هذا؟
- ولا شيء.
- سألوك عن بلاد الانكليز؟