eKtab
EN ع
جنان في ثوب البيلسان
اقرأ عينة مجانية

جنان في ثوب البيلسان

بقلم هنا فرح حلاحل

صفحة 1

تمهيد

قبل تقدُّم التكنولوجيا؛ كان الاعتقاد، في معظم القرى اللبنانية بأنّ أهمّ تحصيل علميّ، في العائلة، هو الحصول على شهادة الطبّ، أو الهندسة، أو المحاماة! وكُلُّ ما عدا ذلك، فهو تقطيع للوقت، وإلهاء عن سلوك الدرب الصّحيح للمراكز العُليا، ولشرف المقامات!.. لذلك ترى الأب يفخر؛ إذا ما حقّق، أيّ من أولاده حلمه في الحصول على شهادة كمثل هذه الشهادات!....
جنان

رأي

ـ بعض الأمور تبقى غير مرئيّة؛ ولكنّها في الحقيقة، هي الأكثر أهميّة!
ـ نُجرِّبُ ما يُوجِع كي نَتَعلّم!
ـ المكافآت، عادة ما، تأتي متأخّرة!
ـ تمييز الأشخاص، عادة ما يأتي في العُسر، لا في اليُسر!
ـ وحش الفقر، الذي طارد كلاً من حسام، وجنان؛ حتى أواخر النصف الأول من عمر كلّ منهما؛ اضمَحَلَّ! وذاب في النّسيان؛ كما يذوب الشّمع من تحت شعلة الضوء؛ بيد المؤمن بقدرته على المثابرة؛ تَوَصُّلاً، إلى ما يبتغيه من تصميم مُتقَن على النجاح!..

ذاكرة لا تنام

جنان طفلة ذات ذاكرة لا تنام! ولا تكبُر، في عمر النِّسيان!... ربيعها، الدّائم الخضرة، يتفتّح بتوافد البراعم؛ من صُوَر راسخة في الأذهان؛ لألوان زاهية، ونابضة بالحياة!...
في البيت دفءٌ، وحنان؛ رغم البرودة، والصّقيع، طوال فصل الشِّتاء؛ ونسائم تشجـيع، وحماسة، وثقة، وإعجاب؛ تحفز النَّفسَ على المضيِّ في التّحصيل؛ للإبقاء على هذا الكمِّ من الرِّضى؛ ولإبعاد اليأس، ولتجاوُز الإحباط!...
هي صورة الأهل، على أكمل وجه، وأرفع مستوىً لمثال!... هم أعطوا، كما أخذوا من الخالق؛ كأنبل عطاء!... أولادهم كانوا المتلقّين لكلِّ هذا الدَّفق من الرِّعاية؛ وتَنَوُّع الجود، في النُّصح، وتبيان النتائج؛ من أوجُه الخطأ، ومن أقنية الخير، إلى مرابع البركات.
ما بين الغلط، والصّواب، تَمحوَرَت كلّ دعائم التّربية؛ للحصول على نعمة الأنعام، ألا وهي السّلام!... إنّها طريقة العيش بمبادىءَ تُسيِّرنا بعفويّة الواثق؛ فلا نتكلّف، ولا نتصنّع، ولا نحسب حساباً لمكافأة؛ باكتساب ألقاب المعالي والرُّتَب!...
حَسبُنا من رضى اللّه علينا؛ فيما لو تكتَّمنا عن عمل صالح، أسعدنا! من قبل أن ينساب خَيرُه على غيرِنا!...
أفكارنا في حرب ضروس، مع ما هو الحسن، وما هو المنبوذ!... وما بين الممكن إصلاحه؛ وما هو عديم الفائدة؛ لدرجة أنّ الرّجاء منه ميؤوس!... الأهل، والأولاد هم شبه الطبيعة. بكلّ عطاء!.... الزّارع يبذر البذور؛ وفي نيَّته أن يحصد الغلال؛ من طيِّبات ما أمِلَ من حُسن الثّمَر؛ وعلى أرفع مستوًى!..
لم يخطر بباله، بأنّ بعض الحَبِّ قد ضلَّ النّهج؛ فهوى على صخر أصمّ؛ فأبطل نفعه! وأمّا الحبُّ الذي انغرس في التّربة، وتمتّع بالرِّعاية؛ من سقاية، ودفءٍ، وتهوية صالحة؛ فقد أثمَرَ، ونَما، وتكاثر؛ لتكتمل الأمثولة: (زرعوا، فأكلنا! نزرع فيأكلون)!...
فالحياة دورة؛ منها الصّيف، والرّبيع، والخريف، وآخرها الشتاء!...
صفحة 2

سباحة في بحر الذّات

اكتشاف البنيان، من قبل معرفة الأسماء، وأصول التّدَرُّج في التَّقرُّب؛ وحتى التّوافُق؛ لهو الدّرب الأسلم لقطف الثِّمار!... دولاب المعرفة يدور، على امتداد السنوات من عمر الأطفال... يتوقّف في المحطّات؛ ليلتقط صُوَراً تنطبع في الذّكرى؛ أحزاناً، وأفراحاً!... ثمّ، ما يبقى؛ فهو ترقُّبات فِعلٍ لردَّة فعل؛ تَمَّ من غير إرادة! بل، بحسِّ الطبيعة؛ لتكامل الفكر مع الجسد؛ وقبل أن يسعى المرء، لإرضاء المجتمع، وكبتِ ما يستشعِر؛ لأنُّه يُجاري العُرفَ، في التّستُّر على الفَرَح، وعلى ما يُحاكم من فعل بحكم أنّه لذاذةُ الحرام!...
الألم، وريشة الفنّان!
الكاتب، هو رسّام!... مُمِسكٌ بريشته؛ وأمامه لوحة؛ لم تزل بيضاء!...
يتصارع مع الألم؛ ليُمسِك به، ومن ثمّ يطرحه على البياض الملتحف أمامه بالغموض!...
يبدأ العمل برذاذ الوجع؛ ناشِراً إيّاه على نُتفٍ مُبعثرة؛ كيفما خرطش، أو رسم!... فيلوِّن غريمه؛ مفنّداً، ومُطهِراً تلاوينه، وطرق مخابئه!... مَرَّةً، يتمكّن منه؛ ومرَّةً، هو الآخر يتفلّت منه؛ فلا يُبقي على الطريق، أيّ أثر يدلّ على المكان!...
صولات، وجولات، على القماش، وآثار عرَاك؛ ولوحةٌ مخضّبة بالدّماء!...
الحيرة تأتي من عدم معرفة مصدر الألم؛ فلو عُرِف المَكمَنُ؛ سَهُلَ التّفتيشُ عن الألم، وريشة الفنان.
السّبب، وزال العجب!...
فكأنّما رُشِق الجسد بالبارود؛ وهذا البارود هو من النّوع الشفّاف، وغير المرئيّ؛ يُؤلِم، ولا يُرى؛ ولا يُمكِن تتبُّع سيره!...

الطبيعة عشق وملاذ!

يسيح المرء، حسبما يهوى؛ فالمُتَع في الحياة كثيرة، وما أكثر الدّروب الى صرف المال!...
شيء واحدٌ فيه الكمال، واللحمة، مع مالك الكون، بشغف المُمسِك بالجمال!...
هذا السّابح بالغبطة، والإيمان؛ هو ناتج من فعل وجوده في أرضٍ برّيّة؛ لم تطأها حفّارات، ولم تُخرِّبها ماكينات حراثة، ولم تَرُشّها بالسّموم؛ فرشاة بأيدٍ، هي قاتلة للنِّعم، المُعطاة من قبل الربّ لأرضنا الخيِّرة؛ بكلِّ ما هو جميل، ومسبِّح له؛ حتى ولو لم يكُن ناطقاً، ولا يُسمَع له ترنيمٌ، ولا صوت غناء!...
فالجماد من نِعم اللّه! والجمال منثور في كلّ مكان!... فَمَن يقتحمه بالخراب؛ لهوَ مُؤذٍ لمشيئة الرّب، ويستحقّ منه العقاب، في يوم ما!... يغرقُ المؤمن بشتّى الوسائل من مُتع الملذات! أمّا ما يسكره؛ فهو طغيان الرّوائح العطرة والممزوجة برطوبة الأتربة؛ فهي تُزكي الأنفاس!.. أمّا تمازج الألوان المنثورة، ما بين الأزهار، وفوق الشجر؛ فهي تحلِّق بالعيون إلى ما بعد الغيوم، مما في الجنّة من منابع خيرات ونِعم؛ تُهدهِد الرُّموش بالأحلام، مع تمايل الأغصان!..
تمشي، فتتلاطم رجلاك، مع ما تكوّم من أوراق؛ كلّها تحوّلت إلى يباس! فتختلط مع التّراب!... هذا العناق، يُصدِر خشخشة، هي لَطمُ الأنفاس مع موسيقى العزف على كلّ الأوتار!...
هذه الألفة في تمازج أذواقٍ، بيننا، وبين كلّ ما حولنا؛ تتولّد؛ وتخلُق فينا قوّة؛ نحن لم نطلبها! فهي لا تعوزنا! إنّها قُوَّةُ مَن لا يسأل! ولكنّه يعطى!... قوّةُ الفارس، والعارف، والآمر، والواثق، والمُمسِك بكلتا يديه باللِّجام! ومن على ظهر الجواد!...
شعور القيادة؛ لمن يعرِف الطّريق، شعور صادق، ولذيذ؛ يستلِذُّ به المرء، عندما يتمتّع بالحريّة، ويستكين بنفسه، إلى نفسه؛ في سَكَنٍ مُنَّزه، عن هموم كلّ ما يُشغِل النّاس؛ وينفرِد بأفكاره، عن مُجاراة أحدٍ في الذوق، أو في الاختيار؛ لأيِّ مأكلٍ، أو مشرَبٍ، أو تحفة، أو لباس!...
صفحة 3

قرية جنان وحسام

حسام، وجنان هما من قرية، هي أشبه بجزيرة؛ لولا تعلّقها بالهضاب العالية!...
عروس مكلّلة بأكثر من إكليل؛ بحسب كلّ موسم من مواسم الزّهر البريّ، في الفصول الثلاثة؛ ما عدا فصل الشتاء، فهي فيه كما الأشجار الموزّعة فيها؛ من غار، وسنديان، وزيتون وكلّها دائمة الاخضرار!...
عروس، في كلّ الفصول! تتلوّن بمشالح الأزهار الربيعيّة، والصيفيّة؛ لتعود إلى دكنة الخضار والخباء، مع بوادر الغيوم الرمادية، المنذرة بقدوم الخريف، وبعده الشتاء بعواصفه القارسة الصّقيعيّة!..
قرية الحبّ، والحماية؛ لها خاصيتها!.. لم يجتمع أهلها على رأيّ مُوحَّدٍ، مثلما تآلفوا على محبّتها!.. تعلّقهم بأرضها يجعلهم يستحسنون إنتاجها، ويتمنّون أن يأكلوا من خيراتها؛ حتى ولو كانوا في بلد آخر؛ مُتاخم لبلدهم، أو هو، على بعد شاسع من الحدود!...
حُبُّ الطيران معششٌ في نفوس شباب أهل هذه القرية! فتراهم يسافرون؛ وفي نيّتهم جمع المال، والعودة إلى الديار، بأفضل صورة؛ لمحوِ الفقر، وضيق الحال، عما كان في الماضي؛ من قهر، وحبسٍ، وضيق، وخوف من القمع المسيطر؛ من الطّغاة، ومن الحكّام!...
بعض هؤلاء الناس، طاب لهم العيش في دنيا الاغتراب، فاستقرّوا هناك؛ وبعضهم ظلّ على علاقة قويّة ببلده؛ فكان يتحيّن الفرص لزيارة الأهل، من وقت لآخر؛ وأمّا القسم الأكبر فقد أعدّ العدّة للاستقرار في قريته؛ فبنى بيتاً، وكوّن عائلة؛ ثمّ، استصلح أرضه، وزاد من استثماراته الاقتصادية! فكان له حقّ النّفع بعد الجهد، والمواظبة، على العمل، من أجل كسب المودّة؛ إن من ناحية الواجب، أم لإثبات الوجود الفعّال، وفي شتّى الميادين؛ العائلية منها، أم الاجتماعية!...
الأزهار البرّية في هذه القرية متنوِّعة الأشكال والألوان؛ ولكلّ منها تباشير بقدوم فصل، أو صباحية عيد!... فالأجراس البيضاء تتدلّى، مع إطلالة تشرين؛ مُبَشِّرةً باقتراب عيد الأعياد، مع فصل الشتاء! عيد المحبّة، وفرح الأولاد! عيد الزّينة المعلَّقة على الأبواب؛ عيد الميلاد!...
الأجراس البيضاء تتسلّق الأشجار؛ وهي على شبه كبير بأزهار السّوسَن، ولكنّها تتفرّع ببحبوحة أكثر؛ وعلى امتداد أطوَل بكثير!...
تتعلّق بما يجاورها؛ فإن كان نبتة؛ اتّحَدَت معها! وغطتّها بأجراسها! وإن كان حائطاً، زيّنته ببياضها! وإن كان علّيقة، تداخلت معها؛ فبرزت أجراسُها من خروم شبكها!...
تتوهَّجُ كالشمس بعد أن تكون قد نجحت في الخروج من براثن شوَك العلّيق، الذي كان يخنقها!... ومع مرور الأيام الشتوية، تكون بصلات من نوع آخر من الأزهار، قد شبعت من الأمطار؛ وأصبحت حاضرة لتبرز بزينتها، وعطرها الى الوجود!... زهرة كانون الثاني هي زهرة قبوع الرّاعي... زهرة تُستبان من شاسع المكان؛ فكأنّها طاقية الرّاعي!...
رائحتها زكيّة، ولونها زهريّ، مائل إلى البياض!... تعيش منفردِة؛ ودائماً ما تواجد في المرتفعات!... رأسها مُشرَئِبٌّ، لِتُشرِف على السّهل، ولكي تحرس الوديان!...
سريعة العطب هي زهرة قبّوع الرّاعي؛ إذا ما لامس وجهها أيّ شيء؛ ولو حتى كان مِغناجاً أو شمّاماً، أو أنّه المقصُّ بيد الإنسان!... فهي إن اقتُطِعت من مكانها؛ ذَبُلَت في الحال!... عندئذ، تحني عنقها، وتتلاشى؛ تاركة نثرات من زُهيراتها في المكان الذي تُركت فيه!... فَقَاطِفُها هو الذي يدفنها؛ إذ يُدخلها برميل القمامة، أو إذا حنّ قلبه قليلاً؛ يعيدها، ميتة، إلى التّراب! وعلى الفور!...
قبوع الرّاعي، زهرة تُشمُّ من بعيد، ولا تُلمَسُ باليدّ! بل تحلو للنّاظر إليها؛ لا فرق، إن من بعيد، أو من قريب!...
الأرض في القرية غنيّة بأزهارها الجميلة! وموسم الربيع أكثرها عطاءً، ونِدرَةً فيما بين التّناسُق؛ إن بالألوان، أو بالأشكال!.
زهرة النّحلة هي اسمٌ على مُسمَّىً! ويقال لها: «الأوركوداي»!.. فكأنَّ ثلاث نحلات غطّت معاً على عنق الأوركوداي البريّة؛ وترافقت صُعوداً على تلك الشّتول! شتلة فيها من الجمال، ما يدعو إلى تسبيح الخالق في تكوين هذا الإبداع! فإن كبرَت أحجام مثل هذه الزهرات؛ دُعيت باسم آخر، يُشابه النّحلة من حيث الألوان، ولكنّه الذّكر بحجمه الطّاغي على نعومة الأنثى؛ ألا وهو الدّبور! فإن زهرة الدّبور، أروَع، لكونها الأغنى بظرفها، ومشقة قدها الطويل!...
كيفما ينظر الإنسان في هذه القرية، يصطدِم بالرّائع من أصناف الأزهار!... فبخّور مريم مُجتمِع في الحفافي، وعلى جوانب الطرقات المؤدّية إلى أعماق الوديان! ويحوم حول بساتين الزّيتون!.. عرقُه من اللون البنيّ المائل إلى الخمريّ؛ ولكنّ التّاج على قبّة رأسه، زهريٌّ، مع تمازج بالسُّكريّ، وبالبياض!... ورقه دائريٌّ أخضر، ومُطعَّمٌ بتصاوير مُزركشة، ومُتداخلة التّقاطع في الخطوط وعلى كلّ الجوانب!...
صفحة 4
الأرض مليئة بالجمال، من ريشة خالق الكون؛ وعلى الإنسان أن يصنع من حِسِّه، حِسّ فنّان؛ فيصف ما يراه، ويخلق لوحة في فكره؛ يأنسُ إليها ساعة يريد أن يُنشد الرّاحة، والسكينة، والسلام!... إن لم تُبهِج النفس الطبيعة بأكملها؛ فلا بدّ من أن تخصِّص شقائق النّعمان بشيء من الافتنان!... فهي جميلة كيفما وُجِدَت؛ إن باللون الأحمر الرّائع؛ والطّاغي على كلّ فتنة، أو زَهوٍ، أو اعتدال؛ ما من طفل إلّا ورسمه؛ كأوّل خرطشة بالألوان!... إن باللون الأحمر، أو باللون الأزرق أو البنفسجيّ؛ بُرعُماً كان، أو زهرة مُكتملة التّفتُّح، وباسقة نحو العلياء؛ تُبشِّرُ بالرَّبيع، وتتوافدُ إلى القرية من كلّ الجهات؛ إن من أعلى الجبال، أو من السُّهول، وإلى كلّ الوهاد، والهضاب!... تعيش شقائق النّعمان بمفردها، أو مع جاراتها؛ ولكنّ أسعدها، ما حَظِيت بعلَّيقة؛ فاختبأت تحتها تتفيأ بظلَّها؛ لِتَصعُبَ على ناظرها من أن يستسهِل قطفها!... جمال زهرة شقائق النّعمان المحميّة؛ أخّاذٌ! يعيشُ أطول عمراً من غير زهر مكشوف من غير خباء!.. فهي محظيّة؛ كونها مصونة من جنون الطقس، ومن عبث الأرجل، التي تدوس رفيقاتها، المكشوفات الرؤوس؛ لكلّ عابر سبيل يمرُّ بقربهنّ!...
وتكون بقعة أخرى، في فيء شجرة صامدة؛ رغم ضعفها! هذه هي زهرات النرجِس... الزهرة منها تحمل عدّة أجنحة؛ منها أولوية بيضاء ولكنّ القلب أصفر، كطائر الكنار لونه!...
رائحتها زكيّة، تُنعِش المارَّ، من غير أن يكون مُضطرّاً إلى الانحناء نحوها!... فهي ترتفع برحيقها إليه؛ مُستقيمة القامة؛ وصامدة، فيما لو احتمت من العواصف، إبّان فصل الشتاء!...
النرجس يحبّ كثيراً المطر الخفيف، وينعشها دائماً وقع رذاذه؛ مع شمس أواخر الخريف، وإطلالة الشتاء!...
تحبُّ هذه الزهرات الفيءَ! وتتحاشى الأماكن حيث تكون الشمس محرقة!.. فالنّرجسُ حسّاس؛ لا يطلب شيئاً، أكثر من أن يُحمَى من جنون الطبيعة!...
أقرب الأزهار إلى نعومة أيدٍ هي فقط للأطفال؛ أزهار صُرم الدِّيك.. فهي تشبه حُرم الدِّيك، أو عرفه! زهر يتفتّح بالتّقسيط! فالقضيب منه لا يكتملُ زهرة بالتّفتُّح، والانفلاش؛ دفعة واحدة، بل بعد أن يُقطَف، ويترك في الماء، أو تُزيَّن به شمعةُ العيد؛ في يوم مبارك؛ وهو عيد الشّعانين! فقضيب صُرم الدّيك جميل في أرضه ورائع فيما لو كان محمولاً مع شمعة الشعنينة؛ وهو بيد طفل صغير!...
جبال القرية، ووديانها تكسوها الصّفرة من اصفرار زهر الوزّال على تلال القرية الجميلة!.. «زهر اللزّان» فاقع البهتان، وكريم العطاء! وهو للزينة جمال، وللنفع صالح!..
فمن أعواده تُصنع المكانس، ويُستفاد منه أيضاً في تغطية الأعمدة المتشابكة مع أسقف الخيم لتصبح أقوىً، وأمتَن؛ ولكي تمنع حرارة الشمس عن رؤوس المستظلين في هذه البيوت الوزّالية الأعواد، والقشّ، والقصب!...
عندما تتلوّن أشجار الغابات؛ تكون شجرة السِّجرَيء هي العلامة الفارقة!... زهر يؤكل! وهو بلون الورد الجوريّ!...
تتفرَّع منه قضبان؛ تحمل أزهاراً على شاكلة عناقيد؛ ومُوزّعة على طول القضيب.
طعم هذا الزّهر حُلوُ المذاق، ويدعو النّاظر إليه، إلى الاقتحام؛ ومَشق الغُصن، لأخذ حفنة من تلك الأزهار، وتذوّقها بكلّ سلاسة وهدوء!.. زهر، على مشارف الوديان، يكثُر! وفي الحفافي من الوديان ينمو، ويصمُد! وبين السنديان يعلو؛ ليُزيِّن الغابة بلونه الزهريّ؛ وسط الامتداد الشاسع من الاخضرار! فهو للنّاظر متعة وجمال، وللجائع راوٍ للعطش؛ وفاتح للشهية؛ كونه كالفاكهة!.. ويُشبع كالطعام لأنّه غذاء!...
قمر النّهار هو البيلسان.. قليل الوجود، ولكنّه مُشعٌّ بأقماره البيضاء؛ والرائع بفنِّه المطواع؛ وبرشقِه الطيبَ، على كلّ الأرجاء!...
زهرة «الدّنتيل» هي زهرة البيلسان!.. زهرة شغل الإبرة، والمكّوك؛ في لغة صانعي جهاز العروس؛ بحرير دود القزِّ من الخيطان!...
زهر البيلسان أشدّ بياضاً من الثلج بالنّقاء! تستقرّ زهرته لأطول مدّة على الغصن؛ فإن قُطف، ذَبُلَ وانطوى جماله الأخّاذ!. وأمّا رائحته الزكيّة؛ فهي تفوح مع طلوع الفجر، لتُطيِّب الجوّ بأجمل عطر؛ عند انبلاج الرؤية، وقبل الموعد مع السَّحَر!...
صفحة 5

طفولة كلّ من جنان وحسام

إنّها طفلة!..

بردٌ، ورياحٌ، وصقيع!.. وامرأة في حال من مخاض عسير!.. ليلٌ شديد السّواد؛ لا قَمَرَ فيه، ولا نجوم!.. بطيء الخطى؛ وطريقه، نحو الفجر، شائكٌ، وطويل!.. ما أصعب، وأضيق فسحات الأمل؛ التي تسبِقُ خروج المولود إلى الدّنيا!.. الأبُ قلق؛ ينتظر سماع صرخة طفله الموعود؛ ومن حوله النّسوة، يُحاولِن تهدئته بالقول المعهود: «خلقة كاملة؛ تساوي نعمة زائدة»!.. فهُنَّ يُدرِكن؛ بسبب من التّجارب، أنّ بشارة الطِّفلة، تقع كالصّاعقة على مسمع الأب!... فيتقطّب حاجباه، ويخرُج من غربة الجلوس؛ ويتّجه نحو المطبخ!... فتلحق به ابنة عمّته، وتعدّ له فنجاناً من الشّاي قائلة: «العِلمُ عند اللّه»! ولكنّ المغصَ يبدو سريعاً؛ وهذا يُنذِر باقتراب موعد الولادة!... فيهرع الوالد نحو غرفة زوجته؛ تاركاً فنجان الشّاي، على الطاولة!.. عَلاَ صُراخ الأمّ، واشتدّ الطّلقُ عليها!.. فجأة، صمتت! وانساب صوت رقيق؛ أتى صارخاً؛ وكأنّه مسلوخٌ من عالم؛ كان فيه مرتاحاً؛ وقد أُجبِرَ على النُّزول؛ فهبط إلى عالم آخر، فَصَرخ!... خرجت الجدّة (أمُّ الولّادة)، إلى حيث يجلس صهرها، وبشّرته بأنّها لم تَرَ، في حياتها أجمل من هذه الطفلة! فهي شبيهة أمّها؛ ولكن، لها نظرات والدها؛ وتشعُّ بذكائه!...
لا شيء يُعوِّض الأبّ، عن خيبة أمله! فالصّبيُّ الموعود لم يأتِ!.. هذا للوهلة الأولى، ولكن بعد مضيّ بعض الوقت؛ سوف يتعوّد هذا الأب طفلته! ويفتِّش في قلبه، عن اسم يكون لها مرافقاً بالسّعادة؛ ومتمنّياً لها أن تكون الأجمل والأكثر حظاً بين جميع الفتيات!...
هذا التوقّع، من قبل بعض الحاضرات من النّسوة، كان صحيحاً! فقد تقدّم الأب من زوجته، وهنّأها بالسّلامة وأخذ طفلته، وقبّلها وقال: «ما أحلاكِ يا جنان»!...
كبرت الطفلة، وبدأت تظهر عليها علامات النّباهة؛ فإن سمعت عن شيء؛ لم تستوعب معناه؛ سألت عنه أمّها، أو جدّتها، أو والدها! وكان كلّ واحد منهم يُجيبها بطريقته الخاصة؛ آملاً أن تُدرِك المعنى، على قدر استيعاب طفلة في سِنِّها؛ ولكن، في معظم الأحيان، كانت تُسبِّب، هذه الطّفلة الذّكية لهم، الإرباك؛ لا سيما عندما كانت تُفاجئهم بأسئلتها المحرجة والمتتالية!..
مشت ابنة الثلاث سنوات، مع أمِّها إلى البستان المجاور للمنزل؛ فوجدت حجارة كثيرة!... فاستغربت، وسألت أمّها:
ـ «من أين جاءت كلّ هذه الحجارة»!؟
فأجابت الأم:
ـ «من اللّه»!..
فظنّت الطفلة أنّ اللّه ضرب النّاس بالحجارة؛ كما يفعل أيّ إنسان، عندما يلتقط حجراً، ويضرب به كلباً ليبعده عنه! أو ليُخيفه، أو ليمنعه من أن يفعل شيئاً غير مُستحبٍّ لناظره!.
فقالت لأمّها:
ـ «ماذا فعل كلّ هؤلاء النّاس، لكي يرشقهم اللّه بكلّ هذه الحجارة؟!»...
فتعجبت الأمّ من جوابها، بل تلعثمت؛ ولم تستطع أن تستنبط فكرة أخرى، لِتُفسِّر لابنتها معنىً آخر، بتفسير مُغالِط؛ فغيَّرت الحديث؛ ثمّ أخذت ابنتها إلى أقرب دكّان، واشترت لها بعض الحلوى؛ فتلهَّت الصغيرة بالمشتريات!..
وهكذا خَلُصَت الأُمُّ من الإحراج في أجوبتها!.. مرّة أخرى، كانت جنان تشاهد مباراة في سباق الخيل؛ فلفت نظرها لباس الخيّالة! وكانت تتأمَّل نحافة جسم كلّ واحد منهم؛ وتنظر إلى أحصنتهم؛ وتُسجّل في ذاكرتها أشياء، لم تخطر على بال أحد من حولها؛ في ذلك الوقت؛ حتى تنبهت جدّتها لأسئلتها؛ حينما كانت تسير وإياها على الطريق، في عشية يوم من الأيام! حين التقيا شاباً نحيفاً جدّاً، يرتدي ثياباً تُشبه ما كان مألوفاً لنظر جنان، وهي تشاهد التلفزيون؛ من ثياب الخيّالة؛ فسألت جدّتها مُستغربة:
ـ «جدّتي، جدّتي! هذا الرجل يمشي بمفرده!
أين حصانه»؟!...
فضحكت الجدّة، ثمّ استدركت المعنَى لما كان يُشغِل بال حفيدتها؛ فقالت لها:
ـ «لقد انتهى مشواره، فذهب لينام»!...
كلّما كبرت جنان سنة، تفتّحت قريحتها عن نَهم الأسئلة! طفلة دأبها أن تعرف؛ وأن تلاحق الخبر، حتى تستوعب الحدث، وتفهَم!...
مرّة أصيب جدّها بمرض ثمّ توفّي! فبعد موت الجدّ كانت جنان تُكثِرُ من الأسئلة عن المعنى الحقيقيّ للموت؛ فسألت أمها:
ـ «أين ذهب جدّي»؟
صفحة 6
فأجابتها أمها
ـ «صَعِد إلى السّماء»!...
فاستغربت الطفلة الإجابة ثمّ قالت:
ـ «من أين أتى بسلّم طويل، ليصِل إلى فوق»!؟...
فقالت الأمُّ:
ـ «صَعِدَ «بالهوليكبتر» أي بالمروحيّة»!
مرّت الأيام، والطفلة تعاوِد الأسئلة عن جدّها؛ وتسأل إن كانت تستطيع أن تذهب إليه، لتراه! ودائماً ما كانت الأمّ تقول لها بأنّ الطريق إلى السّماء طويل؛ وربّما جدّها لم يصل بعد إلى هناك!... وكان بالقرب من منزلهم، وعلى أطراف القرية الصغيرة مدرج قديم للمروحيات؛ وصودف أن تجمّع، في يوم واحد، عدد كبير من الطيارين، ومن جنسيات مختلفة؛ وكان بينهم عدد من الضباط الألمان!...
وبدأت التّمارين؛ ومعظم أهل القرية كانوا قد صعدوا إلى أسطح منازلهم ليعاينوا نزول المتمرنين «بالباراشوت» أي بالمظلّات!...
خطرت ببال جنان فكرة؛ فأقنعت إخوتها الصّغار بأنّ التَّنَزُّه على طريق المطار، تستحسِنُه أمُّهّم؛ وفي الوقت عينه يستطيعون الوصول إلى نقطة الجيش؛ حيث، من هناك، يشاهدون عن كثب، انطلاق المروحيات!... فمشى الأطفال وسط الحقول المجاورة؛ بغفلة عن أعين الأهل والأقارب؛ حتى وصلوا إلى المكان المقصود؛ فتقدّمت جنان من الضابط المسؤول؛ وكان من الجنسية الألمانية، وقالت له:
ـ «كم تريد من الفلوس، لتأخذني بالمروحيّة إلى فوق»؟!...
وأشارت بإصبعها نحو السّماء!...
فضحِكَ التّرجمان، وفسَّرَ للضابط قول الطّفلة؛ فردّ عليه الضابط، لكي يسألها ماذا تريد، فأجابت:
ـ «أريدُ أن أذهب معكم إلى السماء لأرى جدّي»!..
في هذه الأثناء، تنبّهت الأُمّ إلى غياب أولادها، واستفسرت عنهم أطفال الحيّ، فعلمت بمكانهم؛ ثمّ لحقت بهم! فاستقبلها الضابط وقال لها:
ـ «ابنتك تريد أن تصعد بالمروحيّة؛ فإذا سمحتِ، نأخذها في جولة»؟...
فقالت الأمّ:
«لا! شكراً لكم؛ إني أخاف أن ترمي بنفسها من على الشّرفة؛ لتفعل كما يفعل الذين يرمون بأنفسهم إلى الأرض بواسطة المظلّات! إنّها طفلة؛ لا تفقه بعد المعنى من المجازفة، ولا تعي الخطر»!..
حسام، طفل خلّاق، والحديث عنه نادر؛ لدرجة أنّ الخوف عليه، من العين الحاسدة، كان أقوَى من أن يتباهى أبواه بأعماله!...
فقد ظهرت عليه بوادر الاستقلالية، وحُسن الاختيار، منذ نعومة أظفاره!...
طفل في الثالثة من عمره؛ يتدبّر أموره؛ إن في الملبس، أو في المأكل؛ دون الاستعانة، لا بأُمّه، ولا بأبيه!...
يُنسِّق الألوان؛ فيضع ما يتناسب مع الآخر؛ من قميص، أو شورت، أو حذاء؛ مع ما يتلاءم من جوارب؛ شرط أن لا يُخرِّب ما قد وُضِّبَ، من حاجات، في الخزائن، وما تحتويه كلّ تلك الجوارير!... يجلس حسام إلى المائدة ليأكل كالكبار! فهو بكلِّ لياقة يستعمل الشوكة والسكين! ويعرف جيّداً ما في الأطباق من أصناف؛ فيتذوّق القليل منها أوّلاً؛ وبعدها، يُقرِّر ماذا يختار!...
حسام هو لولب الحركة! فإن سأل أهل البيت عن شيء، كان قد فُقِد؛ وَتَحيَّروا فيما بينهم عن كيفيّة ضياع هذا الغرض؛ يكون هذا الطفل لهم بالمرصاد! فيخطف الأبصار بانضباطه، وإنصاته لما كان يدور حوله من أحاديث!.. لا يسأل، ولا يُقاطع مَن يتحدّث!.. بل يُنصِت، ويُسجّل في ذاكرة الطفولة، أكداساً من الأفلام؛ لتكون زوّادة العمر، بأجمل التواريخ، وأصدق الصُّوَر!..
صفحة 7
مرّة، ذهبت أم حسام في مهمّة؛ وتركت الصبيّ بعهدة جدّته الذكيّة، والمجبولة بالحنان؛ لدرجة أنّها كانت تفيض بشيء من النّسيان؛ إذا ما اقتضت الحاجة؛ لأنّه في عرفها، مسموح! ولكنّ الكذبَ ممنوع!... وتقول الجدّة بأنّه، لو حدث، وغابت عن الذّاكرة، فكرةٌ ما؛ فقد تصبح معذورة! لأنّ اسم الإنسان آتٍ من «النّسيان»!...
لكلّ مشكلة حلٌّ، عند جدّة حسام! فهي تتحايل على الطلب، وتُنفِّذه؛ بحسب ما يتوافق مع ما يُناسبها؛ شرطَ أن لا تُغضِبَ أحداً! فهي تخلُق الظرف؛ ومن ثمّ تصنع منه المشكل؛ وتستعين بالجميع لحلِّه!...
كانت الجدّة تحرص دائماً على تنظيف أحذيتها؛ ووضعها في مكان مُشمِس، بعض الشيء؛ ومَحميّ من تقلُّبات الطقس؛ كي لا تتغبّر هذه الأحذية من هبوب العواصف، وما تحمله من أوساخ وأوراق ذابلة!... مرّة، كان حسام يدور حول أمّه؛ وهي تتهيأ للخروج من المنزل لحاجة اجتماعية؛ فكان هذا الطفل يراقبها وهي تعيد فرشاة الشّعر إلى المنضدة؛ بعد أن أكملت التسريحة، وأَتَمَّت وَضعَ زِينتها!...
كانت الأمّ تحاول أن تُلهي ابنها عنها، لتخرُج من البيت مُتَسَلِّلة! فقالت له ليذهب إلى الغرفة، ويفتح العلبة الحمراء؛ التي وضعتها تحت سريره!.. لأنّ فيها هديّة تعجبه كثيراً، فقد اشترتها له ليلهو بها!...
كانت الأمّ تحاول أن تحوِّل انتباه طفلها عنها لتخرج من الباب، دون أن يتنبّه لذهابها! كلّ هذا كان على مرأىً، ومسمع من الجدّة؛ التي استدركت الموقف؛ فانبرت كعادتها، باستباق الحلول!... فركعت على الأرض وقالت لحفيدها:
ـ «مَن يُريدُ أن يركبَ الحصان، ليطال السَّقف، وضوءَ المصباح»؟!...
فأجاب الطفل:
ـ «أنا»!...
وصعد على ظهر جدّته، وتمسّك جيّداً بكتفيها!.. فكانت الجدّة تمشي في البيت بطريقة القفز أحياناً، ثمّ، الوقوف في أوقات أخرى؛ والصبّي يرفع يده محاولاً أن يطال سقف الغرفة، أو اللمبة المتدلية منه، أو من إحدى الزّوايا، من على الجدران!..
وبعد عدّة محاولات لملامسة السَّقف؛ باءت جميعها بالفشل؛ زهقَ الطفل؛ وبدأ يسأل عن أمّه! فما كان من الجدة إلّا أن طمأنته، من أنّها سوف تأخذه إلى المكان الذي ذهبت إليه أمّه؛ ولكن، في البدء، يجب أن تنتعل «سكربينتها» أي حذاءها!... وعليه، أن يُساعدها لتجِد سكربينتها السَوداء اللون!...
فكيف تَذهَب خارج البيت وهي حافية؟!...
فَتَوقَّف الولدُ عن السُّؤال عن أمُه؛ وَبَدَأَ يدل بإصبعه على الأمكنة؛ الواحد تلو الآخر، بحسب ما يعتقد؛ بأنّ حذاء جدّته، موجود فيه؛ أو من الممكن، أن تكون جدّته قد تركته، أو نسيته هناك!...
وهكذا كان الوقت يمضي؛ وحسام وجدّته يُفتِّشان عن الحذاء!... حتى، إذا ما شعرت الجدّة بأنّ الولد قد تضجَّر من روتينيّة العمل؛ بادرت إلى نبش حيلة أخرى، تستنبِطها، لتُشغِل فكر الولد بالمتابعة، وجدِّيّة كسب الوقت!..
فقد أنزلته عن ظهرها، وأجلسته على الكنبة قائلة له:
ـ «انتظرني هنا، ولا تتحرّك! كي أَتحرَّى أمر؛ مَن يطرُق الباب؛ فإذا كان شحّاذاً، أو شحّاذة؛ فلن أفتح لأحد»!
وبحركة سريعة، اتَّجهت الجدّة نحو الباب، ونظرت من ثُقب صغير قرب المفتاح؛ ثمّ وضعت يدها على فمها، مُشيرة إليه بأن لا يتكلّم، حتى لا يسمع الواقف في الباب، بأنّ أحداً ما موجود في الدّاخل!... ففعل الولد مثل جدّته، وابتسم؛ واضعاً إصبعه على فمه!... اتّجهت الجدّة إلى حيث وضعت حذاءها، من قبل، ودفعت «بفردة» سكربينتها، برجلها؛ فاستقرّت تحت المقعد الصّغير؛ ثمّ دفعت، ثانية، بالفردة الأخرى؛ فاستقرّت تحت الطاولة الكبيرة؛ ثمّ، ارتدَّت الجدّة بلباقة، نحو حفيدها، وقالت له:
ـ «إصعد على ظهري لنكمِل المشوار؛ فأنا واثقة بأنك سوف تجد سكربينتي؛ لأنتعلها، ونخرج معاً من البيت»!.
فصعد الطفل على ظهر جدّته فرِحاً؛ وما إن مشت بضع خطوات حتى صرخ بها:
ـ «جدّتي! جدّتي! أنظري تحت الطاولة»!...
فسحبت الجدّة الفردة برجلها اليمنى، وحاولت أن تنتعلها! فلم تستوِ؛ فبدّلتها باليُسرى؛ فإذا بها مرتاحة جدّاً، ولكنّ الرِّجل اليمنى بقيت حافية!...
صفحة 8
فرح الولد بأنّ المجهود الذي بذله، بدأ يُثمِر!.. وخصوصاً عندما سمع إطراء جدّته له بالقول:
ـ «حسام! حبيب جدّتك! كم أنت ذكيّ يا حسومة! تعال، نُفتِّش عن الفردة الثانية»!...
بدأ الدّوران في المنزل؛ من غرفة، إلى غرفة أخرى؛ والجدّة تُقلِّب أطراف الستائر، وأغطية الأسرّة، وتقلب كل ما تراه على الأرض؛ من صناديق أو أوعية؛ والولد يميل برأسه، إلى الجهة التي تمتد يدُ الجدّة إليها، أو نحوها!...
فجـأة، سمعت الجدّة خبطة على الباب؛ ففهمت بأن لا بدّ لهذا المسرح من أن يُغلَق!...
توجّهت إلى المكان الذي تركت فيه فردة الحذاء الثانية؛ فإذا بالولد يلمح الغرض المفقود فيصرخ:
ـ «جدّتي! جدّتي! ها هي»!...
فانحنت الجدّة؛ وأنزلته عن ظهرها، ثمّ انتعلت حذاءها وتوجّهت نحو الباب! فإذا بأمّ الطفل تدخل!... فَرَحُ الولد كان لا يُوصف بلقاء أمّه؛ وأمّا الجدّة فقد كانت الحافظة، والأمينة على حفيدها، في غياب أمّه المضطرّة إلى ترك بيتها، لحاجة ما، وهي أدرى بعاطفة أمّها!...
أخ الجدّة، هو أيضاً جدٌّ ظريف؛ وغالباً ما كان يزور بيت أخته! وصودف أن كان، يومها، حسام مريضاً؛ فأتوا بطبيب القرية لمعاينته!... كان هذا الطبيب الجوّال هو الأوحد بين الأطباء القدامى الذين يتنقلون من قرية إلى قرية، في الجوار، وطول النّهار!...
يسير هذا الطبيب ليعاين مرضاه، حاملاً حقيبته السوداء، والمشققّة من عوامل حفر السِّنين، وتقلّبات الطقس، من حرِّ وبرد، أو هواء عليل، أو متقلّب في المزاج كهواء شهر تشرين!...
شنطته ليست كسائر الشنط؛ فهي تتّسِع، بترتيب، لعدّة أغراض! تتمايل على الجنبين، عندما يضغط عليها بإصبعه، من الأعلى، لكي يختار منها ما يريد!... فإن لم يجد ضالته؛ يُفتِّش في الجيب الأيسر، أو الأيمن! ثمّ يغوص في الدّاخل؛ يقلِّب الطبقات، كما يقلِّب صفحات الكتاب! فإن لم يجد ما يُريد؛ سأل أهل المريض، إن كان بإمكان أحدهم أن يذهب إلى الصيّدلية ليأتي بما هو مطلوب لكي يشفى المريض! وبعد مضيّ ساعة تقريباً، يكون طلبه في متناول اليد! وفي أقرب وقت!... لأنّ مَن هم في القرية، من أهل أو أقارب أو جيران أهل نخوة، ومروءة، وإقدام! يمدّون يد العون حتى ولو لم يكونوا من ميسوري الحال! بعد معاينتة المريض، يستعدّ الطبيب لغسل يديه! ثمّ يحمل حقيبته، علامة مغادرة المنزل، فيُطلَب له سيجارة مع فنجان قهوة ليدخنها بارتياح! ما إن يأخذ الطبيب نفساً من السيجارة حتى يبدأ بالسّعال المتقطع ويقول:
ـ «من أين هذا الدّخان»!؟
فيجيبه من في الدّار بأنّ هذا التّبغ هو من أفضل الأصناف عند المعلم «ألبير»؛ فهو يُتقِن زراعتها، وتشميسها، وتهوئتها ويواكب صناعتها من فرم، ولفّ حتى أنّه يبيعها بأغلى الأثمان!...
ومع استطالة الطبيب، لوقت ليس بقليل، بالقحّة واشتداد السّعال، كان يسأل صاحب البيت إن كان عنده غير هذا الدّخان فيقول:
ـ «ما عندك أقوى من هيدول»!؟...