eKtab
EN ع
جنون آخر
اقرأ عينة مجانية

جنون آخر

بقلم ممدوح عدوان

صفحة 1

تقديم ما !..

بعد تجربة كتابي السابق «دفاعاً عن الجنون» خطر لي أن أعيد الكرة.

والمسألة، باختصار، هي أنني أنتقي من الأشياء التي سبق لي أن نشرتها في دوريات أو مقدمات لكتب، ما أرى أنه صالح بعد أوانه.

وهذا الكتاب ليس تكملة للكتاب السابق، بل هو نسج على منواله. إنه يحتوي على آراء لي في الفن والثقافة والصحافة والمرأة (وبعض السياسة).

والسؤال الذي واجهني في كتابي الأول يواجهني الآن: ما الذي يجمع بين هذه المقالات؟!..

والجواب بالسذاجة التي أجبت عليه في ما سبق: الذي يجمع بين هذه المقالات هو أنني أنا كتبتها.

فالآراء هنا هي آرائي، التي قد تعني بعضهم، وقد لا تعني شيئاً للبعض الآخر. ولكن كان يعنيني، أنا، أن أقول هذه الآراء، وأن أسجلها. وبينها توديع لأشخاص مثل عاصي الرحباني والظاهرة الرحبانية، حتى توديع عدد من الأصدقاء الذين رحلوا، والذين مروا في حياتي مروراً ليس عابراً.

ولعل شيئاً من المرارة ما زال قائماً هنا أيضاً. فلدى مراجعة المقالات اكتشفت أنني أصر، مرة أخرى، على الخسارات التي ألمت بحياتنا. وهي خسارات أكبر من الهزائم العسكرية أو السياسية. إنه نزيفنا الإنساني المستمر. والذي يُحَيْوِننا.. أو يُجنّنا.

* ممدوح عدوان

اليوم سبعون ساعة

يعلق الكثير من الأصدقاء على الغزارة التي أكتب بها، والكمية التي أنجزتها. ويقول لي بعضهم ممازحاً: متى تكتب؟!.. متى تجد الوقت للكتابة؟!.. ومتى تقرأ؟!.. هل يومك سبعون ساعة؟!..

والأمر ببساطة هو أنني أعرف كيف أستفيد من وقتي. فيومي يبدأ باكراً جداً (في الساعة السادسة تقريباً أو السادسة والنصف). وأعكف على «الشغل» حتى الواحدة أو الثانية إذا لم أكن مضطراً للخروج من البيت. بعدها يأتي دور الأصدقاء سواء في البيت أو في المطاعم.

قبل هذا الوقت يكون الناس في أشغالهم. أي أنه لا وقت لدي للناس، ولا وقت للناس من أجلي. عند الظهيرة يتجمع الناس. وأجتمع بهم. ولكنني أكون قد اشتغلت ما بين الخمس ساعات والسبع ساعات.

صفحة 2

نجلس ونتسامر ونشرب ونأكل حتى الرابعة. وبعدها تأتي القيلولة. والقيلولة عندي مقدسة. لا أتنازل عنها. وليس في حياتي شيء اسمه «بعد الظهر». ومنذ زمن طويل لم أعد أحداً بين الرابعة والسادسة.

أستيقظ في السادسة مساء، وأبدأ الشغل من جديد حتى التاسعة. خلال هذا الوقت لا يأتيك ضيوف ولا تزور أحداً. إذا أراد أحد أن يزورك فلن يكون هذا قبل التاسعة. وكذلك إذا أردت أن تسهر عند أحد فلن تذهب إليه قبل ذلك الموعد. ولكنني أكون قد اشتغلت ثلاث ساعات على الأقل.

ويبدأ اليوم التالي كما بدأ اليوم السابق.

ماذا تكون الحصيلة؟!..

شغل ما بين ثماني ساعات وعشر ساعات يومياً. ودون أن تفوتني سهرة أو جلسة. ويراني الناس في المقاصف والمطاعم والملاهي والمنتزهات فيسألون: متى تكتب؟!.. متى تجد الوقت لهذا كله؟!..

وماذا أشتغل؟!..

أكتب وأقرأ. يكون لدي شعر أكتبه، أو مسرحية أؤلفها، أو مسلسل أعالجه. وقد أكتب بعض المقالات الصحفية.

وحين لا يكون لدي مزاج، أو ارتباط، لهذا أو ذاك، أمسك كتاباً يعجبني وأعكف على ترجمته.

وهنا أصل إلى نقطة أساسية في «الشغل». إنه شغل بكل ما في الكلمة من معنى. أي أنه يحتاج إلى مراجعة واعتناء وتصحيح. فأنا أعتقد أن الموهبة لا تشكل إلا جزءاً يسيراً من مستلزمات الكاتب. والباقي هو شغل ومراجعة واستذكار. وهذا ينطوي أساساً على الشعور بمسؤولية الكتابة. وهي مسؤولية الكاتب تجاه نفسه أولاً، وبعدها أمام القارئ.

وكل كتابة لا تنطلق من احترام للنفس وللآخر هي كتابة مؤقتة معرضة للموت.

وأنا أراجع ما أكتب دائماً. وقد استفدت من العمل الصحفي فائدتين كبيرتين، هما القدرة على الاستيعاب السريع لما أقرأ، والقدرة على نقل أفكاري بسرعة من رأسي إلى الورق. ومؤخراً صار الانتقال إلى شاشة الكومبيوتر.

ماذا يبقى؟!..

تعدد الميادين التي أكتب فيها.

وأنا أستغرب استغراب الناس من هذا. هناك كتاب لم يكتبوا إلا في فن واحد. ولكن هناك كتاب مارسوا أكثر من فن وبكفاءة عالية. كتبوا المسرح والشعر والرواية ومارسوا العمل الصحفي. وهذا كله قد فعلته. وإنني أتحسر لعدم قدرتي على الرسم وعزف الموسيقى والتمثيل.

ولا أدري، والحال هكذا، لماذا يستغرب الناس ممارستي للكتابة في أكثر من ميدان.

إذن ليس يومي سبعين ساعة. إنه سبع ساعات على الأقل. ولكنه بالمواظبة والدأب والاستمرارية يصبح سبعين ساعة منتجة.

***

صفحة 3

معايير أخرى

لدي معايير شخصية للحكم على الناس الذين يشتغلون في الشؤون العامة. فأنا، مثلاً، لا أثق بمن لا يضحك أو لا يحب الضحك. وأكثر ما يغيظني هو الذي لا يفهم النكتة. ولعل هذا هو السبب في كون عدد كبير من أصدقائي مصريين. وحين ألتقي بمن لا يضحك أو لا يستوعب النكتة أقول لنفسي بسرية تامة: هذا الرجل لن يكون صديقي.

وقبل ذلك كان معظم أصدقائي عراقيين. لأنهم يغنّون. فالغناء بوابة أخرى من بوابات الروح. ومنها نستطيع التواصل مع الآخر وفي العمق. والذي تستطيع أن تضحك معه، أو تغني معه، هو الذي يمكن أن يكون صديقك في المستقبل.

لكن الضحك شيء آخر. بالضحك تشعر بالتقارب مع الآخر، وتميل إلى فتح الحديث معه. وخير قول متعلق بالضحك هو: «ليس الضحك بداية سيئة للصداقة. ولكنه قطعاً أفضل الوسائل لإنهائها».

كما أنني كنت، ولا أزال، لا أثق بأي سياسي لا يقرأ الأدب. وليس السياسي وحده. بل المفكر والفيلسوف وكل من يخطط للآخرين سياسياً أو اقتصادياً أو فكرياً.

لا أستطيع أن أتصور أية حياة جافة يعيشها ذلك الذي لا يقرأ الأدب ولا يرى المسرح أو السينما ومعارض الرسم، ويكتفي بالكتب المتعلقة باختصاصه. كيف سينظّر للبشر دون أن يفتح نافذة نحو مشاعرهم؟!..

إنه يتعامل معهم وكأنهم «روبوتات» يمكن تطبيق النظريات عليهم دون أي اعتبار لمشاعرهم وعواطفهم واستجاباتهم.

ولهذا لا أثق كثيراً بالعديد من المفكرين الغربيين الذين ينحصرون في اختصاصاتهم. فيعرف أحدهم كل شيء عن اختصاصه المتعلق بالبشر، ولا يعرف شيئاً عن البشر. وقد التقيت بعدد من المفكرين (العرب وغير العرب) الذي يرون الأدب تضييع وقت في أمور غير مجدية. فصرت أتردد في قراءة ما يكتبونه.

وكنت أقرأ كتاباً بعنوان «الأعوام الخمسمائة القادمة، الحياة في الألفية التالية» لأدريان بيري فأفاجأ فيه برأي ينسجم مع معاييري.

هذا الرجل يقول: «لا تثق بأي محدث عن المستقبل إذا لم يكن يقرأ قصص الخيال العلمي».

وأنا لا أتحدث عن المستقبل ولا أعرف شيئاً عنه (وخاصة مستقبلنا العربي الذي أخاف من التفكير فيه). ولعل السبب هو أنني لست من قراء قصص الخيال العلمي. فهذا الفن لم يستهوني.

غير أن الرجل أعجبني إذ يمسك بالخيط من أوله. فالخيال العلمي وقصصه، منذ جول فيرن، هو الذي فتح أبواب المخيلة البشرية على احتمالات التقدم في مجالات الطب والعلم والكواكب وأعماق البحار واستكشاف الأرض والمجرات.

وحتى في العصر الحالي، والسعي دؤوب من قبل التقنيين والاقتصاديين والعلماء للخروج من أزمة العالم المعاصر، يصطدم هؤلاء بأناس من أصحاب القرار ممن «لم يقرؤوا أية قصة من الخيال العلمي». وهذا أكبر عيوبهم لأن مخيلاتهم محدودة ومبرمجة حسب الممكن والمتاح. بينما يسعى العلماء للوصول إلى ما هو غير متاح بعد. ولذلك فهم يعرقلون المشاريع التي يطرحها أصحاب المشاريع العلمية.

ويقول أدريان بري إن قراءة قصص الخيال العلمي تدريب أساس لكل من يريد أن يتطلع إلى ما هو أكثر من عشر سنوات من المستقبل. فكتّاب الخيال العلمي قد استنفدوا كل ما يمكن تخيله وما لا يمكن تخيله. وهو يسمي كتّاب الخيال العلمي «الأنبياء» من حيث قدرتهم على استكشاف المستقبل. والمبدأ الذي يعتمده هو: كل ما يمكن أن يحدث سيحدث. وهذا هو مفتاح التكهن بالمستقبل.

وكيف نحكم على ما «يمكن» أن يحدث؟!.. ببساطة: من خلال تخيلنا أنه سيحدث. كل ما نتخيل أنه يمكن أن يحدث سيحدث.

ويختم أدريان بالقول: «وأنا لا أقول إن أكثر من واحد بالمائة من قراء قصص الخيال العلمي سيكونون أنبياء يعول عليهم. ولكنني أقول إن ما يقرب من مائة بالمائة من الأنبياء المعول عليهم سيكونون من قراء قصص الخيال العلمي أو كتابها».

***

صفحة 4

الضائع الحقيقي

يقول جاو زنجيان، الصيني الحائز على جائزة نوبل عام 2000، وله «كتاب رجل مستوحد» و«جبل الروح»، في حوار مع اللوموند: «عندما لا نستطيع الكتابة ندرك ما تمثله الكتابة من ضرورة. يسمح الأدب للكائن الإنساني بالمحافظة على إدراكه بأنه إنسان».

يبدو من هذا الكلام أن الكتابة أكثر من لهو، وأكثر من فرصة للتعبير عن الرأي. هناك حاجة مبهمة في الإنسان تجعله يقوم بتصرفات لا يستطيع تبريرها عقلانياً. ولكنه يفعلها غريزياً.

والأمر شبيه بالولد النازل من باص المدرسة. أول ما يفعله في الشارع هو أن يركض. وأول ما يفعله في البيت هو أن يلقي بمحفظته أرضاً بحجة الإسراع إلى الحمام. ولكنه في الحالتين ينتقم من النظام المفروض عليه في المدرسة. فهذا النظام ضد طبيعته الحقيقية. وهو نظام تدجيني يسعى إلى تحويل الطفل إلى واحد من القطيع.

وهذا الانتقام ليس وقفاً على الطفل. إن هناك شيئاً محدداً اسمه «الانتقام من النظام عامة». ولذلك ترى رجالاً كباراً (علماء يتبعون دورة أو ضباطاً كباراً يتبعون دورة ركن أو أساتذة مختصين يتبعون دورة تطوير معلومات) يتصرفون خلال تلك الدورات تصرفات لا تختلف عن تصرفات الأطفال في المرحلة الابتدائية. حتى أنهم يفرحون الفرح ذاته، الذي يفرحه الأطفال، حين يقال لهم إن هذا الدرس ملغى الآن بسبب عدم مجيء المدرس. كما أن هناك رجالاً كباراً يسعون إلى مخالفات بسيطة للأنظمة العامة لا هدف لها إلا «خرق» هيبة النظام. وقد يتلخص الأمر في عبور الشارع من غير المكان المحدد، أو فك برغي من المقعد الذي أمامه في الباص.

وأعتقد أن الكتابة هي فرصة الكاتب في العودة إلى هذه الطفولة المنسية أو المختبئة. وهذا يعني في العمق أنه تواق إلى العودة إلى إنسانيته الأصيلة. ولذلك كان ريلكه يقول: «للكتابة عند الرجل والمرأة هدف واحد هو أن يصيرا كائنين بشريين».

وكيف يحدث ذلك؟!..

إنك، لكي تعود إلى طفولتك، يجب أن تكون قد قررت أن ما أنت عليه الآن لا يمثلك تمثيلاً حقيقياً. وهذا يعني أنك تكون قد قررت دفن شيء ما تعيشه الآن لصالح الشيء الذي ستوقظه في نفسك.

يقول موريس بلانشو في «الفضاء الأدبي»: «ربما كان الفن طريقاً نحو الذات. وربما أيضاً طريقاً نحو موت قد يكون موتنا».

وبالعودة إلى الكاتب الصيني جاو زنجيان نسمعه يقول: «لا يسعى الكتّاب لنشر أعمالهم، ولكنهم يسعون لأن يتعرفوا على أنفسهم من خلال الكتابة. وإذا لجأ كافكا وبيسوا إلى اللغة، فلم يكن ذلك لتغيير العالم. أنا أؤمن بما أسميه الأدب البارد. أدب يهرب المرء من خلاله للحفاظ على حياته، أدب مجرد من النفعية. أدب للحماية الروحية، نابع من الذات، من أجل تفادي الاختناق داخل المجتمع. أنا أؤمن بأدب آني للأحياء. يجب معرفة كيفية استخدام الحرية. فإذا ما استخدمناها مقابل شيء آخر فإننا سوف نفقدها».

هذا يوصلنا إلى القصدية التي يضطر الكاتب إلى الإعلان عنها.

فقد سادت في حياتنا خلال فترات معينة معايير للكتابة، تحولت إلى معايير قمعية في النقد، وكلها تتحدث عن الغائية في الأدب (والكتابة إجمالاً). وهذه الغائية لبست لبوس السياسة أو علم الاجتماع أو الإصلاح الاجتماعي وما إلى ذلك. وكان هذا كله انحرافاً عن الغائية الحقيقية للكتابة.

فالكتابة ليست إلا لهواً يبدو بريئاً. ولكنه يهدف إلى استعادة الضائع من إنسانيتنا.

ولكن لكي لا نشتط كثيراً في هذا المجال لا بد من التأكيد على أن هناك ما سلب المعاني من حياتنا. وهذا اللص شيء آخر غير الزمن. إنه «الآخر» المتحكم في حياتنا، والذي حول هذه الحياة إلى شيء يشبه الحياة. ولكنه ليس حياة.

ولعل الجريمة النكراء التي ارتكبت بحق الإنسان هي تلك التي أنسته ما ضاع فعلاً من حياته وأوقفته عند العابر الزائل.

يقول جاو زنجيان إنه ينصت إلى الأشياء لكي يكتب. فحول سؤال عن الفرق بين الرسم والشعر يقول: «فرق في الصوت. أنا منصت للأشياء في الأدب. أقوم باصطياد الكلمات وكأنها أصوات».

فما الذي يجعلنا نستعيد القدرة على الإصغاء؟!..

***

صفحة 5

مهاجرون وأنصار

(الناقد العدد 7)

وآخرتها معكم؟!..

أكلما اجتمع عدد من الأدباء العرب المهاجرين في بلد من بلدان الهجرة، وأتيحت لهم الإمكانية، «فقعونا» بمجلة تهرئ نعمتنا؟!.. مجلة تنعم بالحرية وترفع لواءها وتدافع عنها، وتدعو الأدباء العرب إلى المساهمة فيها «بملء حريتهم»..

ويا أرض اشتدي..

الأدباء العرب المهاجرون يتحدثون عن الحرية. ويتحدثون، بالمقابل، عن القمع الذي ظل وراءهم في البلدان العربية، وعن خضوع المثقف العربي المقيم لهذا القمع وتأقلمه معه، وارتزاقه منه، ثم تنظيره له ودفاعه عنه.. إلى آخر القائمة.

وهذا حديث صحيح ومفيد. ولا أكتم أنه حديث مثير للنقمة على التخاذل، ومحرض للنفس على المزيد من النظافة الذاتية، والاغتسال من التهاون والمهادنة والممالأة.

ولكن هذا التحريض وصل في النهاية إلى نتائجه السلبية. ومثلما فعل التحريض الإعلامي للمواطن العربي بشأن القضية الفلسطينية، ودون ممارسة جدية على أرض الواقع، بحيث صار هذا المواطن يطنش ولا يهتم حتى للمذابح التي تدبر للفلسطينيين، كذلك فإن تحريض الأدباء المهاجرين لنا، نحن الأدباء المقيمين، ظل يتواصل حتى أوصلنا إلى حد النقمة على الذات واتهامها بالقصور والتقصير واحتقارها ومواجهتها يومياً بالتهم والنقمة والبهدلة.

أستطيع أن أقول إن الأدباء المهاجرين قد نجحوا في زرع مركب نقص مرَضي في نفوس الأدباء المقيمين. واستطاعوا، أيضاً، أن يؤسسوا لفكرة وهمية في نفوسنا مفادها أن كل أديب مهاجر يتمتع بالحرية ويزدهي بالتمرد. وأن كل أديب مقيم مصاب بالخنوع. وهو أديب جبان متواطئ ساكت عن الحق، شيطان أخرس، في الحد الأدنى، ومتملق مهادن متهاون مرتزق من سياط القمع في الحد الآخر. ذلك لأن الحكومات العربية حكومات قمعية تسلطية استبدادية غاشمة، وهذا المثقف المقيم راض بالعيش في ظلها. فكأنه هو الذي اشتراها من مال أبيه، أو هو الذي صنعها بعرق جبينه، أو طلبها متمنياً في ليلة القدر.

أهي حالة مهاجرين وأنصار؟!..

الحمد لله أن معسكرات الاعتقال الإسرائيلية اسمها «أنصار». فنحن، كما تعلمون أيها الأخوة المهاجرون، أنصار في معسكرات اعتقال جماعية اسمها دول. ونحن «أنصار» غير قادرين على استقبال المهاجرين لمقاسمتهم أرزاقنا وزوجاتنا كما فعل أجدادنا الأنصار. بل إن العكس هو الصحيح. فكثيرون منا، نحن الأنصار، صاروا ميالين إلى الهجرة لكي ينعموا بالحرية ويلعبوا بالقرش، معتمدين على المساعدات التي يمكن أن يقدمها لنا المهاجرون في بلدان الهجرة السعيدة.

مهاجرون وأنصار؟!..

نحن أنصار معتقلون، وأنتم مهاجرون أحرار. مهاجرون لا تحبون العودة إلى هؤلاء الأنصار، وتكتفون بتلك الأشواق القليلة الغامضة التي تليق بمثقفين ينعمون بالحرية، ويطّلعون على آخر إنجازات التكنولوجيا، ويشاهدون خمس عشرة قناة تلفزيونية، ويقرؤون صحافة جريئة، ويزايدون علينا بآخر تقليعات البنيوية، وبمشاركتهم في التظاهرات الإنسانية العميقة (ربما من أجل إنقاذ ثلاثة حيتان محاصرة في مكان لا نعرف نحن الأنصار اسمه).

تلك هي المسألة؟!..

نحن جبناء صامتون؟!.. وأنتم أحرار شجعان تصدرون صحف المهجر المدافعة عن الحرية.. ثم تعرضون علينا هذه المنابر لكي نرفع أصواتنا «بملء حريتنا»، وننشر فيها أدبنا المقموع الممنوع المصادر إن كنا شجعاناً، ولم نتعرض للخصاء بعد. ثم تستغربون كيف لا نستغل هذه الفرصة الذهبية لنمارس فيها شجاعتنا وفروسيتنا ونعلن اتهامنا لحكامنا ثم نسير إلى زنازينهم ونحن رافعو الرؤوس نغني: «يا ظلام السجن خيم» أو إلى مقاصلهم ومشانقهم ونحن نهتف: «أهلاً بك يا أرجوحة الأبطال».

تضحكون علينا؟!.. أم ماذا؟!..

تظنون أن عقولنا صغيرة بهذا المقدار؟!..

صفحة 6

كيف يمكن لنا نشر هذا كله ونحن لا نزال في «أنصار»؟!.. تفضلوا أنتم وانشروا ما يشبهه أو ما يحمل مضمونه طالما أنكم هناك.. خارج معتقلات «أنصار» العربية. ألم ينعِ رياض نجيب الريس غياب دور الطليعة العربية تقسيماً على نعوة بول شاؤول؟!.. ألم يستغرب أنسي الحاج، بمرارة، كيف أن مثقفاً عربياً واحداً لم يجرؤ على تسمية ديكتاتور عربي واحد؟!..

شرف يا سيدي. سمّه أنت.

نحن جبناء. ونحن سندّعي أننا لا نعرف اسم ديكتاتور واحد في التشيلي أو في جزر واق الواق. لماذا لم تسمه أنت طالما أنك ترفل بنعماء الحرية خلال عشرين عاماً تعرف أن الديكتاتوريات ازدهرت خلالها ازدهار خضراء الدمن؟!.. وإذا كنت تخاف، أنت وغيرك، أن تصل إليك الأذرع الأخطبوطية للديكتاتور العربي، وأنت في المهجر، أو تصل إلى مجلتك أو جريدتك، فكيف تطلب ذلك من المقيم في «أنصار»؟!..

هل نعيد قصة الأخوين الباحثين عن النقاء؟!.. لا بأس. واعذرونا. فنحن، الأنصار، زوادتنا قليلة، وعالمنا ضيق ومحصور ومعلوماتنا محدودة. ولذلك فنحن نكرر الحكايات دون ملل.

افترق أخوان يبحثان عن الصفاء والكمال. نزل أحدهما إلى المدينة. وصعد الثاني إلى الجبل. وفي الجبل جلس الثاني يتعبد ويتأمل حتى صفت روحه، واستطاع القيام بالمعجزات. وذات يوم قرر أن يطمئن على أخيه وعلى الدرجة التي وصل إليها من الصفاء والنقاء والسمو والكمال. فنزل من الجبل إلى المدينة. ولم ينس أن يأخذ له معه سلة من القش عبأها بالماء (معجزة)!.. ليعرضها على أخيه.

ورأى أخاه في المدينة وقد تزوج ورزق عيالاً، وهو يتعامل مع الناس: يبيع ويشتري ويجادل ويتشاجر.

رحب المقيم بأخيه الزاهد، صاحب المعجزة. وطلب إليه أن يجلس مكانه ريثما يبلغ أهل البيت بمجيئه ليهيئوا له غداء لائقاً. ولم ينس أن يعلق السلة في صدر المكان. وجلس الزاهد مكان أخيه. فجادل هذا وساوم ذاك وتشاجر مع الثالث ورأى وجه الرابعة ومست يده يد الخامسة. فامتلأ صدره بالغضب والطمع والشهوة. ولم يحس إلا والماء يتسرب من السلة على رأسه ليذكره ـ باختصار ـ أن النقاء هو ما تصل إليه هنا في المعمعة. وليس هناك في رأس الجبل.

هل من الضروري أن نهاجر جميعاً لكي ننعم بالحرية؟!.. وهل النظافة مستحيلة إلا في حمامات أوربا؟!.. وهل نحن ممثلون في «ناطورة المفاتيح»؟!..

يا سيدي لا.

وبالمقابل نعيد الكُرة: ما الذي فعلتموه لأجلنا وأنتم في نعمة حرية الهجرة؟!.. من هم الأدباء الذين دافعتم عنهم؟!.. ما هو الحكم الذي ساعدتم على فضحه؟!.. ما هي القضية التي قدمتم لها الخدمات في المهجر ابتداء بالقضية الفلسطينية، مروراً بالقضية اللبنانية، انتهاء بالجراد في السودان؟!.. أين هي المحافل التي صارعتم فيها الصهيونية أو العنصرية الغربية وأنتم هناك حيث تحسون بسطوتها على وسائل الإعلام والثقافة؟!..

سنقول إننا لم نتعود على الحرية. وبالتالي فنحن لا نعرف كيف يكتب الأديب بحرية. شرفوا علمونا. اكتبوا بحرية لكي نعرف ما ينقصنا. افضحوا الطغيان والظلم. سموا الأشياء بأسمائها.

«هل هذا الكرسي لا يُسمع يا أبانا»؟!.. أم أنك اكتفيت بالابتعاد إلى هناك لكي ترضي نفسك برؤيتنا صغاراً؟!..

تعال ادخل بين الناس وحافظ على معجزتك إن استطعت. نعال واحتمل إبراز هويتك مائة مرة كل يوم لكي تثبت أنك لست جاسوساً للماو ماو.

واحتمل إبراز دفتر العائلة لكي تثبت أن المرأة التي تمشي معك هي زوجتك، وليست امرأة سيئة السمعة، تملك الدورية العابرة حقاً فيها أكثر منك.

تعال احتمل في عام واحد ثلاث تصفيات بكرة القدم يصل فيها السوريون والعراقيون إلى المباراة النهائية فتتحول شاشات التلفزيون إلى مواقع «داحس والغبراء» ويصاب أمامها الأطفال بالجلطة لأن ضربات الجزاء لم تحتسب.

صفحة 7

مهاجرون وأنصار؟!..

قبلناها.

ولكن، حتى ونحن في «أنصار»، حتى ونحن نقرأ صحافة مبرمجة، ونرى تلفزيوناً بقناة يتيمة مبرمجة، ونعامَل على أننا صغار لا نستحق أن نعرف بما يجر ي في العالم، حتى ونحن نضطر إلى سماع خمس عشرة ساعة من الصخب الإعلامي الأجوف في كل مناسبة «وطنية».. حتى ونحن لا نستطيع أن نقرأ الكتب إلا إذا سافرنا وهرّبنا.. حتى ونحن نتحايل على قوانين الرقابة.. حتى ونحن نعيش مع أنظمة تعتبر كل من لا يرقص في أعراسها ويشارك في ردحها لغيرها مشبوهاً مناوئاً مدسوساً.. حتى ونحن في هذه الحالة نعتز بأننا حافظنا على النظافة الممكنة. لم نتملق. ولم نرتزق. ولم نسكت. جابهنا الكلاحة الأمنية ابتداء بالحارس الواقف على الرصيف، والذي يشتبه بلون عينيك، وانتهاء بالحارس الواقف على فهرس الكتاب وريشة القلم، ويشك في أسباب تواجد حروف العلة في كتابتك. نعتز بأننا كنا قريبين من أوطاننا في محنها، وأننا لم نسكت على الظلم، ولم نتأقلم مع القمع، وأننا كتبنا كتابات نفاخر بها كتابات المهاجرين ومعزّبيهم. كتبنا أدباً تعرض للمنع، وأدباً لم يجد الفرصة للنشر، وأدباً نشر خارج الأقطار ثم منع من الدخول إلى معظمها. وأننا ظللنا حيث نحن. فلم نضعف أمام إغراء، ولم نتسلق نحو منصب، فامتدت جذورنا بين الناس. حتى صرنا قادرين على التصرف أكثر من ضباط الأمن. صبرنا وصابرنا. وكبرنا وكابرنا. ولم نترك مجالاً لابن امرأة أن «يبيض»علينا. وكان شعارنا أن الوطن هو ما تصنعه وتكابده، وليس ذلك الذي تغادره ثم تحن إليه بتأثير نوستالجيا مفتعلة أشبه ما تكون بالعادة السرية.

ثم.. واسمحوا لنا بهذه أيضاً:

«اش معنى» ـ على طريقة أخواننا المصريين ـ أن أولئك الذين حاولوا أن يعلمونا، خلال عمرهم الأدبي في الوطن، أن على الأدب أن يظل نظيفاً بعيداً عن السياسة، مترفعاً عن هموم الناس، وحتى عن الصراع مع السلطات (لم يكونوا يومها يحسون بقسوة السلطات إلا حين كانوا يريدون الكتابة عن الجنس). ثم وبقدرة قادر، وبعد أن اعتزلوا وشبعوا من الأوكسجين في لندن وباريس وروما وواشنطن، بدأوا يندبون جبن المثقف العربي (المقيم) وعجز الأديب العربي عن مواجهة السلطات وضعفه أمامها؟!..

نسيتم يا أولاد الحلال؟!..

نحن لم ننس بعد. لأننا كنا طلاباً غير نجباء. فلم نقبل تلك الدروس في حينها. ونلنا من الفلقات النقدية ـ أيامها ـ ما يجعلنا نعرج منها حتى الآن. وعُتّم علينا في زنزانات النقد حتى كدنا نجهل أنفسنا.

الأمر يدعو إلى بصق الحصاة يا أخي.

تحدث الهزائم والمجازر والاختناقات، ولا يجرؤ أحد على توجيه تهمة. ويظل الأديب العربي وحده في قفص الاتهام: هل قام الأديب العربي بدوره في؟!..

هل فقد الأدب العربي مصداقيته؟!..

هل يقوم الأديب العربي بخدمة الجماهير؟!..

ما هي مسؤولية الأدب، والأديب العربي، في وصولنا إلى هذه الهزيمة؟!.. الكارثة؟!.. المرحلة السوداء؟!..

لماذا؟!..

لأنهم لا يستطيعون توجيه أسئلة مشابهة إلى رجل السياسة أو الاقتصاد أو الجيش. الأسهل توجيه التهمة إلى الأديب.

ثم يزهق واحد من الأدباء من هذه «الطافوحة» فيكون أول ما يفعله هو التنديد بأوجاع زملائه الذين أطبقت عليهم الطافوحة وراحوا يئنون تحتها.

هل أنا ظالم في كلامي هذا؟!..

هل أتجاهل مرارة الغربة وقسوة الحنين.. وربما ليالي الجوع والتشرد؟!..

لعلي أفعل.

وربما كان هذا الحوار بين المهاجرين والأنصار يحمل من المرارة ما يمكن أن يحمله عتاب بين فلسطيني ظل تحت الاحتلال، وفلسطيني هاجر من وطنه. في الحالتين هناك من تواطأ وتنعم وترهل ونسي قضيته. ولكن في الحالتين كان هناك من قاسوا وتمرمروا وتعرضوا للفتك والخنق. ومع ذلك ظلوا يخدمون قضيتهم بكل وسيلة متاحة داخل الوطن المحتل وخارجه.

الحال من بعضه؟!..

مهلاً علينا إذاً أيها الأخوة المهاجرون.

وإلا..

حلوا عن سمانا.

العمى!..

فلقتمونا بحريتكم.

***

صفحة 8

وللفنون منازل

هذا تقديم لكتاب المخرج هيثم حقي «بين السينما والتلفزيون».

التشكيليون فقط، أو هم أكثر من غيرهم، ينتبهون إلى أننا بلاد الشمس المشرقة والألوان الزاهية. الأجانب يقولون ذلك عن بلادنا أيضاً. وهذا وصف لربيع دائم يملأ حياتنا في الفصول كلها. وهذا الربيع يساعدنك على أن تفتح عينيك على اتساعهما لتتشربا الألوان وتحتسيا الضوء.

نحن، إذاً، مدعوون، بحكم طبيعتنا هذه، إلى التعامل مع الحياة المحيطة بنا من خلال عيوننا أولاً. ولكننا، للأسف، لم نطور هذه الحاسة ولم نعط أعيننا حقها من الثقافة لكي تحسّن قدرتها على التعامل مع الجمال أو مع الفن أو الحياة.

ظلت ثقافتنا سمعية. الصوت والغناء والإلقاء والإيقاع هي مكونات التفاعل والتذوق. وعلى الرغم من تعاملنا مع الألوان بطريقة ملفتة للنظر في بيوتنا وملابسنا وأصص زهورنا إلا أن الفنون البصرية لا تلقى منا ـ جمهوراً ـ الاهتمام الكافي، لسنا جمهوراً جيداً للفن التشكيلي. ولسنا جمهوراً جيداً للسينما أو التلفزيون.

نعم. لسنا جمهوراً جيداً للسينما وللتلفزيون. وهذا لا يعني أننا لا نذهب إلى السينما للفرجة، أو أننا لا نتابع المسلسلات الدرامية في التلفزيون. نحن نذهب ونتابع. وأظن أننا نفعل ذلك أكثر بقليل، أو أقل بقليل، من غيرنا. لا نختلف من هذه الناحية عن الآخرين كثيراً. ولكننا، ومثل كثيرين غيرنا أيضاً، لا «نرى» بل «نستمع» إلى قصة، أو «نستمتع» بقصة. ولذلك فشروط الرؤية لا تهمنا كثيراً. ولا نولي الاهتمام الكافي لما يخسره الفيلم على جهاز الفيديو بدلاً من رؤيته على شاشة السينما. وما زلنا نقول لأنفسنا حين نرى فيلماً معروضاً قد يثير اهتمامنا: غداْ نراه على الفيديو.

ومنذ أن دخل التلفزيون حياتنا لم نعرف كيف نفرزه جيداً، لكي نميزه، عن الإذاعة. ظلت الصورة زائدة في التلفزيون. وظل التلفزيون يحكي لنا الكلام الذي كنا نسمعه في الإذاعة. أي أن التلفزيون، مثل الإذاعة، يتعامل مع آذاننا وليس مع عيوننا. وهذا ينطبق على الدراما مثلما ينطبق على الخبر والبرنامج. الأمر الذي يعني أن هناك نظرة إلى الدراما تعتبرها حكاية منقولة وليست مشهداً مرئياً. إنها ـ كما يقول هيثم حقي هنا ـ «إذاعة مصورة». وفي هذا ما فيه من إفقار للدراما.

ولقد تعودنا على هذه الفرجة الخاطئة على التلفزيون. فتعطلت لدينا القدرة الطبيعية على الرؤية. وفرجتنا الخاطئة جزء من التعامل الخاطئ مع الصورة إجمالاً.

هذا مع أن الصورة في هذا العصر قد دخلت بقوة إلى كل ميدان. التلفونات تميل إلى نقل صورة المتكلم. والمشهد هو الأساس في المسرح وفي السينما وكذلك في التلفزيون. والعدسات المصورة دخلت جسم الإنسان وباطن الأرض وأغوار الفضاء. وحتى الفنون التي كانت تعتمد على الصوت وحده، مثل الغناء، صارت تشهد تحولاً نحو جعلها مادة بصرية لا تقتصر على الصوت وحده. والإعلانات تقوم أساساً على الصورة. حتى الشعر بدأ يبتعد عن الإلقاء. أي أن الثقافة صارت ثقافة بصرية. ونحن لم نتعود على هذا بعد. بل لعلنا لم نتفهمه جيداً بشكله الصحيح.

للدخول في منطق الحداثة يجب التفكير في معنى انتقال العالم إلى مرحلة الصورة: أي أننا يجب أن نتعلم كيف نفكّر بالصورة بعد أن كنا نفكر بالمجرد ثم بالكلمة ثم بالصوت. علينا أن نتفهم معنى دخول هذا الفن السمعي البصري الجديد، التلفزيون بعد السينما، إلى ثقافتنا والتعامل معه بمنطق جديد بدلاً من التساؤل عن علاقته بالأدب لتقريبه إلى أذهاننا التي اعتادت التعامل مع الأدب وحده.

فلننطلق من مقولة أن لا علاقة للسينما أو للتلفزيون بالأدب. كل منهما فن مستقل. حتى لو كانت متجاورة، وحتى لو «استند» العمل الدرامي إلى أدب مكتوب مسبقاً. ومثلما أن المسرح فن مستقل على الرغم من أنه يبدو مكتوباً كالأدب، كذلك فالسينما والتلفزيون فنان مستقلان عن الأدب. وكما يقول بيرغمان في أحد مقالات هذا الكتاب «ليس هناك متناقضان عادة.. الكلمة المكتوبة تقرأ وتهضم بالجهد الواعي للإبداع والعقل. ثم تبدأ تدريجياً بالتأثير على الخيال والعاطفة. في السينما تكون العملية مختلفة، عندما نتقبل فيلماً فإننا نستسلم بشكل واع للوهم تاركين العقل والإرادة. نفتح للسينما طريقاً للوصول إلى مخيلتنا وتتابع اللقطات يؤثر على عواطفنا.. إن تأثير الموسيقى مشابه لهذا».

والتحدي الفني الذي يطرحه علينا هذا المعطى الجديد هو تحدي تثقيف العين لتحسين قدرتها على الرؤية.

وقبل أن يتم هضم هذا التحول نحو الصورة كان المخرجون، ومعهم الممثلون، يعلقون أهمية كبرى على صوت الممثل. فالعاشق له طبقة تميل إلى الهمس. والشرير له صوت أجش. والفتاة ـ البطلة ـ لها صوت ناعم هامس حالم، بينما المرأة الشريرة لها صوت مسترجل. والشخصيات التاريخية يجب أن تتحدث بطريقة مختلفة عن طريقة كلامنا، وكأنها بشر من كوكب آخر. وهذا كله يعني أننا نسمع الشخصية ولا نراها.

ولقد ساعد ظهور شخصية المخرج وتعاظم دوره في العملية الفنية (بدءاً من المسرح) على تعزيز مكانة الصورة في العرض الدرامي المسرحي ثم السينمائي والتلفزيوني. ووصل الأمر إلى درجة المبالغة حين راح المخرجون يؤكدون على أن الصورة وحدها (المشهد وحده) هي العمل الدرامي وإلى درجة إلغاء النص ثم إلغاء الممثل (أو إلغاء الشخصية الدرامية).

إن ما يحسن رؤيتنا البصرية الجمالية ويصعد بتذوقنا هو العمل المتقن النظيف والجيد وليس فقط التنظير والمحاضرات حول الثقافة البصرية. العمل الجيد هو الوسيلة التقنية الأفضل. وهو المعلم الأفضل حتى للناشئين من الكتاب والمخرجين والمثلين أو المتفرجين. فطلبة الرسم لا يتطورون من خلال المحاضرات ورسم السكيتشات في الشوارع وحدها بل إن درسهم الأفضل والأعمق تأثيراً هو حينما يذهبون إلى المتاحف ليتفاعلوا مع الروائع الكلاسيكية. وإذ ينقل كازانتزاكي عن أحد المتصوفين قوله: «إذا لم نستطع أن نغير العالم فلنغير عيوننا التي ترى هذا العالم»، فإننا نقول إن هذا ما ساعدنا هيثم حقي عليه حين أسهم في تطوير حسّنا الجمالي من خلال أعماله المتقنة، مثلما يساهم الآن، في هذا الكتاب، في مساعدتنا نظرياً على تفهم ماذا يفعل، وكيف، حين يقدم لنا عملاً درامياً.

***

صفحة 9

كتاب هيثم حقي هذا يأتي إذاً، في وقته المناسب. وربما كان قد تأخر قليلاً. فمن خلال تجربة هيثم الطويلة والمثيرة في الإخراج يستطيع أن يفيدنا في تثقيف أعيننا لكي تعرف كيف تتفرج. وهيثم هو المؤهل أكثر من كثيرين غيره لتقديم كتاب كهذا. فهو، كما سيتبين لمن يقرأ، معني بعرض تجربته، في السينما ثم في التلفزيون (من خلال المقابلات بشكل خاص) وإرشادنا إلى منابع إغناء تلك التجربة (من خلال المقالات المترجمة) مثلما هو معني بخوض المعارك التي تثبت القيم (والفنية منها بشكل خاص). ولذلك كان يخوض معاركه على أكثر من جبهة.

إنه لا يخفي خلافه مع الآخرين وراء أستار المجاملات والتضامن المشبوه (إقليمياً أو عصبوياً). ولا ينصر أخاه ظالماً ومظلوماً. بل يختلف حتى مع أخيه. لكنه لا يدخل هذا الخلاف من أبواب النميمة والدسائس التي اعتادها وأدمنها المثقفون، (مما يجعل الخلاف يدخل في باب العداء الشخصي الذي يصبح خارج اهتمامات الناس)، بل يدخلها من باب المماحكة والجدل والنقاش (مما يجعلها مفيدة للجمهور الذي يهمه أن يعرف وجهات النظر واختلافها). هذا النوع من الخلاف هو الباب الوحيد الذي يوصل إلى التطور.

وفي هذا الكتاب سنرى أن هيثم لم يكن يخفي خلافه مع الأشخاص ـ والمذاهب أو المؤسسات. لقد خاض معاركه على هذه الجبهات كلها دون مجاملة، ودون إسفاف.

وهناك معركة تثبيت قيمة الصورة. وهي معركة يخوضها في التلفزيون بوصفه قادماً من السينما. وهو لا يخوض المعركة على المستوى النظري فقط (مقالات الكتاب وحدها). بل يخوضها من خلال أعمال درامية أخرجها وقدمها لنا. فالعمل الدرامي عند هيثم حقي ليس تنفيذ نص السيناريو المكتوب أو تسجيل حوارياته. بل هو تفاعل حي مع مادة السيناريو التاريخية أو الوثائقية أو الواقعية. تفهّم وبحث عن المرجعيات وهضم لمادته، وكأنه سيكتب النص من جديد. وفي الوقت ذاته تفاعل مع الدراما التي يحتويها النص.

ومن خلال متابعتي الشخصية لبعض ما أ خرجه هيثم حقي، عرفت كم يصرف الوقت والجهد لمناقشة العمل وهضم خلفيته التاريخية أو الاجتماعية أو الدرامية. ومن خلال تعاوني معه في أكثر من عمل (كتبته وأخرجه أو أنتجه) كنت أقضي مع هيثم ساعات في مناقشة العمل تكاد تعادل الساعات التي استغرقتها كتابته.

وهذا يعني أن هيثم حقي يقوم بالعمل الطبيعي الذي يقوم به المخرج ـ والذي لا يقوم به كثير من مخرجينا للأسف، على الرغم من أنه طبيعي ـ وهو التصارع مع النص للخروج منه ـ من النص بالذات وبمنطقه الدرامي الخاص به ـ بالحلول البصرية.

وحين ترى عملاً لهيثم حقي تحار في تقدير من هو الممثل الذي تخدمه الكاميرا ـ والتي يوجهها الإخراج طبعاً ـ أكثر من غيره. فالممثلون حاضرون أمامك بمقدار ما يتطلب السياق الدرامي ذاته حضورهم. لا أكثر ولا أقل. ثم تجد أن الممثلين الذين تخدمهم الصورة هم العمل. فتسأل نفسك: أين هو عمل المخرج؟!.. أو أين هو المخرج؟!..

وتجد الجواب في المقولة التي يستند إليها هيثم حقي حول المخرج الذي يذوب في الممثل على رأي دانتشنكو. وعلى عكس المخرجين الشكلانيين الذين يذوّبون كل شيء (النص والممثل) في المخرج.

هيثم حقي يشتغل على مبدأ النحات (وهو المثال النموذجي الذي أضربه دائماً لإيضاح علاقة الفنان بعمله). فالنحات يستخدم الإزميل للنحت. ولكن النحات الجيد هو الذي يقدم لك في النهاية المنحوتة التي لا تظهر فيها ضربة إزميل.

لماذا نرى هذه المقولة ذات أهمية؟!.. لأن هناك طغياناً شكلانياً على الدراما. وهذه معركة هيثم حقي الثانية. وأنا من المعنيين بهذه المعركة لأنني أواجه الإشكاليات ذاتها في الميادين التي أنشط فيها كالشعر والمسرح والدراما التلفزيونية. فالشكلانية هي إخضاع العمل للتجهيزات المسبقة في خيال المخرج. وبحيث يكون العمل ذريعة يستند إليها المخرج من أجل خدمة هذه التجهيزات المسبقة. ولقد كنا نصرخ في وجوه الشكلانيين المسرحيين؛ دعونا نفهم. هل نفصّل الحذاء على قياس القدم أم نفصّل القدم على مقاس الحذاء؟!..

إن هناك مخرجين يثيرون الضحك والسخرية. فأنت تكاد تحس بهم يمدون رؤوسهم من الشاشة في كل مشهد، تقريباً، لكي يقولوا لك: انتبه. أنا الذي صورت هذا المشهد. انتبه أنا الذي أحرك الكاميرا أو الممثل. وأنا الذي وجّهت هذه الإضاءة. إن المنحوتة التي خرجت من بين أيديهم تحمل ضربات الإزميل في كل جزء من أجزائها. وبالتدريج يتحول العمل لديهم إلى استعراض شكلاني لعمل المخرج وعلى حساب التمثيل والإضاءة والديكور والنص.. ولكن أساساً على حساب الفن والمتفرج.

هذه الشكلانية تتحمل جزءاً من مسؤولية التردي الذي أصاب حركتنا المسرحية. وهي تطل أيضاً في الشعر والرسم والموسيقى والتلفزيون. وحتى في الغناء. وليس فيديو كليب الأغاني السائد مؤخراً إلا وجهاً من وجوه هذه الشكلانية. إذ تجد في الفيديو كليب أي شيء صوري يخطر على بال المخرج أو المصور. وترى صوراً مرافقة للأغنية لا تمت لها بصلة. ويمكن أن توضع لأية أغنية.

إن هناك إشكالاً عبثياً. فهناك من يجبرنا على العودة إلى مناقشة المبادئ الأولية (مثل العلاقة بين الشكل والمضمون) التي يفترض أن الفن، عامة، قد حسمها منذ زمن طويل. ويبدو كأننا عند كل مرحلة مضطرون لإثبات كروية الأرض. إلى متى نحن في حاجة إلى من يؤكد لنا أن الشكل جزء من المضمون؟!.. وأن المضمون الجيد في الفن لا قيمة له دون شكل جيد؟!.. وأن التركيز على الشكل وحده يأتي دائماً على حساب المضمون، الأمر الذي يعني تفريغ الفن من محتواه وبالتالي من مسؤوليته ورسالته؟!..

هذه المعركة يخوضها هيثم بقوة لكي يثبت قيمة الدراما. فالمخرج ليس فناناً لا على التعيين. إنه فنان درامي. وحين يتعامل المخرج مع نفسه على أنه مجرد مصور فإنه يفقر نفسه ويفقر العمل الدرامي الذي يتعامل معه. ويفقرنا نحن المتفرجين حين يوهمنا أن هذا هو التجديد أو هذه هي الدراما.

ولعل هيثم حقي يعي هذه النقطة جيداً لأنه قادم من السينما إلى التلفزيون. إنه يعي قيمة الصورة. ولكنه يعرف أن الصورة ليست وحدها هي الدراما. وقيمة الصورة ليست بديلاً عن قيمة الحوار.

لقد ابتدأت السينما صامتة. وحين أرادت أن تتطور اخترعت الصوت. لأن الدراما لا تكتمل إلا بالحوار. والإنسان وجه وحركة وكلام. وأهم جسوره للتواصل والتعبير هو الحوار. وإن الجهود العظيمة التي بذلها الرواد الأوائل في فن السينما لم تجعلهم يتوصلون إلى الاستغناء عن الحوار. بل كانوا يزدادون حاجة إليه كلما تقدموا في هذا الفن وزادوا في توظيفهم الدرامي له.

كتاب كبير الحجم كهذا يستطيع أن يثير معظم الإشكاليات التي نواجهها في حركتنا الفنية والثقافية. وبالتالي فالتعليق على الموضوعات كلها يعني كتابة كتاب آخر. وهيثم قد أغناني عن ذلك لأنه أثار النقاط التي تعنيني كلها، ومن وجهة نظر مشابهة لوجهة نظري.

ولذلك سأختتم تعليقي المتواضع هذا بالإشارة إلى الحزن الذي يظهره هيثم لعدم عثوره على فرصته في العمل السينمائي بسبب تراجع الاهتمام بهذا الفن وخاصة في المؤسسات التي كان يجب أن تفعل ذلك.

إن هيثم حقي ينتقل إلى التلفزيون. ويحاول جهده أن يقدم فناً نظيفاً ومتطوراً. وهو ينجح في ذلك. ولكن مسحة من الحزن تطل بين حين وآخر وهي تحمل الشوق إلى السينما. ولا تعرف جيداً ما إذا كان هذا الحزن سببه الطموح الذي لا يرتوي ولا يعرف القناعة أم بسبب الحنين إلى «الحبيب الأول». إذ يقول هيثم في إحدى المقابلات التي يتضمنها الكتاب: «حين أتفرج الآن على أفلامي السينمائية أشعر أن بإمكاني أن أصنع اليوم أفضل منها بكثير لو كنت أخرج للسينما بينما لا أحس أنني أقدم كل قدراتي في عملي التلفزيوني».

إنني أحس الإحساس ذاته حين أقارن ما كتبته من دراما تلفزيونية بالشعر الذي أكتبه وأريد أن أ كتبه. أهو حزن الانتقال إلى الفن الآخر؟!..

لعل هناك، على الرغم من عنادنا، مغامرة. وهي مغامرة من يحرق السفن. يتقدم ليقتحم القارة الجديدة. ولكن «فؤاده» ما يزال على الشاطئ الآخر. وما يزال توقنا قابلاً للاضطرام عند كل ذكرى جديدة. إنه التوق إلى «أول منـزل».

وللمنازل الفنية في القلوب منازل.

***

صفحة 10

نحن والرحابنة

عقد في بيروت مهرجان لتكريم الفنان الراحل عاصي الرحباني يومي4 و5 تشرين الأول من عام 1986. وفي ما يلي المداخلة التي تقدمت بها في ذلك المهرجان.

كان من الطبيعي أن نفقد عاصي الرحباني. من الطبيعي أن ينخسف من حياتنا. ليس لأنه إنسان معرض لذلك فقط. بل لأننا، نحن، لم نعد جديرين بتلك الأشياء القليلة الجميلة في حياتنا، حتى النصف الثاني من الثمانينات. ولأن في حياتنا من التلوث والقبح بما لا يتيح لكناري غرّيد أن يعيش.

في هذا النصف الثاني من الثمانينات سنكمل خسائرنا وفجائعنا. وسننهي وداعنا لكل ما هو جميل ومتألق، بالضبط لكل إشعاعات الأربعينات والخمسينات.

في الأربعينات كانت ولاداتنا. وفي الخمسينات فورة شبابنا وزهو أحلامنا وجموح تطلعاتنا.

وبعد ثلاثين أو أربعين عاماً ليست الشيخوخة مسؤولة عن الدمار الذي حل بنا، والانهيار الذي نتعرض له. إن المسؤولية تقع على بعثرتنا الحمقاء لأعمارنا الجميلة، ومعها أوطاننا وطاقاتنا الإبداعية. وقلة منا فقط هم الذين يحسون بهذه الخسارة، والذين يتنهدون مخنوقين مفجوعين. ويقولون: ما الذي فعلناه بأنفسنا؟!..

كيف يمكن لنا أن نستعيد ذلك الألق؟!.. أو كيف يمكن لنا أن ننساه؟!.. بل كيف يمكن لنا أن نألف هذه الظلمة القاحلة التي تزداد حلكة من حولنا، بينما النور في ذاكرتنا. ولا تزال آثاره كالماء على وجوهنا؟!..

هل نحن الذين استوقدنا ناراً، فلما أضاءت ما حولنا ذهب نورنا وبقينا في الظلمات؟!..

يمر الزمن غاشماً كجنزير البلدوزر. وفيما البلدوزر يوحي بأنه يغير حياتنا، فإن جنزيره يسحق الزهر والتربة الجميلة الخصبة والعشب الطري. ووراء الجنزير قدم المدحلة لتمزج الندى بالإسفلت.

وفي لمح البصر تنتهي الطفولة والصمت والأحلام، وتحل محلها الكآبة والصرامة وصمت الفجيعة. تزول القرية بزهورها وصباياها وأغانيها، بتنورها وأعراسها ومشاويرها. بدخان مواقدها وطرقاتها البسيطة ومزاريب شتائها ورفوف عصافيرها وحكايات الجدات فيها. ويحل محل ذلك كله الإسمنت والشرطة والمتاريس والردم. ومحل البهجة لا يبقى على الوجوه إلا الخوف والحقد.

لم يكن زماننا طويلاً لكي يساعدنا على النسيان. بل كان سريعاً قاصماً قدم لنا العلقم، بينما طعم العسل لا يزال تحت أضراسنا.

بالأمس فقط كانت امرأة تدق جرن الكبّة، وتنادي ولداً ليناولها الماء، وتدعو عابراً لتذوّق كبّتها. وفي صبيحة هذا اليوم حمل الولد سلاحاً ليقتحم بيت المرأة. وجاء العابر فقتل الاثنين معاً.

نحن لم نتقدم في طريق الحضارة. بل فقدنا هويتنا وملامحنا فقط. ولم نحسن شروط حياتنا، بل فقدنا بساطتها فقط. ولم نصبح أبناء العصر بل فقدنا الزمن، وفقدنا أسبقيتنا فيه. ولذلك لم نتقدم في العمر، بل فقدنا طفولتنا فقط.

يا للطفولة الموؤودة.

كم كان فيها من جمال وعذوبة. كم كان الزمن يسيراً. وكم كانت القلوب كبيرة. «كان الزمان وكان، فيه حانة بالحي، وبنيات وصبيان نجي نلعب بالمي. ويبقى حنا السكران، قاعد حد الدكان، عم بيغني ويرسم بنت الجيران». و«رزق الله ع العربيات». رزق الله على كل شيء.

كان للعيد طعم، وللقمر طعم. وكذلك للورد طعم، وللمطر والليل والحكاية واللعب.

كيف يمكن أن نتشبث بهذا كله؟!..

كيف نتعامل مع هذا الزمن الذي يشدنا بفظاظة لكي نكبر؟!.. فتفقد الأشياء طعمها، ولا يظل لدينا إلا هذا الحنين الغامض، وهذه الحرقة المفجوعة لوداع كل ما حولنا، ولخسارة كل ما كنا نريد الاحتفاظ به.

أهذه هي الحصيلة؟!..

لهذا إذاً كان الرحابنة يلحون على القرية والطفولة والجمال.

قبل أن ننتبه إلى الفجيعة كنا نظن أنهم يبالغون. ولم نكن نرى مبرراً لهذا الإلحاح على الطفولة، والاستغراق في الجمال، ولهذا الوله بالطبيعة حتى صارت أغنياتنا تحتوي من الزهور أكثر مما تحتوي عليه الطبيعة.

كل شيء عندهم جميل. حتى الخيانة ليست أكثر من ولدنة عاشق يرتدع حين يرى دمع حبيبته. وتصفو القلوب بعد العتاب, «ع قد المحبة العتب كبير».

القرية جميلة. والطفولة جميلة. والحب جميل. حتى المشاحنات والعداوات جميلة. العلاقة بالشرطي والمختار والملك علاقة جميلة. حتى الكذب أبيض وجميل، ولا يتعدى مبالغات «جدي بو ديب»، أو اختراع «راجح». حتى فراق الأحبة جميل. حتى الموت، عندهم جميل.

لم هذه المبالغة في تقديم الجمال؟!.. ولم هذا التشبث بالطفولة؟!..

لم نكن قد انتبهنا إلى المسألة. هذه المبالغة من طبيعة الرثاء. والرحابنة لم يكونوا يصفون الجمال، بل كانوا يودعونه. وفي الوداع فقط، في لحظة الخسارة تكتشف روعة ما أنت مقبل على فقدانه، أو روعة ما كان معك قبل قليل. وما تخسره.