صفحة 1
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم ليخرج الناس من الظلمات الى النور والصلاة والسلام على الرسول الكريم (محمد ) وعلى اله وصحبه اجمعين.
اما بعد:
إن من الصعب حقاً عقد مقارنة متوازنة بين الخدمات التي كانت متوافرة في المدن العراقية القديمة, وبين ما هو متوافر فيها حالياً, لا من حيث تنوع وشمول تلك الخدمات ولا من حيث كفاءتها ومدى تقدمها وتطورها, ومع ذلك تشير المعلومات المتيسرة من خلال النصوص المسمارية الى وجود بعض الخدمات في المدن, وفرتها حكومات المدن او إداراتها في العصور التاريخية القديمة, تعد على درجة كبيرة من التقدم حتى بالنسبة الى مقاييسنا الحديثة في مجال الخدمات المقدمة, ويمكن تلمس ذلك من خلال دراسة وتحليل بعض النصوص القانونية التي ترقى بتاريخها الى أربعة الاف سنة مضت تقريباً.
ومن هذا المنطلق جاء اختياري لموضوع الدراسة, اذ يعد من الموضوعات المهمة في الدراسات الاثارية والتاريخية القديمة, ولاسيما ان معظم ما تناوله الباحثون اقتصر على دراسة جوانب معينة منها, دون التعمق في تفصيلاتها الواسعة من حيث تنوع مجالاتها وكفاءتها ومدى تقدمها وتطورها في نواحي الحياة العامة.
وبسبب سعة الموضوع وشموليته, فقد ركزت هذه الدراسة على العصور التاريخية ابتداءً من عصر فجر السلالات السومرية (حدود 2800 ق.م) وحتى نهاية العصر البابلي الحديث (حدود 539 ق.م) معتمداً في ذلك على ما ورد في النصوص المسمارية من معلومات مفصلة ودقيقة فيما يخص الخدمات واهميتها الحيوية في مختلف جوانب الحياة.
ومما لا شك فيه ان الدخول في تفصيلات هكذا مواضيع تتسم بالشمولية وسعة المعلومات يتطلب من الباحثين جهداً كبيراً ووقتاً اطول مما هو مخصص ومحدد لكتابة اطروحة اكاديمية, فليس من السهل الالمام والاحاطة بجميع مفردات الموضوع ضمن هكذا دراسة.
وقبل الدخول في تفصيل خطة البحث, لابد من التنويه الى ان مفهوم مصطلح الخدمة (ilku) يشير الى ان الخدمة هي جهود مقدمة من عامة الناس الى السلطة الحاكمة, كالخدمة العسكرية مثلا, وهذا ما تحدثنا عنه في تمهيد الدراسة, ولكن طبيعة دراستنا لموضوع الخدمات انطلقت من عكس هذا المفهوم, فالخدمات, هي جهود مقدمة من السلطة الحاكمة والمتمثلة بالحكام والملوك الى عامة الناس, وهذا ما تناولته فصول الدراسة.
واستناداً الى طبيعة هذا الموضوع وابعاده, توزعت خطة الدراسة على أربعة فصول ضم كلا منها العديد من المباحث باستثناء الفصل الرابع وهذه الفصول يسبقها تمهيد عام, تناول تعريف عام للخدمة, فضلا عن طبيعة هذا المصطلح من الناحية العسكرية والمدنية.
جاء الفصل الأول بعنوان خدمات تنظيم مشاريع الري, اذ قسم الى أربعة مباحث رئيسة, تناول المبحث الأول عرضاً شاملاً عن خدمات حفر القنوات, اذ شغلت هذه الخدمات جانباً مهماً من نشاطات الحكام والملوك في العراق القديم, فكان لها اهمية بالغة في تطور النشاطات الزراعية والتي تعد الركن الاساس في البنية الاقتصادية للعراق القديم, كما تشكل هذه القنوات الشريان الحيوي للأراضي الزراعية, فضلاً عن توفير المياه عبر قنوات مائية واسعة استفاد منها السكان في حياتهم اليومية, أما المبحث الثاني فقد كرس للبحث عن أعمال الكري والتنظيف التي تجرى على الانهر والقنوات والجداول مما يترسب في قاعها من طمى وطين وذلك لأستمرار وصول المياه بالكميات الكافية والمطلوبة الى الأراضي الزراعية عبر هذه الانهر والقنوات المائية.
والمبحث الثالث تطرق الى انشاء السدود وما لهذه السدود من اهمية كبيرة في خدمات مشاريع الارواء, اذ تستخدم السدود عندما تشح مياه نهري دجلة والفرات ولاسيما في فصل الصيف اذ تنخفض مناسيب المياه الرئيسة مما يؤدي الى شحة المياه الضرورية لأعمال السقي والارواء.
اما المبحث الرابع فقد تضمن موضوع النقل المائي وما له من أهمية كبيرة في خدمات النقل والمواصلات المائية, وذلك لأن اغلب المدن العراقية القديمة نشأت وتطورت على ضفاف الانهار الرئيسة او الفرعية, كما ان نهري دجلة والفرات مع روافدهما يقطعان ارض العراق من الشمال الى الجنوب ويشكلان حلقة وصل بين مختلف مناطق العراق القديم وصولاً الى الخليج العربي, فضلا عن ان وسائط النقل المائي تعد من اكبر وسائط النقل استيعاباً واقلها كلفة.
اما الفصل الثاني فكان بعنوان خدمات حفظ الامن والنظام في المدن وحدودها, اذ قسم هذا الفصل الى مباحث عدة, تناول المبحث الاول خدمات حفظ الامن والنظام داخل المدن, وتمثل في دور القوات الامنية التي كانت مهمتها الحفاظ على استقرار الامن والنظام داخل المدن, اما المبحث الثاني فقد تطرق الى خدمات حفظ الامن على حدود المدن, ويشمل: اولاً الخنادق, ثانيا الاسوار, ثالثا البوابات, رابعا الأبراج, فضلاً عن المعسكرات.
اما المبحث الثالث من هذا الفصل, فقد تناول موضوع خدمات الطرق العامة وحمايتها, من خلال انشاء الشوارع والطرق العامة, فضلاً عن المحطات التجارية التي تتوسط هذه الطرق مع حمايتها من اللصوص وقطاع الطرق.
ويقف الفصل الثالث على دراسة الخدمات الخاصة بالجانب القانوني, اذ قسم هذا الفصل الى ثلاثة مباحث رئيسة, تناول المبحث الاول اصدار القوانين من قبل الحكام والملوك وذلك لأظهار العدالة ومنع الظلم بين الناس.
اما المبحث الثاني فقد تناول القضاة ودورهم في تقديم الخدمات الخاصة بالقضاء, وتمثل هذا الدور بعدد من الموظفين الإداريين منهم, اولاً السوكالو, ثانياً السارتنو, ثالثاً الخزانو, رابعاً شَ بان دِنانِ, فضلاً عن الطبشارُ.
اما المبحث الثالث فقد تحدث عن موضوع المحاكم وما لها من دور كبير في تقديم الخدمات الخاصة بالجانب القانوني للمواطنين, وتمثلت هذه المحاكم بالمعابد والقصور فضلاً عن البوابات.
وتضمن الفصل الرابع والاخير, دراسة للخدمات الطبية, اذ قسم الفصل الى ثمانية محاور, شمل المحور الاول منه انواع الطب والمتمثل بالطب السحري والطب العلمي, اما المحور الثاني فتناول تعليم الخدمات الطبية, والمحور الثالث تناول مظهر الطبيب الخارجي, في حين تضمن المحور الرابع الخدمات العلاجية للكاهن المعزم (اشيبو), والمحور الخامس تناول الخدمات العلاجية للطبيب (اسو), وتحدث المحور السادس عن أماكن عمل الاطباء, اما المحور السابع فتناول موضوع المستشفيات من خلال ورود بعض الاشارات النصية والتي تؤكد وجود اماكن خاصة لتقديم الخدمات الطبية يمكن ان يطلق عليها المستشفيات, اما المحور الثامن وهو الاخير فقد خصص لموضوع أجور خدمات الاطباء, والتي حددها القانون وشدد على ضرورة التقيد بها.
ومن المصادر والبحوث الاجنبية والعربية التي افادتنا في اعداد هذه الدراسة الى درجة وردت فيها معلومات قيمة عن موضوع البحث ومنها بشكل خاص المعاجم اللغوية السومرية والاكدية, اذ كان ورودها بشكل خاص في مقدمة تلك المصادر, ومنها على وجه الخصوص, المعجم الاكدي:
الحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم ليخرج الناس من الظلمات الى النور والصلاة والسلام على الرسول الكريم (محمد ) وعلى اله وصحبه اجمعين.
اما بعد:
إن من الصعب حقاً عقد مقارنة متوازنة بين الخدمات التي كانت متوافرة في المدن العراقية القديمة, وبين ما هو متوافر فيها حالياً, لا من حيث تنوع وشمول تلك الخدمات ولا من حيث كفاءتها ومدى تقدمها وتطورها, ومع ذلك تشير المعلومات المتيسرة من خلال النصوص المسمارية الى وجود بعض الخدمات في المدن, وفرتها حكومات المدن او إداراتها في العصور التاريخية القديمة, تعد على درجة كبيرة من التقدم حتى بالنسبة الى مقاييسنا الحديثة في مجال الخدمات المقدمة, ويمكن تلمس ذلك من خلال دراسة وتحليل بعض النصوص القانونية التي ترقى بتاريخها الى أربعة الاف سنة مضت تقريباً.
ومن هذا المنطلق جاء اختياري لموضوع الدراسة, اذ يعد من الموضوعات المهمة في الدراسات الاثارية والتاريخية القديمة, ولاسيما ان معظم ما تناوله الباحثون اقتصر على دراسة جوانب معينة منها, دون التعمق في تفصيلاتها الواسعة من حيث تنوع مجالاتها وكفاءتها ومدى تقدمها وتطورها في نواحي الحياة العامة.
وبسبب سعة الموضوع وشموليته, فقد ركزت هذه الدراسة على العصور التاريخية ابتداءً من عصر فجر السلالات السومرية (حدود 2800 ق.م) وحتى نهاية العصر البابلي الحديث (حدود 539 ق.م) معتمداً في ذلك على ما ورد في النصوص المسمارية من معلومات مفصلة ودقيقة فيما يخص الخدمات واهميتها الحيوية في مختلف جوانب الحياة.
ومما لا شك فيه ان الدخول في تفصيلات هكذا مواضيع تتسم بالشمولية وسعة المعلومات يتطلب من الباحثين جهداً كبيراً ووقتاً اطول مما هو مخصص ومحدد لكتابة اطروحة اكاديمية, فليس من السهل الالمام والاحاطة بجميع مفردات الموضوع ضمن هكذا دراسة.
وقبل الدخول في تفصيل خطة البحث, لابد من التنويه الى ان مفهوم مصطلح الخدمة (ilku) يشير الى ان الخدمة هي جهود مقدمة من عامة الناس الى السلطة الحاكمة, كالخدمة العسكرية مثلا, وهذا ما تحدثنا عنه في تمهيد الدراسة, ولكن طبيعة دراستنا لموضوع الخدمات انطلقت من عكس هذا المفهوم, فالخدمات, هي جهود مقدمة من السلطة الحاكمة والمتمثلة بالحكام والملوك الى عامة الناس, وهذا ما تناولته فصول الدراسة.
واستناداً الى طبيعة هذا الموضوع وابعاده, توزعت خطة الدراسة على أربعة فصول ضم كلا منها العديد من المباحث باستثناء الفصل الرابع وهذه الفصول يسبقها تمهيد عام, تناول تعريف عام للخدمة, فضلا عن طبيعة هذا المصطلح من الناحية العسكرية والمدنية.
جاء الفصل الأول بعنوان خدمات تنظيم مشاريع الري, اذ قسم الى أربعة مباحث رئيسة, تناول المبحث الأول عرضاً شاملاً عن خدمات حفر القنوات, اذ شغلت هذه الخدمات جانباً مهماً من نشاطات الحكام والملوك في العراق القديم, فكان لها اهمية بالغة في تطور النشاطات الزراعية والتي تعد الركن الاساس في البنية الاقتصادية للعراق القديم, كما تشكل هذه القنوات الشريان الحيوي للأراضي الزراعية, فضلاً عن توفير المياه عبر قنوات مائية واسعة استفاد منها السكان في حياتهم اليومية, أما المبحث الثاني فقد كرس للبحث عن أعمال الكري والتنظيف التي تجرى على الانهر والقنوات والجداول مما يترسب في قاعها من طمى وطين وذلك لأستمرار وصول المياه بالكميات الكافية والمطلوبة الى الأراضي الزراعية عبر هذه الانهر والقنوات المائية.
والمبحث الثالث تطرق الى انشاء السدود وما لهذه السدود من اهمية كبيرة في خدمات مشاريع الارواء, اذ تستخدم السدود عندما تشح مياه نهري دجلة والفرات ولاسيما في فصل الصيف اذ تنخفض مناسيب المياه الرئيسة مما يؤدي الى شحة المياه الضرورية لأعمال السقي والارواء.
اما المبحث الرابع فقد تضمن موضوع النقل المائي وما له من أهمية كبيرة في خدمات النقل والمواصلات المائية, وذلك لأن اغلب المدن العراقية القديمة نشأت وتطورت على ضفاف الانهار الرئيسة او الفرعية, كما ان نهري دجلة والفرات مع روافدهما يقطعان ارض العراق من الشمال الى الجنوب ويشكلان حلقة وصل بين مختلف مناطق العراق القديم وصولاً الى الخليج العربي, فضلا عن ان وسائط النقل المائي تعد من اكبر وسائط النقل استيعاباً واقلها كلفة.
اما الفصل الثاني فكان بعنوان خدمات حفظ الامن والنظام في المدن وحدودها, اذ قسم هذا الفصل الى مباحث عدة, تناول المبحث الاول خدمات حفظ الامن والنظام داخل المدن, وتمثل في دور القوات الامنية التي كانت مهمتها الحفاظ على استقرار الامن والنظام داخل المدن, اما المبحث الثاني فقد تطرق الى خدمات حفظ الامن على حدود المدن, ويشمل: اولاً الخنادق, ثانيا الاسوار, ثالثا البوابات, رابعا الأبراج, فضلاً عن المعسكرات.
اما المبحث الثالث من هذا الفصل, فقد تناول موضوع خدمات الطرق العامة وحمايتها, من خلال انشاء الشوارع والطرق العامة, فضلاً عن المحطات التجارية التي تتوسط هذه الطرق مع حمايتها من اللصوص وقطاع الطرق.
ويقف الفصل الثالث على دراسة الخدمات الخاصة بالجانب القانوني, اذ قسم هذا الفصل الى ثلاثة مباحث رئيسة, تناول المبحث الاول اصدار القوانين من قبل الحكام والملوك وذلك لأظهار العدالة ومنع الظلم بين الناس.
اما المبحث الثاني فقد تناول القضاة ودورهم في تقديم الخدمات الخاصة بالقضاء, وتمثل هذا الدور بعدد من الموظفين الإداريين منهم, اولاً السوكالو, ثانياً السارتنو, ثالثاً الخزانو, رابعاً شَ بان دِنانِ, فضلاً عن الطبشارُ.
اما المبحث الثالث فقد تحدث عن موضوع المحاكم وما لها من دور كبير في تقديم الخدمات الخاصة بالجانب القانوني للمواطنين, وتمثلت هذه المحاكم بالمعابد والقصور فضلاً عن البوابات.
وتضمن الفصل الرابع والاخير, دراسة للخدمات الطبية, اذ قسم الفصل الى ثمانية محاور, شمل المحور الاول منه انواع الطب والمتمثل بالطب السحري والطب العلمي, اما المحور الثاني فتناول تعليم الخدمات الطبية, والمحور الثالث تناول مظهر الطبيب الخارجي, في حين تضمن المحور الرابع الخدمات العلاجية للكاهن المعزم (اشيبو), والمحور الخامس تناول الخدمات العلاجية للطبيب (اسو), وتحدث المحور السادس عن أماكن عمل الاطباء, اما المحور السابع فتناول موضوع المستشفيات من خلال ورود بعض الاشارات النصية والتي تؤكد وجود اماكن خاصة لتقديم الخدمات الطبية يمكن ان يطلق عليها المستشفيات, اما المحور الثامن وهو الاخير فقد خصص لموضوع أجور خدمات الاطباء, والتي حددها القانون وشدد على ضرورة التقيد بها.
ومن المصادر والبحوث الاجنبية والعربية التي افادتنا في اعداد هذه الدراسة الى درجة وردت فيها معلومات قيمة عن موضوع البحث ومنها بشكل خاص المعاجم اللغوية السومرية والاكدية, اذ كان ورودها بشكل خاص في مقدمة تلك المصادر, ومنها على وجه الخصوص, المعجم الاكدي:
صفحة 2
"The Assyrian Dictionary of the oriental Institute of the University of Chicago, (CAD)".
كذلك الارشيف الاشوري:
"State Archives of Assyria" (SAA)
كذلك المصدر:
"The Royal Inscriptions of Mesopotamia Early Periods" (RIME)
والمصدر:
"The Royal Inscriptions of Mesopotamia Assyrian Periods". (RIMA)
والمصدر:
"Early Mesopotamia Society and Economy at the Dawn of History"
للباحث Postgate
اذ افادت المعلومات الواردة في هذه المصادر كثيرا في اغناء البحث بمعلومات مهمة عن خدمات مشاريع الري وخدمات حفظ الامن والنظام في المدن والخدمات القانونية والطبية, فضلا عن الكثير من المصطلحات الخاصة بموضوع البحث.
ومن البحوث الاجنبية المهمة التي افادت الباحث في دراسته, البحث الموسوم:
"Land Tenure in the Middle Assyrian Period A Reconstruction"
نشره الباحث Postgate, J.N. في مجلة BSOAS وتناول فيه بشكل خاص مصطلح الخدمة "ilku" في فترة العصر الاشوري الوسيط, الذي اشرنا اليه في تمهيد الدراسة.
ومن ابرز الدراسات التي تناولت مشاريع الري وبالذات ما يخص حفر القنوات في بلاد اشور, البحث الذي نشره الباحث Jason ur في مجلة IRAQ بعنوان:
"Sennacherib's Northern Assyrian Canals' New Insights From satellite Imagery and Aerial Photography"
ايضا استفاد الباحث من البحث الموسوم The Waters of Ur والذي نشره الباحث Jacobsen في مجلة Iraq فتناول فيه بشكل خاص قنوات الري المكتشفة في مدينة اور والمناطق القريبة منها.
كذلك استفاد الباحث من المصادر والبحوث العربية في كتابة هذه الدراسة, ومنها على وجه الخصوص المصدر:
"قاموس اللغة الاكدية – العربية" للدكتور علي ياسين الجبوري, والمصدر المعنون بـ: "مدن قديمة ومواقع اثرية – دراسة في الجغرافية التاريخية للعراق الشمالي خلال العصور الاشورية" للدكتور نائل حنون.
ومن البحوث التي افادت منها الدراسة البحث الموسوم بـ: "تاريخ الري في العراق القديم" للاستاذ المرحوم رضا جواد الهاشمي والمنشور في مجلة سومر, وايضا البحث الموسوم "الاطباء والحلاقون في العراق القديم, دورهم ومكانتهم" للاستاذ المرحوم رضا جواد الهاشمي, وكذلك البحث الموسوم بـ: "نظم الارواء في العراق القديم" للدكتور فوزي رشيد, وكذلك البحث الموسوم بـ: "لمحات من تراثنا الحضاري القديم في الطب" للاستاذ المرحوم طه باقر, فضلاً عن بحوث ومصادر عربية اخرى يمكن الاطلاع عليها ضمن قائمة المصادر العربية الخاصة بالبحث.
وقد اعتمد في تدوين سنوات حكم الملوك بشكل خاص على المدرسة التي يميل اليها الباحث (هاري ساكز) كونها تتوسط غيرها من المدارس في تحديد تلك السنوات, فضلاً عن ذلك فقد حرص الباحث على ان يقدم دراسته وفق منظور المدرسة العراقية لدراسة التاريخ القديم, لاسيما ما له علاقة باسماء الاشخاص والمدن والبلدان.
واخيراً فاني لا ازعم بلوغ الغاية في لمِّ شتات الموضوع, لسعة تشعباته وكثرة نصوصه, وحسبي في ذلك اني بذلت جهدي وابتغي به وجه (الله سبحانه وتعالى), وادعوه متضرعاً اليه ان يثيبني عليه وان يغفر لي كل رأي جانبت فيه الصواب وان يوفقني في قابل ايامي لمزيد من العطاء في ميدان البحث لخدمة الدراسات الاثارية والتاريخية القديمة.
والحمد لله من قبل ومن بعد
الباحث
كذلك الارشيف الاشوري:
"State Archives of Assyria" (SAA)
كذلك المصدر:
"The Royal Inscriptions of Mesopotamia Early Periods" (RIME)
والمصدر:
"The Royal Inscriptions of Mesopotamia Assyrian Periods". (RIMA)
والمصدر:
"Early Mesopotamia Society and Economy at the Dawn of History"
للباحث Postgate
اذ افادت المعلومات الواردة في هذه المصادر كثيرا في اغناء البحث بمعلومات مهمة عن خدمات مشاريع الري وخدمات حفظ الامن والنظام في المدن والخدمات القانونية والطبية, فضلا عن الكثير من المصطلحات الخاصة بموضوع البحث.
ومن البحوث الاجنبية المهمة التي افادت الباحث في دراسته, البحث الموسوم:
"Land Tenure in the Middle Assyrian Period A Reconstruction"
نشره الباحث Postgate, J.N. في مجلة BSOAS وتناول فيه بشكل خاص مصطلح الخدمة "ilku" في فترة العصر الاشوري الوسيط, الذي اشرنا اليه في تمهيد الدراسة.
ومن ابرز الدراسات التي تناولت مشاريع الري وبالذات ما يخص حفر القنوات في بلاد اشور, البحث الذي نشره الباحث Jason ur في مجلة IRAQ بعنوان:
"Sennacherib's Northern Assyrian Canals' New Insights From satellite Imagery and Aerial Photography"
ايضا استفاد الباحث من البحث الموسوم The Waters of Ur والذي نشره الباحث Jacobsen في مجلة Iraq فتناول فيه بشكل خاص قنوات الري المكتشفة في مدينة اور والمناطق القريبة منها.
كذلك استفاد الباحث من المصادر والبحوث العربية في كتابة هذه الدراسة, ومنها على وجه الخصوص المصدر:
"قاموس اللغة الاكدية – العربية" للدكتور علي ياسين الجبوري, والمصدر المعنون بـ: "مدن قديمة ومواقع اثرية – دراسة في الجغرافية التاريخية للعراق الشمالي خلال العصور الاشورية" للدكتور نائل حنون.
ومن البحوث التي افادت منها الدراسة البحث الموسوم بـ: "تاريخ الري في العراق القديم" للاستاذ المرحوم رضا جواد الهاشمي والمنشور في مجلة سومر, وايضا البحث الموسوم "الاطباء والحلاقون في العراق القديم, دورهم ومكانتهم" للاستاذ المرحوم رضا جواد الهاشمي, وكذلك البحث الموسوم بـ: "نظم الارواء في العراق القديم" للدكتور فوزي رشيد, وكذلك البحث الموسوم بـ: "لمحات من تراثنا الحضاري القديم في الطب" للاستاذ المرحوم طه باقر, فضلاً عن بحوث ومصادر عربية اخرى يمكن الاطلاع عليها ضمن قائمة المصادر العربية الخاصة بالبحث.
وقد اعتمد في تدوين سنوات حكم الملوك بشكل خاص على المدرسة التي يميل اليها الباحث (هاري ساكز) كونها تتوسط غيرها من المدارس في تحديد تلك السنوات, فضلاً عن ذلك فقد حرص الباحث على ان يقدم دراسته وفق منظور المدرسة العراقية لدراسة التاريخ القديم, لاسيما ما له علاقة باسماء الاشخاص والمدن والبلدان.
واخيراً فاني لا ازعم بلوغ الغاية في لمِّ شتات الموضوع, لسعة تشعباته وكثرة نصوصه, وحسبي في ذلك اني بذلت جهدي وابتغي به وجه (الله سبحانه وتعالى), وادعوه متضرعاً اليه ان يثيبني عليه وان يغفر لي كل رأي جانبت فيه الصواب وان يوفقني في قابل ايامي لمزيد من العطاء في ميدان البحث لخدمة الدراسات الاثارية والتاريخية القديمة.
والحمد لله من قبل ومن بعد
الباحث
صفحة 3
التمهيد
قبل البدء بدراسة جوانب من الخدمات في العراق القديم لابد اولاً من اعطاء مفهوم واضح للخدمة, بوصفها عنوانا لموضوع البحث.
فالخدمة تعني وصفا للطرق النظامية التي تستعمل في تقديم العون والمساعدة للمحتاجين الذين لا يستطيعون بأنفسهم التغلب على المشاكل والازمات الحياتية التي تواجههم(1).
ويرى بعض الباحثين ان الخدمة (المدنية) هي مجموعة العاملين في مصالح الدولة عدا الدوائر العسكرية والنيابية, وذلك على النحو الذي يختص تشريع كل دولة, ونطاق الخدمة المدنية او الوظيفية العامة بهذا التحديد يتزايد تبعاً لازدياد تدخل الدولة(2).
وتفيد الخدمة معنى العمل الالزامي, واذا كانت السخرة بعنصر العمل الالزامي الذي تقترن به تقرب من العبودية, فأنها ستتميز عن العبودية بان العمل او الخدمة الالزامية فيها يتم في اطار مدة مؤقتة قابلة للتجديد, فبمجرد ان تنجز الخدمة فان المكلف لها سيكون باستطاعته ان يعود الى بيته ويستعيد عمله الخاص به, والخدمة بهذا المعنى سادت في العراق القديم مثلما سادت في مناطق اخرى من الشرق الادنى القديم(3), ويعتقد احد الباحثين ان الخدمة في العراق القديم كانت تشمل المواطنين, فكل المواطنين كانوا يجدون أنفسهم أمام واجب الاذعان للألتزام بتنفيذ خدمات المشاريع العامة, وهذا ما اكده احد الباحثين بقوله: "ان المشاريع العامة الكبرى ينجز القسم الاعظم منها عمال مسخرون", ويبدو ان فئة الاحرار فضلا عن العبيد كانوا يشاركون في اعمال الخدمة على اساس ان نظام الخدمة ما هو الا تعبئة قوى الجماهير في المجتمع لتنفيذ المهام المطلوبة, ومن دون شك ان فقراء فئة الاحرار في مدينة بابل وعبيدها كانوا في العصر البابلي القديم ملتزمون باداء العديد من الخدمات الالزامية للدولة, منها حفر القنوات وكريها وانشاء السدود, فضلا عن دفع مختلف الضرائب العينية والنقدية, اذ كان للدولة موظفون مختصون بتجنيد السكان لأعمال الخدمات المختلفة, فكان من واجبات الحكام الرئيسين, تجنيد السكان في الخدمات (الاعمال) الالزامية تحت اشراف موظفين مختصين, اما قبل العصر البابلي القديم فيبدو ان (الكاهن) القائم على ادارة المعبد كان هو الذي يقوم بمهمة تعيين الواجبات التي تدخل في اطار الخدمة(4).
هذا وقد ورد اصطلاح (الخدمة) في اللغة الاكدية بـ (الِكُ) ilku(5) او (آلكُ) alku, وهي كلمة اكدية اشتقت من المصدر الاكُم alākum بمعنى (ذهاب) (6).
بدأ استعمال مصطلح (ilku – خدمة) منذ العصر البابلي القديم (2004-1595 ق.م) للاشارة الى الخدمات التي كانت تقدم للمملكة والقصر اذ يقوم بها افراد حسب حرفهم مقابل اراضي ملكية اقتطعت لهم يحق لهم استغلالها والانتفاع بها طالما كانوا قادرين على اداء تلكالخدمات(7).
ويبدو ان تلك الخدمات كانت ذات طابع عسكري(8) كما يفهم ذلك من بعض المواد(9) في قانون حمورابي(10), والتي تناولت معالجة الاراضي الممنوحة او المقطوعة الى افراد من القوات المسلحة وصفوا بانهم الريدوم(11) (redum) الجندي والبائيرم (bāirum)الصياد او السماك(12).
او قد تكون ذات طبيعة مدنية كما يفهم ذلك في المادة (40) (13) من قانون حمورابي(14),واستمر استعمال هذه الكلمة (إلكُ – ilku) في العراق القديم خلال عصوره التاريخية اللاحقة, ففي بلاد اشور(15) في العصر الاشوري الوسيط (1500-911 ق.م) استعملت هذهالكلمة للاشارة الى خدمات مختلفة تقدمها للمملكة مجموعة من الافراد الذين يعيشون ضمن منطقة معينة او محددة على اساس ان امتلاكهم لتلك الاراضي كان مقابل هذه الخدمات يؤدونها بشكل فردي او جماعي ضمن نطاق مناطقهم او قراهم(16).
ويبدو من خلال نصوص هذا العصر ان هذه الخدمات كانت ايضاً على صنفين احداها مدنية واخرى عسكرية(17).
وفي العصر الاشوري الحديث (911-612 ق.م) وردت الاشارة الى مصطلح (إلكُ – خدمة) في عقود الاملاك العقارية وفي الرسائل والنصوص الادارية والكتابات الملكية وتبين من خلال تحليل هذه النصوص الى ان حقيقة الخدمة كانت ذات طبيعة مدنية(18) يمكن تقسيمها الى ثلاثة اصناف وهي كالاتي:
1. خدمات إلكُ شخصية (فردية) يقوم بتأديتها شخص ما بمفرده.
ويمكننا ان نستدل عليها من خلال عبارة (إلكُ ألاكُ ilku alaku) التي يمكن ترجمتها (بمنجز الخدمة او مؤدي الخدمة او الذهاب لأداء الخدمة) وقد وردت الاشارة اليها في عدد من عقود بيع الاملاك العقارية الحقول والبساتين, فنقرأ على سبيل المثال في عقد بيع حقل ما يأتي:
" سيشرب المشتري الماء من البئر مع (سكان) مدينته (ولكن) لن يذهب لاداء خدمة الـ (إلك) مع (سكان) مدينته"(19).
وجاء في عقد بيع اخر ما يلي:
قبل البدء بدراسة جوانب من الخدمات في العراق القديم لابد اولاً من اعطاء مفهوم واضح للخدمة, بوصفها عنوانا لموضوع البحث.
فالخدمة تعني وصفا للطرق النظامية التي تستعمل في تقديم العون والمساعدة للمحتاجين الذين لا يستطيعون بأنفسهم التغلب على المشاكل والازمات الحياتية التي تواجههم(1).
ويرى بعض الباحثين ان الخدمة (المدنية) هي مجموعة العاملين في مصالح الدولة عدا الدوائر العسكرية والنيابية, وذلك على النحو الذي يختص تشريع كل دولة, ونطاق الخدمة المدنية او الوظيفية العامة بهذا التحديد يتزايد تبعاً لازدياد تدخل الدولة(2).
وتفيد الخدمة معنى العمل الالزامي, واذا كانت السخرة بعنصر العمل الالزامي الذي تقترن به تقرب من العبودية, فأنها ستتميز عن العبودية بان العمل او الخدمة الالزامية فيها يتم في اطار مدة مؤقتة قابلة للتجديد, فبمجرد ان تنجز الخدمة فان المكلف لها سيكون باستطاعته ان يعود الى بيته ويستعيد عمله الخاص به, والخدمة بهذا المعنى سادت في العراق القديم مثلما سادت في مناطق اخرى من الشرق الادنى القديم(3), ويعتقد احد الباحثين ان الخدمة في العراق القديم كانت تشمل المواطنين, فكل المواطنين كانوا يجدون أنفسهم أمام واجب الاذعان للألتزام بتنفيذ خدمات المشاريع العامة, وهذا ما اكده احد الباحثين بقوله: "ان المشاريع العامة الكبرى ينجز القسم الاعظم منها عمال مسخرون", ويبدو ان فئة الاحرار فضلا عن العبيد كانوا يشاركون في اعمال الخدمة على اساس ان نظام الخدمة ما هو الا تعبئة قوى الجماهير في المجتمع لتنفيذ المهام المطلوبة, ومن دون شك ان فقراء فئة الاحرار في مدينة بابل وعبيدها كانوا في العصر البابلي القديم ملتزمون باداء العديد من الخدمات الالزامية للدولة, منها حفر القنوات وكريها وانشاء السدود, فضلا عن دفع مختلف الضرائب العينية والنقدية, اذ كان للدولة موظفون مختصون بتجنيد السكان لأعمال الخدمات المختلفة, فكان من واجبات الحكام الرئيسين, تجنيد السكان في الخدمات (الاعمال) الالزامية تحت اشراف موظفين مختصين, اما قبل العصر البابلي القديم فيبدو ان (الكاهن) القائم على ادارة المعبد كان هو الذي يقوم بمهمة تعيين الواجبات التي تدخل في اطار الخدمة(4).
هذا وقد ورد اصطلاح (الخدمة) في اللغة الاكدية بـ (الِكُ) ilku(5) او (آلكُ) alku, وهي كلمة اكدية اشتقت من المصدر الاكُم alākum بمعنى (ذهاب) (6).
بدأ استعمال مصطلح (ilku – خدمة) منذ العصر البابلي القديم (2004-1595 ق.م) للاشارة الى الخدمات التي كانت تقدم للمملكة والقصر اذ يقوم بها افراد حسب حرفهم مقابل اراضي ملكية اقتطعت لهم يحق لهم استغلالها والانتفاع بها طالما كانوا قادرين على اداء تلكالخدمات(7).
ويبدو ان تلك الخدمات كانت ذات طابع عسكري(8) كما يفهم ذلك من بعض المواد(9) في قانون حمورابي(10), والتي تناولت معالجة الاراضي الممنوحة او المقطوعة الى افراد من القوات المسلحة وصفوا بانهم الريدوم(11) (redum) الجندي والبائيرم (bāirum)الصياد او السماك(12).
او قد تكون ذات طبيعة مدنية كما يفهم ذلك في المادة (40) (13) من قانون حمورابي(14),واستمر استعمال هذه الكلمة (إلكُ – ilku) في العراق القديم خلال عصوره التاريخية اللاحقة, ففي بلاد اشور(15) في العصر الاشوري الوسيط (1500-911 ق.م) استعملت هذهالكلمة للاشارة الى خدمات مختلفة تقدمها للمملكة مجموعة من الافراد الذين يعيشون ضمن منطقة معينة او محددة على اساس ان امتلاكهم لتلك الاراضي كان مقابل هذه الخدمات يؤدونها بشكل فردي او جماعي ضمن نطاق مناطقهم او قراهم(16).
ويبدو من خلال نصوص هذا العصر ان هذه الخدمات كانت ايضاً على صنفين احداها مدنية واخرى عسكرية(17).
وفي العصر الاشوري الحديث (911-612 ق.م) وردت الاشارة الى مصطلح (إلكُ – خدمة) في عقود الاملاك العقارية وفي الرسائل والنصوص الادارية والكتابات الملكية وتبين من خلال تحليل هذه النصوص الى ان حقيقة الخدمة كانت ذات طبيعة مدنية(18) يمكن تقسيمها الى ثلاثة اصناف وهي كالاتي:
1. خدمات إلكُ شخصية (فردية) يقوم بتأديتها شخص ما بمفرده.
ويمكننا ان نستدل عليها من خلال عبارة (إلكُ ألاكُ ilku alaku) التي يمكن ترجمتها (بمنجز الخدمة او مؤدي الخدمة او الذهاب لأداء الخدمة) وقد وردت الاشارة اليها في عدد من عقود بيع الاملاك العقارية الحقول والبساتين, فنقرأ على سبيل المثال في عقد بيع حقل ما يأتي:
" سيشرب المشتري الماء من البئر مع (سكان) مدينته (ولكن) لن يذهب لاداء خدمة الـ (إلك) مع (سكان) مدينته"(19).
وجاء في عقد بيع اخر ما يلي:
صفحة 4
"أي شخص يقيم دعوى بخصوص الـ (إلكُ) فسيعيد ثمن (الحقل) (مضاعفاً) الى عشر مرات"(20).
ويبدو من خلال النصين المذكورين ان طبيعة الـ (إلكُ – خدمة) المقدمة من ملاك تلك الاراضي الزراعية كانت لها علاقة بملكيات تلك الاراضي وذلك فيما يتعلق بالاعمال الزراعية العامة كفتح القنوات وكري الانهار وبناء السدود, او اعمال اخرى مدنية مرتبطة بالملك شخصياً كجني محاصيل الحقول العائدة للقصر الملكي, وهذا ما جاء في نص يذكر خدمة الـ (إلكُ) المرتبطة بالملك ilku – šalugal وهو في الحقيقة رسالة بعث بها شخص الى الملك يخبره ان رجال القرى الجبلية التي كانت تعيش بسلام اخذهم موظفو الملك وانه قام بتنفيذ خدمةالـ (إلكُ) المتعلقة او ربما بالنيابة عنهم(21), يقول فيها:
"كل القرى الجبلية التي تعيش بسلام (مع الاشوريين) فان اولئك (الرجال) أخذوا بينما انا اؤدي خدمة إلكُ سيدي الملك"(22).
كما يلاحظ ايضاً ان مالك الأرض كان يعامل معاملة قريته او مدينته التي تقع فيها ارضه من حيث شموله او استثنائه من هذه الخدمة مما يعني ذلك ان كل قرية او مقاطعة في بلاد اشور خلال العصر الاشوري الحديث كانت ملزمة بتقديم هذه الخدمة للمملكة ضمن نطاق مناطقهم.
ومن خلال مضمون احدى الرسائل والتي بعث بها حاكم مقاطعة (شابيريشو(23) – ša-bīrē-šu) وهو اشور – دور – باني aššur – dur – pāniya الى الملك شرو – كين الثاني(24) (سرجون الثاني 721-705 ق.م) تظهر تمايزاً او اختلافاً واضحاً بين خدمة الـ(إلكُ) والخدمة العسكرية مما يدل على ان سكان بلاد اشور لم يعدو خدمة الـ (إلكُ) نوعا من الخدمة العسكرية وفيما يأتي نصً مقتبساً من هذه الرسالة: "رجال الملك وسكان البلاد الذين في السنة الماضية والسنة الثالثة والرابعة هربوا من العمل الالزامي والخدمة العسكرية"(25).
2. خدمات إلكُ مقدمة للمملكة بوصفها نوعاً من المدفوعات العينية او يمكن ان يطلق عليها خدمات البدل.
وهي نوع من الخدمة ليست حديثة العهد في بلاد اشور خلال العصر الاشوري الحديث وانما ترجع جذورها الى العصر الاشوري الوسيط للاشارة الى نوع من المدفوعات العينية يقدمها اصحابها للمملكة عوضا عن خدمتهم الشخصية, اذ تشير عدد من النصوص خلال العصر الاشوري الوسيط الى امكانية تقديم الشخص المشمول بخدمة الـ (إلكُ) بديلاً عنه الا ان هذا البديل هو مواد غذائية كالحبوب والتبن مثلا, وهذا ما جاء في احد النصوص ما يلي:
"المستلم – أنمّ – شُمَ – ايرش Annum – šuma – eres ابن سين – ني sin-nia 16 هومر (حمل حمار) (26) و 5 سوت(27) من الشعير كعلف للخيل والتي لخدمة الـ (إلكُ) التي على بَربَرا parpara"(28).
ويتضح من هذا النص ان البدل الذي قُدّم من الحبوب كان الهدف منه تزويد الخيول الموجودة في (الاسطبل) والتي تستخدم في الحروب بالغذاء, فنجد ان الحبوب كانت تعد بدلاً عن خدمة الـ (إلكُ), وعلى ما يبدو فان الشخص الذي ذكر في هذه القوائم, المستلم للحبوب المقدمة الى (الاسطبل), بوصفه بدلاً لخدمة اولئك الاشخاص, هو مسؤول المخزن الخاص بعلف الحيوانات ضمن (الاسطبل) الذي يعمل فيه(29).
وقد توسع هذا النوع من البدل العيني في بلاد اشور خلال العصر الاشوري الحديث اذ نجد اشخاصاً يقدمون مؤناً وسلعاً متنوعة للمملكة عوضاً عن الخدمة الشخصية الملزمة عليهم(30).
وقد ورد في احد النصوص ما يؤكد ذلك, اذ يذكر النص أن مادة العسل هي المادة المدفوعة بدلاً عن خدمة الـ (إلكُ):
" إلكُ [...] عسل, قرص العسل وعباءات خاصة بنبلاء شلمان – اشرد الثالث(31) (شلمنصر الثالث 858-824 ق.م), ابن اشور – ناصر – ابلي الثاني, ملك بلاد اشور"(32).
وقد سجل لنا نص آخر قائمة من المؤن المختلفة بوصفها تجهيزات للجنود العسكريين اثناء خدمتهم العسكرية, جاء فيه ما يأتي:
"خدمة الـ (إلكُ) التي على رجال العربات ومن ضمنهم كبير (مسؤول) القصر بني pani 3 هومر (حمل حمار) من العلف شهرياً, 7 (رزم) من .... 5,9 (رزم) من التبن, 9 سوتُ من الطحين, 1 قا(33) من الخمر, 1/2 قا من الزيت, 1 سوت من الملح, 1 هومر (حملحمار) (و) ...؟ ...., كل هذه (المؤن) التي لحملته"(34).
ومن خلال هذه الادلة النصية المقدمة اعلاه يظهر ان المواد العينية كانت تدفع الى السلطات او الجهات الادارية المسؤولة في البلاد وكان يتولى حكام المقاطعات عملية جمعها وإرسالها الى الملك.
اما بشأن نوع تلك المدفوعات ومقاديرها ومواعيد دفعها, فلعلها كانت تتوقف او تعتمد على مهنة او حرفة دافعيها.
3. خدمات إلكُ مقدمة للمعابد.
وهي نوع من الخدمات تقدم الى المعابد بوصفها نوعاً من المدفوعات او (الجرايات) العينية والتي وصفت في احد نصوص المنح الملكية بعبارة – إلكُ ال ilki ili (إلكُ الاله) (35), أي انها نوع من القرابين المقدمة الى الالهة في المعابد حسب اعتقاد العراقيين القدماء, اذ جاء في النص ما يأتي: "... أي من لم يسلم ولم يعطي قرابين إلكُ الاله"(36).
وفي نص اخر لم تحدد ما هية المادة العينية المفروضة كخدمة إلكُ الاله, نقرأ ما يأتي:
"رئيس مبعوثين الاله عشتار اعطى خدماته القديمة الى [...] لمدينة نينوى(37) "(38).
ونجد في نص اخر من نصوص المنح وصفا لمدفوعات مالية عينية أقرت كـ (إلكُ) من قبل الملك الاشوري ادد نيراري الثالث (810 – 783 ق.م) (39) لمعبد يحتمل انه في مدينة اشور حيث مكان اكتشاف النص, الا ان النص لم يذكر من قدم تلك المدفوعات ومن الذي استلمها وقد جاء فيها ما يأتي:
"10 طالنت(40) و 15 منا(41) [...] الك [...] العائد لـ [...](42)"
ويبدو ان دراسة طبيعة هذه الخدمات المقدمة للمعابد واقتصار ذكرها في نصوص المنح الملكية تفسر لنا ان هذه الخدمات كانت تمثل جانباً من مسؤوليات او واجبات الملوك الدينية تجاه المعابد فبدلا عن قيامهم باداء هذه الخدمات بانفسهم, يوكلون اشخاصاً اخرين للقيام بها وذلك عن طريق منحهم اراضي وبساتين واملاكاً عقارية اخرى معفاة من الضرائب مقابل تعهدهم بتقديم القرابين والسلع المختلفة للمعابد بوصفها جزءً من واجبات القصر تجاههم(43).
ويبدو من خلال النصين المذكورين ان طبيعة الـ (إلكُ – خدمة) المقدمة من ملاك تلك الاراضي الزراعية كانت لها علاقة بملكيات تلك الاراضي وذلك فيما يتعلق بالاعمال الزراعية العامة كفتح القنوات وكري الانهار وبناء السدود, او اعمال اخرى مدنية مرتبطة بالملك شخصياً كجني محاصيل الحقول العائدة للقصر الملكي, وهذا ما جاء في نص يذكر خدمة الـ (إلكُ) المرتبطة بالملك ilku – šalugal وهو في الحقيقة رسالة بعث بها شخص الى الملك يخبره ان رجال القرى الجبلية التي كانت تعيش بسلام اخذهم موظفو الملك وانه قام بتنفيذ خدمةالـ (إلكُ) المتعلقة او ربما بالنيابة عنهم(21), يقول فيها:
"كل القرى الجبلية التي تعيش بسلام (مع الاشوريين) فان اولئك (الرجال) أخذوا بينما انا اؤدي خدمة إلكُ سيدي الملك"(22).
كما يلاحظ ايضاً ان مالك الأرض كان يعامل معاملة قريته او مدينته التي تقع فيها ارضه من حيث شموله او استثنائه من هذه الخدمة مما يعني ذلك ان كل قرية او مقاطعة في بلاد اشور خلال العصر الاشوري الحديث كانت ملزمة بتقديم هذه الخدمة للمملكة ضمن نطاق مناطقهم.
ومن خلال مضمون احدى الرسائل والتي بعث بها حاكم مقاطعة (شابيريشو(23) – ša-bīrē-šu) وهو اشور – دور – باني aššur – dur – pāniya الى الملك شرو – كين الثاني(24) (سرجون الثاني 721-705 ق.م) تظهر تمايزاً او اختلافاً واضحاً بين خدمة الـ(إلكُ) والخدمة العسكرية مما يدل على ان سكان بلاد اشور لم يعدو خدمة الـ (إلكُ) نوعا من الخدمة العسكرية وفيما يأتي نصً مقتبساً من هذه الرسالة: "رجال الملك وسكان البلاد الذين في السنة الماضية والسنة الثالثة والرابعة هربوا من العمل الالزامي والخدمة العسكرية"(25).
2. خدمات إلكُ مقدمة للمملكة بوصفها نوعاً من المدفوعات العينية او يمكن ان يطلق عليها خدمات البدل.
وهي نوع من الخدمة ليست حديثة العهد في بلاد اشور خلال العصر الاشوري الحديث وانما ترجع جذورها الى العصر الاشوري الوسيط للاشارة الى نوع من المدفوعات العينية يقدمها اصحابها للمملكة عوضا عن خدمتهم الشخصية, اذ تشير عدد من النصوص خلال العصر الاشوري الوسيط الى امكانية تقديم الشخص المشمول بخدمة الـ (إلكُ) بديلاً عنه الا ان هذا البديل هو مواد غذائية كالحبوب والتبن مثلا, وهذا ما جاء في احد النصوص ما يلي:
"المستلم – أنمّ – شُمَ – ايرش Annum – šuma – eres ابن سين – ني sin-nia 16 هومر (حمل حمار) (26) و 5 سوت(27) من الشعير كعلف للخيل والتي لخدمة الـ (إلكُ) التي على بَربَرا parpara"(28).
ويتضح من هذا النص ان البدل الذي قُدّم من الحبوب كان الهدف منه تزويد الخيول الموجودة في (الاسطبل) والتي تستخدم في الحروب بالغذاء, فنجد ان الحبوب كانت تعد بدلاً عن خدمة الـ (إلكُ), وعلى ما يبدو فان الشخص الذي ذكر في هذه القوائم, المستلم للحبوب المقدمة الى (الاسطبل), بوصفه بدلاً لخدمة اولئك الاشخاص, هو مسؤول المخزن الخاص بعلف الحيوانات ضمن (الاسطبل) الذي يعمل فيه(29).
وقد توسع هذا النوع من البدل العيني في بلاد اشور خلال العصر الاشوري الحديث اذ نجد اشخاصاً يقدمون مؤناً وسلعاً متنوعة للمملكة عوضاً عن الخدمة الشخصية الملزمة عليهم(30).
وقد ورد في احد النصوص ما يؤكد ذلك, اذ يذكر النص أن مادة العسل هي المادة المدفوعة بدلاً عن خدمة الـ (إلكُ):
" إلكُ [...] عسل, قرص العسل وعباءات خاصة بنبلاء شلمان – اشرد الثالث(31) (شلمنصر الثالث 858-824 ق.م), ابن اشور – ناصر – ابلي الثاني, ملك بلاد اشور"(32).
وقد سجل لنا نص آخر قائمة من المؤن المختلفة بوصفها تجهيزات للجنود العسكريين اثناء خدمتهم العسكرية, جاء فيه ما يأتي:
"خدمة الـ (إلكُ) التي على رجال العربات ومن ضمنهم كبير (مسؤول) القصر بني pani 3 هومر (حمل حمار) من العلف شهرياً, 7 (رزم) من .... 5,9 (رزم) من التبن, 9 سوتُ من الطحين, 1 قا(33) من الخمر, 1/2 قا من الزيت, 1 سوت من الملح, 1 هومر (حملحمار) (و) ...؟ ...., كل هذه (المؤن) التي لحملته"(34).
ومن خلال هذه الادلة النصية المقدمة اعلاه يظهر ان المواد العينية كانت تدفع الى السلطات او الجهات الادارية المسؤولة في البلاد وكان يتولى حكام المقاطعات عملية جمعها وإرسالها الى الملك.
اما بشأن نوع تلك المدفوعات ومقاديرها ومواعيد دفعها, فلعلها كانت تتوقف او تعتمد على مهنة او حرفة دافعيها.
3. خدمات إلكُ مقدمة للمعابد.
وهي نوع من الخدمات تقدم الى المعابد بوصفها نوعاً من المدفوعات او (الجرايات) العينية والتي وصفت في احد نصوص المنح الملكية بعبارة – إلكُ ال ilki ili (إلكُ الاله) (35), أي انها نوع من القرابين المقدمة الى الالهة في المعابد حسب اعتقاد العراقيين القدماء, اذ جاء في النص ما يأتي: "... أي من لم يسلم ولم يعطي قرابين إلكُ الاله"(36).
وفي نص اخر لم تحدد ما هية المادة العينية المفروضة كخدمة إلكُ الاله, نقرأ ما يأتي:
"رئيس مبعوثين الاله عشتار اعطى خدماته القديمة الى [...] لمدينة نينوى(37) "(38).
ونجد في نص اخر من نصوص المنح وصفا لمدفوعات مالية عينية أقرت كـ (إلكُ) من قبل الملك الاشوري ادد نيراري الثالث (810 – 783 ق.م) (39) لمعبد يحتمل انه في مدينة اشور حيث مكان اكتشاف النص, الا ان النص لم يذكر من قدم تلك المدفوعات ومن الذي استلمها وقد جاء فيها ما يأتي:
"10 طالنت(40) و 15 منا(41) [...] الك [...] العائد لـ [...](42)"
ويبدو ان دراسة طبيعة هذه الخدمات المقدمة للمعابد واقتصار ذكرها في نصوص المنح الملكية تفسر لنا ان هذه الخدمات كانت تمثل جانباً من مسؤوليات او واجبات الملوك الدينية تجاه المعابد فبدلا عن قيامهم باداء هذه الخدمات بانفسهم, يوكلون اشخاصاً اخرين للقيام بها وذلك عن طريق منحهم اراضي وبساتين واملاكاً عقارية اخرى معفاة من الضرائب مقابل تعهدهم بتقديم القرابين والسلع المختلفة للمعابد بوصفها جزءً من واجبات القصر تجاههم(43).
صفحة 5
الفصل الاول
خدمات تنظيم مشاريع الري
حقق الانسان خلال رحلته الطويلة عبر الزمن الماضي, الكثير من المنجزات والاكتشافات والاختراعات, وكان من أهم هذه المنجزات اكتشافه للزراعة وتطوير مستلزماتها وتهيئة شروطها فالزراعة هي المرتكز الاساس في حضارة الانسان, وهي الاساس المادي الصلد لأوجه التطورات المختلفة التي عاشتها الحضارة الانسانية في جوانبها الفكرية والمادية, ويعد الماء الشرط الجوهري والرئيس لقيام الزراعة, ومصادره متعددة فمنه ما تغيث به السماء ومنه مياه العيون والابار, فالمياه كانت وما تزال العامل الرئيس لأستقرار الانسان, وقيام المدينة ونشوء الحضارة وتطورها(44).
وقد وجد في العراق القديم ومنذ العصور القديمة منطقتان زراعيتان متميزتان, عرفت الاولى ببلاد سومر واكد وهي تبدأ من اقصى الجنوب حتى الاراضي التي تجاور مدينة سامراء على نهر دجلة ومدينة هيت على نهر الفرات, والقسم الاعظم من هذه المنطقة صالح للزراعة والرعي ولكنه يعتمد على الري من الانهار, والمعروف ان نهري دجلة والفرات هما اللذان كونا هذه المنطقة (أي بلاد سومر واكد) وهما اللذان يرويانها وقد شقت فيها شبكة من الجداول والترع التي لا تزال اثارها واضحة والتي كانت تستخدم لسقي الحقول والبساتين, اما المنطقة الثانية فقد عرفت ببلاد اشور وتشمل معظم شمال العراق وفيها كثير من الأراضي الصالحة للزراعة وتعتمد على الامطار الديمية, وقد كانت الزراعة في العراق القديم حرفة غالبية السكان وكانت تتوقف جودتها على عناية الدولة بها من خلال العناية بالارواء والاهتمام بالانهار والسدود وخصوبة التربة فضلا عن جهود الفلاحين(45).
وقد كانت خدمات تنظيم مشاريع الري في العراق القديم قد شغلت حيزا مهما من اهتمامات الحكام والملوك ودعمهم المتواصل لتلك المشاريع وتشير الى ذلك العديد من النصوص ذات العلاقة ابتداءً من مطلع الالف الثالث قبل الميلاد وانتهاء بالعصر البابلي الحديث, بل ان هذا الاهتمام استمر حتى فترات التسلط الاجنبي(46) للبلاد نظرا لما كان يشكله هذا المرفق الحيوي من اهمية في انعاش البلاد اقتصادياً, ولم يكن الباعث على اضطلاع الملوك بهذا الجانب يقتضي ان تكون خدمات مشاريع الري ضمن مسؤولياتهم, وانما ايضا لاعتقادهم ان الالهة وكلتهم لاستلام زمام هذه المهام التي كانت من ضمن مسؤوليتها اساساً قبل ان تحيلها الى البشر للقيام بها نيابة عنها, وفضلا عن ذلك فقد كانت لدى اولئك الحكام والملوك الرغبة ايضا في تخليد اعمالهم والتفاخر بها امام الالهة اولاً ومن ثم امام شعوبهم والاجيال المتعاقبة من بعدهم ثانيا, وقد كانت العادة ان يُتخذ من حفر القنوات او كري الانهار او بناء السدود او غير ذلك من الاعمال الخدمية الخاصة بنظم الري حدثاً او نقطة تؤرخ بها السنون(47).
وكان لطبيعة ارض العراق القديم الجغرافية وموقعه اثراً كبيرا في نشوء أولى أنظمة الحكم الخاصة في عصر فجر السلالات(48) السومرية (2800 – 2370 ق.م) (49).
اذ اتسمت هذه الطبيعة, لاسيما في القسم الجنوبي منه بشحة امطارها وارتفاع درجات الحرارة فيها وبفيضاناتها المفاجئة والمدمرة, فكان على الناس إن هم أرادوا العيش برخاء واطمئنان, أن يعملوا متكاتفين من اجل حفر القنوات والجداول لري الحقول وتصريف المياه وكري الانهار واقامة السدود والحواجز لدرء اخطار الفيضانات, وتجميع القوى القادرة على صد أي هجوم خارجي لحماية القرى والمستوطنات الزراعية والممتلكات(50).
وقد تميز الوضع السياسي العام في عصر فجر السلالات بوجود عدد من الدويلات المستقلة المتعاصرة التي تقاسمت السلطة والنفوذ في المنطقة وكان لكل من هذه الدويلات, التي تسمى عادة بدويلات المدن السومرية, سلالتها الحاكمة وأدارتها الخاصة ونظمها وقوانينها المستقلة عن غيرها من الدويلات وظل التنافس بين هذه الدويلات مستمرا حتى بدأت المحاولات الاولى لتوحيدها وتأسيس دولة القطر الواحدة, فأضمحلت دويلات المدن تدريجيا وتفرد بعضها بالسيطرة, وما ان حل القرن الرابع والعشرون قبل الميلاد الا وقامت أول دولة مركزية في القسم الجنوبي من العراق ضمت تحت لوائها جميع دويلات المدن القائمة آنذاك وكان ذلك نهاية لعصر فجر السلالات وبداية لعصر جديد عُرف بالعصر الاكدي(51).
ويبدو أن الاعمال الجماعية اللازمة لتنفيذ المشاريع الخدمية الكبيرة كانت بحاجة الى أدارة مركزية حازمة تسيطر عليها وتنظم اعمالها وتوجهها لفائدة المجموع, شأنها شأن أي عمل جماعي, فكان ظهور تلك الادارات او القيادات والتي هي بمثابة النواة التي انبثقت منها اولى الادارات المركزية واولى انظمة الحكم, وحيث ان ثقة الناس في العهود المبكرة اقتصرت على الرجال القائمين على خدمة الالهة وهم الكهنة, اذ ان تصور الناس بكون الكهنة وسطاء بينهم وبين الهتهم, فكانت المعابد من اولى الابنية العامة التي شيدها العراقيون القدماء للاجتماع فيها واداء الطقوس الدينية(52), وفي عصر فجر السلالات كان للمعبد وكما تشير الى ذلك النصوص المسمارية الكثيرة المكتشفة في المعابد الاولى(53), اهمية كبيرة في حياة الناس اذ لم يكن مكانا للعبادة والقيام بالطقوس الدينية فحسب بل كان بؤرة المدينة ومركزها في مختلف شؤون الحياة الادارية والاقتصادية(54) والثقافية(55).
وتعد مشاريع الري واحدة من الخدمات المهمة والتي كانت تقدمها ادارات المدن القديمة ولاسيما في القسم الوسطي والجنوبي من العراق فضلا عن بلاد اشور, فقد تتمثل بحفر القنوات وكري الانهار واقامة السدود لدرء اخطار الفيضانات والاستفادة منها وقت الجفاف, فضلا عن خدمات النقل المائي, بل يمكن القول ان من أهم العوامل التي ساعدت على نشأة المدن وتطورها هي حاجة الناس الملحة الى خدمات مشاريع الري والتي لم يكن بمقدور الافراد والتجمعات السكانية الصغيرة القيام بها, فكان لابد من تجميع الجهود وتكثيفها وتعاونها وفق اسس منظمة, لذا نشأت اولى الادارات المركزية التي غدت فيما بعد أدارات مدن مهمة ومراكز حضارية, ومعظم تلك المدن, ان لم يكن جميعها واقعة على ضفاف الانهار والقنوات والجداول الرئيسة, وقد ارتبط ازدهارها واضمحلالها ارتباطا وثيقا بكفاءة خدمات مشاريع الري واستمرار ادامتها(56).
وطبيعي انه لم يكن بمقدور ادارة المدينة, سواء أمستقلة كانت ام تابعة لحكومة مركزية اخرى, ان تقوم بتنفيذ مشاريع الري وادامتها من خلال الموظفين العاملين في الادارة لديها فقط, بل كان لابد من تجنيد سكان المنطقة المستفيدة وتسخيرهم للعمل فيها مدة محدودة, فنشأ نظام جديد خاص بتسخير الناس للعمل في المشاريع العامة واصبح من واجب كل مواطن العمل في هذه المشاريع لفترة محددة من السنة فلابد من ضوابط وقواعد عامة لاسلوب تجنيد السكان وتسخيرهم(57).
وفيما يأتي اهم الخدمات المتعلقة بتنظيم مشاريع الري:
خدمات تنظيم مشاريع الري
حقق الانسان خلال رحلته الطويلة عبر الزمن الماضي, الكثير من المنجزات والاكتشافات والاختراعات, وكان من أهم هذه المنجزات اكتشافه للزراعة وتطوير مستلزماتها وتهيئة شروطها فالزراعة هي المرتكز الاساس في حضارة الانسان, وهي الاساس المادي الصلد لأوجه التطورات المختلفة التي عاشتها الحضارة الانسانية في جوانبها الفكرية والمادية, ويعد الماء الشرط الجوهري والرئيس لقيام الزراعة, ومصادره متعددة فمنه ما تغيث به السماء ومنه مياه العيون والابار, فالمياه كانت وما تزال العامل الرئيس لأستقرار الانسان, وقيام المدينة ونشوء الحضارة وتطورها(44).
وقد وجد في العراق القديم ومنذ العصور القديمة منطقتان زراعيتان متميزتان, عرفت الاولى ببلاد سومر واكد وهي تبدأ من اقصى الجنوب حتى الاراضي التي تجاور مدينة سامراء على نهر دجلة ومدينة هيت على نهر الفرات, والقسم الاعظم من هذه المنطقة صالح للزراعة والرعي ولكنه يعتمد على الري من الانهار, والمعروف ان نهري دجلة والفرات هما اللذان كونا هذه المنطقة (أي بلاد سومر واكد) وهما اللذان يرويانها وقد شقت فيها شبكة من الجداول والترع التي لا تزال اثارها واضحة والتي كانت تستخدم لسقي الحقول والبساتين, اما المنطقة الثانية فقد عرفت ببلاد اشور وتشمل معظم شمال العراق وفيها كثير من الأراضي الصالحة للزراعة وتعتمد على الامطار الديمية, وقد كانت الزراعة في العراق القديم حرفة غالبية السكان وكانت تتوقف جودتها على عناية الدولة بها من خلال العناية بالارواء والاهتمام بالانهار والسدود وخصوبة التربة فضلا عن جهود الفلاحين(45).
وقد كانت خدمات تنظيم مشاريع الري في العراق القديم قد شغلت حيزا مهما من اهتمامات الحكام والملوك ودعمهم المتواصل لتلك المشاريع وتشير الى ذلك العديد من النصوص ذات العلاقة ابتداءً من مطلع الالف الثالث قبل الميلاد وانتهاء بالعصر البابلي الحديث, بل ان هذا الاهتمام استمر حتى فترات التسلط الاجنبي(46) للبلاد نظرا لما كان يشكله هذا المرفق الحيوي من اهمية في انعاش البلاد اقتصادياً, ولم يكن الباعث على اضطلاع الملوك بهذا الجانب يقتضي ان تكون خدمات مشاريع الري ضمن مسؤولياتهم, وانما ايضا لاعتقادهم ان الالهة وكلتهم لاستلام زمام هذه المهام التي كانت من ضمن مسؤوليتها اساساً قبل ان تحيلها الى البشر للقيام بها نيابة عنها, وفضلا عن ذلك فقد كانت لدى اولئك الحكام والملوك الرغبة ايضا في تخليد اعمالهم والتفاخر بها امام الالهة اولاً ومن ثم امام شعوبهم والاجيال المتعاقبة من بعدهم ثانيا, وقد كانت العادة ان يُتخذ من حفر القنوات او كري الانهار او بناء السدود او غير ذلك من الاعمال الخدمية الخاصة بنظم الري حدثاً او نقطة تؤرخ بها السنون(47).
وكان لطبيعة ارض العراق القديم الجغرافية وموقعه اثراً كبيرا في نشوء أولى أنظمة الحكم الخاصة في عصر فجر السلالات(48) السومرية (2800 – 2370 ق.م) (49).
اذ اتسمت هذه الطبيعة, لاسيما في القسم الجنوبي منه بشحة امطارها وارتفاع درجات الحرارة فيها وبفيضاناتها المفاجئة والمدمرة, فكان على الناس إن هم أرادوا العيش برخاء واطمئنان, أن يعملوا متكاتفين من اجل حفر القنوات والجداول لري الحقول وتصريف المياه وكري الانهار واقامة السدود والحواجز لدرء اخطار الفيضانات, وتجميع القوى القادرة على صد أي هجوم خارجي لحماية القرى والمستوطنات الزراعية والممتلكات(50).
وقد تميز الوضع السياسي العام في عصر فجر السلالات بوجود عدد من الدويلات المستقلة المتعاصرة التي تقاسمت السلطة والنفوذ في المنطقة وكان لكل من هذه الدويلات, التي تسمى عادة بدويلات المدن السومرية, سلالتها الحاكمة وأدارتها الخاصة ونظمها وقوانينها المستقلة عن غيرها من الدويلات وظل التنافس بين هذه الدويلات مستمرا حتى بدأت المحاولات الاولى لتوحيدها وتأسيس دولة القطر الواحدة, فأضمحلت دويلات المدن تدريجيا وتفرد بعضها بالسيطرة, وما ان حل القرن الرابع والعشرون قبل الميلاد الا وقامت أول دولة مركزية في القسم الجنوبي من العراق ضمت تحت لوائها جميع دويلات المدن القائمة آنذاك وكان ذلك نهاية لعصر فجر السلالات وبداية لعصر جديد عُرف بالعصر الاكدي(51).
ويبدو أن الاعمال الجماعية اللازمة لتنفيذ المشاريع الخدمية الكبيرة كانت بحاجة الى أدارة مركزية حازمة تسيطر عليها وتنظم اعمالها وتوجهها لفائدة المجموع, شأنها شأن أي عمل جماعي, فكان ظهور تلك الادارات او القيادات والتي هي بمثابة النواة التي انبثقت منها اولى الادارات المركزية واولى انظمة الحكم, وحيث ان ثقة الناس في العهود المبكرة اقتصرت على الرجال القائمين على خدمة الالهة وهم الكهنة, اذ ان تصور الناس بكون الكهنة وسطاء بينهم وبين الهتهم, فكانت المعابد من اولى الابنية العامة التي شيدها العراقيون القدماء للاجتماع فيها واداء الطقوس الدينية(52), وفي عصر فجر السلالات كان للمعبد وكما تشير الى ذلك النصوص المسمارية الكثيرة المكتشفة في المعابد الاولى(53), اهمية كبيرة في حياة الناس اذ لم يكن مكانا للعبادة والقيام بالطقوس الدينية فحسب بل كان بؤرة المدينة ومركزها في مختلف شؤون الحياة الادارية والاقتصادية(54) والثقافية(55).
وتعد مشاريع الري واحدة من الخدمات المهمة والتي كانت تقدمها ادارات المدن القديمة ولاسيما في القسم الوسطي والجنوبي من العراق فضلا عن بلاد اشور, فقد تتمثل بحفر القنوات وكري الانهار واقامة السدود لدرء اخطار الفيضانات والاستفادة منها وقت الجفاف, فضلا عن خدمات النقل المائي, بل يمكن القول ان من أهم العوامل التي ساعدت على نشأة المدن وتطورها هي حاجة الناس الملحة الى خدمات مشاريع الري والتي لم يكن بمقدور الافراد والتجمعات السكانية الصغيرة القيام بها, فكان لابد من تجميع الجهود وتكثيفها وتعاونها وفق اسس منظمة, لذا نشأت اولى الادارات المركزية التي غدت فيما بعد أدارات مدن مهمة ومراكز حضارية, ومعظم تلك المدن, ان لم يكن جميعها واقعة على ضفاف الانهار والقنوات والجداول الرئيسة, وقد ارتبط ازدهارها واضمحلالها ارتباطا وثيقا بكفاءة خدمات مشاريع الري واستمرار ادامتها(56).
وطبيعي انه لم يكن بمقدور ادارة المدينة, سواء أمستقلة كانت ام تابعة لحكومة مركزية اخرى, ان تقوم بتنفيذ مشاريع الري وادامتها من خلال الموظفين العاملين في الادارة لديها فقط, بل كان لابد من تجنيد سكان المنطقة المستفيدة وتسخيرهم للعمل فيها مدة محدودة, فنشأ نظام جديد خاص بتسخير الناس للعمل في المشاريع العامة واصبح من واجب كل مواطن العمل في هذه المشاريع لفترة محددة من السنة فلابد من ضوابط وقواعد عامة لاسلوب تجنيد السكان وتسخيرهم(57).
وفيما يأتي اهم الخدمات المتعلقة بتنظيم مشاريع الري:
صفحة 6
المبحث الاول
حفر(58) القنوات(59):
يعد الحاكم او الملك في العراق القديم, المسؤول عن تحقيق رفاهية البلاد امام الالهة, وعليه ان يعمل على ازدهار البلاد وتطوير اقتصادها, وبحكم اعتماد الاقتصاد العراقي القديم على الزراعة بالدرجة الاولى, كان على الملك ان يعمل على تطوير هذا القطاع الاقتصادي الذي يعتمد على الري في المناطق الوسطى والجنوبية من العراق القديم, وبسبب قلة سقوط الامطار والحاجة الى حفر قنوات الري وايصال الماء الى الحقول الزراعية دفعت السكان الى التجمع والتكاتف وهذه من العوامل التي ادت الى نشوء اول انظمة الحكم في العراق القديم(60).
ويعتقد احد الباحثين ان خدمات حفر القنوات واعمال الري بدأت منذ دور العُبيد(61), وكانت على نطاق ضيق, فهناك دليل اثري من اريدو(62) يشير الى قناة قديمة قد دُفنت بالاتربة يرجح انها حُفرت واستعملت اثناء مراحل الاستيطان الاولى لهذا الموقع(63), وتبين الادلة الاثرية في احد المواقع عن القيام باعمال خدمات حفر القنوات من دور العبيد, اذ عثر في موقع جوخة مامي (في منطقة مندلي) على اثار قناة للري عرضها من 4-6م وهي تعود الى دور العبيد(64) الثالث(65).
ويبدو ان تنظيم خدمات مشاريع الري وخاصة حفر القنوات قد بدأت وعلى نطاق واسع في فترة الوركاء من العصر الشبيه بالكتابي (3500- 2800 ق.م), اذ ادى ذلك الى كثرة الانتاج وزيادة عدد السكان, كما ان دولة المدينة في عصر فجر السلالات اعتمدت على الري اذ كان الملك او ممثله يشرف على اعمال البزل والري, وحفر القنوات وصيانتها, وهذه الاعمال تتطلب جهدا مشتركا منظما, اذ كان الري بحاجة الى قواعد ونظم للاستفادة من قنوات الري للوصول الى الاسلوب الامثل لاستخدامها, والري احد الاسباب التي ادت الى ظهور التشريعات والنظم الادارية فضلا عن ايجاد وظيفة مفتش قنوات الري(66) وقد عرف فيما بعد باسم (كوكالو Gugallu) (67), وهو المراقب المسؤول(68) عن ضبط كميات المياه, او نجده مسؤولا عن توزيع المياه, وقد كانت مسؤوليته تتحدد احياناً بمراقبة قناة واحدة, فكانت حكمة العراقيين القدماء المشهورة حول مراقبة القنوات المائية تتمثل في النص الاتي: "الناس بدون حاكم مثل الماء بدون مراقب القناة" (69).
ولأهمية قنوات الري وفوائدها العديدة فقد حرصت السلالات الحاكمة على الأهتمام بخدمات مشاريع الري وذلك بالمحافظة عليها وادامتها باستمرار, وتعكس خدمات مشاريع الري وتنظيماته طبيعة السلطة القائمة, فكلما كانت السلطة قوية وتتمتع بسيطرة مركزية على البلاد كلما كانت امكانياتها اكثر لتنظيم خدمات مشاريع الري تنظيماً جيدا, وفي حالة ضعف السلطة المركزية كانت تهمل العناية اللازمة لحفظ شبكة القنوات التي تروي الارض مما يؤدي الى تدهور الانتاج الزراعي وهجرة السكان(70).
وكانت خدمات مشاريع الري ذات اهمية خاصة لدى السومريون والبابليون, فقد خصوها بالتعظيم, اذ جعلوها من جملة الالهة التي تمثل القوى الطبيعية ولا سيما نهري دجلة والفرات وذلك لدورهما الفاعل في حياة السكان, اذ ان الملوك كانوا يقدمون القنوات التي حفروها بوصفها هدايا الى الالهة مما يدل على ان خدمات حفرها كان عملا دينيا مقدسا, ففي الفترات السومرية الاولى, كان يتم الاحتفال في مدينة نفر بعيد خاص بالري تقدم فيه
القرابين(71) الى الاله انليل(72), كما تولى بعض الالهة شؤون الاشراف على الانهار والقنوات, فالاله "انكمدو آله القنوات والجداول عينه اينكي(73) لينظم شؤونها" (74).
وتذكر النصوص المسمارية الكثير من اسماء القنوات والانهار(75) ولكن من الصعوبة تحديد موقعها بشكل قطعي, وقد وردتنا قوائم(76) باسمائها من مكتبة اشور – بان – آبلي (اشور بانيبال 668 – 627 ق.م) (77) وهناك قنوات سميت باسماء الالهة واخرى باسماء اشخاص او اماكن او مدن او اسماء مميزة مثل القناة الوسطى وقناة بيت الحمَّار, وقد جاءت هذه القنوات باطوال مختلفة ابتداء من 12م الى 42م وعمق من 3-6م(78).
ويبدو ان خدمات حفر القنوات لم تكن بالامر السهل بل كانت تحتاج الى دراسات اولية وتخطيطات تمهيدية وخبرة كافية فضلا عن كمية كبيرة من المواد الاولية مثل القار والاحجار والمعادن, اذ كانت تكاليف خدمات حفر القنوات وادامتها ورفع الطمى عنها باهضة, وقد تحمل المعبد والقصر المال اللازم لدعم هذه الخدمات, وقد ورد في احد النصوص اشارة الى (مال) مخصص لاحدى القنوات مما يدل على تمويل الملوك لحفر واصلاح القنوات(79), فضلا عن ذلك ان حفر القنوات يتطلب توفير عددا كبيرا من الرجال (الايدي العاملة), فكانت السلطة المركزية هي القائمة بذلك, أي ان الحكام والملوك كانوا يقومون بحفرها ويمتدحون انفسهم لانجازهم هذا العمل الصالح, وعدت هذه القنوات اثراً خالداً يدل على حكمة اولئك الرجال الذين تفاخروا بانشائها وعلى شدة رعايتهم للناس والاهتمام بهم, والحقيقة ان تلك القنوات كانت تحفر بجهد المواطنين والاسرى(80), فقد اجبروا بالسخرة, على العمل بالمساهمة الفعلية او بدفع الضرائب لتمويل العمل(81).
وقد قام بعض الحكام والملوك بتنفيذ خدمات مشاريع الري ولاسيما خدمات حفر القنوات, فمن عصر فجر السلالات (2800- 2370 ق.م) وردتنا بعض من الشواهد النصية التي تؤكد اهتمام الحكام والملوك بخدمات حفر القنوات, فمن فترة حكم اور - نانشة(82) (2480- 2450 ق.م) نجد من كتاباته المسمارية انه قد كرس جزءً كبيرا من حياته في خدمة الالهة فضلا عن اهتمامه بخدمات مشاريع الري, فقد حفر العديد من القنوات والبحيرات
بهدف تنظيم مجرى نهر الفرات(83), وتوجيه مياهه الى الحقول التي تعتمد عليها لكش (
0), وقد سمى احدى القنوات باسم الاله انليل(85).
حفر(58) القنوات(59):
يعد الحاكم او الملك في العراق القديم, المسؤول عن تحقيق رفاهية البلاد امام الالهة, وعليه ان يعمل على ازدهار البلاد وتطوير اقتصادها, وبحكم اعتماد الاقتصاد العراقي القديم على الزراعة بالدرجة الاولى, كان على الملك ان يعمل على تطوير هذا القطاع الاقتصادي الذي يعتمد على الري في المناطق الوسطى والجنوبية من العراق القديم, وبسبب قلة سقوط الامطار والحاجة الى حفر قنوات الري وايصال الماء الى الحقول الزراعية دفعت السكان الى التجمع والتكاتف وهذه من العوامل التي ادت الى نشوء اول انظمة الحكم في العراق القديم(60).
ويعتقد احد الباحثين ان خدمات حفر القنوات واعمال الري بدأت منذ دور العُبيد(61), وكانت على نطاق ضيق, فهناك دليل اثري من اريدو(62) يشير الى قناة قديمة قد دُفنت بالاتربة يرجح انها حُفرت واستعملت اثناء مراحل الاستيطان الاولى لهذا الموقع(63), وتبين الادلة الاثرية في احد المواقع عن القيام باعمال خدمات حفر القنوات من دور العبيد, اذ عثر في موقع جوخة مامي (في منطقة مندلي) على اثار قناة للري عرضها من 4-6م وهي تعود الى دور العبيد(64) الثالث(65).
ويبدو ان تنظيم خدمات مشاريع الري وخاصة حفر القنوات قد بدأت وعلى نطاق واسع في فترة الوركاء من العصر الشبيه بالكتابي (3500- 2800 ق.م), اذ ادى ذلك الى كثرة الانتاج وزيادة عدد السكان, كما ان دولة المدينة في عصر فجر السلالات اعتمدت على الري اذ كان الملك او ممثله يشرف على اعمال البزل والري, وحفر القنوات وصيانتها, وهذه الاعمال تتطلب جهدا مشتركا منظما, اذ كان الري بحاجة الى قواعد ونظم للاستفادة من قنوات الري للوصول الى الاسلوب الامثل لاستخدامها, والري احد الاسباب التي ادت الى ظهور التشريعات والنظم الادارية فضلا عن ايجاد وظيفة مفتش قنوات الري(66) وقد عرف فيما بعد باسم (كوكالو Gugallu) (67), وهو المراقب المسؤول(68) عن ضبط كميات المياه, او نجده مسؤولا عن توزيع المياه, وقد كانت مسؤوليته تتحدد احياناً بمراقبة قناة واحدة, فكانت حكمة العراقيين القدماء المشهورة حول مراقبة القنوات المائية تتمثل في النص الاتي: "الناس بدون حاكم مثل الماء بدون مراقب القناة" (69).
ولأهمية قنوات الري وفوائدها العديدة فقد حرصت السلالات الحاكمة على الأهتمام بخدمات مشاريع الري وذلك بالمحافظة عليها وادامتها باستمرار, وتعكس خدمات مشاريع الري وتنظيماته طبيعة السلطة القائمة, فكلما كانت السلطة قوية وتتمتع بسيطرة مركزية على البلاد كلما كانت امكانياتها اكثر لتنظيم خدمات مشاريع الري تنظيماً جيدا, وفي حالة ضعف السلطة المركزية كانت تهمل العناية اللازمة لحفظ شبكة القنوات التي تروي الارض مما يؤدي الى تدهور الانتاج الزراعي وهجرة السكان(70).
وكانت خدمات مشاريع الري ذات اهمية خاصة لدى السومريون والبابليون, فقد خصوها بالتعظيم, اذ جعلوها من جملة الالهة التي تمثل القوى الطبيعية ولا سيما نهري دجلة والفرات وذلك لدورهما الفاعل في حياة السكان, اذ ان الملوك كانوا يقدمون القنوات التي حفروها بوصفها هدايا الى الالهة مما يدل على ان خدمات حفرها كان عملا دينيا مقدسا, ففي الفترات السومرية الاولى, كان يتم الاحتفال في مدينة نفر بعيد خاص بالري تقدم فيه
القرابين(71) الى الاله انليل(72), كما تولى بعض الالهة شؤون الاشراف على الانهار والقنوات, فالاله "انكمدو آله القنوات والجداول عينه اينكي(73) لينظم شؤونها" (74).
وتذكر النصوص المسمارية الكثير من اسماء القنوات والانهار(75) ولكن من الصعوبة تحديد موقعها بشكل قطعي, وقد وردتنا قوائم(76) باسمائها من مكتبة اشور – بان – آبلي (اشور بانيبال 668 – 627 ق.م) (77) وهناك قنوات سميت باسماء الالهة واخرى باسماء اشخاص او اماكن او مدن او اسماء مميزة مثل القناة الوسطى وقناة بيت الحمَّار, وقد جاءت هذه القنوات باطوال مختلفة ابتداء من 12م الى 42م وعمق من 3-6م(78).
ويبدو ان خدمات حفر القنوات لم تكن بالامر السهل بل كانت تحتاج الى دراسات اولية وتخطيطات تمهيدية وخبرة كافية فضلا عن كمية كبيرة من المواد الاولية مثل القار والاحجار والمعادن, اذ كانت تكاليف خدمات حفر القنوات وادامتها ورفع الطمى عنها باهضة, وقد تحمل المعبد والقصر المال اللازم لدعم هذه الخدمات, وقد ورد في احد النصوص اشارة الى (مال) مخصص لاحدى القنوات مما يدل على تمويل الملوك لحفر واصلاح القنوات(79), فضلا عن ذلك ان حفر القنوات يتطلب توفير عددا كبيرا من الرجال (الايدي العاملة), فكانت السلطة المركزية هي القائمة بذلك, أي ان الحكام والملوك كانوا يقومون بحفرها ويمتدحون انفسهم لانجازهم هذا العمل الصالح, وعدت هذه القنوات اثراً خالداً يدل على حكمة اولئك الرجال الذين تفاخروا بانشائها وعلى شدة رعايتهم للناس والاهتمام بهم, والحقيقة ان تلك القنوات كانت تحفر بجهد المواطنين والاسرى(80), فقد اجبروا بالسخرة, على العمل بالمساهمة الفعلية او بدفع الضرائب لتمويل العمل(81).
وقد قام بعض الحكام والملوك بتنفيذ خدمات مشاريع الري ولاسيما خدمات حفر القنوات, فمن عصر فجر السلالات (2800- 2370 ق.م) وردتنا بعض من الشواهد النصية التي تؤكد اهتمام الحكام والملوك بخدمات حفر القنوات, فمن فترة حكم اور - نانشة(82) (2480- 2450 ق.م) نجد من كتاباته المسمارية انه قد كرس جزءً كبيرا من حياته في خدمة الالهة فضلا عن اهتمامه بخدمات مشاريع الري, فقد حفر العديد من القنوات والبحيرات
بهدف تنظيم مجرى نهر الفرات(83), وتوجيه مياهه الى الحقول التي تعتمد عليها لكش (
0), وقد سمى احدى القنوات باسم الاله انليل(85).
صفحة 7
كما جاء في احد النصوص والتي تعود للملك (اور – نانشة) والمتعلقة ببناء المعابد, ذكر احدى القنوات التي قام بحفرها هذا الملك في مدينة لكش, جاء فيها:
"اور – نانشة ملك لكش, بن جونيدو, بنى معبد ننكر سو(86)..., بنى معبد نانشة, ............, جمع الاخشاب, بنى معبد سور لكش..., نحت تمثال نانشة (السيدة) ... حفر القناة" (87).
اما الملك اياناتم(88) والذي يرجح فترة حكمه في سنة (2450 ق.م) فعلى الرغم من الحروب العديدة التي خاضها(89), فقد انجز عدد من الخدمات العمرانية ومنها انشاؤه قناة مائية سماها (خومادمشا) والحق بها خزانا كان يخزن حوالي (48000) غالون من الماء, وهذهالقناة قد حفرها على نهر الفرات القديم, وكان يأخذ من الخزان جدول يسمى (لوماكين – شار), وهذه القناة التي انشأها اياناتم مع الخزان تغذي مدينة لكش بالمياه(90).
ومن الخدمات الاروائية الاخرى التي انشأها اياناتم قيامه بحفر قناة مائية اخرى سماها, (لوماجيمدوج – أي جيدة (؟) – مثل (لوما), و(لوما) هو اسم من (تيدنوم) (91) لـ (اياناتم), وكان اتجاهها من نهر الفرات باتجاه لكش لتكون الحد الفاصل بين اوما(92) ولكش(93).
وجاء النص على النحو الاتي:
"مع اياناتم, الذي اعلن اسمه (نينجرسو) تحاربت الاقطار الاجنبية وفي السنة التي هب فيها ملك (اكشاك) للحرب, سدد اياناتم الذي اعلن اسمه نينكرسو ضربة (لزوزو) ملك (اكشاك) ..., في ذلك القوت حفر (اياناتم) قناة جديدة لنينكرسو واطلق عليها اسم (لوماجيمدوج) على اسمه (التيدنوم) وهو (لوما) اما (اياناتم) فقد كان اسمه السومري"(94).
اما الملك انتيمينا(95) والذي حكم سلالة لكش الاولى سنة (2430-2400 ق.م) فتروي النصوص المسمارية في عصره استمرار الصراع بين مدينتي لكش واوما الذي بدأ في عهد اجداده, وتعد المعاهدة التي اقامها مع مدينة اوما وبتوسط طرف ثالث هو حاكم مدينةكيش(96) (مسيليم) من اقدم المعاهدات السياسية, اذ تقع مدينتي لكش واوما على مجرى مائي قادم من نهر الفرات, وقد استمرت النزاعات بينهما لقرون عديدة من اجل الاستيلاء على منطقة حدودية خصبة(97), وتمكنت سلالة لكش في عهد ملكها انتيمينا من الهيمنة على هذه المنطقة الحدودية لفترة مؤقتة, الا انها لم تتمكن من منع مدينة اوما الواقعة في اعالي المجرى المائي من وضع العراقيل امام القنوات المائية الفرعية التي كانت تسقي الحقول الحدودية, ولذلك اقدم الملك انتيمينا على حفر قناة من نهر دجلة وحتى المنطقة الحدودية المذكورة من اجل ايصال الماء الكافي لزراعتها, وهذه القناة سماها انتيمينا "بقناة دجلة" (ينظر الخارطة رقم 1), اذ بدأت هذه القناة بتجهيز المنطقة بكميات كبيرة من المياه قياسا بالكميات القليلة الي كانت تجهز من نهر الفرات(98).
وبمرور الزمن اخذت هذه القناة بالانحدار نحو اراضي لكش المنخفضة حتى اصبحت فرعا لنهر دجلة والذي يعرف اليوم (بنهر الغراف) وبذلك اصبحت لكش تعتمد في اروائها على نهر دجلة, فضلا عن ذلك فقد سميت قناة دجلة التي انشأها انتيمينا بتسمية اخرى هي "قناة انتيمينا" والتي تعد من المشاريع الخدمية المهمة التي انشئت في العصر السومري القديم, اذ امتدت هذه القناة لمسافة (140) كم من نهر دجلة والى مدينة لكش(99).
وفيما يلي مقتطفات من نص انتيمينا حول القناة التي حفرها, جاء فيها:
"انتيمينا, انسي لكش الذي اعلن اسمه نينجرسو حفر هذه القناة التي تحدد الحدود, من نهر دجلة الى ادنون وفقا لامر انليل الصريح ووفقا لأمر ننجرسو الصريح ووفقا لكلمة نانشة الصريحة, واعادها لملكته المحبوبة (نانشة) ..." (100).
اما الحاكم اوروانمكينا(101) او (اوروكاجينا) فكان اخر حاكم في سلالة لكش الاولى(102), فقد اشار في كتاباته الى اسم احدى القنوات التي حفرها في مدينة لكش, وقد نسبها الى الاله ننجرسو, وجاء في النص ما يلي:
"لقد حفر (اوروكاجينا) خلال هذه السنة (لنينجرسو) القناة الصغيرة العائدة (جرسو) (ربما حرفيا: "التي تمتلكها جيرسو" وسماها باسمه القديم (او ربما بالعكس, الغى اسمه القديم), مسميا اياه (نينكرسو الذي – هو – قوي – خارجا من – نفر) ... لقد اوصله بقناة (نيناندو)(103) (قائلا): عسى ان تجلب القناة الصافية التي قلبها مشع ماءً نقياً لنانشة" (104).
ونقرأ في نص اخر عن قيامه بحفر قناة مائية, وربما هي القناة نفسها التي عدها من املاك (ننكرسو), اذ يبين النص انه قد حفرها لاجل المعبودة نانشة, وجاء ذلك على النحو الاتي:
"لأجل نانشة حفر قناة نيناندو, جدولها الحبيب ومد نهايته البعيدة الى البحر" (105).
اما العصر الاكدي(2370 – 2230 ق.م) فتذكر المصادر الكتابية, ان المجتمع الاكدي كان بصورة عامة مجتمعا زراعيا, أي يعتمد على الزراعة التي بدورها تعتمد على خدمات مشاريع الري, اذ قام الاكديون بحفر القنوات المائية واستخدموها في عمليات الارواء, وبهذايكون الاكديون اول من ادخل الى بلاد الرافدين, الحضارة النهرية(106).
ويبرز من فترة العصر الاكدي الملك شرُّم كين(107) (سرجون), اذ حرص هذا الملك على تخليد اسمه ودوره في مجال خدمات حفر القنوات, فقد سميت بعض القنوات المائية باسمه, ومن تلك التسميات "إي – شرُّم – كين – e – šarrum – kin" (108) أي القنوات التي حفرها او (بناها) شرم كين (سرجون) (109), اذ يتضح من خلال تلك التسمية النصية ان الملك سرجون الاكدي كان له دور بارز في خدمات حفر القنوات المائية واستخدامها في عمليات الارواء.
وبرز من هذا العصر ايضا الملك نرام - سين(110) (2254 – 2218 ق.م), حيث ورد ذكر احدى القنوات في نصوص هذا الملك, فربما قام بحفر عدد من القنوات في مدينة نفر اذ ورد ذكر مدينة نفر في اللوح المترجم من قبل احد الباحثين, اذ يمكننا ترجيح ان القناة المذكورة في النص تعود الى مدينة نفر, هذا وان اللوح المترجم في حالة سيئة ومخربة يصعب قراءة محتواه بشكل دقيق, وقد جاء النص على النحو الاتي:
"...وجعل الـ ... قناة تذهب صعودا "باتجاه الامام" (في وسطها) ..., وابعد الحاكم [نيزو] حاكم مدينة نفر, ..." (111).
ونقرأ في نص اخر من فترة الملك نرام – سين, ذكر احدى القنوات, ويرجح وقوعها في مدينة نفر ايضا, اذ جاء في النص ما يلي:
"ربما الاله ايا(112) يحصر (يحيط) قناته بالطين" (113).
وفي نص اخر للملك نرام – سين, نقرأ انه ارخ احدى سنوات حكمه بفتحه احدى القنوات وقد سماها (قناة الكاهن) نقرأ منه:
"السنة التي فتحت فيها قناة الكاهن لاوما(114) ونفر"(115).
"اور – نانشة ملك لكش, بن جونيدو, بنى معبد ننكر سو(86)..., بنى معبد نانشة, ............, جمع الاخشاب, بنى معبد سور لكش..., نحت تمثال نانشة (السيدة) ... حفر القناة" (87).
اما الملك اياناتم(88) والذي يرجح فترة حكمه في سنة (2450 ق.م) فعلى الرغم من الحروب العديدة التي خاضها(89), فقد انجز عدد من الخدمات العمرانية ومنها انشاؤه قناة مائية سماها (خومادمشا) والحق بها خزانا كان يخزن حوالي (48000) غالون من الماء, وهذهالقناة قد حفرها على نهر الفرات القديم, وكان يأخذ من الخزان جدول يسمى (لوماكين – شار), وهذه القناة التي انشأها اياناتم مع الخزان تغذي مدينة لكش بالمياه(90).
ومن الخدمات الاروائية الاخرى التي انشأها اياناتم قيامه بحفر قناة مائية اخرى سماها, (لوماجيمدوج – أي جيدة (؟) – مثل (لوما), و(لوما) هو اسم من (تيدنوم) (91) لـ (اياناتم), وكان اتجاهها من نهر الفرات باتجاه لكش لتكون الحد الفاصل بين اوما(92) ولكش(93).
وجاء النص على النحو الاتي:
"مع اياناتم, الذي اعلن اسمه (نينجرسو) تحاربت الاقطار الاجنبية وفي السنة التي هب فيها ملك (اكشاك) للحرب, سدد اياناتم الذي اعلن اسمه نينكرسو ضربة (لزوزو) ملك (اكشاك) ..., في ذلك القوت حفر (اياناتم) قناة جديدة لنينكرسو واطلق عليها اسم (لوماجيمدوج) على اسمه (التيدنوم) وهو (لوما) اما (اياناتم) فقد كان اسمه السومري"(94).
اما الملك انتيمينا(95) والذي حكم سلالة لكش الاولى سنة (2430-2400 ق.م) فتروي النصوص المسمارية في عصره استمرار الصراع بين مدينتي لكش واوما الذي بدأ في عهد اجداده, وتعد المعاهدة التي اقامها مع مدينة اوما وبتوسط طرف ثالث هو حاكم مدينةكيش(96) (مسيليم) من اقدم المعاهدات السياسية, اذ تقع مدينتي لكش واوما على مجرى مائي قادم من نهر الفرات, وقد استمرت النزاعات بينهما لقرون عديدة من اجل الاستيلاء على منطقة حدودية خصبة(97), وتمكنت سلالة لكش في عهد ملكها انتيمينا من الهيمنة على هذه المنطقة الحدودية لفترة مؤقتة, الا انها لم تتمكن من منع مدينة اوما الواقعة في اعالي المجرى المائي من وضع العراقيل امام القنوات المائية الفرعية التي كانت تسقي الحقول الحدودية, ولذلك اقدم الملك انتيمينا على حفر قناة من نهر دجلة وحتى المنطقة الحدودية المذكورة من اجل ايصال الماء الكافي لزراعتها, وهذه القناة سماها انتيمينا "بقناة دجلة" (ينظر الخارطة رقم 1), اذ بدأت هذه القناة بتجهيز المنطقة بكميات كبيرة من المياه قياسا بالكميات القليلة الي كانت تجهز من نهر الفرات(98).
وبمرور الزمن اخذت هذه القناة بالانحدار نحو اراضي لكش المنخفضة حتى اصبحت فرعا لنهر دجلة والذي يعرف اليوم (بنهر الغراف) وبذلك اصبحت لكش تعتمد في اروائها على نهر دجلة, فضلا عن ذلك فقد سميت قناة دجلة التي انشأها انتيمينا بتسمية اخرى هي "قناة انتيمينا" والتي تعد من المشاريع الخدمية المهمة التي انشئت في العصر السومري القديم, اذ امتدت هذه القناة لمسافة (140) كم من نهر دجلة والى مدينة لكش(99).
وفيما يلي مقتطفات من نص انتيمينا حول القناة التي حفرها, جاء فيها:
"انتيمينا, انسي لكش الذي اعلن اسمه نينجرسو حفر هذه القناة التي تحدد الحدود, من نهر دجلة الى ادنون وفقا لامر انليل الصريح ووفقا لأمر ننجرسو الصريح ووفقا لكلمة نانشة الصريحة, واعادها لملكته المحبوبة (نانشة) ..." (100).
اما الحاكم اوروانمكينا(101) او (اوروكاجينا) فكان اخر حاكم في سلالة لكش الاولى(102), فقد اشار في كتاباته الى اسم احدى القنوات التي حفرها في مدينة لكش, وقد نسبها الى الاله ننجرسو, وجاء في النص ما يلي:
"لقد حفر (اوروكاجينا) خلال هذه السنة (لنينجرسو) القناة الصغيرة العائدة (جرسو) (ربما حرفيا: "التي تمتلكها جيرسو" وسماها باسمه القديم (او ربما بالعكس, الغى اسمه القديم), مسميا اياه (نينكرسو الذي – هو – قوي – خارجا من – نفر) ... لقد اوصله بقناة (نيناندو)(103) (قائلا): عسى ان تجلب القناة الصافية التي قلبها مشع ماءً نقياً لنانشة" (104).
ونقرأ في نص اخر عن قيامه بحفر قناة مائية, وربما هي القناة نفسها التي عدها من املاك (ننكرسو), اذ يبين النص انه قد حفرها لاجل المعبودة نانشة, وجاء ذلك على النحو الاتي:
"لأجل نانشة حفر قناة نيناندو, جدولها الحبيب ومد نهايته البعيدة الى البحر" (105).
اما العصر الاكدي(2370 – 2230 ق.م) فتذكر المصادر الكتابية, ان المجتمع الاكدي كان بصورة عامة مجتمعا زراعيا, أي يعتمد على الزراعة التي بدورها تعتمد على خدمات مشاريع الري, اذ قام الاكديون بحفر القنوات المائية واستخدموها في عمليات الارواء, وبهذايكون الاكديون اول من ادخل الى بلاد الرافدين, الحضارة النهرية(106).
ويبرز من فترة العصر الاكدي الملك شرُّم كين(107) (سرجون), اذ حرص هذا الملك على تخليد اسمه ودوره في مجال خدمات حفر القنوات, فقد سميت بعض القنوات المائية باسمه, ومن تلك التسميات "إي – شرُّم – كين – e – šarrum – kin" (108) أي القنوات التي حفرها او (بناها) شرم كين (سرجون) (109), اذ يتضح من خلال تلك التسمية النصية ان الملك سرجون الاكدي كان له دور بارز في خدمات حفر القنوات المائية واستخدامها في عمليات الارواء.
وبرز من هذا العصر ايضا الملك نرام - سين(110) (2254 – 2218 ق.م), حيث ورد ذكر احدى القنوات في نصوص هذا الملك, فربما قام بحفر عدد من القنوات في مدينة نفر اذ ورد ذكر مدينة نفر في اللوح المترجم من قبل احد الباحثين, اذ يمكننا ترجيح ان القناة المذكورة في النص تعود الى مدينة نفر, هذا وان اللوح المترجم في حالة سيئة ومخربة يصعب قراءة محتواه بشكل دقيق, وقد جاء النص على النحو الاتي:
"...وجعل الـ ... قناة تذهب صعودا "باتجاه الامام" (في وسطها) ..., وابعد الحاكم [نيزو] حاكم مدينة نفر, ..." (111).
ونقرأ في نص اخر من فترة الملك نرام – سين, ذكر احدى القنوات, ويرجح وقوعها في مدينة نفر ايضا, اذ جاء في النص ما يلي:
"ربما الاله ايا(112) يحصر (يحيط) قناته بالطين" (113).
وفي نص اخر للملك نرام – سين, نقرأ انه ارخ احدى سنوات حكمه بفتحه احدى القنوات وقد سماها (قناة الكاهن) نقرأ منه:
"السنة التي فتحت فيها قناة الكاهن لاوما(114) ونفر"(115).
صفحة 8
اما فترة حكم سلالة لكش الثانية (2250 – 2114 ق.م) فتعد من الحقب المهمة في تاريخ السومريين السياسي ونهضتهم الحضارية في العراق القديم, اذ بلغت هذه السلالة اوج ازدهارها في عهد كوديا(116), وقد بينت الدراسات الحديثة المعتمدة والتي اجريت على النصوص المسمارية والتي تعود الى حكام سلالة لكش الثانية, ان الحاكم (اور – ننجرسو) هو مؤسس سلالة لكش الثانية, التي كان ابرز حكامها اور – بابا وكوديا, فقد انجزوا الكثير من الاعمال العسكرية والعمرانية والفكرية, وانتعش النفوذ السومري في اواخر الالف الثالث ق.م وقد سمي هذا العصر بالعصر السومري الحديث(117).
وكشفت كتابات الحاكم كوديا عن اسماء (131) مدينة وقرية زراعية, وهذه المدن والقرى الزراعية تقع معظمها ضمن حدود سلالة لكش الثانية لوحدها, ودراسة النصوص المسمارية نفسها قد عرفتنا ايضا على العدد الكبير للحقول والبساتين, والتي بلغ عددها في مدينة لكشوحدها حوالي (485) حقلا وبستانا وهذا العدد الكبير من الحقول والبساتين قد عرفنا بدوره باسماء القنوات(118) التي احتوتها كل مدينة من المدن المهمة في القسم الجنوبي من العراق, حيث ان القنوات القديمة(119) كانت تسمى باسماء الحقول والبساتين التي تقوم باروائها(120).
وقد ورد ذكر احدى القنوات في نصوص كوديا من خلال حديثه عن معبد ننجرسو في لكش, اذ يبين النص السنة التي حفر فيها كوديا قناة ننجرسو, وهي من الخدمات التي قدمها كوديا الى معبد ننكرسو, وقد اتخذ من حفر هذه القناة حدثا مهما لتاريخ السنين, وجاء النص على النحو الاتي:
"السنة التي اصبح فيها حاكما,
السنة التي حفرت فيها قناة ننكرسو..." (121).
هذا وقد جاء في نص اخر مدون على اسطوانة(122) طينية رمز اليها بالحرف "B", ذكر القنوات والتي تقع في مدينة لكش اذ كانت تغذي الحقول بالمياه ويبدو ان هذه القنوات من المشاريع الخدمية التي قدمها الحاكم (كوديا) الى معبد (ننكرسو) في لكش, اذ تعود ملكية تلك الحقول المذكورة في النص من دون شك الى معبد ننجرسو, أي هي من املاك المعبد, وقد جاء النص على النحو الاتي:
"تلك الحقول الواسعة قد تكون خصبة والتي تكون الخنادق والقنوات من لكش بصورة كاملة الى الحافة التي في السهل ..." (123).
اما الحاكم (نامخاني) (124) فهو اخر حكام سلالة لكش الثانية ويعد صهرا للحاكم (اور – بابا) (125), اذ جاء اهتمامه بخدمات حفر القنوات, من خلال انشاء قناة بين اوما ولكش سميت (بقناة نامخاني) (126), اذ كانت تروي الحقول والبساتين الواقعة على اطراف تلك المدينتين, ولكون هذه القناة مهمة من ناحية تزويد اوما ولكش بالمياه فقد سمى الحاكم (نامخاني) تلك القناة باسمه حرصا منه على تخليد اسمه(127) بالقناة التي حفرها(128).
اما عصر سلالة اور الثالثة(129) (2112 – 2004 ق.م) فقد برز الملك (اورنمو) مؤسس سلالة اور الثالثة, وقد خصصت جداول الملوك السومرية لحكم الملك اورنمو سبعة عشر عاما (2112 – 2095 ق.م), اذ استطاع هذا الملك من اخضاع سلالة لكش الثانيةلسلطته بعد ان كانت قد تمتعت بالحرية السياسية في حكم الكوتيين وقتل حاكمها (نامخاني)(130), وقد اشارت الوثائق المسمارية من فترة اور الثالثة الى الكثير من خدمات مشاريع الري(131), فمثلا اشارت الكتابات المسمارية للملك (اورنمو) الى قيامه بحفر قنوات اروائية خاصة في مدينة اور(132), وجاءت تسمية هذه القنوات من خلال النصوص, ففي ترتيلة دينية خاصة بالملك اورنمو اذ ورد ذكر اسماء بعض القنوات التي حفرها اورنمو, وجاء ذكرها على النحو الاتي:
"من الذي سيحفرها, القناة – من الذي سيحفرها؟ قناة – كيش داكو keshdaku(133) – من الذي سيحفرها, القناة – من الذي سيحفرها؟
قناة بابلِوخَ pābiluh – من الذي سيحفرها(134), القناة – من الذي سيحفرها(135)؟.
اورنمو المقدس, الثري سيحفرها,
الشاب الحقيقي, الشخص المزدهر, سيحفرها .......... فيما يتعلق الامر بي, في مدينتي, انني قد حفرت قناة(136) خصبة, وقد اسميتها قناة – كيش داكو kešdaku(137) في اور قد حفرت قناة خصبة, وقد سميتها قناة – كيش داكو kešdaku ........., وفيما يتعلقالامر بي, المجرى المائي لمدينتي هو السمك, واعلاه الطير, ان المجرى المائي لاور هو السمك, واعلاه الطير, ................"(138).
وفي نص اخر للملك اورنمو يتحدث فيه عن قيامه بحفر قناة مائية للاله ننار(139) في اور ومن ثم قيامه بتعميقها, ويذكر النص كذلك قيامه بحفر احدى القنوات في منطقة اريدو ويسميها بقناة (كوبي – Gubi) اذ يدل النص على اهتمام الملك اورنمو بخدمات حفر القنوات لايصال المياه الى المدن حيث الحقول والبساتين التي تروى بها, فضلا عن ايصال المياه الى المعابد, فيذكر اسم احدى القنوات وينسبها الى معبد ننكرسو, وجاء النص على النحو الاتي:
"اورنمو ملك اور حفر القناة العظيمة وعمقها للاله ننار, وحفر قناة (كوبي) في اريدو, وحفر قناة (كو) لننكرسو" (140).
هذا وقد ذكر الملك اورنمو على احدى المخاريط الطينية انه قام بحفر نهر للري (يبدو انه قناة كبيرة) وقد سماه (ننا كوكال Nannā Gûgāl) عند منطقة الحدود بين مدينتي اور ولكش, وانه حفر له خزانا كبيرا (كانه البحر) (141).
وجاء النص على النحو الاتي: "من اجل نانا, الابن البكر لانليل فان سيده اورنمو, الرجل الجبار, ملك اور, ملك سومر واكد, عندما شيد معبد انليل, حفر هنا القناة التي سماها نانا – كوكال"(142).
وقد تفاخر الملك اورنمو بما قام به من انجاز بعض الخدمات, لاسيما توفير المياه من خلال حفر القنوات المائية, حيث خلد مآثره المتعلقة بحفر القنوات على الواجهة الخلفية من مسلته المعروفة بمسلة اورنمو(143), والتي امر باقامتها باسمه لتبقى اعماله خالدة في نظره امام الالهة واجيال البشر على مر العصور(144), وجاءت كتاباته على ظهر المسلة وبالشكل الاتي:
"هو اورنمو حفر,
هو حفر [ر] الـ ... قناة
هو حفر الـ ... قناة العظيمة ... وقناة الاله ننا
هو حفر قناة Nannu – gugalo لغاية قناة الاله ننكرسو
هو حفر [ ر ] قناة ... الى قناة الاله(145) ننكرسو" (146).
ومن اجل تنظيم خدمات مشاريع الري, كان لابد من وضع آليات وقواعد قانونية تنظم اسلوب استخدام مياه قنوات الري والاشراف عليها بما يخدم العملية الزراعية, اذ تلزم في الوقت ذاته اصحاب الحقول والبساتين المستفيدين من مياه تلك القنوات بتحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقهم فيما يتعلق بصيانتها والمحافظة عليها وحسن استخدام مياهها بما يتلائم واهميتها للمحاصيل الزراعية(147), اذ كان سداد القنوات المائية ترابياً(148), لذلك كان يستوجب ملاحظتها باستمرار لتقويتها وتعليتها بالآجر وخاصة في اوقات حدوث الفيضان, لذا فان أي اهمال أو تقاعس أو تجاوز في أعمال الإرواء لاسيما ذات العلاقة بطرائق السقي أو تقوية السداد أو سد الفتحات المنهارة للقنوات بفعل قوة دفع المياه كان من شأنه أن يتسبب في الضرر ليس فقط لصاحب الحقل الذي تهاون في إحكام تشييد سداد قناة حقله وتقويتها, وإنما لاصحاب الحقول والاراضي الزراعية المجاورة(149), وقد عبر عن ذلك احد النصوص المسمارية, اذ جاء النص على النحو الاتي: "اذا لم يحافظ الانسان على قناة الري فان الماء سوف يدمر ارض الحقول"(150).
وكشفت كتابات الحاكم كوديا عن اسماء (131) مدينة وقرية زراعية, وهذه المدن والقرى الزراعية تقع معظمها ضمن حدود سلالة لكش الثانية لوحدها, ودراسة النصوص المسمارية نفسها قد عرفتنا ايضا على العدد الكبير للحقول والبساتين, والتي بلغ عددها في مدينة لكشوحدها حوالي (485) حقلا وبستانا وهذا العدد الكبير من الحقول والبساتين قد عرفنا بدوره باسماء القنوات(118) التي احتوتها كل مدينة من المدن المهمة في القسم الجنوبي من العراق, حيث ان القنوات القديمة(119) كانت تسمى باسماء الحقول والبساتين التي تقوم باروائها(120).
وقد ورد ذكر احدى القنوات في نصوص كوديا من خلال حديثه عن معبد ننجرسو في لكش, اذ يبين النص السنة التي حفر فيها كوديا قناة ننجرسو, وهي من الخدمات التي قدمها كوديا الى معبد ننكرسو, وقد اتخذ من حفر هذه القناة حدثا مهما لتاريخ السنين, وجاء النص على النحو الاتي:
"السنة التي اصبح فيها حاكما,
السنة التي حفرت فيها قناة ننكرسو..." (121).
هذا وقد جاء في نص اخر مدون على اسطوانة(122) طينية رمز اليها بالحرف "B", ذكر القنوات والتي تقع في مدينة لكش اذ كانت تغذي الحقول بالمياه ويبدو ان هذه القنوات من المشاريع الخدمية التي قدمها الحاكم (كوديا) الى معبد (ننكرسو) في لكش, اذ تعود ملكية تلك الحقول المذكورة في النص من دون شك الى معبد ننجرسو, أي هي من املاك المعبد, وقد جاء النص على النحو الاتي:
"تلك الحقول الواسعة قد تكون خصبة والتي تكون الخنادق والقنوات من لكش بصورة كاملة الى الحافة التي في السهل ..." (123).
اما الحاكم (نامخاني) (124) فهو اخر حكام سلالة لكش الثانية ويعد صهرا للحاكم (اور – بابا) (125), اذ جاء اهتمامه بخدمات حفر القنوات, من خلال انشاء قناة بين اوما ولكش سميت (بقناة نامخاني) (126), اذ كانت تروي الحقول والبساتين الواقعة على اطراف تلك المدينتين, ولكون هذه القناة مهمة من ناحية تزويد اوما ولكش بالمياه فقد سمى الحاكم (نامخاني) تلك القناة باسمه حرصا منه على تخليد اسمه(127) بالقناة التي حفرها(128).
اما عصر سلالة اور الثالثة(129) (2112 – 2004 ق.م) فقد برز الملك (اورنمو) مؤسس سلالة اور الثالثة, وقد خصصت جداول الملوك السومرية لحكم الملك اورنمو سبعة عشر عاما (2112 – 2095 ق.م), اذ استطاع هذا الملك من اخضاع سلالة لكش الثانيةلسلطته بعد ان كانت قد تمتعت بالحرية السياسية في حكم الكوتيين وقتل حاكمها (نامخاني)(130), وقد اشارت الوثائق المسمارية من فترة اور الثالثة الى الكثير من خدمات مشاريع الري(131), فمثلا اشارت الكتابات المسمارية للملك (اورنمو) الى قيامه بحفر قنوات اروائية خاصة في مدينة اور(132), وجاءت تسمية هذه القنوات من خلال النصوص, ففي ترتيلة دينية خاصة بالملك اورنمو اذ ورد ذكر اسماء بعض القنوات التي حفرها اورنمو, وجاء ذكرها على النحو الاتي:
"من الذي سيحفرها, القناة – من الذي سيحفرها؟ قناة – كيش داكو keshdaku(133) – من الذي سيحفرها, القناة – من الذي سيحفرها؟
قناة بابلِوخَ pābiluh – من الذي سيحفرها(134), القناة – من الذي سيحفرها(135)؟.
اورنمو المقدس, الثري سيحفرها,
الشاب الحقيقي, الشخص المزدهر, سيحفرها .......... فيما يتعلق الامر بي, في مدينتي, انني قد حفرت قناة(136) خصبة, وقد اسميتها قناة – كيش داكو kešdaku(137) في اور قد حفرت قناة خصبة, وقد سميتها قناة – كيش داكو kešdaku ........., وفيما يتعلقالامر بي, المجرى المائي لمدينتي هو السمك, واعلاه الطير, ان المجرى المائي لاور هو السمك, واعلاه الطير, ................"(138).
وفي نص اخر للملك اورنمو يتحدث فيه عن قيامه بحفر قناة مائية للاله ننار(139) في اور ومن ثم قيامه بتعميقها, ويذكر النص كذلك قيامه بحفر احدى القنوات في منطقة اريدو ويسميها بقناة (كوبي – Gubi) اذ يدل النص على اهتمام الملك اورنمو بخدمات حفر القنوات لايصال المياه الى المدن حيث الحقول والبساتين التي تروى بها, فضلا عن ايصال المياه الى المعابد, فيذكر اسم احدى القنوات وينسبها الى معبد ننكرسو, وجاء النص على النحو الاتي:
"اورنمو ملك اور حفر القناة العظيمة وعمقها للاله ننار, وحفر قناة (كوبي) في اريدو, وحفر قناة (كو) لننكرسو" (140).
هذا وقد ذكر الملك اورنمو على احدى المخاريط الطينية انه قام بحفر نهر للري (يبدو انه قناة كبيرة) وقد سماه (ننا كوكال Nannā Gûgāl) عند منطقة الحدود بين مدينتي اور ولكش, وانه حفر له خزانا كبيرا (كانه البحر) (141).
وجاء النص على النحو الاتي: "من اجل نانا, الابن البكر لانليل فان سيده اورنمو, الرجل الجبار, ملك اور, ملك سومر واكد, عندما شيد معبد انليل, حفر هنا القناة التي سماها نانا – كوكال"(142).
وقد تفاخر الملك اورنمو بما قام به من انجاز بعض الخدمات, لاسيما توفير المياه من خلال حفر القنوات المائية, حيث خلد مآثره المتعلقة بحفر القنوات على الواجهة الخلفية من مسلته المعروفة بمسلة اورنمو(143), والتي امر باقامتها باسمه لتبقى اعماله خالدة في نظره امام الالهة واجيال البشر على مر العصور(144), وجاءت كتاباته على ظهر المسلة وبالشكل الاتي:
"هو اورنمو حفر,
هو حفر [ر] الـ ... قناة
هو حفر الـ ... قناة العظيمة ... وقناة الاله ننا
هو حفر قناة Nannu – gugalo لغاية قناة الاله ننكرسو
هو حفر [ ر ] قناة ... الى قناة الاله(145) ننكرسو" (146).
ومن اجل تنظيم خدمات مشاريع الري, كان لابد من وضع آليات وقواعد قانونية تنظم اسلوب استخدام مياه قنوات الري والاشراف عليها بما يخدم العملية الزراعية, اذ تلزم في الوقت ذاته اصحاب الحقول والبساتين المستفيدين من مياه تلك القنوات بتحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقهم فيما يتعلق بصيانتها والمحافظة عليها وحسن استخدام مياهها بما يتلائم واهميتها للمحاصيل الزراعية(147), اذ كان سداد القنوات المائية ترابياً(148), لذلك كان يستوجب ملاحظتها باستمرار لتقويتها وتعليتها بالآجر وخاصة في اوقات حدوث الفيضان, لذا فان أي اهمال أو تقاعس أو تجاوز في أعمال الإرواء لاسيما ذات العلاقة بطرائق السقي أو تقوية السداد أو سد الفتحات المنهارة للقنوات بفعل قوة دفع المياه كان من شأنه أن يتسبب في الضرر ليس فقط لصاحب الحقل الذي تهاون في إحكام تشييد سداد قناة حقله وتقويتها, وإنما لاصحاب الحقول والاراضي الزراعية المجاورة(149), وقد عبر عن ذلك احد النصوص المسمارية, اذ جاء النص على النحو الاتي: "اذا لم يحافظ الانسان على قناة الري فان الماء سوف يدمر ارض الحقول"(150).
صفحة 9
ومن اجل وضع حد للتقصير الذي قد ينجم عن مثل هذه الخسائر الكبيرة التي تضر بالصالح العام كان لابد من اصدار تعليمات قانونية صارمة بشأن معاقبة المقصرين ومحاسبتهم بما يتناسب وحجم الضرر الذي سببوه, وهذا ما عكسته العديد من المواد القانونية(151), فالمادة (28) من قانون اورنمو(152), كانت خاصة بتسبب شخص اغراق حقل شخص اخر مزروع وغرامة ذلك وتعويضه بكمية من الشعير تقدر بالنسبة الى مساحة الحقل, اذ اعتمد المشرع هنا على مبدأ التعويض للشخص الذي يتضرر حقله ويغرق بسبب سوء تصرف جيرانه وتجاوزهم في استخدام قنوات المياه(153), وجاء في النص وكالاتي:
"اذا تسبب رجل في اغراق حقل مزروع يعود لرجل اخر, عليه ان يدفع (لصاحب الحقل) 3 كور(154) من الشعير لكل ايكو(155) من الحقل"(156).
اما الملك شولكي(157) فقد خلد اسمه ودوره في مجال خدمات حفر القنوات, فقد سميت بعض القنوات المائية باسمه, ومن تلك التسميات: (إي – شول – كي – e – dšul – gi) (158) أي القنوات التي حفرها او (بناها) شولكي(159).
ويخبرنا الملك امار - سين(160) (2047 – 2039 ق.م) عن القناة التي حفرها على نهر الفرات والتي ربطت المدن الواقعة على ضفاف نهر الفرات بوصفها فرعا جانبيا من نهر الفرات, اذ ربطت هذه القناة المجرى المائي الذي يسير بين مدينتي (شاراكوم(161) – šarrakum ومدينة اوما – Umma) عند نقطة منتصف الطريق تقريبا بين تلك المدينتين, اذ رجح احد الباحثين ان هذه النقطة التي تتجه اليها القناة تكون قريبة من مدينة ادب(162) ومدينة كاركار(163), (ينظر الخارطة رقم 2), اذ يكشف المخطط رقم (2) عن الخارطة التي تبين قناة (امار – سين) فضلا عن منظومة من القنوات الاخرى وقد تكونت من ثلاثة مجاري رئيسة للمياه في ارض بلاد سومر وهي كالاتي:
أ. قناة نهر الفرات من منطقة باد - تيبيرا(164) في الجنوب الشرقي والى نفر في الجنوب الغربي.
ب. فرع رابط بين نهر الفرات وقناة اتورونكال(165) (القناة التي يملكها (حفرها) امار – سين).
ج. جزء من قناة(166) اتورونكال(167).
اما العصر البابلي القديم(168), الذي سمي القسم الاول منه بعصر ايسن(169) - لارسا(170) (2009- 1794 ق.م) فهو من اكثر العصور التي شهدت اهتمام الملوك والحكام في تنفيذ خدمات مشاريع الري ولاسيما حفر القنوات, اذ يبدو ان ارتفاع نسبة الملوحة التيهددت مساحات واسعة من الاراضي الزراعية, والحاجة الى تنظيم خدمات مشاريع الري كان واحدا من العوامل المهمة التي فرضت الاهتمام بهذا دون غيره(171), وتعكس النصوص المسمارية ذات العلاقة بالارواء من هذا العصر الكثير من المعلومات عن خدمات حفر القنوات المائية والتي قام بها الملوك والحكام, وفيما يأتي بعض مما جاء في تلك النصوص وكالاتي:
"السنة بعد السنة التي حفرت بها قناة ننكي", وهي السنة الرابعة من حكم الملك اشبي ايرا (2017 – 1985 ق.م) مؤسس سلالة ايسن (2017 – 1794 ق.م) " (172).
"السنة بعد السنة التي امر بها (كنكونوم) بحفر القناة المسماة (المناداة من قبل الاله انو) (173) وهذا هو تاريخ السنة (15) من حكم الملك كنكونوم (1932 – 1906 ق.م) الملك الخامس من ملوك سلالة لارسا (2025 – 1763 ق.م) " (174).
اما الملك ابي - ساري(175) abi – sare (1905 – 1985 ق.م) والذي حكم مملكة لارسا بعد الملك (كنكونوم) فقد اشتهر باعماله السلمية والتي كان من اهمها انشاء المعابد وحفر القنوات المائية لايصال المياه الى الاراضي الزراعية, وقد ذكر حفر احدى القنوات المائية في نصوص هذا الملك, فجاءت على النحو الاتي:
"السنة بعد السنة التي حفرت بها القناة المسماة – الالهة انانا(176) المفضلة لمدينة زبالام, وهو تاريخ السنة الثانية من حكم الملك ابي – ساري" (177).
وتخللت سنوات حكم الملك ريم - سين(178) (1822 – 1763 ق.م) (179) حفر قنوات مائية عديدة, اذ جاءت صيغة السنة السادسة والعشرين من حكم الملك ريم – سين, مختصرة للصيغة التي تذكر ان ريم – سين هو: الراعي الصالح تحت الطلب المستقيم للاله انو وانليل وانكي, هو الذي حفر القناة التي لم تكن موجودة والتي تجلب الفيض الى لارسا وسماها قناة العدالة, وجاء النص على النحو الاتي:
"السنة التي حفر (فيها) قناة العدالة" (180).
وفي نصوص مسمارية اخرى, يتفاخر الملك ريم – سين باهتمامه بخدمات مشاريع الارواء وتطويرها, اذ يذكر في كتاباته البنائية التذكارية انه "جلب مصادر لا تنضب من المياه الى بلاد سومر واكد"(181), وعدّ اعماله في مجال خدمات حفر القنوات من جملة الاعمال العظيمة التي انجزها في حياته, فذكر في احدى كتاباته الملكية كيف فوض من الاله انليل
لانجاز مثل هذه الاعمال العظيمة, "الجبل العظيم, الاله انليل, وضع التفويض العظيم عليه لحفر القناة ولجلب الماء بوفرة الى ارض سومر واكد ...." (182).
وقد شغلت خدمات مشاريع الري جانبا مهما من نشاطات الملك حمورابي(183) اذ كان لهذه الخدمات اهمية بالغة في تطور النشاطات الزراعية, والتي تمثل الركن الاساس في البنية الاقتصادية للعصر البابلي القديم, فقد قام بحفر قنوات جديدة فضلا عن كري وتنظيف القنوات القديمة, ويفتخر في كتاباته بانه "جلب مصادر لا تنضب من المياه الى بلاد سومر واكد"(184) وقد عدت اعماله تلك من جملة الاعمال العظيمة التي انجزها في حياته, فتباهى بذكرها في مقدمة قانونه الشهير, والتي يصف نفسه فيها "بالسيد الذي انعش الوركاء(185) والذي جهز سكانها بفيض من المياه..." (186).
وقد ورد في احد النصوص ما يدل على حفر القنوات(187) من ذلك: "السنة بعد السنة التي امر بها (الملك حمورابي) بحفر القناة المسماة, حمورابي هو الوفرة..." اذ يقع هذا الانجاز ضمن السنة التاسعة من حكمه(188).
"اذا تسبب رجل في اغراق حقل مزروع يعود لرجل اخر, عليه ان يدفع (لصاحب الحقل) 3 كور(154) من الشعير لكل ايكو(155) من الحقل"(156).
اما الملك شولكي(157) فقد خلد اسمه ودوره في مجال خدمات حفر القنوات, فقد سميت بعض القنوات المائية باسمه, ومن تلك التسميات: (إي – شول – كي – e – dšul – gi) (158) أي القنوات التي حفرها او (بناها) شولكي(159).
ويخبرنا الملك امار - سين(160) (2047 – 2039 ق.م) عن القناة التي حفرها على نهر الفرات والتي ربطت المدن الواقعة على ضفاف نهر الفرات بوصفها فرعا جانبيا من نهر الفرات, اذ ربطت هذه القناة المجرى المائي الذي يسير بين مدينتي (شاراكوم(161) – šarrakum ومدينة اوما – Umma) عند نقطة منتصف الطريق تقريبا بين تلك المدينتين, اذ رجح احد الباحثين ان هذه النقطة التي تتجه اليها القناة تكون قريبة من مدينة ادب(162) ومدينة كاركار(163), (ينظر الخارطة رقم 2), اذ يكشف المخطط رقم (2) عن الخارطة التي تبين قناة (امار – سين) فضلا عن منظومة من القنوات الاخرى وقد تكونت من ثلاثة مجاري رئيسة للمياه في ارض بلاد سومر وهي كالاتي:
أ. قناة نهر الفرات من منطقة باد - تيبيرا(164) في الجنوب الشرقي والى نفر في الجنوب الغربي.
ب. فرع رابط بين نهر الفرات وقناة اتورونكال(165) (القناة التي يملكها (حفرها) امار – سين).
ج. جزء من قناة(166) اتورونكال(167).
اما العصر البابلي القديم(168), الذي سمي القسم الاول منه بعصر ايسن(169) - لارسا(170) (2009- 1794 ق.م) فهو من اكثر العصور التي شهدت اهتمام الملوك والحكام في تنفيذ خدمات مشاريع الري ولاسيما حفر القنوات, اذ يبدو ان ارتفاع نسبة الملوحة التيهددت مساحات واسعة من الاراضي الزراعية, والحاجة الى تنظيم خدمات مشاريع الري كان واحدا من العوامل المهمة التي فرضت الاهتمام بهذا دون غيره(171), وتعكس النصوص المسمارية ذات العلاقة بالارواء من هذا العصر الكثير من المعلومات عن خدمات حفر القنوات المائية والتي قام بها الملوك والحكام, وفيما يأتي بعض مما جاء في تلك النصوص وكالاتي:
"السنة بعد السنة التي حفرت بها قناة ننكي", وهي السنة الرابعة من حكم الملك اشبي ايرا (2017 – 1985 ق.م) مؤسس سلالة ايسن (2017 – 1794 ق.م) " (172).
"السنة بعد السنة التي امر بها (كنكونوم) بحفر القناة المسماة (المناداة من قبل الاله انو) (173) وهذا هو تاريخ السنة (15) من حكم الملك كنكونوم (1932 – 1906 ق.م) الملك الخامس من ملوك سلالة لارسا (2025 – 1763 ق.م) " (174).
اما الملك ابي - ساري(175) abi – sare (1905 – 1985 ق.م) والذي حكم مملكة لارسا بعد الملك (كنكونوم) فقد اشتهر باعماله السلمية والتي كان من اهمها انشاء المعابد وحفر القنوات المائية لايصال المياه الى الاراضي الزراعية, وقد ذكر حفر احدى القنوات المائية في نصوص هذا الملك, فجاءت على النحو الاتي:
"السنة بعد السنة التي حفرت بها القناة المسماة – الالهة انانا(176) المفضلة لمدينة زبالام, وهو تاريخ السنة الثانية من حكم الملك ابي – ساري" (177).
وتخللت سنوات حكم الملك ريم - سين(178) (1822 – 1763 ق.م) (179) حفر قنوات مائية عديدة, اذ جاءت صيغة السنة السادسة والعشرين من حكم الملك ريم – سين, مختصرة للصيغة التي تذكر ان ريم – سين هو: الراعي الصالح تحت الطلب المستقيم للاله انو وانليل وانكي, هو الذي حفر القناة التي لم تكن موجودة والتي تجلب الفيض الى لارسا وسماها قناة العدالة, وجاء النص على النحو الاتي:
"السنة التي حفر (فيها) قناة العدالة" (180).
وفي نصوص مسمارية اخرى, يتفاخر الملك ريم – سين باهتمامه بخدمات مشاريع الارواء وتطويرها, اذ يذكر في كتاباته البنائية التذكارية انه "جلب مصادر لا تنضب من المياه الى بلاد سومر واكد"(181), وعدّ اعماله في مجال خدمات حفر القنوات من جملة الاعمال العظيمة التي انجزها في حياته, فذكر في احدى كتاباته الملكية كيف فوض من الاله انليل
لانجاز مثل هذه الاعمال العظيمة, "الجبل العظيم, الاله انليل, وضع التفويض العظيم عليه لحفر القناة ولجلب الماء بوفرة الى ارض سومر واكد ...." (182).
وقد شغلت خدمات مشاريع الري جانبا مهما من نشاطات الملك حمورابي(183) اذ كان لهذه الخدمات اهمية بالغة في تطور النشاطات الزراعية, والتي تمثل الركن الاساس في البنية الاقتصادية للعصر البابلي القديم, فقد قام بحفر قنوات جديدة فضلا عن كري وتنظيف القنوات القديمة, ويفتخر في كتاباته بانه "جلب مصادر لا تنضب من المياه الى بلاد سومر واكد"(184) وقد عدت اعماله تلك من جملة الاعمال العظيمة التي انجزها في حياته, فتباهى بذكرها في مقدمة قانونه الشهير, والتي يصف نفسه فيها "بالسيد الذي انعش الوركاء(185) والذي جهز سكانها بفيض من المياه..." (186).
وقد ورد في احد النصوص ما يدل على حفر القنوات(187) من ذلك: "السنة بعد السنة التي امر بها (الملك حمورابي) بحفر القناة المسماة, حمورابي هو الوفرة..." اذ يقع هذا الانجاز ضمن السنة التاسعة من حكمه(188).
صفحة 10
كما ورد عن احداث سنة (33) من حكم الملك حمورابي ما يلي: "حمورابي ثروة الشعوب, ... امر بحفر القناة, المياه الفائضة على الدوام جعلها تصل الى نيبور واريدو ولارسا والى ايسن"(189).
وقد جاء ذكر اسم احدى القنوات في نص يعود للملك حمورابي اثناء بنائه سور سبار(190) فيقول:
"انا حمورابي الملك الصنديد, ..........
لقد شيدت سور سبار من التراب ..........., وحفرت قناة سبار واوصلتها الى مدينة سبار..., ثم اقمت مرفأ السلامة هناك..." (191).
وقد تتعرض قنوات الري الى حالات تصريف مياه كثيرة, مما يتسبب احيانا في احداث تكسرات في سداداتها(192) الترابية, ويحدث ذلك في اوقات الفيضان ومواسم السقي, لذلك كان السهر على تقوية السداد(193) وتعليتها من الامور التي تعكس وعيا عاليا, وذلك لاهمية الارواء وخطورته في آن واحد, كما ان الاعمال المتعلقة بالسداد تكشف عن التنظيم والمراقبة الدقيقة, اذ ان الاهمال والتقصير في ذلك كان يوقع مرتكبه تحت طائلة القانون(194).
وضع الملك حمورابي في قانونه الشهير مواد قانونية عديدة تتعلق بشؤون خدمات الارواء وضرورة تنظيمها, اذ وضع حداً للتقصير الذي قد ينجم عنه خسائر كبيرة والتي تضر بالصالح العام فكان لابد من اصدار مواد قانونية صارمة بشأن معاقبة المقصرين ومحاسبتهم بما يتناسب وحجم الضرر الذي سببوه, اذ نصت م (53) من قانون حمورابي على ما يأتي: "اذا تقاعس رجل في تقوية سداد حقله ولم يقو سده وحدثت ثغرة في سده وجرفت المياه الارض المائية, يعوض الرجل الذي حدثت الثغرة في سده الحبوب التي تسبب في فقدها"(195).
يتبين من النص ان القانون الزم الشخص المهمل في تقوية سداد قناة حقله وتسبب في اغراق الحقول المجاورة لحقله القيام بتعويض اصحاب تلك الحقول المتضررة بما وقع عليهم من ضرر في محاصيلهم الزراعية نتيجة ذلك الضرر(196), وقد لا يتمكن الشخص ماديا من دفع التعويضات التي اقرها القانون لاصحاب الاراضي المتضررة, فعندها يباع كعبد وتباع ارضه ويوزع ثمنها على المتضرريين كتعويض لهم, وقد جاء ذلك في م(54) من قانون حمورابي وكما يلي: "اذا لايقدر على تعويض الحبوب, يبيعونه بالفضة هو وممتلكاته ويتقاسم(الثمن) اصحاب الاراضي المائية التي جرفت المياه حبوبها"(197).
ويتضح من هذه المواد مدى القسوة التي اتبعها القانون في معاقبة المهملين من الفلاحين والمتسببين في اضرار الغير نتيجة اهمالهم وتقاعسهم عن العمل, ويبدو ان المشرع اراد بذلك منع الفلاحين من الاهمال وصدهم عنه, فنص على بيعهم في حالة عدم تمكنهم من تعويض المتضررين, كما يلاحظ في المادة (54) ان المتضررين هم اكثر من شخص واحد مما يشير الى ان اهمال الفلاح لسداد قناة حقله قد سبب اغراق غالبية الحقول المجاورة واتلاف مزروعاتها, كما يلاحظ اتباع مبدأ تقسيم المبلغ المحصل من بيع الفلاح وامواله بين المتضررينولابد وان كان ذلك بالنسبة لقيمة الضرر الواقع على كل منهم(198), اما م(55) والتي نصت ما يلي: "اذا فتح رجل جدوله (قناته) للسقي وتقاعس وتسبب في ان تجرف المياه حقل جاره يكيل حبوبا مثل (غلة) جاره"(199), وهذه المادة ستتحدث عن الحالة نفسها باستثناء كون الضرر كان نتيجة اهمال الفلاح اثناء فتح قناة او جدول المياه وترك المياه تغمر الحقل المجاور فعيله ان يعوض الفلاح المتضرر بما يقابل انتاج الحقل المتوقع, والاختلاف واضح بين هذه المادة أي (55) و م(53) والتي نصت على تعويض المتضرر بما يقابل الحبوب التي اتلفت نتيجة الضرر, ففي م(53) يتحمل الفلاح المهمل تعويض المتضرر بما يساوي قيمة الحبوب المزروعة فقط, اما م(55) فيبدو ان الضرر وقع بعد ان نبت الزرع ومضى عليه فترة من الزمن ولم يعد بالامكان اعادة زراعته لذا كان على الفلاح المهمل لسداد قناةحقله, ان يعوض المتضرر بما يساوي ما كان متوقعا ان ينتجه الحقل استنادا الى انتاج الحقل المجاور(200).
اما م (56) فقد نصت على ما يلي: "اذا فتح رجل الماء وتسبب في ان تجرف المياه عمل حقل جاره, يغرم 10 كور حبوبا(201) لكل بور"(202).
وجاءت م(56) (203) لتحدد التعويض الذي يدفعه الفلاح المهمل الذي تسبب بتخريب العمليات الزراعية التي عملت في الحقل المجاور نتيجة فتحه سداد قناة الماء في حقله, وذلك بنسبة عشرة (كور) من الحبوب لكل (بور) من الارض(204).
كما وجه الملك حمورابي عددا من الرسائل الى موظفيه تتعلق بتنظيم خدمات الري وانجاز حفر القنوات, فهناك رسالة موجهة الى (سين – ادينام)(205) طلب منه الملك ان يدعو جميع الرجال الذين يملكون الارض على قناة (دومانوم) للعمل من اجل تنظيف هذه القناة على ان يتم انجاز العمل مع بداية الشهر, وفي رسالة اخرى دعى الملك حمورابي (سين – ادينام) الى اكمال العمل في احدى القنوات وايصال المياه الى مدينة الوركاء(206).
وقد تسلم (شمش خاصر) حاكم لارسا رسائل من الملك حمورابي تتعلق باعمال الري, واخبره حمورابي في احد المرات ان فيضان الفرات مر ببابل واقترب من منطقة لارسا, وربما كان ذلك ايذانا (لشمش خاصر) بفتح قنوات الري المؤدية الى بحيرة الخزن ومليء هذه البحيرة المحيطة بلارسا لمنع الفيضان من تحطيم السدود او اغراق المزارع, وتشير رسالة اخرى لحمورابي الى تعيين عدد من الموظفين لمواجهة الظروف المناخية السيئة ويكونوا على اهبة الاستعداد لحفر قناة يحول مجراها اثناء الفيضان وذلك لمنع تكسر السدود(207).
كذلك اصدر حمورابي اوامره لاتخاذ الاحتياطات الضرورية في عدد من القنوات لتتمكن من تزويد لارسا واور بالمياه في كافة الظروف, وعندما اشتكى عدد من الفلاحين عند الملك حمورابي بأن مزارعهم مرتفعة لا تصل اليها المياه بسبب انخفاض منسوب الماء في القنوات امر حمورابي التأكد من الامر وطلب من موظفيه معالجة مشكلتهم, اما باعطائهم مزارع جديدة او اتخاذ اجراءات عند مصب القنوات لرفع مستوى الماء(208).
لقد كان من واجب الحكام المحليين الاشراف على خدمات الري من خلال القيام باصلاح وترميم القنوات وكريها وكان لهم صلاحيات في استخدام سكان القرى المحلية وملاكي الاراضي القريبة من ضفاف القنوات في العمل, واحيانا كان الملك يشرف بصورة مباشرة على خدمات الري ويقوم بجولات تفتيشية للمشاريع الخاصة بالري والحقول الزراعية, اذ كان بعض الملوك على علم ببعض الحقول ويعرفون اصحابها(209).
وقد جاء ذكر اسم احدى القنوات في نص يعود للملك حمورابي اثناء بنائه سور سبار(190) فيقول:
"انا حمورابي الملك الصنديد, ..........
لقد شيدت سور سبار من التراب ..........., وحفرت قناة سبار واوصلتها الى مدينة سبار..., ثم اقمت مرفأ السلامة هناك..." (191).
وقد تتعرض قنوات الري الى حالات تصريف مياه كثيرة, مما يتسبب احيانا في احداث تكسرات في سداداتها(192) الترابية, ويحدث ذلك في اوقات الفيضان ومواسم السقي, لذلك كان السهر على تقوية السداد(193) وتعليتها من الامور التي تعكس وعيا عاليا, وذلك لاهمية الارواء وخطورته في آن واحد, كما ان الاعمال المتعلقة بالسداد تكشف عن التنظيم والمراقبة الدقيقة, اذ ان الاهمال والتقصير في ذلك كان يوقع مرتكبه تحت طائلة القانون(194).
وضع الملك حمورابي في قانونه الشهير مواد قانونية عديدة تتعلق بشؤون خدمات الارواء وضرورة تنظيمها, اذ وضع حداً للتقصير الذي قد ينجم عنه خسائر كبيرة والتي تضر بالصالح العام فكان لابد من اصدار مواد قانونية صارمة بشأن معاقبة المقصرين ومحاسبتهم بما يتناسب وحجم الضرر الذي سببوه, اذ نصت م (53) من قانون حمورابي على ما يأتي: "اذا تقاعس رجل في تقوية سداد حقله ولم يقو سده وحدثت ثغرة في سده وجرفت المياه الارض المائية, يعوض الرجل الذي حدثت الثغرة في سده الحبوب التي تسبب في فقدها"(195).
يتبين من النص ان القانون الزم الشخص المهمل في تقوية سداد قناة حقله وتسبب في اغراق الحقول المجاورة لحقله القيام بتعويض اصحاب تلك الحقول المتضررة بما وقع عليهم من ضرر في محاصيلهم الزراعية نتيجة ذلك الضرر(196), وقد لا يتمكن الشخص ماديا من دفع التعويضات التي اقرها القانون لاصحاب الاراضي المتضررة, فعندها يباع كعبد وتباع ارضه ويوزع ثمنها على المتضرريين كتعويض لهم, وقد جاء ذلك في م(54) من قانون حمورابي وكما يلي: "اذا لايقدر على تعويض الحبوب, يبيعونه بالفضة هو وممتلكاته ويتقاسم(الثمن) اصحاب الاراضي المائية التي جرفت المياه حبوبها"(197).
ويتضح من هذه المواد مدى القسوة التي اتبعها القانون في معاقبة المهملين من الفلاحين والمتسببين في اضرار الغير نتيجة اهمالهم وتقاعسهم عن العمل, ويبدو ان المشرع اراد بذلك منع الفلاحين من الاهمال وصدهم عنه, فنص على بيعهم في حالة عدم تمكنهم من تعويض المتضررين, كما يلاحظ في المادة (54) ان المتضررين هم اكثر من شخص واحد مما يشير الى ان اهمال الفلاح لسداد قناة حقله قد سبب اغراق غالبية الحقول المجاورة واتلاف مزروعاتها, كما يلاحظ اتباع مبدأ تقسيم المبلغ المحصل من بيع الفلاح وامواله بين المتضررينولابد وان كان ذلك بالنسبة لقيمة الضرر الواقع على كل منهم(198), اما م(55) والتي نصت ما يلي: "اذا فتح رجل جدوله (قناته) للسقي وتقاعس وتسبب في ان تجرف المياه حقل جاره يكيل حبوبا مثل (غلة) جاره"(199), وهذه المادة ستتحدث عن الحالة نفسها باستثناء كون الضرر كان نتيجة اهمال الفلاح اثناء فتح قناة او جدول المياه وترك المياه تغمر الحقل المجاور فعيله ان يعوض الفلاح المتضرر بما يقابل انتاج الحقل المتوقع, والاختلاف واضح بين هذه المادة أي (55) و م(53) والتي نصت على تعويض المتضرر بما يقابل الحبوب التي اتلفت نتيجة الضرر, ففي م(53) يتحمل الفلاح المهمل تعويض المتضرر بما يساوي قيمة الحبوب المزروعة فقط, اما م(55) فيبدو ان الضرر وقع بعد ان نبت الزرع ومضى عليه فترة من الزمن ولم يعد بالامكان اعادة زراعته لذا كان على الفلاح المهمل لسداد قناةحقله, ان يعوض المتضرر بما يساوي ما كان متوقعا ان ينتجه الحقل استنادا الى انتاج الحقل المجاور(200).
اما م (56) فقد نصت على ما يلي: "اذا فتح رجل الماء وتسبب في ان تجرف المياه عمل حقل جاره, يغرم 10 كور حبوبا(201) لكل بور"(202).
وجاءت م(56) (203) لتحدد التعويض الذي يدفعه الفلاح المهمل الذي تسبب بتخريب العمليات الزراعية التي عملت في الحقل المجاور نتيجة فتحه سداد قناة الماء في حقله, وذلك بنسبة عشرة (كور) من الحبوب لكل (بور) من الارض(204).
كما وجه الملك حمورابي عددا من الرسائل الى موظفيه تتعلق بتنظيم خدمات الري وانجاز حفر القنوات, فهناك رسالة موجهة الى (سين – ادينام)(205) طلب منه الملك ان يدعو جميع الرجال الذين يملكون الارض على قناة (دومانوم) للعمل من اجل تنظيف هذه القناة على ان يتم انجاز العمل مع بداية الشهر, وفي رسالة اخرى دعى الملك حمورابي (سين – ادينام) الى اكمال العمل في احدى القنوات وايصال المياه الى مدينة الوركاء(206).
وقد تسلم (شمش خاصر) حاكم لارسا رسائل من الملك حمورابي تتعلق باعمال الري, واخبره حمورابي في احد المرات ان فيضان الفرات مر ببابل واقترب من منطقة لارسا, وربما كان ذلك ايذانا (لشمش خاصر) بفتح قنوات الري المؤدية الى بحيرة الخزن ومليء هذه البحيرة المحيطة بلارسا لمنع الفيضان من تحطيم السدود او اغراق المزارع, وتشير رسالة اخرى لحمورابي الى تعيين عدد من الموظفين لمواجهة الظروف المناخية السيئة ويكونوا على اهبة الاستعداد لحفر قناة يحول مجراها اثناء الفيضان وذلك لمنع تكسر السدود(207).
كذلك اصدر حمورابي اوامره لاتخاذ الاحتياطات الضرورية في عدد من القنوات لتتمكن من تزويد لارسا واور بالمياه في كافة الظروف, وعندما اشتكى عدد من الفلاحين عند الملك حمورابي بأن مزارعهم مرتفعة لا تصل اليها المياه بسبب انخفاض منسوب الماء في القنوات امر حمورابي التأكد من الامر وطلب من موظفيه معالجة مشكلتهم, اما باعطائهم مزارع جديدة او اتخاذ اجراءات عند مصب القنوات لرفع مستوى الماء(208).
لقد كان من واجب الحكام المحليين الاشراف على خدمات الري من خلال القيام باصلاح وترميم القنوات وكريها وكان لهم صلاحيات في استخدام سكان القرى المحلية وملاكي الاراضي القريبة من ضفاف القنوات في العمل, واحيانا كان الملك يشرف بصورة مباشرة على خدمات الري ويقوم بجولات تفتيشية للمشاريع الخاصة بالري والحقول الزراعية, اذ كان بعض الملوك على علم ببعض الحقول ويعرفون اصحابها(209).