صفحة 1
إشــارة
لم تكن لدي النية في الاصل لكتابة رواية، تعكس صورة الواقع في بغداد وبعض مدن أو غالبية مدن العراق، قبل العودة إلى يوميات اعتدت كتابتها، لغرض الإفادة من المكتوب فيها كشواهد إثبات تدعم وجهة نظري التي اروم وضعها في كتاب جديد أخذ عنوان (حصاد العاصفة ـ ثقافة التضاد العراقي بين زمنين). وبالتدقيق في المكتوب وجدت أمامي مأساة أُسَرٍ ذبحت في العامرية والسيدية ومدينة الحرية.
ووجدت تجاوزات واعمال خيانة وفساد تخطت في واقعها حدود المعقول.
حاولت حشرها في مادة الكتاب بصيغة سرد روائي يُسهِّل على القارئ مسألة الوصول إلى الاستنتاج الذي أردته، فكانت في غير موضعها، ولا تنسجم وصيغة السرد التحليلي الذي أعتمد في ترتيب أحداث وفصول الكتاب. عندها توقفت، وأقتطعت ما كتب، وأعدت صياغته من جديد، جاء على شكل سرديات بصيغة روائية، تؤرخ وقائعها عيشاً مريراً لأهل بغداد بين الأعوام 2005 ــ 2007 على نحو خاص. كان الخوف حد الرعب من الجار الذي يختلف معك في المذهب والقومية، والخشية حد الغثيان من السير وحيداً في الأزقة والشوارع الفرعية. هجرة من مكان، وتهجير إلى آخر، وسير في طرق ملتوية .... حيرة دفعت أهل العراق إلى السير بإتجاهات متناقضة، يوقد بعضهم نارا لحرق ذاته التي تكونت منذ آلاف السنين، ويصب الآخر زيتا على النار. هم الانسان في الغالب بقاءاً جسديا على قيد الحياة، من بعده الطوفان.... حيرة، آهات، هلوسات وضعتنا جميعا في دوامة التساؤل:
لماذا يحدث كل هذا؟.
ولماذا يقتل ذاك؟.
ومن وراء هذا الفعل الشائن وذاك؟
فجاء المقتطع كتابا بأبواب ثمانية بصيغة روائية، بُدلت فيها الأسماء فقط، لتجيب عن هذه التساؤلات، وغيرها الكثير في مجتمع لن ينقطع فيه وعنه السؤال، عشرات أخرى من السنين.
سعد العبيدي
شباط 2012
صفحة 2
- 1 -
خيالٌ أم شبح إنسان من الماضي البعيد، لا يمت إلى الحاضر بصلة، هذا الرجل المقبل بملابسه الرثة، وتقاسيم وجهه المعبرة عن قسوة السنين. طوله المفرط وجحوظ عينيه لافت للنظر، ووقع أقدامه الثقيل غير المتوازن على أرض الغابة يثير الريبة. توقفه المتكرر، بالتفاتة ناقصة إلى الخلف، يبقي الشك ماثلا في وجوده بهذا المكان، وفي سيره على الطريق النيسمي الضيق، وسط الأشجار والشجيرات والأحراش الكثيفة.
الطريق الذي يمر متعرجا بشكل غير نظامي، في غابة تمتد من الساحل حتى أطراف المدينة، مسافة تقترب من الخمسين كيلومترا. (دونكانسبي هيد) آخر نقطة مأهولة على مرتفعات الشمال الاسكوتلندي التي تغطى قمم جبالها الثلوج، أكثر من ستة شهور في السنة.
اقترب بحذر شديد، عيناه الجاحظتان مفتوحتان على الآخر. تراقب بتمعن لايخلو من حساب التحوط، الذي أصبح صفة تلازمه منذ أن قرر الهرب من نفسه، ومن عالم يعتقده مجنوناً. التحوط يساعد عقله المرتاب على الدوام، لتقدير المسافة التي يريد أن يبقيها آمنة بينه وبين الآخر الغريب. وقف في المواجهة حائرا، صامتا لا يتكلم، مصدوماً بالهيئة التي أمامه، وبالجسم الممدّد على العشب من دون حراك. يتنازعه الخوف من وجوده وسط الغابة، التي لا يمر في طرقها الوعرة غير الصيادين من أهل المنطقة، وموظفي الغابات المختصين بشؤونها، أو ربما يكون مستغربا من لون، وتقاسيم الوجه الشرقي الذي تفاجأ به، في منطقة لا يفكر أهل الشرق بالتقرب منها، سواء كانوا مهربي لاجئين إلى بريطانيا بلاد الأحلام، أو مستطرقين.
متشنجٌ، صنم يعود تاريخه إلى الأيام التي سبقت الاسلام بسنين. في وجهه العبوس بقايا سمرة تغطيها صفرة كونتها أمراض القهر بعمر الشباب، أو صاغتها غيابات الشمس التي لا تشرق هنا إلا بالمناسبات. يصعب الجزم والبت في الاسباب بمثل هذه المواقف المثيرة والعابرة، لأنها كثيرة ومتشعبة.
ما فائدة الجزم، وقد اختلطت جميعها في طريق الغربة الطويل، وأجوائها القاسية؟.
هذه الغربة التي يتشقق فيها الهارب من وطنه، مثل أرض العراق التي يبست وتشققت من شحة الماء. يقف كمن يتطلع من أعلى التل بيأس نافذ إلى العظم، لمنظر لا يريد له التكرار.
صفحة 3
القى السلام بلغة إنجليزية ممزوجة بلكنة أجنبية واضحة، وفي رد السلام باللغة نفسها، واللكنة تأكد أكثر من حدسه، أن صاحب الجسد الموجود أمامه عراقي على الأغلب. فتشجع في أن يتقدم خطوته الأخيرة، ليسأل بكلمات قليلة، وقبل أن يتلقى الاجابة التي أراد، أشار إلى انه سامر، عراقي من بغداد مهاجر يائس من الحياة، قذف به الحظ المنحوس خارج البلاد، ودفع به القدر المشؤوم إلى أن يكون في هذه المنطقة، يتجول تائها في غابتها التي عرف كل طرقها وأحراشها والوديان من كثرة المشي التائه فيها طوال أيام. الاطمئنان الذي لم يكن كافيا، أبقى نصفه الواعي قلقا، يتلفت يمينا وشمالاً، كمن فقد شيئا ثمينا في مشيه هذه المرة، أو تعرض لمطاردة رجال الهجرة الذين لا يقوى على التخلص من قبضتهم، إذا ما أرادوا ترحيله في الوقت الذي يشاؤون.
أخذ نفسا، أتكأ على جذع الشجرة في جلسته، حاول الظهور بمظهر السامع، القادر على التواصل، فلم يستمر طويلا، بعد أن شعر بتدافع الكلمات في ذاكرته المليئة بالانفعالات، فعرّج على موضوع النحس الذي رافقه، يوم مقتل عائلته ذبحا حتى وصوله إلى هذه البلاد التي أرادها مكانا جديدا، لأحلام من نوع آخر. وجد الجو ملائما للبوح بالمكبوت، فبدأه متسلسلا حسب تدافع الكلمات التي تحاول الخروج من دون سيطرة منه. تذكر بداية مشواره مائدة الافطار الأخيرة التي أعدت قبل الذبح، رمضانية خاصة، صنوف متعددة، أنجزتهـا الوالدة الدكتورة سامرة لكي يكون فطورا مميزا في اليوم الذي تبقى لهم في العامرية، بعد أن تأكدت من أن إيجار البيت الصغير في منطقة الجادرية أصبح واقعا، حققه الزوج سبيلا للخروج من دوامة الخوف التي تبتلعها وباقي أفراد الأسرة ليلا وفي النهار. الانتقال إليه متاح في صباح الغد الباكر. أملٌ انتظرته ثلاثة شهور متصلة، حسبت وقعها البطيء ثلاث سنين. لا تفكر ببيتها الذي ستتركه لمن يحتله، سواء كان مُهجرا من احدى مناطق بغداد، التي أستشرى فيها التهجير، أو (قفاص) يتصيد في هذه الأيام التي تصلح (للقفص) بأجوائها الملبدة بالهموم، ولا يهم إذا ما استخدم مقرا لإدارة أعمال الإرهاب المنظم، كأسوأ إحتمال.
لا تريد أن تَحسُب بقايا الاثاث الذي لا ينفع نقله إلى البيت الجديد خسارة. مشغولة فقط بإتمام المائدة كما أرادت أن تكون متميزة، لهذا اليوم الذي عدته وباقي أفراد الأسرة الأخير. ببيتها الذي أنشأته مملكة خاصة، قد تعود إليه بعد انقشاع الغيمة المؤقتة. تحمد الله وتشكره على تحقيق الأمل الذي أرادت. تُكَرر مع نفسها (هذا اليوم سننام جميعا بلا أرق من خشية العيش بالعامرية، وأيامنا في الجادرية ستكون بأمان. لن أقلق على البنات في الطريق إلى الجامعة، ولا على سامر حتى لو عاد إلى البيت بعد الساعة الثانية عشرة ليلا. الله كم هو جميل أن تتحقق الأحلام وسط عثرات الكوابيس).
صفحة 4
رائحة الأصناف المتعددة للطعام تختلط مع بعضها، حتى لم يعد الصائم قادرا على تمييز أي صنف يكون الأحسن، وأي نوع هو الأشهى، ليبدأ به أولا، بعد خمس دقائق فقط، موعد المدفع التقليدي للافطار. تلاوة آيات من الذكر الحكيم مسجلة بصوت عبد الباسط عبد الصمد، تبثها الفضائية العراقية منذ نصف ساعة، تعطي المكان قدرا من الهدوء والخشية. المطبخ القريب لا يسع الأم الحنون، والاستاذة الجامعية المقتدرة، وهي تعطي التوجيهات المتكررة، للآنسة منى المتكاسلة بنقل الجاهز منه الى الطاولة الموجودة في غرفة الطعام، بسبب دلعها المفرط، وانخفاض مقدار السكر في الدم بعد يوم صيام طويل.
واقفة تتأمل السماء، وهي تنتظر اللحظات الأخيرة لوضع حساء العدس في أربعة صحون، لأفراد الأسرة الأربعة. جميعهم صيام. لا تقترب من شذى، ولا تعترض على عدم مشاركتها في استعدادات الطبخ والتقديم، كذلك لا تعلق على شدة انهماكها في مراجعة الموضوع المطلوب لامتحان مادة التشريح قبل دقائق من الفطور.
تقدر حالة الزوج، المتعب من الصيام في جو حار، والمشغول بمسألة الانتقال الى البيت الجديد، وبسيارة الحمل، التي يخشى أن يتأخر سائقها عن الحضور في موعده الساعة العاشرة صباح الغد، تأسيسا على الاتفاق الذي تم معه ظهر هذا اليوم وحسب عنوان البيت الذي ثبته بورقة أعطاها له أثناء الاتفاق، للبدء بنقل المفيد من الأثاث، أو أن يغفل هذا السائق الذي لم يعرفه من قبل، عن اصطحاب العمال الذين أخذ على عاتقه، جلبهم معه من المسطر القريب من الكنيسة، للمساعدة في التحميل والتفريغ، من البيت الحالي إلى البيت المستأجر.
الهدوء في الدقائق التي تسبق الأذان واقع بشكل عام، إلا من أوامر متفرقة تصدرها الأم، حول الترتيبات النهائية لتوزيع الطعام، وتأوهات منى، وشكواها من الاستغلال المقصود لحالها هذا اليوم، وترك شذى، مشغولة بالقراءة طوال اليوم، والالحاح على تشغيل المولدة الموجودة في الحديقة، بغية الحصول على نسمة هواء من مروحة منضدية اعتادوا تشغيلها عند انقطاع الكهرباء.
هدوء، أوامر، مشاكسات، ضحكات الوقت ذاته الذي يجلس فيه ستة أشخاص مسلحين من أحد تنظيمات الجهاد الاسلامي، في سيارة نيسان باترول، بلون أبيض، لا تحمل أرقاما. تقف في الجانب الآخر من الشارع، على بعد خمسين مترا من البيت. يراجع من فيها خطتهم المعتمدة من أمير المنطقة الـمُنَصبْ حديثا. يحسبون توزيع الأدوار بقيادته شخصيا، لاقتحام البيت قبل الشروع بتناول الافطار. يستعجلون التنفيذ (لابد أن يتم قبل تناول الافطار، ليغادر المستهدفون دنياهم جياعا).
صفحة 5
الساعة تجاوزت الخامسة بقليل، لم يبق على أذان المغرب إلا دقائق معدودات، في جو صيفي يستمر حارا، وإن تداخلَ مع الخريف، يحتاج خلاله البيت إلى تبريد، والكهرباء لا أثر لها، لا يمكن تشغيل التبريد. شذى اليائسة من عودة الكهرباء، تعاود الالحاح على تشغيل المولدة، وربط المروحة المنضدية في غرفة الطعام.... إلحاح يستسلم الوالد لتكراره، ولأوامر الوالدة حول الموضوع نفسه، فيشير إلى سامر الذي يتنقل بين المطبخ والصالة من دون عمل مفيد بالصعود إلى المخزن، بغية جلب السلك الكهربائي الخاص بالتوصيل، وتشغيل المولدة (لابد من أن يتم التشغيل قبل حلول الافطار ليتناولوه وجبة مميزة بارتياح).
المخزن الذي يحوي السلك المطلوب في الطابق الثاني، يحوي كذلك جميع العدد، واللوازم المطلوبة لإدامة البيت. مبعثر بعضها، ومرتب بعضها الآخر على رفوف نظامية، وطبقة من الخشب، تجعل نصفه مقسما على طابقين، تشرف بابه على غرفة الجلوس بزاوية رؤية عريضة، وشباكه الصغير يطل على ممر خلفي، يفصل بينه وبين الجيران.
في هذا المخزن العتيق أكثر من سلك للتوصيل، متشابكة بطريقة فوضوية مثل وشيعة غزل تاه رأسها كما تضرب في ذلك الأمثال، تحتاج إلى فك تشابكها، واختيار الأطول منها لعمل التوصيل المطلوب بغرفة الطعام، مع التحويلة الخاصة بالخط القادم من المولدة، وسامر لا يجيد فك الاشتباك. الأستعجال صفة تغلب على سلوكه المعتاد، في مواقف تحتاج الى السرعة في الانجاز، والعد التنازلي للفطور بدأ، وأي تأخير سيغضب الوالد، وسيعيد الاتهام بالكسل والتراخي، لكن الاستعجال ومحاولة تجنب الغضب يضاعفان الوقت المطلوب لفك الاشتباك، ويزيدان من فسحة التأخير. يحاول جاهدا أن يستبق كل الاحتمالات الواردة، ويخفف من أثر التأخير، بتوجيه اللوم إلى منى التي وضعت التوصيلة في المخزن اللعين آخر مرة، وبصوت يسمعه الجالسون بالصالة. توقف عن اطلاق اللوم بعد أن حصل على المطلوب، موجها الكلام إلى نفسه دون أن يسمعه أحد من الجالسين (الحمد لله لم يتكلم الوالد إلى الآن). يهم بالخروج فرحا بالانجاز العظيم. يوقفه في مكانه وسط المخزن صوت مطرقة ضخم، يأتي من ضرب باب الصالة، كأنه صوت إنفجار قنبلة يدوية هجومية، يعقبه صوت تكسر زجاج الشباك المطل على الحديقة الأمامية.
صفحة 6
إرتعب وإن لم يميز الأسباب. وقبل أن يفيق من نوبة رعبه نَفذَ شخص ملثم من الفتحة التي أحدثها الكسر. طويل القامة، كأنه محارب من الفايكنغ، يحمل بندقية كلاشنكوف بأخمص يطوى بدلا من السيف المعهود، يوجه فوهتها إلى الحضور. يدخل آخر بالتوقيت نفسه من الباب التي فتحت من أول ضربة. متوسط القامة، نحيف مثل عدائي المسافات الطويلة، يحمل سيفا بدلا من الشعلة الاولمبية، يلوح به مثلما يفعل المسلمون الأوائل في معاركهم مع الكفار، يخلع لثاما كان يغطي وجهه المحمر بلون الدماء التي تدفقت إليه من فرط الشعور بالغبطة. عيناه تلتمعان ببريق غريب، مثل عيون قطة محبوسة في قفص حديد محكم الأقفال، وقد تجسدت في داخلها كل مثيرات الغل والكراهية. يتبعه إثنان يحملان مسدسات وذخيرة محزمة بها خصورهم، يخلعان اللثام بعد أن شرع هو بخلعه في أول خطوة أجتاز بها الباب. أحدهما ممتلئ، أسمر داكن البشرة، أجعد الشعر، سوداني الأصل على الأغلب، والآخر شاب أبيض بسمرة خفيفة، لم يكتمل نمو جسمه، ولا شعر لحيته التي ظهرت على ذقنه شعيرات متفرقة، لايزيد عمره بأي حال من الأحوال عن السادسة عشرة عاما. هيئته العامة توحي أنه عراقي من بغداد.
تفرق الثلاثة على الزوايا الحاكمة في الصالة والمطبخ فور دخولهم، بإشارات من أميرهم الرابع حامل السيف، الواقف بمواجهة الأب الدكتور المذهول، وهو يحاول النهوض من مكانه كرد فعل غريزي أولي، فيحصل من السياف على أمر فوري حازم بالجلوس في نفس المكان، وهو ينتقل بعينه من مكان إلى آخر في البيت، بتركيز كمن يعرف خباياه، أو يتوقع رد فعل غير محسوب. تقدم خطوة إلى الأمام (كُفارْ، زنادقة، عملاء، جاء يومكم) يزداد صوته حدة، ورخامة مع كل كلمة تقال، يتصور نفسه عند نطقها قائدا للميمنة في جيش خالد بن الوليد في صدر الاسلام، أو الميسرة مع طارق بن زياد في عبوره البحر، متجها صوب الأرض الاندلسية.
المخزن بدأ يصغر ويتقلص ويضيق، وتقترب الجدران منه حتى يكاد يطبق بحيطانه وبما فيه من مواد، أو إن الجسم الناصح تضخم، حتى لم يعد يسعه المكان، والرأس تورم من الدم الذي تدفق إليه فجأة من شدة الخوف، وسرعة ضربات القلب التي تضاعفت عدة مرات.
أهكذا هو الموت؟.
إحساس بالضيق من المكان، عتمة شديدة، عرق يتصبب، وحشة عميقة، طيش يرفع الجسم في الهواء. لم يفكر من قبل بشكل الموت الذي يحس بدنوه الآن، وبشل القدرة على التفكير، والخدر الذي يسري في الجسم بادئا بالرأس متجها إلى أخمص القدمين.
الساقان الطويلتان غير قادرتين على حمل هذا الجسم الواقف قريبا من الباب. غصة في الحلق لا تخرج خوفا من افتضاح الأمر. دوار وألم وعدم قدرة على الثبات تقربه من الموت المرعب. تمنعه من أن يمسك الفأس المركونة على الرف القريب، والهجوم بها على الارهابين المنتشرين في الصالة كما تمنى في هذه اللحظة الحرجة.
صفحة 7
فأس مقابل مسدس، وجسم يقترب منه الموت مقابل بندقية، غير معقول، وإغماءة قد تجنبه الموت خوفا، ستوقعه في الفخ المنصوب للموت عمدا.
النفس الخائرة تناجي أناها الواعية (لابد من الصمود، بل والهرب، حتى لو تبين ما يحصل غير حقيقي، أو ضربا من الجنون، كما تنبئ مجسات الشعور المضطربة). لا شيء يستعان به لتفادي السقوط على أرضية المخزن التي تتبعثر عليها الأشياء، سوى الاتكاء على الحائط، وتَحسسهُ باليد التي لا تمسك فأسا ولا تقوى على رد الباب. عمل سريع يمكن أن يعيد الوعي، وينهي حالة التشوش الحاصلة في الادراك البصري والسمعي هو الهرب، لابد منه تحديا لهؤلاء الداخلين عنوة إلى البيت في وقت الأفطار.
المحاولة الأولى تفشل لعدم مطاوعة الساقين، اللتين بقيتا مسمرتين في المكان، إلا من ارتجاف كاد يسقط الأدوات الموجودة على الرفوف ويفشل أمر الهرب.
موقف خذلان صعب يعيد الخائب إلى الطفولة..... نكوص إلى مراحلها المتأخرة، مفيد في حسم الصراع الحاصل بين الرغبتين المتناقضتين (الموت بالهجوم على الداخلين بفأس، مقابل النجاة بالهرب من الموقف مثل قط يلاحقه كلب مسعور).
العقل الطفولي يحسم كثيرا من الاشكالات في كثير من المواقف، وإن كانت بعض توجهات الحسم نوعا من الجنون، يدفعه هذه المرة إلى التفتيش في المخزن عن مكان يمكن فيه الاختباء، كما كان يجري في اللعب مع الوالد، والبنات قبل أكثر من خمسة عشر عاما، لكن المخزن اليوم قد أمتلأ بالقديم من الأدوات والجديد منها، وضاق كثيرا عما كان عليه أيام اللعب، والزمن قد تغير، لم يعد فيه مجال للعب في مواقف الاغتيال، وحجم الجسم قد تضخم بما لا يساعد على الاختباء.
الوقت يمر حرجا، ولا مجال للتدقيق في الأفكار، فيتجه العقل الطفولي نحو الشباك الصغير في الركن المقابل لباب المخزن، المؤدي إلى الممر الخلفي للدار، سبق وأنْ أستخدم في لعبة الأختباء، أيام الطفولة، لكن كتيبة حديدية وضعت لتغطيته من الخارج بدافع الحيلولة دون تسلل السراق منه إلى داخل البيت، تزيد من التعقيد، وقد تفشل خطة الهرب.
زادت العتمة، وإقتربت الجدران ناحيته، أكثر فأكثر، خشي أن ينغلق عليه التابوت، ولم يبق أحد من الأسرة يواري عليه التراب، سمع بملأ أذنين صاغيتين، أوامر تفتيش كل شبر من البيت. لا يدري كيف قفز حافيا؟.
صفحة 8
كيف وصل إلى الشباك؟.
وكيف دفع الحديد الذي صَديءَ من ملامسته مياه الأمطار؟. الذي يدريه فقط، أن جسمه قليل الشحم، تقلص مثل الاسفنج، أحس في لحظتها أنه يخلو تماما من العظام. قوة غريبة فعلت كل هذا بلحظة زمن لا تقاس. لم يعرف مصدرها حتى الآن، فاستسهل عزوها إلى الله، والقسمة المحتومة بالنجاة. ثوان لا يتذكر في أثنائها تفاصيل مئات الحركات، والمحاولات المتعاقبة، حتى أصبح، خارج الشباك، خطوة هي الأهم باتجاه الخلاص، بضمنها رد الشباك قريبا من وضعه السابق، وسحب علبة كارتون فارغة لفرن كهربائي تم شراؤه قبل شهور من الآن، لتغطي الواجهة من الأمام.
اللحظات تمر وكأنها السنون، صراخ يعلو الصالة، وصمت أب مذهول، يدفع إلى الاستعجال دون الدخول بالتفاصيل، الموقف صعب لا أمل فيه بإكمال فكرة الهرب إلى خارج البيت الذي قد يكون مطوقا من آخرين، عادة ما يضعهم أصحاب هكذا أعمال لأغراض إحكام التطويق والحماية، وللحصول على نوع من التنبيه، ولا أمل كذلك في النزول على الجيران، الذين أقاموا جدارا يفصلهم عن البيت وزادوا من أرتفاعه حتى لا يمكن تسلقه أو القفز من فوقه. ثم إن الهرب بعيدا عن البيت سيكون أكثر إيلاما من البقاء فيه، قريبا من أحداثه، للمشاركة بالألم على أقل تقدير. سطح الدار هو الخيار الذي يؤمن المطلوب، هروب في غير هروب، أو نجاة من الموت، وموت منقوص طوال الحياة، حالة يمكن للمرأ بلوغ مطلبها ُبالقفز من على الحافة الاسمنتية العليا للشباك إلى حائطه الذي يعزل السطح، كما كان يحصل تماما أيام المراهقة، فجرى تنفيذه بنفس سرعة الخروج، وأنتهى الحال أستلقاء على بلاطه الاسمنتي الذي يحتفظ حتى هذه الساعة بحرارة النهار.
جثة تتنفس، وعيون تستجدي العون من السماء، قريبا من شباك التهوية الوحيد، الذي يطل على الصالة بزاوية ضيقة. بقايا الخوف تُقَيّد الحركة، وتشل التفكير، كل نواحي التفكير، إلا من فعل الاستماع لما يجري، والتلصص بعين واحدة على بعض ما يجري، بانتظار المصير.
الشمس في وقت العصر بهذه الغابة تخفت أشعتها، بقاياها تصل المتمدد على العشب يسمع بهدوء وانتباه من أفق بعيد لا يراه، وكذلك من يتكأ بجسمه على جذع الشجرة بوضع الاضطراب، يريد ان يستمر في الكلام. إنكسارات ضوئها تلاشت تماما، بمرور الغيمة الباهتة قريبا من أعلى الأشجار. لفحة هواء شديدة تحرك فروع الأشجار. جميعها لم تثر إهتمام الراغب باخراج المكبوت، ولم توقف سبل استرساله في وصف المأساة. استمر في عرض بعض التفاصيل الخاصة بقفزه من على حائط السطح، وجرح صدره أثناء التدلي منه، وكأنه يريد من عرضه هذا تغطية شعور بالدونية نما داخله بعد الهرب، وَترك الأسرة تُقتل بدم بارد.
صفحة 9
ألم يكن الامير الغازي يريده هو ونادى بإسمه هو؟.
لو كان قد أمتلك الشجاعة الكافية، وظهر من مخبئه، وتحداه أو أستعطف ما بقي من صداقة كانت بينهما، لأمكن عتق رقاب الأسرة، والاقتناع بالقصاص منه فقط.(إحتمال وارد في بعض الأحيان).
عدّلَ جلسته التي تغيرت مرارا من شدة التحرك في المكان. تناول منديلا مسح به العرق المتصبب فوق حاجبيه، نظر إلى غيمة في الاعلى رسمت دوائر فوق وجهه الذي تغير لونه إلى الأصفر المزرق. أرتجفت عضلات وجنتيه كأنه يعيش الموقف ذاته من جديد. حاول أن يبقى متماسكا، لكن أحشاءه من الداخل تتقلص بشكل مخيف، جعلته يتلوى مثل أفعى كشفها ضوء الشمس في إنسيابه بين الأشجار. ومع هذا أصر على الاستمرار بالكلام مدفوعا بقوة من داخله لا يستطيع مقاومتها.
قائد المجموعة الواقف منتصبا وسط الصالة، يأمر بغلق القناة الفضائية التي يصدح فيها صوت الأذان، معلنا حلول وقت الأفطار، مستمرا في وضعية إعطاء الأوامر والتوجيهات. صوته الواضح، لم يكن غريبا، وكذلك وقفته التي جاءت بنفس المكان الذي وقف عليه عبد الجليل، قبل عشر سنين، ماسكا قصيدة فخر للمتنبي، ألقى بعض أبياتها على صديقه القريب، متصورا أن آلاف الشابات تستمع إليه بإمعان. إنه فعلا عبد الجليل.
لقد أعاد الصوت القادم من وسط الصالة بعضاً من الوعي الذي شتته صدمة الدخول الى البيت، وحالة الهرب من شباك المخزن. (يا إلهي إن هذا الصوت، طالما سمعه وحاججه وناقشه، إنه صوت عبد الجليل). زميل الطفولة الذي رافق الحقبة الزمنية من المدرسة الابتدائية حتى الثالث المتوسط. نعم إنه هو الذي سكن في أول الشارع، وغادر مع الأسرة إلى مكان مجهول أيام الهجرة إلى سوريا.
إنه الذي كان يصلي مع مجموعة من الزملاء في جامع ملوكي بشارع المضيف القريب، بداية مرحلة المراهقة التي نقلت مجموعتهم الى اجواء التدين. هذا غير معقول!.
لا توجد عداوة تدفعه لارتكاب هذا الاثم، ولا الوالد أحد شاربي الخمور الذي طلب مشاركته ضرب أحدهم في تلك الايام التي تزخر بطاقة التطرف، المهندس المعروف بسمعته الطيبة في المنطقة، أسامة الشيخلي، عندما كان عائدا من النادي ليلا، وهما جالسان معا على الرصيف. كان طلبا مرعبا مازالت تفاصيله مطبوعة في الذاكرة، وما زال توجيه الاتهام بالجبن، إثر رفض المساعدة بالاعتداء مطبوعا أيضا، وكذلك الحجة التي أتخذت في حينه للتبرير (لسنا المعنيين بتطبيق الشريعة الاسلامية).
صفحة 10
هل يعقل أنه لم ينس هذا؟.
وهل يعقل أنه جاء الآن إلى الإنتقام، لهذا السبب فقط؟.
أم أن هناك أسبابا أخرى، تصعب معرفتها؟.
ربما تكون مزحة من مزحه التي كان يهوى إيقاع الزملاء بها أيام زمان.
لكن أسلوبه وتهديده وتهجمه، وشكله المنفعل لا يوحي بأن ما يحدث مزحة، ولا هو ضرب من الخيال.
لماذا يحصل كل هذا إذن؟.
نعم إنه عبد الجليل، الذي يمتلك شهوة عارمة للايذاء، يأمر أتباعه المجاهدين، أو مدعي الجهاد كما هو المصطلح الشائع الآن. لا مجال للتدقيق في التسميات بالنسبة لمن يكون مطروحا على سطح البيت، يتمنى الموت، في الوقت الذي يسعى فيه إلى البقاء. يأمرهم، وهم ينفذون من دون تردد أو نقاش.
الجلوس قرب الشباك المطل على الصالة لابد منه، لإن الوقوف على ساقين غير قادرتين على حمل الجسم الثقيل أمر مستحيل، لكن الاستمرار به يحول دون إتمام المتابعة كما هو مرغوب، وبدلا من الاستمرار، سيكون الجثو على الركبتين حلا يفي بالغرض، خصوصا وإن الألم الذي عادة ما يصاحب القائمين بمثل هذه الحركة أصبح غير موجود، والعقل الذي يتحكم به كذلك غير موجود.
يعود صوت عبد الجليل ليملأ المكان، ويثير الاشمئزاز. (فتشوا غرف البيت، كل زواياه، حتى تجدوه، وتجلبوه أمامي على الفور) بعد أن رد الوالد على سؤال، أكدت إجابته أن سامر قد خرج قبل دقائق إلى محل قريب لشراء عصير، لتناوله في الفطور.
منى الوديعة الهادئة المشاكسة، جلست مذعورة جنب شذى القوية الواثقة من نفسها، تنظران إلى ما يجري بعيون يملؤها الشك الموجود في العالم كله. تتبادلان التحديق مع أب تحاول عيناه أن لا تدمع ضعفا، في موقف الملاواة غير المتكافئ، ومع عيني عبد الجليل، اللتين يتركز فيهما الحقد الغائر نحو الجميع، بعد أن غمره شعور بالكبرياء، والفخر في أن تكون عائلة سامر تحت رحمته الآن.