eKtab
EN ع
جسر على وادي الرماد
اقرأ عينة مجانية

جسر على وادي الرماد

بقلم د. ذو النون يونس مصطفى الأطرقجي

صفحة 1
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،
 
أما الوادي فهو رماد أوراق أعمار الحيارى اللاهبة في سيل التيه اللائب ولربما أشار إلى حرائق الوطن ورماده..، وأما ضفتا الوادي فشاطتا إيمان، إيمان شاب وإيمان كهل، والجسر محاولة وصل ما قطع وادي التيه بينهما من آصرة لفحتها النيران، وتركت فيها ندوبا تستعصي على النسيان، ومحاولة للاستعلاء على كيد الشيطان واللواذ بمغفرة الرحمان، سموا على حريق الروح ونزيف الفكر اللذين خلفا رمادا شعريا سال متتابعا في أوراق: (الترجل عن صهوة البراق، فارتسامات اُولى لوجه البحر، فحجر الحكمة) وربما في أوراق أخرى دفينة أو شتيتة، ولربما المح الجسر إلى وسيلة إنقاذ وعبور على وادي الحرائق والرماد،وإحدى محطات الضفة الأولى حوار مضمخ بحب وعتاب إلى رمز الشعر الإسلامي في العراق ورائده وليد الأعظمي رحمه الله، في لقاءاتنا في سنوات الستينات الأول في بغداد، عتاب يسأله أن يبذل من الجهد باتجاهَي التأصيل والتجديد (لاسيما التجديد) ما يكافئ قدره الذي كتبه الله له: شاعر الدعوة الإسلامية الأول، وكان الألم يعتصرنا معا: يشكو هو من ضيق عيش وبيت وشح وقت، وأشكو أنا لين آلة، وغبش رؤيا، وضباب طموح يتضح في مقدمة حالمة كتبتها لديواني الأول (أول الطريق) الذي ظل مخطوطاً، أثبتها كما هي أمانة لتاريخ فني فيه عيوب التجارب الأولى كما أشار بوضوح أخي الأستاذ الدكتور فاضل صالح السامرائي بارك الله في عمره، في مقدمته التي تعلن عن تجربة شعرية غضة تأخذ حظها الأوفى من التقليد، وتتشوف أحياناً إلى الجديد.
 
وكان الأخ الكريم فاضل السامرائي محطتي الثانية على الضفة الأولى، محطة حافزة مقلقة، إذ هجر الشعر بذريعة أن العصر الأدبي – أي عصر – لن يترك في ذاكرته من أسماء الشعراء الكبار إلا ما يعد على أصابع اليد الواحدة فأولى بمن يطمح إلى الصدارة في الأمور، أن يدع سبيلاً محفوفة بالمخاطر والشكوك إلى سبيل واضحة موصلة، ولكن هيهات أيها الأخ العزيز فبذرة الشعر قد نبتت في الأعماق، وما لا يدرك كله لا يترك ما يدرك منه، وإن كان الزاد وشَلاً في الموهبة، وضعفا في الأداة، وإصراراً ودعاءً إلى الله بالتسديد.
 
وها أنا أثبت بشجاعة غادرها التواضع مقدمتينا القديمتين مشفوعتين بقصائدي الصبية، مالها وما عليها مؤرخة لمرحلة من الدعوة والفن.. وبعد ما يقارب نصف القرن، مازال السؤال المفارقة يلم بي: أقدر على جموح الشكل الفني أن يكون وليد جموح الروح والفكر، وأن تستنبت ثوابت الفكر ثوابت الشكل؟ كما بدا في العديد من قصائدي ومن قصائد إخواني شعراء الدعوة الإسلامية؟
صفحة 2
أقدر على شعراء الإسلام – بل على كل أدبائه وفنانيه – أن يعانوا الموازنة الصعبة بين ما هو فكر وما هو فن، وأن تبقى الموازنة قلقة تترجح بهم بين إفراط وتفريط، بين جمهور يطلب اللغة المتداولة والمعنى البسيط والصورة المألوفة، ومتعة فن يستدعي خيالاً قد يشتط ويجلب من الأدوات والصور ما هو أهل للتوظيف، أو ما هو مفتاح خارج عن التأهيل والتصنيف.
 
وإذا كان من الحق أن الشعر لا يصنع بالفكر وحده، فمن الحق أيضاً أن شعراً حقيقياً لا ينبت إلا على أرض من فكر عميق أو قضية مهمة – إذا توافرت الموهبة – فمن لنا بمن يستطيع تحديد منتصف العصا؟
 
ومن لنا بمن يستطيع السير على حبل (السيرك) دون أن يهوي شمالا أو يمينا؟
 
وأما الضفة الأخرى (إنابة) فقد أنبتت قصائد تتلامح في عدد منها أصداء الضفة الأولى وأدواتها، بينما يلفح جمر وادي التيه ورماده عددا آخر منها، قصائد وخطها الشيب وتعب العمر، أدعو الله أن نكون زاداً لشادٍ في مدرسة الأدب الإسلامي، ونشيداً لتائب إلى الله، واستغفاراً عن فكر جمح يوماً واشتط، وعن خيال أسرني يوماً وتخبط.
 
كما أدعوه تعالى أن أكون من الشعراء (ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ) إنه كان للأوابين غفوراً.
 
د. ذو النون يونس مصطفى
 
الموصل في 25 محرم 1428هـ
 
13 شباط 2007 م
صفحة 3
الكتاب الأول أوّلُ الطريق
 
مقدمة الديوان
 
هاهو أخونا الأستاذ ذو النون يونس يطلع بباكورة إنتاجه في الشعر. وأخونا ذو النون مارس الشعر منذ ان كان طالباً في الثانوية وأنت ترى في ديوانه هذا قصائد رأى ان يدعها كما هي قدر الامكان لتدل على تطور إنتاجه. ان الذي ينظر في قصائد أخينا ذي النون يرى فيها مزيجاً من المعاني والأخيلة والألفاظ فهو شاعر حديث أحيانا قديم أخرى، مهجري مرة عباسي مرة ثانية، رمزي آنا واقعي آنا آخر، مجدد كل الجدة مقلد كل التقليد يقول الشعر العمودي ويمزج معه ما يسمى بالشعر الحر، راض عن بعضها منكر لبعضها الآخر ولكنه أبقاها كلها شاهداً على تطوره التاريخي وتطوره النفسي وتطوره الشعري. ولعلي لا أعدو الصواب إذا قلت إن شعره فيه من كل لون طرف. وقد طلبت منه أن يعيد النظر في طرف يسير منه فأبى، صادراًَ في رفضه عما ذكرت لك. وذلك حتى في قوله في قصيدة (لاجىء يتكلم):
 
لي سبع أصوات تردد عائدون
 
... وجيوشنا سبع ولكن لا رجاء
 
إن شعر الأخ ذي النون جميل ولطيف: فيه جده وطرافه، وفيه متعة تحسها وأنت تقرأ شعره، فيه خيال وأحيانا إغراب في الخيال. ومن جميل معانيه قوله في (حياة الذكرى):
 
وضج الكون بالأصداء والشكوى وكبرتا
 
ومن رائع قوله في (وحدة الكون):
 
وعلى أعين الضراعة دمعه
 
أم ترى تحرق الشعاعة شمعه
 
فوق خد الورود دمعة طل
 
أترى تأكل الشموع ألهيبا
صفحة 4
وقوله في (العندليب الغائب):
 
وافتتانا وملؤه أحداق
 
والأصيل المخضل يهتز سحرا
 
ومن طريف شعره قوله فيها:
 
في غصون الأشجار تحيا العنادل
 
أفلا يخرق النظام الأراذل
 
أي شرع يا عندليبي عليه
 
... لم تحيا على نظام حكيم
 
إن الذي يثلج الصدر هو أن يخرج في هذا البلد وفي غيره من البلدان زمرة مثقفة من أمثال أخينا ذي النون تدافع عن الإسلام بقلمها وتهب له وقتها وحياتها. ان صلتي بالأخ الشاعر ذي النون قديمة شدها الإسلام وباركها وأرجو الله أن يمد فيها حتى نلقاه على رضاه وكانت لي معه جلسات ومحاورات تتعلق بالشعر والأدب وخاصة حين أخذت على نفسي ترك الشعر اذ كانت لي نظرة خاصة في ذلك يعلمها هو جيداً ومضى هو في طريقه فكان باكورة إنتاجه هذا الذي بين يديك. إنني أبارك لأخي الأستاذ ذي النون إنتاجه هذا وأسال الله ان يمده بنبع من الشعر الإسلامي الصافي وأن يجعل من شعره وقوداً للحركة الإسلامية الناهضة انه سميع مجيب.
 
فاضل صالح السامرائي
 
16 ذو القعدة 1385
 
8 آذار 1966
صفحة 5
المقدمة
 
الشعر.. وما أدراك ما الشعر.. عالم جياش بأحيائه، وخضم صاخب بنزعاته وأهوائه. لحون تداعب السمع صاخبة او هامسة، وألوان زاهية تزخرف جدران الحياة العارية العابسة.
 
آفاق من الفكر تنداح في أبعاد غائرة، وذرى أرواح صاعدة سامية ، كل ترنيمة تملك عليك حسك تملك بها لحظات ثرة في أوقاتك الجديبة، وكل تهويمة في ظلال قصيدة تزرع في رحاب نفسك غرساً اخضر يانعاً عطشاً للحياة.
 
وما الذوق الإنساني لولا الشعر والفنون الجميلة الباقية؟ بل ما الحياة ! اذا أقفرت من معانيها المخصابة وعواطفها الجائشة؟ وأجدبت من متع الفكر والشعور؟
 
إن على عاتق الشعر وكل فن جميل يقع عبء إعادة الإنسانية إلى الإنسان في هذا العصر الذي فقد فيه الإنسان كثيراً من معاني إنسانيته.. على الشعر أن يحفظ للإنسان ذوقه حياً لئلا يتحول الإنسان إلى آلة أو بهيمة.
 
حين بدأت قصتي مع الشعر كان لي منه موسيقاه أحسها وأتذوقها في بحور ما الحياة إذ ذاك إلاّ جدران عارية صمّاء خرساء، ليس فيها من معالمها حتى ولا بوم ينعق على أطلالها الموحشة الكئيبة.
 
وما أشقى الإنسان حين يصبح رقماً في عالم الأرقام وينحدر هاوياً الى درك الآلية، محطماً روحه وفكرة وحسه، يعيش ولا يدري انه يعيش. يأكل بآلية ويعمل بآلية ويحزن ويسأم بآلية، لأنه لا يتأمل ولا يتذوق حتى الألم والسأم.
 
الشعر العربية، وأنظم الشعر موزوناً على السليقة، انصياعاً لما يسمونه الأذن الموسيقية هذه الحاسة الموسيقية وهذا الذوق يظهر أثره في اختيار البحر واللفظة عند النظم. وهو ما اسميه الموسيقى الخارجية: البحر والقافية ، والموسيقى الداخلية موسيقى الألفاظ المتناغمة التي تشكل البيت ومن ثم القصيدة. وكلما تقدم بي العمر الشعري ازداد اهتمامي بالمعنى والصورة والخيال، وحاولت في ذلك بعض المحاولات الجديدة التي سيكون لك الحكم عليها أخي القارئ.
صفحة 6
على إنني لا أكتمك والحديث بيننا صريح أنني لم أُول الصنعة أحياناً ما يجب من الاهتمام. ولقد كانت لي وما زالت تطلعات كبيرة إلى مستقبل شعري أفضل، وكثيراً ما فكرت بترك الشعر لأن ما أنظم منه لا يصل إلى آفاق تطلعاتي الشعرية وما أحلم به من مثال أعلى في الشعر العربي. وكثيراً ما اصطدم واقعي الشعري المتواضع بطموحي إلى كون شعري كبير يرفع الشعر العربي إلى آفاق عالمية. إنني احلم باليوم الذي تنجب العربية فيه شعراء كإقبال أو شكسبير أو طاغور أو هوجو أو غوته. إن العربية التي أنجبت المتنبي قديماً تستطيع أن تنجب أمثاله بكل تأكيد ولعل ذلك لا يكون بعيداً.
 
ونحن بين تراثنا الشعري الضخم وبين الوافد على ديارنا من شعر الأمم في مخاض شعري يؤذن بميلاد شعر جديد. فليكن البعث الشعري واعياً حافظاً لتراثه العريق ومنفتحاً على آفاق العالم الواسعة شرط أن لا تضيع روحنا وسمات أدبنا وأنغام بحورنا ومثلنا الأدبية الراسخة. إن بإمكاننا وبسهولة أن نغرق في طوفان من الأدب الغربي وان نولّد أدبا جديداً يعيش على ما يرفدنا به الغرب ولكن كل هذا الأدب الجديد لن يعوض خسارة بحر واحد من بحور الفراهيدي. إن لنا من تجارب امتنا ومآسي عقيدتنا ومجالي كفاحنا وجهادنا على كل صعيد، ثروة ضخمة تدعو المواهب كي تنظمها شعراً حياً رائعاً يرقى إلى مستواها وبمثل هذا الشعر سيحق لنا أن نترنم ونفاخر. وقد يرى القارئ أنني في هذه المجموعة عموماً ملتزم على طريقة من الالتزام خاصة. على أنني في هذا الميدان لا افترض رأياً مبتسراً مقتسراً في الالتزام، فالشاعر وان كان ابن عقيدته وتاريخه وبيئته إلا ان كونه شاعراً لا يلزمه بحرفية الخطيب السياسي في الأهداف والشعارات، بل يفسح له في الكون مجالي وآفاق يوقّع فيها على ما يطرب ويعجب من الأوتار. ويرسم لوحاته فناناً مبدعاً ويعرض ألوانه ساحرة خلابة..
 
ليكن الشاعر ملتزماً ولكن ليكن من قبل ومن بعد شاعراً وفناناً.
 
ذو النون
 
الموصل في 5 \ 3 \1966
صفحة 7
مـن بواكـير الكفـاح
 
قصيدة من وراء القضبان، من بين الحديد ومن وراء قضبان الزنزانات والأستار ومن قلب مؤمن كبير وعقل فذ سجين. وصلت هذه القصيدة رغم كل شيء. ولعل الجمع يعرف صاحب ظلال هذه الروح الصاعدة الفياضة. ونحن نهديها لشعراء دعوة الإسلام لعلهم يبعثون لنا جواباً عليها نفحة قلوب وتحية إخوان:
 
أخي أنت حر وراء السدودْ
 
إذا كنت بالله مستعصماً
 
أخي ستبيد جيوش الظلام
 
أخي قد أصابك سهم ذليل
 
سيبتر يوماً فصبر جميل
 
أخي قد سرت من يديك الدماء
 
سترفع قربانها للسماء
 
أخي هل تراك سئمت الكفاح
 
فمن للضحايا يواسي الجراح
 
أخي هل سمعت انين التراب
 
تمزق أحشاءها بالحراب
 
أخي انني اليوم صلب المراس
 
غداً سأشيح بفأس الخلاص
 
أخي ان ذرفت عليّ الدموع
 
فأوقد لهم من رفاتي الشموع
 
أخي ان نمت نلق أحبابنا
صفحة 8
وأطيارها رفرفت حولنا
 
اخي إنني ما سئمت الكفاح
 
وان طوقتني جيوش الظلام
 
وإني على ثقة من طريقي
 
فانْ عافني السوق او عقني
 
فان أنا مت فاني شهيد
 
أخي أخذوك على أثرنا
 
قد اختارني الله في دعوته
 
فمنا الذين قضوا نحبهم
 
أخي فامض لا تلتفت للوراء
 
ولا تلتفت هاهنا او هناك
 
فلسنا بطير مهيض الجناح
 
واني لأسمع صوت الدماء
 
سأثار لكن لرب ودين
 
فإما الى النصر فوق الأنام
 
أخي أنت حر بتلك القيودْ
 
فماذا يضيرك كيد العبيد
 
ويشرق في الكون فجر جديد
 
وغدراً رماك ذراع كليل
 
ولن يرم بعد عرين الاسود
 
أبت أن تشل بقيد الاماء
 
مخضبة بوسام الخلود
صفحة 9
وألقيت عن كاهليك السلاح
 
ويرفع رايتها من جديد
 
تدك حصاه جيوش الخراب
 
وتصفعه وهو صلب عنيد
 
ادق صخور الجبال الرواسي
 
رؤوس الافاعي الى أن تبيد
 
وبللت قبري بها في خشوع
 
وسيروا بها نحو مجد تليد
 
فروضات ربي أعدت لنا
 
فطوبى لنا في ديار الخلود
 
ولا أنا ألقيت عني السلاح
 
فاني على ثقة بالصباح
 
الى الله رب السنا والشروق
 
فاني أمين لعهدي الوثيق
 
وأنت ستمضي بنصر مجيد
 
وفوج على أثر فوج جديد
 
وأنا سأمضي على سنته
 
ومنا الحفيظ على ذمته
 
طريقك قد خضبته الدماء
 
ولا تتطلع لغير السماء
 
ولن نستذل ولن نستباح
 
قوياً ينادي الكفاح الكفاح
 
وامضي على سنتي في يقين
 
وإما إلى الله في الخالدين
صفحة 10
تحــيّة كفـــاح1
 
أخي سوف تبكي عليك العيونْ
 
فإن جف دمعي سيبكي الغمام
 
أخي إن تمت فستحيا بنا
 
فتمرح مهما احتوتك القيود
 
أخي قد مضى ستة بالمثل
 
فان ذقت انت صنوف العذاب
 
أخي عند ذكرك تجري الدموع
 
وتذوى بليل الأسى كالشموع
 
أخي انت مصباح هذي الحياة
 
فاشعل لها في الظلام الظلوم
 
أخي مالنا لسكوت سبيل
 
وحقك ينشد في كل سمع:
 
أخي ستنير الدماء الظلام
 
فيا سحب غطي شعاع الهلال
 
أخي اننا ما أسأنا الظنون
 
فماذا تروم لديك الخطوب
 
أخي ما يريدون من مؤمن
 
هلمي ايا حادثات الزمان
 
أخي لن ننام وتحيي السهاد