eKtab
EN ع
جيل دولوز - سياسات الرغبة
اقرأ عينة مجانية

جيل دولوز - سياسات الرغبة

بقلم د. أحمد عبد الحليم عطية

صفحة 1
جيل دولوز فى العربية

أ.د. أحمد عبد الحليم عطية

تكمن القوة الكبيرة في فكر دولوز في العودة إلى الحدث، والتى شدد عليها فوكو. كما كتب محمد ميلاد، فقد استرجع الحدث قوته الخاصة أخيراً وانتزع من الفلسفة الوضعية المحدثة، من الفينومينولوجيا، من فلسفة التاريخ، من كمال العالم، من الأنا، من الله. يرسم الحدث الفكر ويتخلص من الجدلية والنفي والتناقض فيصبح إيجابية، كثافة، خط كسر وحياة. إنه جسدي وغير مسمى، حاضر وفريد في الوقت نفسه. فمن ألف سطح، 1980 حتى الطية - لايبنتز والباروكي، 1988، مروراً بباكون والسينما وفوكو، تدفع رؤية دولوز - التى طالما كانت خاضعة لنوع من المخيال المنطقي: الاختلاف والإعادة، 1968، منطق المعنى، 1973، أو الاجتماعي-السياسي أوديب مضاداً، 1972 - تدفع الأشياء إلى ما هو أبعد، وقد توصلت بذلك إلى إحداث أمرٍ عجيبٍ؛ أي فلسفة لا تترك أي مكان للنقصان وهي في الوقت نفسه وصف حقيقي للعالم.

وفلسفته عند فتحي التريكي رحيلة وشريدة لا تعترف بموطن خاص ولا بمقر محدد، فيها تتحرر الأفكار والخيالات الهائمة والرغبات والإبداعات وتتفجر التعابير الإنسانية المختلفة والتجارب الجمالية والممارسات الخطابية.

وعندما يقول فلسفة شريدة فهو يؤكد ضياع مركزية الذات مثلاً، تلك التى قد جعلت منها الفلسفة الكلاسيكية محور الوجود والفكر. فدولوز لا يعتبرها مصدر الأفكار والقرارات والأعمال بل يرى أنها تدخل ضمن تعددية التمظهر ولا تكون وحدتها إلّا في صيرورتها من حيث هي ذات في ذات الإقبال المتصلة بالممارسات.

وقد كتب ويليام إ. كونولي "جيل دولوز الفيلسوف العرّاف" يقول: "في سياق التفكير السياسي الإنكلو-أميركي، غالباً ما يمجد جيل دولوز أو يدان كفيلسوف جريء للتحول الذي يفاجىء بظهوره وسط الأشياء. وهذه القراءة ليست خاطئة، لكنها تهمل أو تقلل من أهمية دولوز كصورة حديثة للعرّاف، الذى يلحّ باستمرار وببعد نظر، على لحظات التقاطع، والذي يحاول الإحاطة بالإمكانات الخطيرة أو الإيجابية لما يلمع في أفق الماضي أو المستقبل، ويشكل كذلك اليقين الموضوعي للحظة. فلدينا المفكر كعرّاف، والفيلسوف كمناضل: هذه المهام مرتبطة فيما بينها بالرغم من كونها، أيضاً، في توتر متبادل".

وسنشير بإيجاز في هذا التقديم إلى صورة دولوز في الفكر العربي المعاصر. الفيلسوف الفرنسي المعاصر الذي لم يحظَ بما يليق بجهوده من اهتمام المفكرين والمثقفين العرب إلّا في السنتين الأخيرتين حيث زادت الدراسات حول عمله.

فما هي صورة دولوز في الثقافة العربية؟ ماذا عرف العرب من أعماله، وما ترجم منها إلى العربية وما لم يترجم؟ وفي أي سياق ترجمت أعماله إلى العربية وكيف قدمت؟ وهل ما عرف عنه يعطي صورة واضحة لجهوده الفلسفية؟ ولماذا لم يحقق مثل زملائه ميشيل فوكو وجاك دريدا من فلاسفة ما بعد الحداثة حضوراً على الساحة الدولية والعربية؟ ثم لماذا علينا أن نهتم بهذا الفيلسوف ونحتفي بتداول أعماله ذات الأهمية الفلسفية المتميزة؟.

ربما لا نستطيع هنا في هذه الإشارة الوجيزة، إعطاء صورة كاملة عن حضوره في الفكر العربي المعاصر، لكنها على الأقل تحدد الملامح العامة لهذا الحضور. سنعرض، أولاً، لأعماله المترجمة إلى اللغة العربية سواءً أكانت كتباً أو مقالات أو فصولاً في كتب، ثم ما ترجم من دراسات كتبت عنه أو حوارات أجريت معه مترجمة من اللغات الأوروبية، ثم العروض التي كتبت حوله والمواد التي دونت في المعاجم أو القواميس العربية ثم الدراسات العربية حول فلسفته.
صفحة 2
1- دولوز في العربية (الكتب)

- المعرفة والسلطة، مدخل لقراءة ميشيل فوكو. ترجمة سالم يافوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت 1987.

- فلسفة كانط النقدية، تعريب أسامة الحاج، بيروت 1997. وقد قدم الدكتور عبد القادر بشتة تحليلاً نقدياً لهذا العمل في مجلة "أوراق فلسفية"، العدد 2، 3.

- البرغسونية، تعريب أسامة الحاج، بيروت 1997.

- الصورة - الحركة أو فلسفة الصورة، ترجمة حسن عودة - دمشق 1997.

- ما هي الفلسفة؟ بالاشتراك مع فيليكس غاتاري، ترجمة مطاع صفدي، معهد الإنماء القومى، بيروت 1997؛ وقد سبق أن ترجمه جورج سعد، بيروت 1993. وتناوله بالدراسة والتحليل كل من مطاع صفدي في مجلة الفكر العربي المعاصر والحسين سحبان الذي ننشر دراسته بالعدد 2،3 من مجلة "أوراق فلسفية".

- نيتشه: تعريب أسامة الحاج، بيروت 1998.

- حوارات في الفلسفة والأدب والتحليل النفسي بالاشتراك مع كليربارنيه، ترجمة عبد الحي أزرقان، وأحمد العلمي، الدار البيضاء 1998.

- التجريبية والذاتية: بحث في الطبيعة البشرية وفقاً لهيوم، تعريب أسامة الحاج، بيروت 1999.

- سينما 2 الصورة الزمان، ترجمة حسن عودة، دمشق 1999.

- نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، بيروت، 2001.

- سبينوزا ومشكلة التعبير، ترجمة انطون حمصي، دار أطلس للنشر، دمشق، 2004.

- بروست والإشارات، ترجمة حسين عجة، دار الكتب، القاهرة، 2008.

- الاختلاف والتكرار، ترجمة وفاء شعبان، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009.
صفحة 3
2- مقالات وفصول من كتبه

- «الفعل الارتكاسي» (الفصل الثاني من نيتشه والفلسفة) ترجمة د.محمد علي مقلد، مجلة العرب والفكر العالمي، بيروت، العدد الرابع خريف 1988.

- «حيثما يستطيعون رؤيتها»، أحد المقالات التي كتبها حول الانتفاضة الفلسطينية، مجلة الكرمل، العدد 29 عام 1988.

- «بيركليس وفردي - فلسفة فرانسو شاتليه»، الكرمل، العدد 31 عام 1989.

- «مجتمعات المراقبة»: ترجمة محمد برادة، مجلة ألف، العدد 13 عام 1993.

- «الجذمور»: ترجمة وتقديم كاظم جهاد، مجلة نزوى، العدد السادس، إبريل 1996.

- «مسار فكري» (وهو الفصل الأول من كتاب "محاورات" الذي وضعه بالاشتراك مع كليربارنيه) كاظم جهاد في المصدر السابق.

- مقالتان عن الأدب الإنكليزي، ترجمة كاظم جهاد، الكرمل، العدد 40/41.

- «قلب الأفلاطونية»، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، مجلة فكر ونقد، الدار البيضاء، العدد الأول.

- «جيل دولوز: الأصل والمعنى عند نيتشه»، ترجمة انور مغيث، إبداع، 2001.
صفحة 4
3- دراسات مترجمة حول دولوز

- أرنوسبير: «الترحال في فلسفة جيل دولوز»، ترجمة د. كاميليا صبحي، في كتاب نماذج من الفكر الفرنسي المعاصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة 1997.

- فيليب مانغ : «جيل دولوز : الاختلاف والتكرار»، ترجمة عبد العزيز بن عرفه، مجلة كتابات معاصرة، الأعداد.34-35-36. وقد نشر الكتاب كاملاً: جيل دولوز، نسق المتعدد، للمترجم نفسه، 2003.

- مادان ساروب: «دليل تمهيدي إلى ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة، بعض تيارات ما بعد البنيوية الفصل الرابع»، ترجمة خميس بوغرارة، مجلة نزوى، العدد العشرون، أكتوبر 1999 ص 36-45.

- توماس كارل فال: «الصورة - الزمان دولوز والسينما وربما اللغة»، ترجمة محمد لطفي نوفل، مجلة الفن المعاصر، أكاديمية الفنون القاهرة، العدد الثاني خريف 2000.

- جيمس وليمز: «ليوتار ودولوز» في كتابه: ليوتار نحو فلسفة ما بعد الحداثة، ترجمة إيمان عبد العزيز، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003.

- وقد ترجم عز الدين الخطابي عدة دراسات في كتابه حوار الفلسفة والسينما عند دولوز هي:

- «هنري برغسون والسينما وجهة نظر دولوز»، ص 78-80.

- «لانريك اسكندر، ودراسة برونوألكالا، دولوز وعلاقة الزمن بالفكر في السينما»، ص 102-111.

- «دولوز وفيليني أو السينما كصورة للفكر»، جان فرانسيس دنيا ص 118-125.

- كتاب حوار الفلسفة والسينما، عز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء، 2006.

- وليم إ. كونولي: «جيل دولوز الفيلسوف العرّاف»، ترجمة عدنان نجيب الدين، مجلة فلسفات معاصرة، بيروت ص57-68، العدد الثانى 2008.

- بايلا ماراتي، «جديد الحياة»، ترجمة عدنان نجيب الدين، فلسفات معاصرة، ص 149-163، العدد الثالث، 2008.
صفحة 5
4- حوارات مع دولوز

- «مسار فيلسوف بدوي»: ترجمة حسونة المصباحي، مجلة آفاق عربية، بغداد، السنة الرابعة عشرة، نيسان 1989.

- «جيل دولوز الفيلسوف المترحل مقابلة مع ريمون بيلور - فرانسوا والد»، ترجمة محمد ميلاد، مجلة العرب والفكر العالمي، بيروت، العددان 13-14 ربيع 1991. وأعيد نشرها في كتاب مسارات فلسفية، دار الحوار، سوريا، 2004.

5- عروض حول كتب دولوز

- الحسين سحبان، «ما هي الفلسفة؟» (عرض وتقديم) مجلة الحكمة، العدد الأول، الدار البيضاء خريف 1992.

- محمد الشيخ - ياسر الطائري، «ضد أوديب»، في كتاب مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة، دار الطليعة بيروت 1996.

6- مواد في معاجم

- جورج طرابيشي : معجم الفلاسفة، دار الطليعة، بيروت 1987.

- جمال هاشم: قاموس الفلاسفة، دار الخطابي، الدار البيضاء 1991.
صفحة 6
7- دراسات عربية حول دولوز

أعمال ندوة الجمعية الفلسفية المغربية. إبريل 1998 بالدار البيضاء وتضم:

- عبد السلام بنعبد العالي: «دولوز مؤرخاً للفلسفة». وقد نشر بعد ذلك في كتاب المؤلف: حوار مع الفكر الفرنسي، دار توبقال، الدار البيضاء، 2008.

- مصطفي لعريسة: «دولوز وفوكو».

- محمد الدكالي: «المواطن والأحداث».

- عبد الحي أزرقان: «من أجل تأسيس متعدد».

- عبد اللطيف شهيبان: «الرغبة المراقبة».

- محمد هشام: «دولوز قارئ للسينما».

- أحمد العلمي: «دولوز وابن سينا» وقد نشرت بعض هذه الدراسات في مجلة مدارات فلسفية بالرباط وأوراق فلسفية بالقاهرة.

- وائل غالي: «دولوز الفيلسوف البدوي»، مجلة إبداع، القاهرة، العدد 12، ديسمبر 1991.

- علي حرب: «حول كتاب ما هي الفلسفة، الفلاسفة ليسوا حكماء بل عشاق»، في نقد النص، المركز الثقافي العربى، بيروت، 1993.

- عبدالله عازار: «الآخر، الغير، الأنا والوحدة عند ميشيل تورينيه، دولوز وابن طفيل»، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 80-81.

- عبد السلام بنعبد العالي: «ربما غدا القرن يوماً ما دولوزياً»، في كتاب "بين - بين" الدار البيضاء 1996.

- مطاع صفدي: «ما هي الفلسفة؟ إبداع المفاهيم»، مجلة الفكر العربي المعاصر، بيروت 1998، العدد 102-103.

- د. طه عبد الرحمن: «فلسفة الفلسفة والتأثيل: دولوز نموذجاً»، الفصل السادس من كتابه المقول الفلسفي، الدار البيضاء 1999.

- إدريس خطابي: «جيل دولوز»، مجلة الفكر العربي المعاصر، بيروت عام 2000، عدد 110-111.

- عمر مهيبل: «جيل دولوز الفلسفة ترحال»، مجلة نزوى، العدد السادس والعشرون، إبريل 2001.

- فتحى التريكي: «دولوز والاختلاف»، في كتابه: فلسفة الحياة اليومية، الدار المتوسطية للنشر، تونس 2009.

- محمد بوغالي: «جيل دولوز والأدب»، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، المغرب، 2009.

- عبد الجليل بن محمد الأزدي: «جيل دولوز الفوضوي المتوج وتكرار الاختلاف»، اتحاد كتاب المغرب، المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش 2009.

- بدر مصطفى: «جماليات الصورة عند دولوز»، رسالة دكتوراه غير منشورة، آداب القاهرة، 2009.

- بشير البعزاوي: «الاختلاف والتكرار»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة تونس الأولى، 2009.

ومن الملاحظ أن أهم أعمال دولوز الفلسفية مثل: منطق الحس ومنطق المعنى ، و ضد أوديب لم تنقل إلى العربية. وكذلك بقية كتاباته في الأدب والرسم؛ ويبدو أنه لم يدرس بشكل مستقل إلّا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة الماضية فقد ارتبط باسم ميشيل فوكو حيث حجبت أعمال صاحب الأركيولوجيا أعماله، على الرغم من موقف فوكو المؤيد لإسرائيل ودولوز المؤيد للحق الفلسطيني وتعاطفه مع الانتفاضة، وكذلك اهتمامه، في إطار تحديده لدور الفلسفة باعتبارها إبداعاً للمفاهيم، بابن سينا، الذي تناوله في بعض كتبه باعتبار مفاهيمه متميزة عن الأرسطية والأفلاطونية كما يظهر في دراسة أحمد العلمي، مما يدفعنا إلى تقديم قراءة لجيل دولوز مستقلة عن غيره من معاصريه والاستفادة مما قدمه في قراءة مختلفة للفلسفة العربية الإسلامية.
صفحة 7
جيل دولوزمفكر ما بعد الحداثة

حسن حنفي

يتميّز مفكر ما بعد الحداثة بالتوجه بلا نظام نحو كل شيء، تاريخ الفلسفة والفلسفة والأدب والفن وعلم النفس. يضرب في كل مكان ـ دون أن يصيب أحداً ـ ضرباً عشوائياً غير موجه، مجرد انبثاقة أو صرخة، تعبيراً عن ألم وجودي دفين. وربما هذا هو حال جيل دولوز (1925 ـ 1995) مفكر ما بعد الحداثة.

وتتداخل محاور أربعة عبر مؤلفاته الثلاثين تقريباً. تاريخ الفلسفة ـ والفن ـ وعلم النفس عبر حياة فكرية تجاوزت الأربعين عاماً منذ أول كتاب له عن «التجربيبة والذاتية» في عام 1953 حتى آخر كتاب له.

ولم يعمل دولوز بمفرده دائماً بل قام بأعمال مشتركة مع صديقه فيلكس غاتاري مثل: «أوديب المضاد» 1972 فأوديب ضد الطبيعة والقانون، ضد الأب والسلطة، الإنسان المتمرد، «كافكا» 1973 نموذج المتهم البريء، في هذا العصر، الإنسان الضائع. «ألف منصة» وهو نقد نفسي للرأسمالية باعتبارها شيزوفرينيا، فالنظم السياسية والاقتصادية أساسها في الأمراض النفسية وهي ليست تميهداً لعلاقات قوى اقتصادية واجتماعية بل تتجاوز المكان المحدد إلى الفضاء العريض، المكان المحفور إلى المكان الحزمة، فحركة التاريخ توتر نفسي، تدل على آثار الأقدام، وتتحول من الأرض إلى الكون، من آلة الحرب وجهاز الدولة إلى عناصر الفن والعلم والسياسة فيقضى على الموضوعية لصالح الذاتية، وعلى الوجود من أجل العدم. «ما هي الفلسفة؟» 1991، كما نشر بالتعاون مع كامليو بينيه «أوضاع مؤقتة» (super positions) 1979، ومع كلير بارنيه «حوارات» 1977. فهو فيلسوف الحوار والتجارب المشتركة. ليست الفلسفة تأملاً أو تفكيراً أو اتصالاً بل هي نشاط يخلق تصورات كما يفعل التسويق. مهمتها أن تبيّن ما هي الطبيعة الخلاقة للتصورات وقراءتها ومدى طولها ومستواه وتتميز عن العلم والمنطق.

في تاريخ الفلسفة يتداخل برغسون مع نيتشه، وكانط مع سبينوزا وبيكون مع فوكو. ويقف فرانسوا شاتيليه الفيلسوف الفرنسي الماركسي المعاصر المؤرخ للفكر الفلسفي، يقف وحده جامعاً بين بركليس وفردي، بين التنوير اليوناني، وموسيقى اللحن عند فردي، عقل اليونان وزمن الغرب. لايوجد تاريخ ولا زمن ولا تتالٍ أو توالٍ في «بركليس وفردي»، فلسفة فرانسوا شاتيليه في 1988.

كانت البداية في تاريخ الفلسفة «نيتشه والفلسفة» في 1962 لإعلان نهاية الفلسفة وبداية العدمية الشاملة. الفلسفة تدمر نفسها، وتهدم ما بنت حتى لا يبقى قيد عقلي أو تجريبي يمنع من التفلسف الحر خارج النسق. ويعود نيتشه من جديد في «نيتشه» عام 1965 باعتباره نموذج مفكري ما بعد الحداثة الأول لما به من قوة على الهدم، وقدرة على الرفض، ويتخللهما كانط في «الفلسفة النقدية لكانط» عام 1963. فالمعرفة تراجع إلى الوراء، وحساب للإمكانيات، وتتم عن طريق السلب، وشرطها الفراغ، فراغ المقولات.

ثم يظهر برغسون فيلسوف الحياة. لم يضع مذهباً ولكنه نقض كل منغلق، داعياً لكل منفتح، قضى على كل مذهب مثل سبينوزا وكانط وهيغل مثل كل فلاسفة الوجود. وما بعد الحداثة أيضاً ترفض المذهبية والانساق المغلقة. تسير في كل اتجاه وفي لا اتجاه، تتطوح مثل السكارى. البرغسونية عام 1966 عرض لأعمال الثلاثة الرئيسية وقراءة لها «محاولة في المعطيات البديهية للبرغسونية» ، «المادة والذاكرة» ، «التطور الخالق» ، «الحدس» ويأتي في الدرجة الثانية بعد الديمومة ثانوي بالنسبة للديمومة، ومع ذلك يكون منهجاً حقيقياً، والديمومة تعددية لها منطقها الخاص ضد نظرية النسبية عند أينشتاين، وبالرغم من غياب النسق عند برغسون ودولوز إلاّ أن الأفكار الثلاثة الرئيسية، الديمومة والذاكرة والدافع الحيوي تتوالد من بعضها البعض.

ثم يكتشف بدايات العصور الحديثة عند سبينوزا وبيكون. ليس فكر سبينوزا، بل أشكال تعبيره اللغوية في «سبينوزا ومشكلة التعبير» في 1968، ويجعلها فلسفة عملية في «سبينوزا فلسفة عملية» في 1981، ويكتشف البداية الأخرى للعصور الحديثة عند بيكون في «فرنسيس بيكون، منطق الإحساس» (جزأن) عام 1969، من أجل أن يجعل الإحساس بديلاً عن المنطق، وتصبح الفلسفة انطباعات عن العالم وليست تصورات له.
صفحة 8
ثم يتناول نهاية العصور الحديثة في «فوكو» 1986 وبداية مقاربة جديدة للمعرفة في منطوق متمايز عن الكلمات والعبارات والقضايا، فالفكر قوة، ومنطق العلاقات علاقات قوة. تصبح المعرفة «عبور الخط» الخط الخارجي، من المركز إلى الهامش، من المعرفة إلى السياسي. إن موت الإنسان ليس حدثاً حزيناً ولا مصيبة بل هو تحول الفكر إلى شيء، والمعنى إلى كلمة، عود إلى الحياة البهيمية الأولى، من «الأرشيف» إلى «الدياغرام» وهو ما بدأه فوكو في «حفريات المعرفة» و «المراقبة والعقاب» .

التفكير طوبوغرافيا تراثية أو تشكيلات تاريخية، من المنطوق إلى المرئي. الفكرة تخارج وليست تداخلاً، قوة وليست عزوفاً، إقدام وليست إجحاماً، مسار إلى العالم وليست انزلاقاً في عالم الذاتية. لقد مات الإنسان كما مات الإنسان المتميز، السوبرمان، انتهى عصر التنوير وانتهى عصر نيتشه، ولم يبقَ شيء يمكن البداية منه أو الانتهاء إليه.

وإذا كانت وظيفة تاريخ الفلسفة هو قراءتها من أجل الانتهاء إلى فلسفة تاريخ الفلسفة أو فلسفة الحضارة أو فلسفة التاريخ أو الفلسفة العامة أو الميتافيزيقا، فإن دولوز انتهى إلى فلسفة كالتي بدأ منها تاريخ الفلسفة (هي التجريبية الذاتية التي مثلتها الفلسفة الأنغلوسكسونية: بيكون ولوك وهوبز وهيوم). وذلك في كتابه «التجريبية والذاتية» عام 1953، وحاول تنظيرها في «منطق الحواس» في 1969. فالبداية نظرية المعرفة، ولكن النهاية شيء آخر، ضد النمطية والتكرار والتشابه لصالح الاختلاف كما عبر عن ذلك في «الاختلاف والتكرار» في 1969، ثم في «العلية» (le pli) عام 1986، عكس ما تقصد إليه الهندسة من خطوط مستقيمة في «النافدة» (L’épuisé) وهو ما يسميه الصوفية «الفقد في مقابل الوجود» وأقرب إلى العدم منه إلى الوجود، وإلى المرض منه إلى الصحة وكما عبر عن ذلك مرة أخرى في «النقد والعبارة» عام 1993 كيف تخرج لغة من لغة، كيف تتخارج اللغة إلى ما وراء حدودها إشارة إلى الخارج وليست تعبيراً عن الداخل تعبيراً عن الأمراض النفسية ودافع الجنون؟ خارج اللغة هناك عامل من المعجزات والمسموعات، عالم غير لغوي هو الذي يجعل اللغة ممكنة. ولا فرق في ذلك بين لغة الفلسفة والأدب والفن، بين المفكرين والرسامين والموسيقيين مع دراسات تطبيقية على الأدب الغربي: الألماني والإنكليزي والأميركي خارج الأدب الفرنسي.

ولا يؤسس مذهباً جديداً متراكماً عبر تاريخ الفلسفة، فهو ضد المتحدثين الرسميين باسم المذاهب، سواء كانوا أصحابها أو أتباعها، روادها أو مريديها وكما كتب في «المتحدثون الرسميون» عام 1990.

وفي النقد الأدبي كتب «مارسيل بروست والعلامات» عام 1964 باحثاً عن الزمن الضائع، ومحولاً التاريخ إلى ذاكرة، واللغة إلى علامات. فالأدب لا واقع له نشأ منه، بل أنه يدل على العالم النفسي للأديب. لذلك كتب «تقديم ساشيه مازوش» عام 1967 محللاً عقدة المازوشية، لذة تعذيب الذات. فالعالم خداع. ووجد تطبيق ذلك في السينما. فكتب «الصورة ـ الحركة» عام 1983 ثم «الصورة ـ الزمان» عام 1985 ليحلل خداع السينما للزمان والمكان عن طريق خداع الحواس. فالعالم الخارجي هو ما يبقى في الذهن منه.

«الصورة الحركة» ليست دراسة لتاريخ السينما بل محاولة لتصنيف الصور والعلامات كما تظهر في السينما مثل الصورة ـ الإدراك، والصورة ـ الانفعال، والصورة ـ الفعل. وهي علامات غير لغوية، النور والظلام، والأبيض والأسود. لغة السينما قسمات الوجه في فضاء وهمي. السينمائيون مثل المصورين والمهندسين والموسيقيين والمفكرين، يتعاملون مع فضاءات بديلة، اللون، والخط، والإيقاع، والتصور.

العالم السينمائي سمعي وبصري وليس عالماً ذهنياً تصورياً. والفكر أولى أن يتحول من فضائه التصوري القديم إلى فضاء الصورة والصوت. والإنسان يعيش في عالم الظلام وهو عالم وسيط بين التصورات الفارغة والانطباعات الحسية العمياء. سمّاه ديكارت الحركة والامتداد. وكانط الشيائية الترانسندنتالية، وهوسرل حالة الشيء أو الظل وسارتر الخيال. وهي منطقة يتصالح فيها الوجود والعدم لصالح العدم.
صفحة 9
سياسات الرغبة دراسة فلسفة دولوز السياسية

أنور مغيث (*)

انحصر اهتمام الفلسفة السياسية الكلاسيكية في موضوع البحث عن أفضل نظام لحكم البشر. وفي هذا الإطار جاءت جهود أفلاطون وأرسطو والفارابي، ولكن مع التحقق التاريخي للحداثة تغير موضوع اهتمام الفلسفة السياسية لينصب على البحث في الأسس التي يقوم عليها المجال السياسي كظاهرة إنسانية.

أصبحت نظرية العقد الاجتماعي نموذجاً بدأت الفلسفة السياسية في تكريسه والاقتداء به. وقد تفاوتت تجليات هذه النظرية من هيمنة مطلقة للدولة عند هوبز إلى أولوية الفرد عند جون لوك، وحتى نقد الإرادة الكلية عند جان جاك روسو، إلا أن هذه الأطروحات جميعاً قد دارت حول تأسيس الممارسة السياسية ووسائلها وغايتها؛ وعلى هذا المنوال سارت جهود كانط وجون ستيوارت مل وهيغل زمناً ومن بعده.

وقد واجه هذا التحديد للفلسفة السياسية أزمة كبرى مع قدوم الماركسية وازدياد تأثيرها الفكري، فلقد قضت الماركسية على الطابع النظري التأملي للفلسفة السياسية وحولته إلى مشورع عملي وحددت له غاية قصوى هي التحرير الإنساني، كما ربطت هذه الغاية بفكرة الثورة التي كان ينظر إليها في الفلسفة السياسية نظرة سلبية.

ونتيجة لتأثير الماركسية حدث استقطاب حاد في الفكر الفلسفي السياسي وأصبح إما انحيازاً للمشروع التحريري وإما دفاعاً عن الليبرالية، وتوارت خلف هذا الاستقطاب كل محاولات الفلسفة السياسية بمعناها التقليدي أو الحداثي.

وقد وصل هذا الاستقطاب إلى طريق مسدود، إذ أدّت الماركسية الرسمية إلى تكريس النموذج السوفياتي على المستوى الأممي وإلى الهيمنة النظرية للأحزاب الشيوعية في كل بلد على حدة، وهو أمر قد ضاق به الكثير من المفكرين الماركسيين أنفسهم. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي أطلقت الليبرالية مقولة نهاية التاريخ التي تغلق باب الاجتهاد في وجه تأملات الفلسفة السياسية. إزاء هذا الوضع المأزوم تبدّت في الأفق ملامح نهضة جديدة للفلسفة السياسية، فعادت لتحتل مكانة مرموقة في الفكر الفلسفي في النصف الثاني من القرن العشرين.
صفحة 10
البنيوية والفكر السياسي

في فرنسا كان الأدباء دائماً هم أصحاب المواقف السياسية التي تدافع عن القِيم الإنسانية، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية انتقلت هذه المهمة إلى الفلاسفة، ورغم أن كتابات هؤلاء الفلاسفة كانت نادراً ما تتعرض لقضايا الفلسفة السياسية، فقد تباروا جميعاً في اتخاذ المواقف العملية تجاه القضايا السياسية المطروحة والتي فرضتها طبيعة المرحلة التي تتسم بالحرب الباردة والتحرر من الاستعمار.

ويشير فانسان ديكومب إلى أهمية اتخاذ مواقف سياسية في المشهد الثقافي الفرنسي قائلاً: لقد كان الموقف السياسي للفيلسوف هو الذي يحدد المعنى الأخير لمجمل فلسفته (1). وكان جان بول سارتر هو النموذج الأوضح لهذه الظاهرة الجديدة، لم يكن كتابه «الوجود والعدم» عام 1942 حاملاً لأي رسالة سياسية ولكن بعد تحرير فرنسا من الاحتلال النازي كتب «الوجودية نزعة إنسانية» وفيه تتضح ملامح الالتزام السياسي لديه حيث يرى أن «الإنسان هو مستقبل الإنسان». إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن الصادر إبان الثورة الفرنسية 1789 ينبغي له بالفعل أن يكون عالمياً وأن يمتد إلى كل البشر، إن الديموقراطية والحرية والعدالة هي قيم كونية لكل البشر، ومن هنا جاء التقاؤه بالنزعة الأممية في الماركسية، وتبنيه لكثير من مواقف الحزب الشيوعي، كما انحاز إلى جانب المناضلين من أجل تحرير الجزائر وكتب في مقدمة كتاب «معذبو الأرض» لفرانز فانون أن العالم الثالث سوف يمد البشرية بالإنسان الجديد.

وفي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي ظهرت أعمال عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفي ستراوس لتعلن عن منهج جديد في العلوم الاجتماعية وهو البنيوية. وكان ليفي ستراوس متحفظاً في اتخاذ مواقف سياسية علنية، وإذا كان قد عبر عن تأثره بالماركسية إلا أنه قدمها باعتبارها علماً لدراسة المجتمع وليست دليلاً للعمل السياسي.

وقدم ستراوس عدداً من الأطروحات العلمية كانت لها آثار سياسية عميقة. فلقد أظهرت البنيوية نسبية قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان التي كان من المفترض أنها عالمية كما بينت ارتباطها بالثقافة الغربية، بل وأكثر من ذلك اعتبرت أن دعاوى نشر الديموقراطية والحضارة لم تكن إلا قناعاً لفرض السيطرة الغربية على العالم، وطالبت بحق الثقافات غير الغربية في الوجود وفي النمو الذاتي.

تحت تأثير البنيوية بدا الالتزام بقضايا الشعوب انطلاقاً من قِيم إنسانية عالمية أمراً عبثياً. استخدم ستراوس موهبته البلاغية في الحديث عن الجمال والكرامة والاختلاف الذي لا يمكن تجاوزه لثقافات العالم الثالث (2). ولكن من جهة أخرى، بدا الأمر أن هذه النسبية قد تؤدي إلى نزعة رومانسية جديدة تعمل على تحديد أي تناول نقدي لأشكال البطش والسيطرة التي قد توجد في الثقافات غير الأوروبية وتشجع على اللامبالاة تجاه قضايا الشعوب.

وجاءت ثورة الشباب في 1968، وبدت ملامح التزام سياسي من نوع جديد في التشكل، التزام يختلف عن المناداة بتعميم قِيم الديموقراطية الغربية في العالم والمنطقة من النزعة الإنسانية، كما يختلف عن اللامبالاة البنيوية تجاه الممارسات التي تحدث خارج العالم الأوروبي.

وصار هناك التزام سياسي يحتفي فلسفياً بكل ما عملت الثقافة الغربية على تهميشه داخل أوروبا أو خارجها وظهر لون جديد من المواقف السياسية لدى الفلاسفة كان أهم المعبرين عنه ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل دولوز.