صفحة 1
1 - أخي ليس مجرماً
حدقت ماديسون برعب واستياء إلى أخيها الأصغر.
- ماذا تقصد بقولك إنك أغرقت يخته؟
بدا وجه كيلي جونز الذي يبلغ التاسعة عشرة من عمره متجهماً ومليئا بالحقد والمشاكسة.
- إنه يستحق ذلك.
- آه، يا إلهي!
وضعت ماديسون رأسها بين يديها وهي تحاول السيطرة على عواطفها المتصارعة والمتأججة.
قال كيلي بنبرة تحمل مزيجاً من الاستياء والكبرياء معاً: "اعتقدت أنك ستسرين بهذا الأمر. إنه المسؤول الوحيد عن دمار والدي. يجب أن تشعري بالرضى لأنني قمت بهذه الخطوة في النهاية".
رفعت عينيها الحزينتين إليه، وقالت: "كيلي! هل لديك فكرة واضحة عما فعلته؟"
رفع كتفيه بلا مبالاة وأجاب: "لا أهتم لذلك، فالمسؤولية تقع عليه".
أغمضت ماديسون عينيها، وعلقت: "لا أستطيع تصديق ما أسمعه".
قال أخوها مخففاً عنها: "لا داعي للقلق، فهو لا يعلم من فعل ذلك".
فتحت عينيها لتواجهه قائلة: "إن أمثال ديمتريوس باباساكيس يعرفون دائماً من هم أعداؤهم".
نهضت على الفور وأخذت تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، ثم تابعت: "أنت تدرك ما الذي يعنيه هذا الأمر. أليس كذلك؟"
استدارت لتواجهه هذه المرة، لكن تعابير وجهها بدت شاحبة من شدة القلق.
رفع أخوها كتفه بلا مبالاة، وقال: "لماذا تبدين قلقة؟ لن يعرف مطلقاً أنني الفاعل".
- بالطبع سيعرف أنك أنت، فلديك سجل سابق لدى الشرطة. لن يحتاج إلى وقت طويل ليفكر بالأمر ويصل إليك، وما إن يفعل ذلك حتى يقوم بكل ما في وسعه ليضعك في السجن. كن واثقاً من ذلك.
قال كيلي بإصرار: "لن أذهب إلى السجن".
- لا. مادمت أستطيع منع ذلك.
عضت ماديسون على شفتها السفلى وهي تفكر بعمق لتصل إلى حل لمشكلتهما.
- أنا سعيد لقيامي بإغراق اليخت، ولا يهمني ما الذي تفكرين به.
بدت نبرة من الفخر والكبرياء في صوت كيلي وهو يتابع: "في مطلق الأحوال، هذا لا يعني أنه لا يستطيع الحصول على يخت آخر. فهو يملك مالاً وفيراً".
زحف اليأس إلى نبرة صوتها، لكن لم يعد هناك ما تستطيع القيام به لتمنع ما حدث. قالت: "هذه هي المشكلة. ألا ترى؟ فهو ليس مثلنا، بإمكانه الحصول على أفضل استشارة قانونية، ولا قدرة لنا على مواجهته لاسيما بعد سرقتك لتلك السيارة".
قال معترضاً: "لم أسرقها. استعرتها فقط".
- لا تختلق الأعذار، كيلي! أنت تعلم أنك سرقتها. أنت محظوظ للغاية لأنك خرجت من السجن بكفالة، وأذكرك بأنه ما زال علي دفع المال للمصرف.
قال واعداً: "سأعيده لك كاملاً عندما أحصل على عمل".
صفحة 2
تأوهت ماديسون بإحباط قائلة: "متى سيحدث ذلك؟ حصلت على ثلاث وظائف حتى الآن، ولم تتمكن من الاحتفاظ بأي منها لفترة تتجاوز الأسبوع. لا أستطيع الاستمرار في التستر على أعمالك، كيلي. عليك أن تتحمل مسؤولية حياتك. أنت في التاسعة عشرة من عمرك، لذا حان الوقت لكي تجد عملاً جيداً وتتوقف عن لوم الآخرين على ما حدث لك من سوء في حياتك".
قال كيلي بمرارة: "دمر ديمتريوس باباساكيس حياتنا، ولن أدعه ينجو بفعلته"
أجابت ماديسون باستياء: "هناك وسائل أفضل من إغراق يخت بملايين الدولارات. بإمكاننا الذهاب إليه والتحدث معه عن قضيتنا، وربما نستطيع مواجهته بطلب تعويض ما".
قال بحنق: "آه، صحيح! لا بد أنه سيسخر منا أو يقدم لنا شيئاً تافهاً مقابل ما حدث لأبي. بالإضافة إلى ذلك، ألم تقرأي عن معاملته السيئة لآخر صديقة له؟ هذا الرجل عديم الرحمة".
لا يمكنها مجاراته في ما يقوله، لكنها أيضاً لا تريد أن تضاعف من غضبه. فمن الصعب أن يمر يوم من دون أن تنشر جرائد سدني فضيحة تنم عن السلوك الغريب لهذا المليونير الوسيم العابث، الذي يملك الكثير من المال والقليل من الحذر.
عمل والدهما لسنوات لدى ديمتريوس باباساكيس كمساعد محاسب في أحد فنادق باباساكيس، وعندما تعرض الفندق لخسارة مالية كبيرة صُرِفَ والدهما من دون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه، إذ تبين أن هناك تلاعباً ما في أموال الفندق. بعد مرور أسابيع انهار والدهما بسبب تعرضه لأزمة قلبية مميتة، أدركت ماديسون أنها نتيجة الضغط الذي واجهه في تلك الفترة.
قالت لكيلي: "إن أمثال ديمتريوس باباساكيس يحصدون نتائج أعمالهم في النهاية. المهم أن تبقى قريباً لتشهد ذلك بنفسك".
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه أخيها: "ربما أنت على حق. فنظراً لما ذكرته صحف البارحة باباساكيس على وشك مواجهة فضيحة جديدة في علاقاته العاطفية، وهذه المرة من أجل زوجة سابقة لأحد منافسيه في الأعمال".
- في هذه الأثناء أنا غير مهتمة مطلقاً بالمشاكل التي قد يواجهها ديمتريوس باباساكيس. ما يهمني الآن هو كيف سنتمكن من حماية نفسينا من الخطر القادم جراء ما فعلته.
رفع كيلي ذقنه قائلاً: "لست خائفاً من باباساكيس".
علقت ماديسون باستياء: "لا شيء سيمنعه من الانتقام منك، وأنا لا أريد أن أسهل عليه الأمر".
- ما الذي علي فعله برأيك؟
تنهدت ماديسون بعمق قبل أن تجيب: "عليك أن تختبئ".
رماها أخوها بنظرة مليئة بالتحدي: "أتقصدين أن عليّ الهروب؟"
قالت تخفف عنه: "ليس ذلك بالتحديد. لدي صديقة تعمل مربية أطفال في مزرعة لتربية الماشية في المقاطعة الشمالية. في رسالتها الأخيرة أخبرتني عن المشاكل التي يعانيها غيلارو في الحصول على عمال دائمين. يمكنني أن أدفع لك ثمن تذكرة السفر للوصول إلى هناك. بعد ذلك يعود الأمر إليك في ما تفعله".
جعد كيلي أنفه وقد ظهر عليه الانزعاج: "هل تريدينني أن أعمل في مزرعة بصورة دائمة؟"
نظرت ماديسون إليه بحزم قائلة: "اسمع، كيلي! أكاد أفقد كل ما أملك من مال ومن صبر أيضاً. هذه هي فرصتك الأخيرة. إن كنت غير راغب في القبول بها، فإنني سأتركك لتواجه مصيرك. لكن دعني أحذرك، فنوع العقاب الذي سينزله بك باباساكيس لن يكون كما تشتهي أبداً".
قال: "حسناً! سأفعل ما تريدين، لكن من أجلك أنت لا خوفاً منه".
قالت ماديسون بتعاطف: "لا داعي لأن تخاف منه، فالخوف الذي أشعر به كاف لنا نحن الاثنين".
صفحة 3
لم يمر وقت طويل على وصول ماديسون إلى شقتها الصغيرة بعد مغادرة أخيها المطار حتى سمعت صوت قرع جرس الباب. ساورها إحساس من الخوف وشعرت بألم في معدتها وهي تتوجه لفتحه. حدس قوي حذرها ألاّ تفعل.
وقف ديمتريوس باباساكيس بقامته المهيبة الفارعة الطول عند إطار الباب، ونظر إليها بعينيه البنيتين اللتين أخذتا تلمعان بشدة، بينما راح يتأملها من رأسها حتى أخمص قدميها.
الصدمة التي أصابتها جعلتها عاجزة عن الكلام لفترة وجيزة. كيف عرف أين تعيش؟ والأهم من ذلك كله، ما الذي يعرفه عن نشاطات أخيها في الليلة السابقة؟
- الآنسة جونز، على ما أعتقد؟
- هذا صحيح. كيف يمكنني مساعدتك؟
شعرت بانزعاج شديد لأن نبرة صوتها بدت عميقة ومضطربة.
- أرغب في التحدث إلى أخيك.
لمعت عينا ماديسون باضطراب وهي تحاول إبعادهما عن عينيه المشدودتين نحوها.
- أخي ليس هنا في الوقت الحالي.
- أين هو إذاً؟
- لا أعلم أين هو في الواقع.
أكدت لنفسها أنها تقول الحقيقة. فهي لا تملك أي فكرة عن ذلك الجزء من القارة الذي يحلق كيلي فوقه في هذه الأثناء.
قال ديمتريوس محذراً بصوت ناعم كالحرير: "لا داعي لهذه الألاعيب آنسة جونز. لدي قضية أريد بحثها مع أخيك، من مصلحته فعلاً أن يصغي إلى ما سأقوله".
- يؤسفني أنني لا أستطيع مساعدتك.
حاولت ماديسون إغلاق الباب في وجهه، لكن قبل أن تتمكن من فعل ذلك مدّ يده الرشيقة ودفع به بعنف حتى ارتطم بالجدار محدثاً ضجة قوية.
سار ديمتريوس عبر المدخل، ثم أغلق الباب وراءه بهدوء مبالغ فيه وقال: "لا أرغب في أن يسمع جيرانك ما سأقوله".
تراجعت خطوة إلى الوراء وهي تقول: "أريدك أن تغادر على الفور".
- هل أفعل ذلك قبل أو بعد أن أتصل بالشرطة؟
نزع هاتفه النقال من حزام سرواله.
ابتلعت ماديسون الغصة التي تشكلت في حلقها ما إن بدأت أصابعه السمراء تنقر الأرقام على الجهاز. أوقف سبابته فوق الرقم الأخير وهو يسأل: "ما هو قرارك، آنسة جونز؟"
عضت ماديسون على شفتها.
- لدي رقم هاتف الضابط المكلف بمراقبة سلوك أخيك. ربما ترغبين في التحدث إليه عن مكان تواجده ليلة البارحة؟
قالت بصوت ملؤه الضيق: "كان هنا... معي".
رفع ديمتريوس حاجبه مشككاً، وسألها: "أنت تلعبين لعبة خطرة، آنسة جونز. ربما لم أوضح لك ما أريده بالتحديد".
أخذ يقترب منها أكثر فأكثر كلما حاولت التراجع نحو الجدار، وتابع: "لن أغادر شقتك قبل أن أحصل على معلومات كافية عن مكان تواجد أخيك".
بدت عيناها الزرقاوان بلون الياقوت كألسنة النار لشدة لمعانهما. قالت: "ليتك أحضرت فرشاة أسنان معك لأنني لا أملك واحدة إضافية".
- هل تعرضين علي النوم هنا؟
أجابت ماديسون بضيق: "آمل ألا تفعل، فأنت لست من نوع الرجال المفضلين لدي".
صفحة 4
وضع يده بجانب رأسها وتأمل وجهها الذي رفعته لتحدثه بتلك النبرة التي لا تخلو من المرح والاستمتاع. شهقت ماديسون بحدة عندما أمسك ديمتريوس خصلة من شعرها الأشقر الرمادي وأخذ يلفها على إصبعه مرة بعد مرة حتى شعرت كأنها مجبرة على التقدم لعدة خطوات صغيرة نحوه. أصبح بإمكانها الآن أن تشعر بحرارة جسده عن قرب. بدت عيناه ثاقبتي النظرات لدرجة جعلتها تعتقد أن بإمكانه كشف كل أسرارها العميقة. أصبح شديد القرب منها بحيث أمكنها أن تتنشق رائحة عطر ما بعد الحلاقة المنبعثة منه. همس في أذنها قائلاً: "فلنحاول مجدداً. أين هو أخوك، آنسة جونز؟"
مرّرت ماديسون لسانها على شفتيها الجافتين كالحجر، ورأت عينيه تتبعان حركتها تلك، فضاقت أنفاسها في صدرها. قالت بصوت كالصرير: "إنه في مكان بعيد".
رفع حاجبه بتجهم، وسألها: "أين هو بالتحديد؟"
- لا أستطيع أن أخبرك.
عاد ليقول بصوت حازم كالفولاذ: "بل ستفعلين، آنسة جونز. وإلا فإنني سوف أجبرك على القيام بذلك".
- لست خائفة منك.
لمعت عيناه بالتسلية وعلق: "أحقاً؟ عليك أن تخافي".
رفعت ماديسون ذقنها قائلة: "افعل ما بدا لك سيد باباساكيس، فأنا لا أخاف بسهولة".
- إذاً علي أن أفكر بطريقة مؤثرة تدفعك إلى التعاون.
ابتسم بمكر متعمد، وتابع: "ألن يكون ذلك أمراً ممتعاً؟"
لم تعد ماديسون واثقة أنها قادرة على الإجابة. تضاعف الكره في أعماقها وشعرت كأنها ستنفجر حين أدركت فقدانها القدرة للسيطرة على الأمور. إنها تعرف الكثير عنه بما يكفي لتعلم أنه لن يرتاح حتى يحقق ما يصبو إليه. لكنها لن تسمح له بأن يقترب من أخيها مادامت على قيد الحياة.
سألها ديمتريوس بعد صمت مليء بالضيق: "أليس لديك ما تقولينه، آنسة جونز؟"
صرّت على أسنانها قائلة: "اخرج من شقتي".
- ماذا...؟ هذا التصرف ليس فيه شيء من حسن الضيافة. أليس كذلك؟
تلون وجه ماديسون بألوان مختلفة من شدة الغضب، وقالت: "أنت شخص كريه".
- وأنت تتواطئين مع مجرم، وتخفينه آنسة جونز.
قالت بغضب: "أخي ليس مجرماً".
قال لها محذراً: "أنت تعيشين في عالم الأغبياء، فلدى أخيك سجل سابق مع الشرطة. قضية واحدة بعد ويصبح خارجاً على القانون ويزجّ به في السجن".
توردت وجنتاها على الفور، وقالت: "لا أعلم عما تتحدث".
- ربما ستعلمين عما أتحدث إن أتيتك ببرهان واضح عن خرق أخيك للقانون.
نظرت إليه بتوتر وهي غير متأكدة إن كان يحاول خداعها أم لا: "أي نوع من البراهين؟"
قال: "لدي شاهد عيان رآه في اليخت ليلة البارحة".
- وإن يكن؟
نظر إليها بغضب، وأجاب: "يختي الآن في قعر خليج بارسلي".
- يصعب عليّ التصوّر أن تواجد شخص ما في قارب يجعله على الفور مسؤولاًعن غرقه، لا سيما إن كانت بنيته كبنية أخي الصغيرة.
قال وهو ينظر إليها بتحد: "أمر مضحك فعلاً".
سألته: "حسناً! ماذا عن بصمات الأصابع؟ هل وجدتم بصماته هناك؟"
نظر إلى عينيها لمدة أطول مما رغبت، ثم قال أخيراً: "أظنك تعلمين بأن إيجاد بصمات أصابع في يخت أغرق منذ عدة ساعات أمر صعب جداً".
قالت ماديسون بدون أي تعاطف معه: "يا للعجب!"
صفحة 5
- لكن...
توقف عن عمد ليثير قلقها قبل أن يتابع: "... أخاك تكرّم عليّ بتركه دليل واضح".
أخرج شيئاً من جيب قميصه، ورفعه أمام عينيها لتراه بوضوح.
ابتلعت ماديسون غصة جديدة.
سألها ديمتريوس: "أتعرفين هذه؟"
حدقت للحظات طويلة بالسلسلة المصنوعة من الفضة الخالصة التي قدمتها لكيلي في عيد ميلاده الثامن عشر، ثم قالت كاذبة: "لا!"
أعاد السلسلة إلى جيبه، وتشدق قائلاً: "لا أعتقد أنه يمكن اختصار الاسم الثلاثي لأي كان بالأحرف الثلاث: ك، ب، ج. وبالمناسبة الحرف "ب" ماذا يعني بالتحديد؟"
- هذا أمر لا يعنيك.
- بما أننا نتحدث عن الأسماء. ما اسمك؟
- هذا أيضاً أمر لا يعنيك.
- سأجعله من اهتماماتي.
لم تهتم ماديسون للتهديد الواضح في نبرة صوته، لكنها أدركت أنها لا تستطيع القيام بالكثير لتمنعه من استدراجها لمعرفة كل ما يحتاج إلى معرفته.
طرفت عينيها بعد فترة من الصمت، وتمتمت: "اسمي ماديسون".
لفظ ديمريوس اسمها كأنه يغازلها، فشعرت برجفة لا إرادية وهو يقول: "ماديسون! اسم يناسبك حقاً".
تراجع مبتعداً عنها ما أتاح لها التنفس بارتياح. أخذت تراقبه وهو يتجول في غرفة الجلوس الصغيرة. توقف ليلتقط كتاباً عن طاولة القهوة كما لو أنه يمتلك المكان. عليها الاعتراف أن لديه هالة من العظمة تحيط به. لاشك أن السبب في ذلك يعود إلى ثرائه الفاحش، ولا شك أنه معتاد على إصدار الأوامر. لاحظت ماديسون ثيابه الأنيقة الخالية من أي عيب أو خلل. لاشك أن أي مصمم أزياء بارع يرى هذا الجسم مثالياً لتصاميمه، ولاشك أن هذا الرجل يستمتع بالقيام بعدد كبير من الألعاب الرياضية، فهذا القوام الرشيق المليء بالعضلات يشير بوضوح إلى ذلك. إنه ذو صدر عريض وخصر نحيل، أما شعره الأسود فهو كثيف مجعد، وعيناه تظهران مدى ذكائه ومكره وجاذبيته، كما أن فكيه بلونهما الداكن يشيران إلى أن الحلاقة لمرة واحدة في اليوم أمر غير كاف بالنسبة إليه. هذا كله يضفي المزيد من القوة على الهالة التي تحيط به.
ما إن استدار ديمتريوس نحوها حتى لاحظ نظراتها المشدودة إليه.
- ماديسون جونز، سوف أعرض عليك صفقة.
سألت ماديسون باستغراب: "أي نوع من الصفقات؟"
وضع ديمتريوس الكتاب الذي كان يحمله على الطاولة قبل أن يجيب: "أنت تدركين بالطبع أن فقدان يختي عرضني إلى خسارة كبيرة".
سألت بحذر: "أي نوع من الخسائر؟"
حدّق بعينيها وهو يجيب: "مليون ونصف مليون دولار، إذا ما أردت القيمة بالتحديد".
لم تستطع ماديسون إخفاء دهشتها، فقالت: "آه... يا إلهي!"
- آه! هذا ما قلته في تلك اللحظة، أو ما يشابهه على الأقل.
بإمكانها أن تتخيل نوع الكلمات التي استعملها.
صفحة 6
- ما علاقتي بكل ما تقوله؟
نظر إليها بمرح وأجاب: "من الواضح أنك تكذبين لتخفي هروب كيلي، وهذا سيتركني أمام خيار وحيد وهو أن أتعامل معك بصورة مباشرة".
- لا أفهم عما تتحدث.
- أنا أعرض عليك وظيفة، آنسة جونز.
ابتسم لها بإغواء قبل أن يضيف بصوت هامس: "ماديسون".
ضغطت على أسنانها بقوة عند سماع اسمها من بين شفتيه: "أي نوع من الوظائف؟"
- وظيفة تتمسك بها معظم النساء بكل ما لديهن من قوة.
- أخشى القول إنني لا أوافق النساء في كل ما تقمن به لسبب بسيط؛ أنا لست مثلهن.
- أنت تدهشينني، ماديسون. أعلم أنك تستغلين الفرص. ألا تشبهين والدك وأخيك بذلك؟
- لم يقم والدي بأي عمل مشين.
هز ديمتريوس رأسه مستغرباً: "أحترم ولاءك الشديد لوالدك، لكن ثبت أنه مذنب عندما انهار تحت ضغط الاتهامات".
صححت له بمرارة: "اتهامات مبنية على الباطل والأكاذيب".
- من الواضح أنك متمسكة برأيك، أما أنا فلدي أسبابي لأفكر بطريقة مختلفة.
- ما كنت لتعرف الحقيقة حتى لو قفزت أمامك من حقيبة يدك.
- أوافقك على أننا نمتلك وجهتي نظر مختلفتين آنسة جونز، إلا أن الحقيقة تبقى واحدة. حسناً! مازال أمامك التفكير بما ستفعلينه الآن.
- لا يمكنك أن تجعل من أخي مجرماً.
قال مؤكداً لها: "هذا ما سأفعله إن أجبرت على القيام بذلك، لكن في الوقت الراهن أنا مستعد لتأجيل ادعائي على أخيك إن وافقت على ما سأقترحه".
قالت ماديسون بنبرة ملؤها الكراهية: "لا يمكنني تخيل المكيدة التي تفكر بها".
- أحقاً؟
لم تعجب ماديسون بنبرة صوته. سألته: "ما الذي تريده مني؟ لا أملك مالاً يستحق التحدث عنه، كما أنك أدركت بلا شك أنني لن أبوح بمكان أخي، فماذا تريد أكثر؟"
ساد الصمت بينهما للحظات، فيما أخذ ديمتريوس يتفحصها بنظراته الثاقبة مما أشعرها بضيق وبوخز في مؤخرة عنقها أخذ يشتد كلما أطال تحديقه بها.
- أعتقد أن بإمكانك أن تكوني مفيدة لي... مفيدة جداً".
رمته ماديسون بنظرة قلقة مجدداً، وسألته: "ما الذي تعنيه بكلامك هذا؟"
- سأقدم لك اقتراحاً يبرئ أخاك من كل التهم ويجعل سجله نظيفاً، إن رغبت بذلك بالطبع.
ومضة من الأمل ولدت في صدرها إلا أنها ماتت خلال ثوان قليلة لأنها لا تثق به. كل أوراق اللعب الرابحة في يده، وبإمكانه أن يرميها على الطاولة في أي لحظة. حدقت في عينيه من دون أن تتفوه بكلمة واحدة إذ شعرت باضطراب في دقات قلبها برغم الكره الذي تكنه له.
صفحة 7
- أحتاج إلى صديقة جديدة على وجه السرعة. إذا وافقت على أن تكوني صديقتي فستثبتين لي أنك مفيدة جداً في ظل الظروف الراهنة.
أخيراً وجدت ماديسون صوتها، فأجابت: "لا يمكنني فهم ما تقوله".
قال ديمتريوس: "أنا في وضع حرج، وأريد تبرئة ساحتي في ما يتعلق بعلاقاتي العاطفية".
- لا أعتقد أنني أستطيع مساعدتك.
- بل تستطيعين بدون أي شك. كل ما أطلبه منك هو أن تتظاهري بذلك.
هزت ماديسون رأسها باستغراب، وقالت: "أنا لا أسمح لنفسي مطلقاً بأن أكون صديقة لك".
- ما رأيك أن تصبحي زوجتي إذاً؟
- هذا أمر أكثر صعوبة.
- ليس إذا كان الأمر متعلقاً بحرية أخيك.
شعرت ماديسون كأنها حشرت في الزاوية، وعلمت بدون أي شك أنه يعلم ذلك...
سألته محاولة أن تكسب المزيد من الوقت: "ماذا تقصد بقولك هذا؟"
رماها ديمتريوس بنظرة لا تحمل أي معنى، وقال: "إمّا أن أتصل بالشرطي المكلف بمراقبة أخيك الآن لأخبره الحقيقة إمّا أن توافقي على إسداء هذه الخدمة لي. الأمر بمنتهى البساطة".
- هل تريدني حقاً أن أتظاهر بأنني زوجتك؟
قال بنعومة: "لا أريدك أن تتظاهري بأي شيء. أريدك أن تصبحي زوجتي فعلاً".
فتحت ماديسون فمها باستغراب لشدة الصدمة: "لا يمكن أن تكون جدياً في ما تقوله!"
- ماديسون جونز، مع الوقت ستعلمين أنني أقصد تماماً كل كلمة أقولها.
بإمكانها أن تصدق ذلك، لكنها لا تريد تعزيز كبرياءه وتفاخره الواضحين. بدلاً من ذلك قالت: "من المؤكد أنك لا تتوقع مني الموافقة على طلبك الغريب هذا".
أجاب: "أعتقد أنني أوضحت لك الأمر. إن لم تستجيبي لطلبي، سيجد كيلي نفسه في زنزانة مع مساجين لا أحد يعلم مدى سوئهم".
أغمضت ماديسون عينيها لتبعد الصورة التي ولدتها كلماته في ذهنها. صحيح أن شقيقها عنيد ومشاكس لكنه لا يستحق السجن، وهي ستحاول منع حدوث ذلك بكل ما أوتيت من قوة.
تجنبت النظر إلى عينيه وهي تقول: "أحتاج إلى بعض الوقت لأفكر بالأمر".
- سأعطيك مهلة أسبوع لا أكثر.
- أسبوع فقط!
هز ديمتريوس رأسه موافقاً، ثم قال: "لكنني أحذرك ماديسون. سأتبع كل حركة تقومين بها، لذا إن كانت لديك أي خطة للهرب، فمن الأفضل أن تتخلي عنها".
مدّ يده إلى جيبه الخلفي وقدم لها بطاقة عمله. أخذتها منه بأصابع باردة، ثم حدقت بها دون جدوى كأنها لا تراها للحظات عدة.
قال لها ديمتريوس: "يمكنك الاتصال بي على هذا الرقم عندما تتخذين قرارك. سأبلغ سكرتيرتي أن تتوقع منك اتصالاً عند الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم الاثنين".
صفحة 8
تمنت ماديسون لو أنها تملك الشجاعة لتمزق البطاقة إلى آلاف القطع. لو لم يكن الأمر متعلقاً بكيلي لفعلت ذلك من دون تردد. لكنها أطبقت يدها حول البطاقة شاعرة بأحشائها تضغط داخلها بشدة كأنها آلة تعذيب حادة. رفعت نظرها إلى عينيه المركزتين عليها، فيما زحف الخوف على امتداد عمودها الفقري جراء لمعان الرضى الواضح في عينيه السوداوين الثاقبتين. النظرة المفترسة التي رماها بها سببت لها ألماً غير متوقع في معدتها.
- أنت تقدم على مخاطرة كبيرة. فأنت لا تعرف عني الكثير.
حاولت أن تبدو وقحة، مع أنها لم تقترب من رجل قط من قبل حتى اقتحم ديمتريوس باباساكيس حياتها منذ بضع دقائق.
قال بلا اكتراث: "لا رغبة لي مطلقاً بإقامة علاقة جسدية معك، فهذا لن يكون زواجاً حقيقياً أبدياً".
تمسكت بخيط النجاة هذا بأمل واضح وهي تسأل: "إذاً هل سيكون زواجاً مؤقتاً؟"
لمعت عيناه بشدة وهو يقول: "بالطبع! ألا يحدث ذلك أحياناً؟"
لا داعي لمجادلته بهذا الأمر حتى لو رغبت بذلك، فقد سبق لها أن قرأت الإحصاءات الأخيرة لمعدل نجاح العلاقات الزوجية وبدت النتائج غير واعدة على الإطلاق.
سألته: "ألا تخشى أن أجردك من كل أموالك عندما ينتهي اتفاقنا؟"
- لا، مطلقاً. في الوقت الذي يتم فيه فسخ زواجنا ستدركين حصيلة ما أمنه لك هذا العمل.
- هل تضمن لي أن الزواج سيبقى اسمياً فقط؟
- أؤكد لك ماديسون أنني محاط بالكثير من النساء ولا رغبة لي مطلقاً في مطاردتك في غرفة النوم. يمكنك النوم بكل سلام واطمئنان.
أدركت ماديسون أنه يصعب عليها ألا تشعر بالانزعاج من عدم اهتمامه بجاذبيتها، فهي تعلم أنها ليست كعارضات الأزياء جمالاً، لكنها بالطبع ليست من النوع الذي يمكن تجاهله بسهولة.
- إذا ما وافقت على اقتراحك هل يفترض بي أن أغض الطرف عن كل تصرفاتك من أجل مصلحة زواجنا الشكلي؟
- لن تغضي النظر فقط، بل ستفعلين كل ما في وسعك لتؤمني غطاء كافياً لارتباطنا السعيد في كل مرة نتواجد فيها في أماكن عامة، هذا يعني بالطبع أن الحرية التي أتمتع بها لن تكون متوفرة لك.
- ماذا تقصد بقولك هذا؟
- عليك التخلص من أي أفكار تراودك بشأن الاتصال بحبيبك وذلك حتى ينتهي زواجنا.
- إذاً يمكنك أنت أن تفعل كل ما ترغب به فيما تمنع علي ذلك؟
- هذا صحيح تماماً.
صفحة 9
- بل هذا تزمت قديم جداً.
- هذا هو الاتفاق. بإمكانك القبول به أو رفضه ببساطة.
رغبت ماديسون في أن تقول له إن بإمكانه أن يرمي باقتراحه هذا في سلة المهملات إلا أن صورة شقيقها مكبلاً بالأصفاد ملأت ذهنها ما جعلها تضغط شفتيها كي لا تقول شيئاً.
- لا تنسي ماديسون أنني أقدم لك خدمة كبرى، فمليون ونصف مليون دولار دين ضخم جداً بالنسبة لشخص في مثل وضعك المادي. بهذه الطريقة يمكنك تسديد هذا الدين في مدة قصيرة. من جهة أخرى سيتوقف شقيقك عن النظر إلى الوراء، وهكذا يمكنك العيش بسلام بعد أن تكوني قد أنقذته من مصير أسوأ من الموت نفسه.
بادرته بالسؤال وهي تشعر بالألم يعتصرها: "كم سيدوم هذا الزواج برأيك؟"
قلب ديمتريوس شفتيه كأنه يفكر بالأمر ملياً. قال أخيراً: "أظن أننا سنعطي الأمر ستة أشهر فقط، فأي فترة أطول من ذلك قد تجعلك تشعرين بالرغبة في القيام بالدور إلى الأبد".
نظرت إليه بكره وأجابت: "لا بد أنك تمزح".
- لا أحد يستطيع أن يجزم في أي من هذه الأمور.
تابع ديمتريوس وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساحرة: "تمتاز النساء بعادة مزعجة وهي رغبتهن في التملك معظم الأحيان".
قالت ماديسون بسرعة: "لابد أن الأمر يتعلق بالمال، فلا يمكن لأي امرأة أن ترتبط بك من أجل أية صفة خاصة في شخصيتك".
أطلق ضحكة مفاجئة ذات رنة مميزة بدت كأنها سهم ينغرس في أعصابها أو أصابع رشيقة تلامس قلبها، ما جعلها تشعر كأنها طريدة مكشوفة أمام خطره الداهم، بإمكانه في أي لحظة أن ينقض عليها ويمسك بها.
لمعت عيناه بمرح واضح وهو يتأمل ملامح وجهها المتمردة. قال: "ماديسون جونز! إنني أتطلع بشوق لسماع قرارك الأسبوع القادم. أعتقد أن اتفاقنا البسيط هذا سيؤمن لنا الكثير من التسلية، بدون أي شك".
بينما أخذت ماديسون تفكر بإجابة مناسبة ولاذعة كان ديمتريوس قد فتح الباب وغادر، تاركاً إياها في حيرة تضغط على بطاقة عمله بشدة.
فتحت يدها وأجفلت عندما رأت آثار دماء أحدثتها حافة البطاقة على بشرتها الناعمة. لم تستطع إلا أن تتساءل إن كان ذلك نذير شؤم أو ربما تحذير من خطر سيواجهها. إن سمحت لنفسها أن تقترب كثيراً من شخص مثل ديمتريوس باباساكيس فهي الوحيدة التي ستشعر بالألم والحزن في النهاية.
صفحة 10
2- الكلمة الأخيرة
لم يمر على ماديسون أسبوع في حياتها بمثل السرعة التي مضى فيها هذا الأسبوع. فمع مرور كل يوم أخذ الرعب يزداد بداخلها حتى بدأت تشعر كأنها على حافة الهاوية بانتظار صوت الغراب ليعلن موتها الوشيك. حاولت بكل ما لديها من قوة أن تخلص نفسها من قبضة ديمتريوس باباساكيس لكن بدون جدوى، كما حصلت أمور عدة ضاعفت بؤسها. وصلتها مجموعة من الفواتير تضمنت إحداها مبلغاً ضخماً أنفقه أخوها، وعلمت أنها عاجزة عن تسديدها.
أمضت ماديسون عطلة نهاية الأسبوع غارقة في يأس مطلق وهي تحاول التفكير بطريقة تخرجها من المأزق الذي وجدت نفسها فيه، لكنها في النهاية أذعنت باستسلام بعد أن تم تضييق الخناق عليها. دخلها المتواضع من عملها في متجر للكتب المستعملة بالكاد مكّنها من توفير ثمن تذكرة سفر كيلي، فكيف بالمليون والنصف مليون دولار ثمن اليخت؟
عند وصولها إلى عملها صباح الاثنين تلقت ماديسون صدمتها الكبرى. نظر إليها رئيسها في العمل هيوغو مكفيل من فوق نظارتيه وهو يحرك شاربيه من الأعلى إلى الأسفل بفرح وسعادة.
- ماديسون، لدي أخبار غير سارة لك.
شعرت بانقباض في معدتها من نبرة صوته المنذرة بالشؤم. سألته غير راغبة فعلاً في معرفة ما يجري: "ما الأمر؟"
- أخشى القول إنني سأبيع المتجر.
رمشت بعينيها للحظات عدة، ثم قالت: "أوليس ذلك أمراً مفاجئاً؟"
أجاب: "نعم ولا. لطالما فكرت بالتغيير، لكنني أردت الانتظار حتى أحصل على سعر جيد يليق بالمكان، وها قد حصلت على عرض مغر في عطلة نهاية الأسبوع. في الواقع، إنه عرض جيد جداً لا يمكن رفضه".
ما إن استوعبت ماديسون ما يجري معها من أحداث حتى تراجعت إلى الوراء في كرسيها.
- ألا تعتقد أن المالك الجديد قد يرغب في الحفاظ على المتجر؟
- لا. سيتم هدم المبنى لبناء فندق مكانه.
شهقت غير مصدقة: "فندق؟"
قال هيوغو بفخر محاولاً تلطيف الخبر: "نعم. فندق فخم جداً. كما أن تاجر الخضار والخباز باعا متجريهما أيضاً لتوفير مساحة أكبر للفندق".
طوال سنواتها الأربع والعشرين لم تشعر ماديسون يوماً بغضب مماثل. ساورتها رغبة خفية في أعماقها لمعرفة اسم المالك الجديد.
- هل تعلم من هو المالك الجديد؟
- أجل، إنه البليونير اليوناني ديمتريوس باباساكيس. تحدثت الصحف في الأسبوع الماضي عن فقدانه ليخت كبير. هل قرأت ذلك الخبر؟
حركت ماديسون رأسها محاولة إخفاء القلق الظاهر في عينيها. قالت: "لا، لم يتسنى لي الوقت للاطلاع على الصحف".
- يبدو أن أحدهم قام بتخريب ذلك اليخت الفخم.
سألت وهي تتجنب نظرات عينيه: "وهل اتهم شخصاً معيناً بذلك؟"