eKtab
EN ع
حامل لواء التاريخ في الأندلس - ابن حيان القرطبي
اقرأ عينة مجانية

حامل لواء التاريخ في الأندلس - ابن حيان القرطبي

بقلم د. أنور زناتي

صفحة 1
المقدمة وعرض المصادر والمراجع

على الرغم من التدهور السياسي والاقتصادي الذي حل بالعالم الإسلامي في المشرق والمغرب ، والتجزئة التي ضربت بلاد الأندلس في أواخر القرن الرابع الهجري (11م) ، وظهور دويلات الطوائف ، وانتشار النزاعات والصراعات .

الداخلية فيما بينهم ، وسعي كل فريق منهم إلى الانفراد بالسلطة ، ناهيك عن تفاقم الخطر النصراني وتعاظم دور اليهود في كثير من مدن الأندلس ؛ إلا أن هذا العصر وعلى النقيض شهد نهضة فكرية نادرة المثال ؛ ولم تكن الثقافة الأندلسية يوماً أشد إشعاعاً ، وأقوى خصوبة كما كانت عليه في تلك الفترة . فقد أجمع الدارسون على ازدهار الحركة الثقافية في عصر ملوك الطوائف ، وذلك راجع إلى تداعيات وظلال العصر السابق ، مما يؤكد رؤية الدكتور محمود إسماعيل القائلة بأن " الظواهر الفكرية في تطورها وفي أفولها تحتاج إلى فترة زمنية طويلة " .

ولا شك أن دراسة أعمال المؤرخين والمفكرين الرواد تكشف عن وجود رؤى وتصورات وقواعد استنبطوها من خلال معاركة الاشتغال بالتاريخ ؛ بحيث يمكن القول بأن كل مؤرخ كان لديه مفهوم عن " فكرة التاريخ " انعكس تأثيره علي ما كتب وصنف من أعمال " . كما تكتسب دراسة المؤلفات التاريخية عامة أهميتها من دور المؤرخين في حياة الأمة ، ومتابعتهم الوقائع والأحداث ، وتسجيل ظواهرها وتطوراتها ، ودراسة هذه الشخصيات ومؤلفاتهم تعطينا صورة عن تطور المنهجية التاريخية للمرحلة التي كُتِبَت فيها .

ومن هنا تنبع أهمية دراسة المؤرخين بصفة عامة إلى كون الكتابة فيها تحاول الوقوف على منهجية البحث لديهم ، والعوامل المؤثرة في فكرهم التاريخي ونلمح أثر هذا المنهج بصور مختلفة لدى المؤرخين المسلمين بصفة عامة ومؤرخي عصر ملوك الطوائف بصفة خاصة ، وقد تمثل التيار الإبداعى فى الفكر التاريخي فى عدد من المؤرخين النابهين من أتباع مدرسة ابن حَزْم التى جمعت بين العقل والنقل ، وبين الرواية والدراية ؛ فكان من البديهي أن يزدهر الفكر التاريخي إبان تلك الحقبة التي شهدت " القرن الذهبي" في تاريخ الفكر الإسلامي. وخير نموذج يمثل تلك المرحلة هو " ابن حَيَّان القرطبي " حامل لواء التاريخ في الأندلس .

وقد دفعني إلى اختيارهذا الموضوع أنه : لم يفرد له أحد من الباحثين دراسة أكاديمية متكاملة جامعة لأطرافه ، منظمة لأبوابه تليق بمؤرخ في حجم ابن حَيَّان خاصة وأن هناك عدة جوانب جديدة وجد هامة تم إضافتها بعد اكتشاف السفر الثاني من المقتبس الذي كان مفقوداً لعقود طويلة ، وفيه إضافات جديدة ألقت مزيد من الضوء على فكر ابن حَيَّان ومنهجه في الكتابة التاريخية .

وابن حَيَّان يتبوأ مكانة مرموقة بين مفكري الأندلس نتيجة لما أخرجه من تراث تاريخي لا يمكن الاستغناء عنه في دراسة تاريخ المغرب والأندلس ، وهو بلا شك – كما يؤكد دكتورمحمود علي مَكي - : " أعظم مؤرخ أنجبته الأندلس ، بل والغرب كله ـ الإسلامي والمسيحى منه على السواء " ، وقد أشاد المستشرق الهولندي دوزي Dozy ( ت 1883 م ) بصدق الرواية عند ابن حَيَّان ؛ ناهيك عن شهادة المؤرخ والفيلسوف ابن خلدون ( ت 808 هـ / 1406 م ) في مقدمته فقال أنه : "قَيَّد شوارد عصره واستوعب أخبار أفقه وقطره" .

أما عن حظ الموضوع من الدراسات السابقة ؛ فقد نال ابن حَيَّان اهتماماً كبيراً من المستشرقين وعلى رأسهم دوزي الذي فطن مبكراً إلى قيمة ما كتبه ابن حَيَّان ، واستعان بمخطوطاته في كتاباته عن تاريخ الأندلس ، وقام بإبراز مكانته بين مؤرخي الإسلام ، وجاء من بعده المستشرق الإسباني فرانشيسكو كوديرا F.Codrea ( ت 1917 م ) الذي نشر بعض الأبحاث استفاد فيها من المقتبس تحت عنوان " دراسات نقدية حول تاريخ الأندلس " .

وهناك أيضاً جهود ملتشور أنطونيا Antonia ( ت 1936 م ) ، الذي يرجع إليه الفضل في نشر أول أثر تاريخي لابن حَيَّان ، وقام بإعداد رسالته للدكتوراه حول ابن حَيَّان ومؤلفاته التاريخية ، ونشر فصولاً حول هذا الموضوع في مجلة " مدينة الله " Ciudad de Dios" " ثم نال درجة الدكتوراه ببحثه هذا في سنة 1933 م . وواصل الاهتمام بتاريخ ابن حَيَّان المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال Lévi Provençal ( ت 1956 م ) خليفة دوزي ، وتابَع عمله في محاولة كتابة تاريخ شامل للأندلس .

وهناك أيضاً دراسة قيمة نشرها بدرو تشالميتا Pedro Chalmeta بعنوان " الكتابات التاريخية الإسبانية خلال العصور الوسطى : المدونات العربية " نشرها في مجلة " الأندلس " Al-Andalus، وناقش فيها إنتاج اثنين من كبار مؤرخي الأندلس هما : ابن حَيَّان ، وابن عذارى المراكشي (ت720هـ/1320م). وبالنسبة لابن حَيَّان ناقش قضية تاريخ تأليف "المقتبس " بصورة تفصيلية . وهناك مقال المستشرقة ماريا خيسوس بيغيرا Viguera، ونشر في مجلة " القنطرة " حول التاريخ الذي كتب فيه ابن حَيَّان " ومقال آخر لنفس الباحثة بعنوان " ملاحظات حول ابن حَيَّان " ونشرته في مجلة " شؤون عربية " والتي تصدرها جامعة الدول العربية في تونس في طبعتها الإسبانية سنة 1986 م . كما أن هناك دراسة ماريا لويسا آبيلاAvila Maria Lusia بعنوان " تاريخ كتابة المقتبس لابن حَيَّان " La Feche de redaccion del Muqtabis وهو منشور في مجلة " القنطرة " المجلد الخامس .
صفحة 2
أما الدراسات العربية فكان أهمها على الإطلاق ، دراسة الأستاذ الدكتور محمود علي مَكي عندما قام بتحقيق كتاب المقتبس – السفر الثاني – سنة 1973 م واستعرض فيها قيمة ابن حَيَّان التاريخية ونشأته وشيوخه وأعماله ومنهجه في كتابة التاريخ ، ثم تابع الدراسة سنة 2002 م عندما قام بنشر السفر الثاني ( الشطر الأول المكتشف حديثاً ) ، وهناك دراسات متخصصة حول ابن حَيَّان تضمنها عدد مجلة المناهل الذي صدر بمناسبة الندوة العلمية التي عقدت بالرباط عام 1981 م حول ابن حَيَّان وآثاره التاريخية ، وحمل رقم 29 ، ونعرض باختصار لأهم تلك الأبحاث ، ومنها مقال الدكتور إحسان عباس ، حول " طريقة ابن حَيَّان في الكتابة التاريخية " وتعرض فيه لمنهج الكتابة التاريخية عند ابن حَيَّان وتتبع فيه عدداً من النصوص ، التي نص ابن حَيَّان في المقتبس على أنه نقلها عن مؤرخين سابقين ، مثل ابن الْقُوْطِيَّة ، والرَّازي ، والزُّبَيْديّ ، وابن حَزْم وانتهى من المقابلة بين ما كتبه ابن حَيَّان ، وما ورد في أصول هؤلاء المؤرخين إلى نتيجة وهى أن " ابن حَيَّان لم يكن يرى في نفسه محض ناقل عن الآخرين ، بل كان له من قدرته على التحليل والأسلوب الجميل ، ما يقنعه بأنه لابد من أن يعيد كثيراً مما كتبه غيره ، ليكون التاريخ متناسقاً في مستوياته المختلفة " .

ويلي هذا البحث مقال للدكتور مصطفى الشكعة بعنوان " أبو مروان

ابن حَيَّان بين الأدب الإبداعي ، وأدب كتابة التاريخ " واستعرض فيه خصائص وأسلوب الكتابة لدى ابن حَيَّان ، وأن الكتابة التاريخية لديه قد تحولت إلى أدب متميز . أما دراسة الدكتور محمد مفتاح عن " منهاجية ابن حَيَّان في تأريخ الأدب ونقده" وقام بتوجيه النظر إلى التراجم ، التي ساقها ابن حَيَّان في تاريخه للشعراء ، والأدباء ، التي تبدو فيها خصائص الكتابة التاريخية عند ابن حَيَّان .

وهناك دراسة الدكتورة وداد القاضي واستعرضت فيه مسألة الفكر السياسي لابن حَيَّان والمهمات التي يجب على الخليفة أن يضطلع بها من وجهة نظر ابن حَيَّان سواء بالنسبة للجهاد ضد العدو الخارجي ، أو موقفه من الفتن الداخلية بمختلف أشكالها السياسية والمذهبية .

وهناك دراسة قيمة عن فكر ابن حَيَّان التاريخي للأستاذ الدكتور محمود إسماعيل في كتاب " الفكر التاريخي في بلاد المغرب والأندلس " وتضمن دراسة تقويمية لفكر ابن حَيَّان ورؤيته التاريخية وما له وما عليه .

هذا وقد واجه الباحث عدة عقبات ، أهمها مشكلة صعوبة الرجوع إلى كافة أعمال ابن حَيَّان لأن أغلبها مفقود مثل كتاب المتين ، والدولة العامرية ، والبطشة الكبرى ؛ فكان على الباحث الرجوع للمصادر التي اعتمدت على تلك الكتب المفقودة من أمثال ابن بَسَّام في الذخيرة والمقري في نفح الطيب والإحاطة لابن الخطيب الخ ، وكذلك كانت ترجمة ابن حَيَّان في مؤلفات اللاحقين ترجمة مقتضبة لا تتجاوز الصفحة الواحدة وأغلبهم نقل ممن سبقه ، وبالتالي اجتهد الباحث في استنطاق النص .

ولكي يخرج الكتاب بمنهجية واضحة وفق الموضوعات السابقة ، فقد ابتعد الباحث عن مجرد السرد التاريخي للحوادث الذي لا يقوم إلا على رص المعلومات بجانب بعضها البعض ؛ لذا استخدم قدر الاستطاعة المنهج العلمي من حيث التحليل والتعليل والربط والاستنتاج دون إسراف ، والاستناد إلى المصادر

الأصلية ، وتفنيد بعض الروايات واستخدام بعض المناهج في معالجة الموضوع كل منهج وفق متطلبات فقرات البحث ، مثل المنهج الاستقرائي ، وتحليل المضمون عن طريق استيعاب نصوص ابن حَيَّان ثم تحليلها ووضع افتراضات حولها بحثاً عن حلول لإشكاليات متناثرة فكان أن استعنا بالمنهج التفكيكي – التركيبي للنص بحثاً عن الجوانب الدلالية الشمولية لحل تلك الإشكاليات التي واجهت البحث ، كما تم الاستعانة أيضا بالمنهج الإحصائي عند إحصاء نسبة اعتماد ابن حَيَّان في كتاباته على عدد من المؤرخين ثم عند إحصاء عدد مرات نقل ابن حَيَّان من هؤلاء المؤرخين وذلك حتى لا يكون العمل مجرد عمل توصيفي بحت بل عمل معرفي قائم على الاستقراء والتحليل والتفسير .

وقد جاء هيكل البحث مقسماً إلى مقدمة وخمسة فصول ، ثم خاتمة ؛ فالمقدمة اشتملت على خطة البحث والمنهج الذي سلكه الباحث في معالجة الكتاب وتعرض بإيجاز لأهمية دراسة المؤرخين وأهمية الموضوع وأسباب اختياره وعرض للمصادر والمراجع الخاصة بالكتاب .

وتناول الفصل الأول " العوامل المؤثرة في فكر ابن حَيَّان التاريخي " والتي تركت أثارها على منهجه ، فتعرض الباحث لأحوال المجتمع الأندلسي فترة حياة ابن حَيَّان ؛ ومدى اضطراب ذلك العصر الحافل بالتناقضات ، وانعكاس ذلك على فكره وخبرته التاريخية ؛ حيث رصد وبدقة مرحلة الفتن والاضطرابات المتتالية في الأندلس ، وكون لديه رؤية واعية تجاه أحداث مجتمعه ، وعبر عما حدث في هذا المجتمع من جوانب استحقت النقد ؛ لذا تعرض في كتاباته إلى نقد مظاهر الفوضى والتفكك في الأندلس .

كما أوضح الباحث – في نفس الفصل – أثر نشأته في بيئة علمية أثرت في توجيهه الفكري ، بالإضافة إلى وثائق وقع عليها بحكم نشأته في أسرة قريبة من بلاط الخلافة ، ووظيفة لم تكن عائقاً لموهبته وجعلته يمضي في كتابة تاريخه الكبير. واختتم الباحث الفصل بتحليل الانتماء المذهبي لابن حَيَّان وتعصبه للمذهب السني المالكي – وهو المذهب الرسمي للدولة – وانعكاس ذلك بوضوح على كتاباته ويظهر ذلك في هجومه الشديد على أتباع المذاهب الأخرى .

ثم جاء الفصل الثاني للدراسة بعنوان " مؤلفات ابن حَيَّان ( التصنيف والمحتوى ) ، وتم التركيز على مصنفات ابن حَيَّان المطبوعة والمتناثرة بين ثنايا الكتب ، وتم استعراض محتوى تلك الأعمال من مختلف الجوانب حيث اشتملت على جوانب عديدة ، سياسية ، واقتصادية ، واجتماعية ، وثقافية . وكتبه في هذا المجال هي : "المقتبس" ، و"المتين" و"أخبار الدولة العامرية"، و"البطشة الكبرى" ومجموع هذه الكتب يشكل ما يطلق عليه اسم " التاريخ الكبير" لابن حَيَّان .
صفحة 3
وتم استنتاج عدة ملاحظات حول أعماله من حيث أنه " أرخ للعدوتين الأندلس والمغرب تأريخا شاملاً مؤسساً على الاهتمام بالأخبار بالدرجة الأولى خاصة في كتابه "المقتبس" ، ولم يحاول لسبب أو لآخر أن يكتب في تاريخ أي قطر من أقطار العالم الإسلامي ، وإنما قَصَرْ نشاطه العلمي على العدوتين – المغرب والأندلس - ، والملاحظة الأخرى أنه ركّز بصفة خاصة على قُرْطُبَة التي كان يعتد بها أشد الاعتداد ، متخذاً من ولاءه لبني أُمَيّة منطلقاً أساسياً في كتاباته ؛ مما أدى ذلك إلى تسفيه خصومهم في الداخل والخارج . وملاحظة أخرى تم رصدها من العديد من مفرداته وهي تعدد مجالات المعرفة الاجتماعية والثقافية التي طرقها ابن حَيَّان وعكست لنا ألواناً من الحياة الأندلسية الاجتماعية والثقافية ؛ فنراه يرصد العديد من الظواهر الاجتماعية عندما يصور شرائح المجتمع بما فيها من صور الوشاية ، والذم ، والمكائد ، وفساد القضاة ، كما عكس الصراع الذي كان يدور بين الفقهاء والخليفة وأوضحت أيضاً مدى اهتمامه بالجانب الاقتصادي من خلال تعدد مفردات مثل " دار السكة " و" دار الضرب " و" خالص الذهب والفضة " ، و" قبض الجباية " ، و" تدليس العملة " الخ .

أما الفصل الثالث ، فقد خُصِص لدراسة المرجعية التاريخية لابن حَيَّان وكيف استند في تاريخه إلى مرجعيات عدة منها : " المشاهدات العيانية " خاصة وأن عصره كان زاخراً بالأحداث التي تستحق الرصد والتسجيل ، واعتمد كذلك على "الروايات الشفوية" التي أخذها عن مقربيه ومكاتبيه ، وهم أشخاص توافرت لديهم المعرفة بالحدث والثقة فيما يوردون من أخبار ؛ فدوّن الكثير برواية هؤلاء كما استند أيضاً إلى "الوثائق الرسمية" ، التي اطلع عليها بحكم نشأته في أسرة مقربة من بلاط الخلافة ، أو أًَطْلَعهُ عليها والده حيث كان كاتباً ووزيراً مقرباً للعامريين ، وهي وثائق يندر وجودها في مصادر أخرى وتغطي مساحة مهمة من التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لبلاد الأندلس ، كما استند إلى آثار من تقدمه من الإخباريين والمؤرخين . وقام بنقل مؤلفات هي الآن في عداد المفقود من التراث الأندلسي ، وكان في المقتبس أكثر اعتماده على الكتب والنقل منها . وكان ابن حَيَّان قد عرف كيف يستفيد من جميع الكتب السابقة ذات القيمة التاريخية ؛ ولذا اجتهد في أن يجمع أكبر عدد من المصادر التي تنوعت بتنوع الموضوعات التي عالجها في تاريخه الكبير منذ الفتح الإسلامي للأندلس حتى عصره .

وجاء الفصل الرابع ليعرض فيه الباحث " منهج الكتابة التاريخية عند ابن حَيَّان " ، مستعرضاً في البداية تطور الكتابة التاريخية في الأندلس ومنهج المؤرخين في تناول موضوعات التاريخ المختلفة حتى عصر ابن حَيَّان حيث تنوعت أصناف الكتابة وتعددت الموضوعات ؛ لذا كان من البديهي أن تتنوع مناهج المؤرخين التي طبقوها في دراسة التاريخ ، وكان لكل مؤرخ طريقته في التأريخ ، وأسلوب يكاد يلازمه في كل ما يكتبه . ثم تعرض بالتفصيل لمنهج الكتابة لديه موضحا كافة المناهج التي اتبعها وكيف استفاد من المناهج التي عرفها مع التركيز على المنهجين الحولي والموضوعي ، ورأى أن يجمع بينها وأن يستفيد منها كل ذلك مع الاستشهاد بنصوص ابن حَيَّان ، وتم رصد قيمة المنهج الذي اتبعه وخلو إنتاجه من التفسيرات الخرافية والأساطير ؛ ثم استعرض الباحث خصائص وأسلوب الكتابة التاريخية عنده ، وكيف كان أسلوبه يمتاز بالسهولة والوضوح والتعبير الدقيق عن الحقائق ، وقوة التدليل والتفسير والتعليل ، وامتاز بترابط الفكرة ، وتخير المفردات والتراكيب العربية السليمة ، وتخلص من قيود السجع ومحسنات البديع المتكلفة ، وتدلنا كتاباته التاريخية على أدبه الرفيع مع التزام الدقة والأمانة التاريخية .

ثم جاء الفصل الخامس والأخير فكان بعنوان " ابن حَيَّان مفسراً للتاريخ " وبدأ بعرض تعدد غايات المؤرخين في عصر ابن حَيَّان ، وتنوع أهدافهم ثم حدد مقاصد وغايات ابن حَيَّان التي شرحها في كتاباته ثم استعرض التفسير والموضوعية عنده حيث فطن إلى أهمية التفسير والتعليل في مجال كتابة التاريخ ؛ وذكر السبب بالحدث قد استمد تفسيراته من الاستقراء الواعي للأحداث حيث قام بتعليل وتفسير العديد من الأحداث ، وقد عول في تفسيره على عدة محاور منها : التعويل على العقل والاستقراء الواعي للأحداث ، وكذلك على البعد المذهبي ، ونراه أيضاً يعول على التفسير الإثني أو العرقي ، كما استند في تفسيراته على البعدين الديني والأخلاقي ، وقام الباحث باستعراض ذلك بالتفصيل .
صفحة 4
وأوضح أيضاً كيف ارتبط التفسير في أغلب الأحوال بالموضوعية ؛ فالمؤرخ الموضوعي هو ذلك المؤرخ الذي يذكر الحقائق وحدها بعيدا عن الأهواء والمصالح الشخصية قدر المستطاع ، متجنباً الأكاذيب والشائعات ، وهي صفة المؤرخ الذي تتسم أعماله بالدقة والأمانة البحثية ، ولا يلجأ إلى تغليب نظرته أو رؤاه الشخصية على تلك الأحداث . ولذا استعرض الباحث أيضاً وبتفصيل مدى موضوعية ابن حَيَّان في كتاباته التاريخية .

وأخيراً ضمنت خاتمة الدراسة النتائج التي توصل إليها الباحث ، واختتم البحث بأهم المصادر والمراجع العربية والأجنبية التي أعانت الباحث في انجاز هذا الكتاب .

هذا ولم تكن الدراسة لتستقيم إلا بعد اعتماد الباحث على العديد من المصادر والمراجع العربية والمعربة والأجنبية ؛ فبالنسبة للمصادر فقد تنوعت ما بين الكتب التاريخية ، وكتب التراجم ، والطبقات ، والأنساب ، وكتب الأدب ، الجغرافيا ، بل والفقه والنوازل .

وقد اعتمدت – بالدرجة الأولى – في هذه الدراسة على تراث ابن حَيَّان المطبوع والمخطوط ، والمتناثر بين ثنايا الكتب خاصة كتابي " المقتبس " و" المتين " ، وصاحبتني أعماله من أول الدراسة حتى آخرها ، وأفادتني إفادة جمة في كافة فصول الدراسة خاصة عند الحديث عن العوامل المؤثرة في فكره التاريخي ومنهج الكتابة لديه ؛ ناهيك عن التصنيف والمحتوى لمؤلفاته ، حيث استوعب كتاب المقتبس ثم المتين مختلف الموضوعات ، وفيهما أرخ لتاريخ وحضارة الأندلس والمغرب واعتمد على العديد من المصادر وأغلبها مفقود حتى الآن ؛ مما يزيد من قيمة أعماله .

وقد أفادت نصوص كتاب المتين المتناثرة في ثنايا المؤلفات الباحث أيما إفادة عند الحديث عن موضوعية ابن حَيَّان ، وأمدته بمادة غزيرة أعانته على إثبات مدى دقة ابن حَيَّان باعتباره شاهد عيان على الأحداث حيث عرض فيه ما شاهده بعيني رأسه ، وما قد عايشه بنفسه . فكان أن سمى تأريخه بـ " المتين " ربما إشارة دلالية باستيثاقة مما دون من مشاهداته ؛ فنجده يعتمد في تأريخه إلى مشاهداته المباشرة كما أبرز الكتاب روح النقد لديه حيث كان شاهد عيان على الوضع السياسي المتردي لملوك الطوائف وسجل فيه انتقادات لاذعة أشار إليها الباحث عند الحديث عن الموضوعية في كتاباته .

وقد استفاد الباحث إفادة جمة من سائر الكتب التي تناولت تراث ابن حَيَّان ونقلت عنه ، ومن أهمها : كتاب " الذخيرة " لابن بَسَّام الشَنْتَريني( ت 542 هـ / 1148 م ) ، والذي يعتبر خير من احتفظ لنا بأطول نصوص ابن حَيَّان في المتين مع الحرص الدقيق على بداية نقله عن هذا المؤرخ ونهايته ، وقد أَرّخ فيه لملوك الطوائف في الأندلس ، وألقى الضوء على منهجية وأسلوب ابن حَيَّان في كتابة التاريخ ، ولولا كتاب الذخيرة لفقدنا تلك النصوص على الإجمال .

ومن الكتب التاريخية التي اعتمد عليها البحث بشكل كبير كتاب البيان المُغْرِب لابن عذاري ( ت 712هـ / 1312 م ) ، وكان منها نصوص من كتب مفقودة حتى الآن أشار ابن عذاري في مقدمة كتابه في الجزء الأول إلى اعتماده على ابن حَيَّان ، وحدد ذلك بالقول إنه نقل من " أخبار الدولة العامرية " لابن حَيَّان ، وهو كتاب مفقود حتى الآن ، وتتميز نقولات ابن عذاري من كتاب أخبار الدولة العامرية بأنها تعتمد الرواة الذين أخذ منهم ابن حَيَّان ، ولاسيما في عصر عبد الملك المُظَفَّر، وأخيه عبد الرحمن شنجول مما ألقى الضوء على رؤية ووجهات نظر ابن حَيَّان في تلك الفترة الحاسمة في تاريخ الأندلس .

وهناك كتاب ابن الخطيب ( ت 776 هـ / 1374 م ) "الإحاطة في أخبار غَرْناطة" ؛ حيث نقل معلومات قيمة عن تاريخ ابن حَيَّان مفقودة حتى الآن منها ترجمة للمنصور بن أبى عامر ، نص فيها على أنه ينقلها عن " المؤرخ في الدولة العامرية " .

أما كتاب نفح الطيب للمقري ( ت 1041هـ / 1631 م ) فقد ألقى الضوء على اهتمامات ابن حَيَّان الجغرافية والأثارية ، وذلك لما أورده من كتاباته عن قُرْطُبَة وشهرتها وجامعها الكبير ، والقنطرة المعروفة بالجسر الخ ، كما أفاد الكتاب الباحث في توضيح منهج ابن حَيَّان في التمحيص عندما نقل عنه تفنيد خرافة المائدة المنسوبة لسليمان عليه السلام ، كما كان المقري من القلائل الذين أشاروا إلى وظيفة ابن حَيَّان وتقلده منصب صاحب الشرطة ناهيك عن شهادته التي دعمت فكرة موضوعية ابن حَيَّان عندما شهد له بالثقة والموضوعية ووصفه بقوله " مؤرخ الأندلس الثبت الثقة ، أبو مروان ابن حَيَّان " .

ومن المصادر المهمة كتاب ابن الأَبَّار ( ت 658 هـ / 1259 م ) " الحُلة السِّيَراء " حيث أورد عن ابن حَيَّان نصوصا مفقودة من " الدولة العامرية " أيضاً أهمها ذكر غزوة المنصور ابن أبي عامر إلى برشلونة ، كما قدم فيه ترجمات لبعض مؤرخي العصر وشيوخ ابن حَيَّان أيضاً مما أفاد البحث كثيراً .

أما المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي ( ت 647 هـ / 1249 ) فقد أفاد منه الباحث فيما يتعلق بسيرة الحاجب المنصور وشخصيته العلمية ، وألقت الضوء على تكوين ابن حَيَّان الفكري نظراً لقرب والده من بلاط المنصور وأطلق على كتاب ابن حَيَّان اسم " المآثر العامرية " .

وهناك المُغرب في حُلَى المَغرب لابن سعيد ( ت 685 هـ / 1286 م ) فقد أفاد منه الباحث فيما يختص ببعض التراجم ، وكذلك علاقة والده الوثيقة بالمنصور العامري ، كما أفاد البحث عندما تعرض لترجمة المُسْتَكْفي محمد بن عبد الرحمن الناصر ، وأظهر منهج ابن حَيَّان النقدي ومدى موضوعيته التاريخية بالإضافة إلى ما أشار إليه ابن سعيد من أن المتين يذكر فيه ابن حَيَّان أخبار عصره ويمعن فيها مما شاهده ، وهو ما أفاد الباحث عند الحديث عن المشاهدة والعيان في كتابة تاريخه الكبير .
صفحة 5
ومن الكتب التاريخية التي اعتمد عليها البحث بشكل كبير كتاب الصّلة لابن بَشْكُوَال Ibn Pascual ( ت 578 هـ 1183 م ) : أقدم مترجم لابن حَيَّان ، وقد احتفظ لنا بنسبه كاملاً مكتوباً بخط ابن حَيَّان نفسه ، كما قدم ترجمات لمعظم شيوخه ومؤرخي عصره مما أفاد في الحديث عن المكانة العلمية لهم ووظائفهم ومدى تأثيرهم في ثقافة ابن حَيَّان التاريخية ، ويعد الكتاب من أهم كتب التراجم وأعظمها فائدة وتبرز أهمية الكتاب في أن مؤلفه كان كثيرا ما يتقصى سير بعض العلماء فيأتي بمعلومات قيمة توضح لنا ما كان عليه المجتمع الأندلسي من علم ومعرفة .

كما أمدت كتب ابن الفَرَضى ( ت 403 هـ - 1012م) ، وأهمها كتاب " تاريخ العلماء والرواة بالأندلس، الباحث بالمعلومات الوفيرة التي جمعها ليرسم بها صورة للنشاط الثقافي في الأندلس ، كما استفاد الباحث منه في بعض جوانب البحث لأنه يضم تراجم عديدة لعلماء الأندلس الذين أثروا في تكوين فكر ابن حيان أيضاً وألقت القى الضوءعلى جوانب ثقافية متعدةة ، وتبرز أهمية الكتاب في معاصرة المؤلف للكثير من العلماء الذين ترجم لهم ، كما أوضح الكتاب مسألة ابن مسرة ، وموقف الناس منه ورأي ابن حَيَّان في سيرته ناهيك عن إلقاء الضوء على التطور لذي حدث في كتابة التراجم في الأندلس وهو ما أوردناه في مسألة " تطور الكتابة التاريخية قبل عصر ابن حَيَّان .

وقد استفاد الباحث من كتاب أبي رفيع المستوى وهو الفصوص لصاعد البغدادي ( ت 417 هـ / 1026 م ) – تحقيق عبد الهادي التازي -حيث ألقى الضوء على سيرة الأديب صاعد وحياته العلمية باعتباره أحد أهم المؤثرين في شخصية ابن حَيَّان الأدبية وقد أكد تلمذته المباشرة لصاعد وسماعه منه كتاب الفصوص .

ومن المصادر ذات الصبغة التاريخية التي أفادت الباحث كتاب " ذكر بلاد الأندلس " ( لمؤلف مجهول ، يُرَجَح أنه عاش في أواخر القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي ) ، وفيه عدد من النصوص المأخوذة عن ابن حَيَّان ، وألقت الضوء على اهتماماته الجغرافية عندما نقل عنه معلومات عن موقع الأندلس من الأقاليم الرابع والخامس والسادس منها ، ووصف موجز لقُرْطُبَة وحديث عن فضائلها كما نقل عنه الخبر عن الدولة العامرية .

أما كتاب تاريخ افتتاح الأندلس لابن الْقُوْطِيَّة ( ت 367 هـ / 977 م ) فقد أفاد الباحث عند التعرض لمسألة تطور الكتابة التاريخية في الأندلس وكتابة الفتوح كما ورد في هذا الكتاب أيضاً معلومات مفيدة تتعلق ببعض الأحداث السياسية التي انتقدها ابن حَيَّان مثال قصة طَرُوب والفتى نصر الخَصيِّ .

أما كتاب فهرس ابن عطية لابن عطية المُحاربيّ (481 – 541هـ / 1088-1146م ) فقد كشف عن جانب من جوانب ثقافة ابن حَيَّان من خلال تأكيد إجازته لكتاب الفصوص ، وأخذها ابن حَيَّان عن صاعد نفسه وروايته له . أما كتاب المرقبة العليا للنُّبَاهي ( ت بعد 793 هـ / 1390 م ) فقد أفادت الباحث في التعرف على الوظائف التي شغلها بعض مؤرخي العصر .

وهناك كتبا أفادت في الحديث عن بواكير الكتابة التاريخية في الأندلس من أهمها كتاب " التاريخ" لعبد الملك بن حبيب ، و" قُضَاة قُرْطُبَة " للخُشَنِيُّ ، و كتاب " تاريخ علماء الأندلس " لـ ابن الفَرَضِي ، وكتاب " تاريخ افتتاح الأندلس " لابن الْقُوْطِيَّة الخ .

أما بالنسبة للمراجع والدراسات الحديثة فقد أفادت الباحث إفادة كبيرة، وكان أبرزها على الإطلاق ، دراسة الأستاذ الدكتور محمود علي مَكي – عاشق ابن حَيَّان – وقدم فيها دراسة قيمة للغاية وتؤكد في نفس الوقت على ضرورة إفراد رسالة أكاديمية متخصصة لابن حَيَّان كمؤرخ .

ومن هذه الدراسات أيضاً مقال الدكتور إحسان عباس ، بعنوان " ابن حَيَّان الأندلسي مؤرخ الجماعة " ، وأفادت البحث إفادة جمة عند الحديث عن خصائص الكتابة التاريخية عند ابن حَيَّان ، وجعلته يركز على القاعدة التي يرتكز عليها الفكر التاريخي عند ابن حَيَّان ، وهى الاعتداد بالجماعة التي يقصد بها وحدة الأندلس ، التي مزقتها الفتنة البربرية ، وترتب عليها تمزق الأندلس إلى دويلات صغيرة ، وهو ما رأى فيه ابن حَيَّان على المدى البعيد ، انهيار الكيان الأندلسي كله ، وانعس ذلك بالضرورة على أحكامه النقدية في أحداث التاريخ بل والأدب والشعر .

ومن تلك الدراسات المهمة التي شكلت الرؤية المنهجية للبحث مشروع الأستاذ الدكتور محمود إسماعيل عبد الرازق " سوسيولوجيا الفكر الإسلامي " لاسيما الجزء الخاص بالفكر التاريخي ، طور الازدهار ، وهو ما أماط اللثام عن الكثير من الأمور الغامضة حول الدراسة ، وزود الباحث بمعلومات وفيرة عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وكذلك تحليل ورصد الظواهر التاريخية التي تعرض لها ابن حَيَّان ، ومن الكتب المهمة أيضاً " الأدارسة ، حقائق جديدة ، للدكتور محمود إسماعيل أيضاً ، والكتاب أفاد الباحث إفادة جمة حيث قدم دراسة جديدة ووافية لتاريخ الأدارسة استفاد الباحث من التحليل الذي كتبه عن رؤية ابن حَيَّان تجاه الأحداث ، وقدم معلومات جديدة وثرية عن عصر الأدارسة الأواخر الذي كان شبه مجهول ، كما استفاد منها في معرفة أوضاع المغرب الأقصى في عهود الأدارسة الأواخر وعلاقتهم بالفاطميين وأمويي الأندلس .

وكذلك هناك كتاب " إشكالية المنهج في دراسة التراث " وفيه تعرض بإسهاب واضح ورؤية عميقة لابن حَزْم ومدرسته وجدل الفقه والتاريخ ، وكان ابن حَزْم من معاصري ابن حَيَّان وصديق له بل واشتركا معاً في خدمة مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي نهضوي ، استهدف تحقيق وحدة الأندلس تحت راية " أموية " وإصلاح ما أفسده الدهر بعد تشرذم الأندلس في عصر ملوك الطوائف .

واستفاد الباحث من كُتَيب صغير الحجم عظيم الفائدة وهو الفكر التاريخي في المغرب والأندلس ، ومكن الباحث من التعرض إلى تطور الفكر التاريخي في الأندلس برؤية جديدة للدكتور محمود إسماعيل .
صفحة 6
ومن الكتب التي أفادت البحث افادة جمة وأثرته بمجموعة من الأفكار المتميزة كتاب " الحروب الصليبية في الأندلس " للأستاذ الدكتور عبد المحسن طه رمضان وامتاز بدراسة نقدية وافية عن مصادر ومراجع تاريخ الأندلس كشف فيها عن اطلاع ابن حَيَّان الوثيق بتاريخ الأندلس الإسلامية بل وتاريخ الممالك المسيحية أيضاً ، مما يرجح أنه كان يعرف عجمية الأندلس وأن " ما أورده ابن حَيَّان من أخبار عن أسبانيا المسيحية بما فيها أشتوريس وبمبلونه ينم عن معرفته الدقيقة بكل أحوالهما وأنساب حكامها ، أكثر من مؤرخي عصره من المسيحيين .

وهناك بحث للدكتور إحسان عباس الذي نشره في مجلة المناهل عدد 29، حول " طريقة ابن حَيَّان في الكتابة التاريخية " وأفاد البحث كثيرا في الفصل الخاص بمنهج الكتابة التاريخية عند ابن حَيَّان خاصة في الجزء الذي تتبع فيه عدداً من النصوص ، التي نص ابن حَيَّان في " المقتبس " على أنه نقلها عن مؤرخين سابقين ، مثل ابن الْقُوْطِيَّة ، والرَّازي ، والزُّبَيْديّ ، وابن حَزْم ، وانتهى من المقابلة بين ما كتبه ابن حَيَّان ، وما ورد في أصول هؤلاء المؤرخين إلى نتيجة وهى أن " ابن حَيَّان لم يكن يرى في نفسه محض ناقل عن الآخرين ، بل كان له من قدرته على التحليل والأسلوب الجميل ، ما يقنعه بأنه لابد من أن يعيد كثيراً مما كتبه غيره ، ليكون التاريخ متناسقاً في مستوياته المختلفة " .

وكذلك مقال الدكتور مصطفى الشكعة في نفس العدد بعنوان " ابن حَيَّان بين الأدب الإبداعي ، وأدب كتابة التاريخ " وأفاد الباحث في مسألة خصائص وأسلوب الكتابة لدى ابن حَيَّان وأن الكتابة التاريخية عنده تحولت إلى أدب

متميز ، أما دراسة الدكتور محمد مفتاح عن " منهاجية ابن حَيَّان في تأريخ الأدب ونقده" فقد أفادت الباحث في توجيه النظر إلى التراجم ، التي ساقها ابن حَيَّان في تأريخه للشعراء ، والأدباء ، التي تبدو فيها خصائص الكتابة التاريخية عند ابن حَيَّان .

وهناك دراسة الدكتورة وداد القاضي ، وأفادت الدراسة في مسألة الفكر السياسي لابن حَيَّان ، والمهمات التي يجب على الخليفة أن يضطلع بها من وجهة نظره ، سواء بالنسبة للجهاد ضد العدو الخارجي ، أو موقفه من الفتن الداخلية بمختلف أشكالها السياسية والمذهبية . وكانت الفائدة الجليلة من كتاب " تاريخ الفكر الأندلسي " لآنخل بالنثيا - ترجمة حُسَين مؤنس - خاصة عند دراسته النقدية لكتب التاريخ العام ، ومؤرخي عصر الطوائف ، وعلى رأسهم ابن حَيَّان وأفاد الدراسة عند التعرض لحياته ومؤلفاته التاريخية .

كما كان لكتاب " مدرسة فقه الحديث بالغرب الإسلامي " لخالد الصمدي فوائد متعددة حيث ساعد على شرح الوضع المذهبي في الأندلس ومدى تعصب ابن حَيَّان للمذهب السني المالكي الذي دخل إلى الأندلس في حياة الإمام مالك نفسه، وذلك بفضل من درسوا عليه من تلاميذه الأندلسيين ونقلوا كتابه " الموطأ" ، وهم على التوالي الغازي بن قيس ( ت 199 هـ / 814 م ) ، وزياد بن عبد الرحمن اللخمي الملقب بشبطون ( ت204 هـ / 819 م ) ، وهو أول من أدخل مذهبه فى الأندلس ، ويَحْيىّ بن يَحْيىّ اللَّيثِي ( ت234هـ / 848 م ) ، ومساهمات غيره من الفقهاء .

وكذلك استفاد الباحث من كتب كثيرة في شتى أنحاء لرسالة ساعدته على فهم بعض النواحي السياسية والحضارية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشها بن حيان وتعرض لها في كتاباته منها كتاب إبراهيم القادري بوتشيش: مباحث في التاريخ الاجتماعي للمغرب والأندلس خلال عصر المرابطين، وأيضا كتابه المغرب والأندلس في عصر المرابطين ، وكتاب أحمد بدر : دراسات في تاريخ الأندلس وحضارتها. وكتاب إحسان عباس : تاريخ الأدب الأندلسي " عصر الطوائف والمرابطين ، وكتاب السيد عبدالعزيز سالم : تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس ، وكتاب اوليفيا كونستبل : التجارة والتجار في الأندلس ، وكتاب حسن على حسن ، الحضارة الإسلامية فى المغرب والأندلس ( عصر المرابطين والموحدين ) ، وكتاب حُسَين مؤنس : الجغرافية والجغرافيين في الأندلس ، وشيوخ العصر في الأندلس .

وقد خُتِم البحث بالحديث عن أثر ابن حَيَّان في التاريخ والفكر الأندلسي وأتبعنا ذلك بملاحق توضح مدى تأثير ابن حَيَّان في المؤرخين اللاحقين ورأيهم فيه واعتباره بحق " حامل لواء التاريخ في الأندلس " .

وبعد ،،،، فقد قدم ابن حَيَّان للأندلس والمغرب خدمات جليلة من أهمها أن التاريخ الأندلسي حُرِمَ من كتاب يعني بتأريخ أحداثه السنوية إلا كتاب المقتبس لابن حَيَّان وأمدنا كتابه بمادة تاريخية وفيرة حول الأندلس ومؤرخيها الأوائل من خلال اعتناء ابن حَيَّان بالإسناد وقد أكدت الدراسة أن ابن حَيَّان من أكثر المؤرخين الأندلسيين اعتناء بتاريخ الأندلس وأن كتاباته كتبت كلها في تاريخ الأندلس ، ولم يحاول لسبب أو لآخر أن يكتب في تاريخ أي قطر من أقطار العالم الإسلامي ، وإنما قَصَرْ نشاطه العلمي على الأندلس والمغرب .

وطمح الكتاب إلى أن يكون مفتاحاً لدراسات أخرى عن هذا المؤرخ ، من أهمها وربما أكثرها قرباً من شخصية ابن حَيَّان موضوع " النقد الاجتماعي عند ابن حَيَّان " ؛ والدراسة تفتح المجال أمام الدارسين للخوض في عدة محاور منها : دور العوامل الاجتماعية والاقتصادية في تشكيل الوعي التاريخي لدى أغلب

المؤرخين ، وكذلك تفتح مجالاً خاصاً ببحث نشأة وتطور منهج الكتابة التاريخية لدى المؤرخ من خلال تجاربه الشخصية ومشاهداته العيانية ، وهو ما يتضح بصورة جلية في شخصية ابن حَيَّان كمؤرخ حيث وصل إلى درجة عالية من النضج في معالجة المجتمع الأندلسي وإبراز سماته وميزاته وعيوبه ونقائصه ، ويجد الباحث كم وفير من المواد النقدية في ثنايا كتاباته . وقد حاول الباحث دراسة شخصيته كمؤرخ انطلاقاً من رؤية علمية ، ومعايير موضوعية قدر المستطاع ولا يتأتى ذلك إلا من خلال رصد الإطار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمجتمع الأندلس في القرن الرابع الهجري ( 11 م) .

وبعد الانتهاء من هذا العمل عزمت على أن أرد الفضل لأهله ، وأن أسجل اعترافي بالجميل لأستاذي العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمود إسماعيل عبد الرازق الذي كان لي بحق أبا علمياً ومرشداً أكاديمياً من طراز رفيع ، أخذني بحلمه ورحابة صدره وكانت توجيهاته وإرشاداته العلمية خير معين لي في تخطي عقبات البحث فكل عبارات الثناء لا توازي عطاءه ، ولا كلمات الشكر تفيه حقه .

كما أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذة الدكتورة منى حسن محمود وأستاذتي الدكتورة محاسن محمد الوقاد على ما تفضلتا به من قبول مناقشي فكان لي بذلك الفضل شرف وأي شرف .

كذلك أتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى الأستاذ الدكتور عبد المحسن طه رمضان ، ولست أنسى موقفه معي حين أمدني بصورة من المخطوط النادر لابن حَيَّان ، ولولاه لما استطعت أن أحصل عليه ليكون من أهم مصادر الدراسة فجزاه الله عني خير الجزاء .

أما الصديق والأخ الدكتور سند أحمد فكان خير أمين ومعين لي في كل مراحل البحث وشاركني في السراء والضراء فجزاه الله خير الجزاء . وشكر عميق من القلب ينبغي أن يوجه إلى الأخ والزميل الدكتور خالد حسين الذي أعانني على فهم الكثير من أساسيات المنهج العلمي في الكتابة بخلق جميل ورحابة صدر.

كما لا أنسى ما حييت فضل أخي وصديقي الأستاذ الدكتور محمد رفعت عبد العزيز الذي كان وما يزال صاحب فضل كبير فله مني كل تقدير وإعزاز واحترام .
صفحة 7
كما أتوجه بالشكر إلى المسيو رونيه فانسان دو جرانلونيه أمين مكتبة معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان بالقاهرة ، وكنت أقضى أياماً في المكتبة العامرة بأمهات المصادر ، وكان يقدم لي كنوزها التي من الصعب الحصول عليها بسهولة ويسر فله مني جزيل الشكر والتقدير .

وما دمت في إسناد الفضل لأهله ، فإنه ينبغي أن أنوه بفضل أخي الكبير الدكتور فاروق زناتي الذي شجعني على البحث والدراسة وقد كان دائما المثل الأعلى لي منذ طفولتي وكانت لمكتبته الشخصية أبلغ الأثر في عشقي للتاريخ .

كما يرجع الفضل الأعظم في إنجاز ذلك العمل يعود إلى ابني خالد الذي على صغر سنه كان يعيش بين مئات الكتب القديمة والحديثة ، ورغم ذلك لم يقطع ورقة واحدة منها على عكس ما عهدنا من أقرانه فله ولوالدته - التي عانت أكثر مما عنيت - الشكر والتقدير والاحترام .

كما أدين بالفضل للمئات من الباحثين والدارسين والمحققين والأعلام الذين أثروا المكتبة الأندلسية بالعديد من الكتب والدراسات الجادة التي نفخر بها جميعاً وقد حاول كل منهم أن يستجلي ملمحاً من ملامح الحضارة الإسلامية الثرية في الأندلس .

وأخيراً لا يسعني بعد ذلك إلا تقديم خالص الشكر مرة أخرى لكل من أعانني على الاضطلاع بهذا العمل الذي لم أبتغ به بعد رضاء الله عز وجل إلا تجلية الصفحات المشرقة لتراثنا العربي الإسلامي الجليل ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

والله ولي التوفيق .

الفصل الأول

العوامل المؤثرة في فكر ابن حَيَّان التاريخي

• ملامح عصر ابن حَيَّان

• النشأة والتكوين

• وظائف ابن حَيَّان

• ثقافة ابن حَيَّان

• الانتماء المذهبي لابن حَيَّان

تعددت العوامل التي شكلت فكر ابن حَيَّان التاريخي وتركت أثارها على منهجه ؛ ما بين عصر متناقض شهد انحداراً سياسياً وازدهاراً ثقافياً ، وبيئة علمية أثرت في توجيهه الفكري ، وحضور مجالس علمية وأدبية ، بالإضافة إلى وثائق وقع عليها بحكم نشأته في أسرة قريبة من بلاط الخلافة ، وهي وثائق يندر وجودها في مصادر أخرى وتغطي مساحة مهمة من التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لبلاد الأندلس ، وانتماء مذهبي أثر في العديد من أحكامه ، ووظيفة لم تكن عائقاً لموهبته وجعلته يمضي في كتابة تاريخه الكبير.

وتأتي في مقدمة هذه العوامل ، طبيعة العصر الذي عاشه والأحداث التي عاينها ، حيث شهدت الأندلس في عصره – رغم الانحطاط السياسي – نهضة فكرية في شتى المعارف والعلوم العقلية ، وازدهرت الكتابة التاريخية ، وشهدت تطوراً ملحوظاً في المنهج والرؤية(1) ، كما كان لاهتمام حكام الأندلس بالحركة العلمية دور في إذكاء فكر ابن حَيَّان وإثرائه ، خاصة الحكم المستنصر(2) حيث كان والده مقرباً من بلاطه ؛ فتمكن من الوقوع على العديد من الوثائق التي ساعدته على إثراء كتاباته ، وهي وثائق يندر وجودها في مصادر أخرى وتغطي مساحة مهمة من التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لبلاد الأندلس ، ؛ وقد استعان بالعديد منها بين ثنايا مؤلفاته ، ووسط هذا الجو العلمي شب ابن حَيَّان ، واستمع إلى الروايات المختلفة والأحاديث الدائرة ، مما شكل فكره التاريخي والسياسي والثقافي معاً .

كما كان لتعصب ابن حَيَّان للمذهب السني أكبر الأثر في توجهاته وأحكامه الصادرة ضد أصحاب المذاهب الأخرى وانعكس ذلك بوضوح على كتاباته ، أما عن وظيفته فقد كانت السياسة شاغله في بداية حياته ، فتولى ديوان الشرطة " ثم صار مسئول" إملاء الذكر في ديوان بني جَهْوَر"(3) ، وأفاده الاشتغال بالسياسة حيناً في الاطلاع على الكثير من الوثائق الأندلسية التي أورد الكثير منها، كالرسائل المتبادلة بين الخليفتين الناصر والمستنصر ، وبين قواد جيوشهم في المغرب ، وكتاب الناصر إلي الرعية عقب بطشه بحركة ابن مسرة وهو ما سنعرض له بالتفصيل في فصول الكتاب (4) .

وسوف نتناول فيما يلي كل رافد من تلك الروافد والتي جعلته بحق " شيخ المؤرخين بالأندلس " .
صفحة 8
ملامح عصر ابن حَيَّان

عاش ابن حَيَّان القرطبي في الفترة ما بين ( 377 – 469 هـ / 987 – 1076 م ) ، وهي فترة عامرة بالأحداث السياسية حيث شهدت سيطرة الدولة العامرية ، ثم عصر الفتنة ، وسقوط الخلافة الأُمَوية ، وقيام دول الطوائف ، وتفاقم الخطر النصراني ، وتعاظم دور اليهود ، واندلاعالنزاعات العرقية والطائفية(5) وجميعها أحداث أثرت بلا شك في خبرته التاريخية وتركت أثاراً واضحة في ثنايا أعماله ؛ حيث رصد وبدقة مرحلة الفتن والاضطرابات المتتالية في الأندلس فصور الوضع العام بأن الرعية " عدموا الراعي العَنُوف منذ حِقَب ، فنبذوا السلاح وكلِفوا بالتّرْقيح"(6) ، ونافسوا في النّشَبِ ، وعطَّلوا الجهاد ، وقعدوا فوق الآرائك مقعد الجبابرة "(7) ، وتولى الأمر " جماعة من الأغمار، كانوا عصابةً يحل بها الفَتاءُ(8)، ويذهب بها العُجْبُ" (9) .

وكان الوضع في الأندلس في تلك الفترة قد تغير تغيراً جذرياً ؛ فبعدما كانت الخلافة تجمع بين السلطتين الزمنية والروحية ، جاء الحاجب(10) المنصور ابن أبي عامر ( 370-392هـ / 980 – 1001 م ) (11)، وأبناؤه من بعده(12) فانتزعوا منها السلطة الزمنية (13)، وكانت وفاة عبد الملك (المُظَفَّر) (14)ابن المنصور العامري فاتحة لفترة مضطربة من تاريخ الأندلس (15) بدأت بعبد الرحمن (شنجول) (16)الذي " ساء تصرفه وأنفق الأموال في غير وجهها ، ونُسِب إليه أباطيل القول والفعل ، واستعان بالعسكر للتحرر من نفوذ العامة(17)، وانتهى الأمر بقتله(18) ؛ ففتح على الأندلس باباً لم يُسَد إلا بانهيار الدولة كلها ، وكان ذلك إيذاناً ببداية نهاية دولة الإسلام في الأندلس .

كانت تلك الأزمة " جديرة بأن تشحذ العقول الذكية ، وتنتج مفكرين مخلصين يصطبغ تفكيرهم بالمرارة ويحاولون البحث عن علة ذلك الداء الذي أوتى منه بلدهم ومحاولة تكوين مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي"(19) ، ومن هنا ظهر هذا الجيل من أبناء قُرْطُبَة من أمثال ابن حَيَّان وابن حَزْم ، وابن شُهَيْد(20) ممن حاول كل منهم في ميدان علمه تقصى الحقيقة والبحث عن علاج لمحنة بلدهم (21) ، ولذا نلمح في كتابات ابن حَيَّان التاريخية شيوع روح النقد

لديه ؛ فنراه يعبر عن رأيه وبوضوح ؛ ففي أيام دولة الخليفة

" سليمان المستعين " (22)، وبداية " الفتنة البربرية " يذكر أنها كانت : " شِداداً نَكِدات صعاباً مَشئومات ، كريهات المبدأ والفاتحة ، قبيحة المُنْتَهَى ،

والخاتمة ... "(23).

ويشير ابن حَيَّان في نصوصه إلى النهب الذي حدث بقُرْطُبَة ، واجتياح التدمير بلا حساب أحياءها ، وهو ما كان له أبلغ الأثر في تكوين فكره

السياسي ، وانعكس ذلك على كتاباته التي اتسمت بالحدة والحزن فقد كان يعتقد بأن الأندلس ينبغي أن تحتل مكان الصدارة في العالم الإسلامي ، وتشيع هذه الروح في كل كتاباته (24) .

وقد زاد من اضطراب الأوضاع في الأندلس - لاسيما قُرْطُبَة - اقتحام البَرْبَر(25) لها (26) ، ونَشْر الدمار بها ، ودفعت قُرْطُبَة ثمن مقاومتها أنهاراً من الدماء ، وقتل الكثير من أهلها(27) ، ودخلت البلاد بعدها في سلسلة من الأحداث(28) واضطربت الأوضاع ، واستمرت النزاعات التي شارك فيها البربر والصقالبة(29) وأهل قُرْطُبَة أنفسهم ، الأمر الذي جعل ابن حَيَّان يكن للبربر كراهية شديدة تشيع على ظاهر صفحات تاريخه ، فهو يندد بقسوتهم وحقدهم الدفين على الدولة الأندلسية ، ورغبتهم في نقض بناء الحضارة الأندلسية منذ أول لحظة يتهيأ لهم فيها ذلك(30) وقد تتبع ابن حَيَّان تلك الأحداث وفى تفصيل دقيق .

وانتهت هذه المرحلة في سنة 417 هـ / 1026 م ، حين أجمع أهل قُرْطُبَة برئاسة الوزير أبو الحَزْم بن جَهْوَر على رد الأمر إلى بني أُمَيّة (31)، واتفقوا على مبايعة هشام بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر(32) ، وتلقب

بالمستظهر (33) . وبعد ذلك خرج عليه ، محمد بن عبد الملك (المُسْتَكْفي ) سنة 414 هـ / 1023 م ، ويذكر ابن حَيَّان عن الخليفة المستكفى قوله : " ولم يكن هذا المستكفى من هذا الأمر في وِرْدٍ ولا صَدَر ، وإنما أرسله الله تعالى على أهل قُرْطُبَة محنة وبلية " (34)، وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على متابعة ابن حَيَّان للأحداث ورصدها بصورة شبه يومية وبطريقة ناقدة ، كما سيتضح في الفصول القادمة .

ونتيجة لتلك الأحداث تقلصت بالضرورة قوة السُلطة في الداخل(35) ، وهو ما انعكس أيضاً على فكر ابن حَيَّان؛ فحاول مثل غيره من المؤرخين النابهين من أمثال ابن حَزْم أن يعمل على تحقيق وحدة الأندلس وتقوية سلطة الخلافة من جديد(36) ؛ فنراه يعتد "بالجماعة" أو وحدة الأندلس ؛ولذا كان يستخدم كلمة الجماعة مراراً وتكراراً فيقول : " سلطان الجماعة " و" إمام الجماعة " و"أمير الجماعة "(37) .

وبينما كان البناء السياسي للأندلس يتصدع شيئاً فشيئاً أثناء فترة الصراع على الخلافة بين من ادعاها من أفراد البيت الأُمَوي ومن أعقبوهم من بني

حَمّود (38) ، انهار البناء السياسي جملة ، وضاعت الوحدة ، وتفرق أمر

الجماعة (39) ، وفي تلك الأثناء اجتمع شيوخ قُرْطُبَة والوزراء برئاسة أبي الحزم بن جَهْوَر ، واتفقوا على خلع المُعْتَد بالله – آخر خلفاء بني أُمَيّة - ، وإبطال رسم الخلافة جملة(40) ، ونودي في الأسواق والأرباض ؛ ألا يبقى بقُرْطُبَة أحد من بني أُمَيّة ، وألا يكنفهم أحد من أهل المدينة ، وانتهى بذلك أمر بني أُمَيّة في الأندلس وزالت خلافتهم وانقطعت الدعوة لهم (41) ، وأثرت تلك الواقعة تأثيرا بالغاً في فكر ابن حَيَّان ، وجعلته يتابع مصير دويلات الطوائف ، ويرصد العديد من الوقائع ، وركز على انفراط وحدة الأندلس وتفرق ملكها إلى دويلات طائفية(42)، واقتسامهم ألقاب الخلافة ؛ فوصفهم ابن حَيَّان بأنهم : " أُمراء الفرقة الهمل(43) الذين هم ما بين فشل وَوَكَل" (44) .

أما في قُرْطُبَة فقد اجتمع كبار أهلها بعد إلغاء الخلافة ، وأسندوا الأمر إلى ابن جَهْوَر ، وكان مشهوراً عندهم بجدارته وكفاءته لتقلد هذا المنصب(45) ، وابتكر لأهل قُرْطُبَة نظاماً جديداً للحكم قائماً على الشورى ، ورأى ابن حَيَّان أنه لم يستبد بالسلطة كما استبد غيره من ملوك الطوائف ، وإنما كون مجلساً للحكم من شيوخ أهل قُرْطُبَة وانتخب أميناً لهذا المجلس ، وكان لا يصرف أمراً إلا بعد الرجوع إلى جماعة الشيوخ هؤلاء (46) ، وكان من جرَّاء ذلك أن اختار ابن حَيَّان المقام في قُرْطُبَة في ظل الجَهاوِرَة لأنهم في نظره خير بيئة يستطيع فيها أن يسجل أحداث عصره ، وفيها استطاع أن يعبر عن سلبيات المجتمع الأندلسي خاصة بعد تمزق الأندلس على هذا النحو ، وقد انتقد ملوك الطوائف فى عصره خاصة في تربص بعضهم لبعض ، واستعانتهم بالنصارى لتنفيذ مخططاتهم وهو ما سيضح لنا عند الحديث عن الموضوعية في كتاباته .
صفحة 9
وبصفة عامة يمكن القول أن " الانتكاسات التاريخية في حياة الشعوب ليست شراً مستطيراً على طول الخط ؛ بل قد تسفر عن ايجابيات بصدد الفكر وتطوره ، إذ غالباً ما تفضي إلى استنفار النخبة المفكرة لاستقراء أسباب وعلل تلك الانتكاسات " (47).

وعلى الصعيد الاقتصادي وبعد انهيار وسقوط الخلافة حدثت الانتكاسة وعم الكساد الاقتصادي(48) وتدهور العمران ، وحفل العصر بالأزمات إلى حد المجاعة وأفل نجم قُرْطُبَة عمرانياً وبشرياً ، وصور ابن حَيَّان الوضع قائلاً : "... وطمست أعلام قصر الزهراء(49) ..... فطوى بخرابها بساط الدنيا وتغير حسنها ، إذ كانت جنة الأرض ،فعدا عليها قبل تمام المائة من كان أضعف قوة من فارة المسك ، وأوهن بنية من بعوضة النمروذ ، والله يسلط جنوده على من يشاء ، له العزة والجبروت "(50) .

وتحولت المدن التجارية المزدهرة إلى قلاع وحصون عسكرية(51) الأمر الذي لقي تنديد ابن حَيَّان ، ويشيع ذلك في صفحات كتابه " المتين " ومثال على ذلك ما أشار إليه في فطنة بالغة عن سوء الأحوال الاقتصادية نتيجة الوضع المتردي في بمدينة بَطَلْيَوْس(52) نتيجة النزاع بين المعتضِد بن عَبَّاد والأَفْطَس ؛ فقال: " بقيت بَطَلْيَوْس مدةً خالية الدكاكين والأسواق من استئصال القتل لأهلها في وقعة ابن عَبَّاد هذه بفتيان أغمارٍ إلا الشيوخ والكهول الذين أصيبوا يومئذ . فاستدللت بذلك على فشو المصيبة (53) ؛ فتوقع برؤية ثاقبة عما سيحل بعد ذلك من كوارث اقتصادية .

وانتشرت في الأندلس " الكُوَر المجندة "(54) نتيجة لكثرة الحروب الأهلية، فنزل جند دمشق في كورة إلْبِيرَة(55) ، وجند حَمْص في كورة إشبِيلِيّة(56) ، وجند الأردن في كورة مالطة ، وجند قِنَّسْرِين في كورة باجة(57)، وبعضهم بكورة تُدْمِير(58)، فهذه منازل العرب الشَّاميين، وبقي العرب والبردون

شركاءهم ، كما تعاظم "إقطاع التجار" نتيجة شرائهم بعض إقطاعات الخلفاء والولاة(59). وفي ظل هذا الحكم اضطرب الوضع الاقتصادي ، واشتد الغلاء، وانتشرت الأوبئة ، وعمت الكوارث ، وانعدم الاستقرار والأمن (60) .

ولجأ الملوك من أجل إرضاء نزواتهم وتحقيق لذاتهم إلى إثقال كاهل رعاياهم بالضرائب (61) ؛ فانعكس ذلك الوضع على كتابات ابن حَيَّان فوصف ذلك الوضع المتردي في مرارة واضحة بقوله " فما أقول فى أرض فسد ملحها الذى هو المصلح لجميع أغذيتها ؟ هل هى إلا مشفية على بوارها واستئصالها ؟ ولقد طمى العجب من أفعال هؤلاء الأمراء ...

أمور لو تدبرها حكيم إذن لنهى وهبب ما استطاعا(62)

وعلى الصعيد الاجتماعي شهد المجتمع الأندلسي في ظل الخلافة والحِجابة مرحلة المزج والانصهار بين العرقيات المتنوعة ليحدث نوع من التجانس لم تشهده الأندلس من قبل ؛ إلا أن السخائم العرقية والإقليمية عادت مرة أخرى لتؤثر سلبياً في هذا التجانس، ولتمزق وحدة الأندلس من جديد(63) بظهور النزعة العنصرية ؛ ولذا لم يغب عن ابن حَيَّان أيضاً أن يعبر عن تلك النزعة في الأندلس في تلك الفترة وذلك من خلال حديثه عن اجتماع خازني بيت المال في عهد الأمير محمد ، وهما " عبد الله بن عثمان بن بسيل ، ومحمد بن وليد بن غانم " واستدعى الأمر أن يكتب ابن غانم كتاباً قدم نفسه فيه ، فما كان من ابن بسيل إلا أن قام له : " والله لا أطبع كتاباً تتقدمني أنت فيه ، وأنا شامي وأنت بلدي "(64) .

ويشير أيضاً إلى الفتنة بين اليمنية والمضرية فقال : " وكان ابتداء فتنة أهل الجزيرة وانبعاثها بالمعصية بين اليمانية والمضرية أن أطلق بعضهم على بعض الغارات واستحلوا الحرمات وتخلقوا بأخلاق الجاهلية ، واتخذوا الحصون والمعاقل المنيعة فارتقوا اليها وأذلوا البسائط "(65)

وقد كانت هناك طبقة الأُمراء والحكام وذوو الثراء وأصحاب الوظائف الكبرى ، وكانوا يمتلكون ثروات طائلة تمثلت في الضياع الواسعة ، والقصور الخاصة ، وتفننوا في صنوف من البذخ(66) ؛ فيصف ابن حيان ثرء أبي الحزم ابن جهور قائلاً " تضاعفت ثراؤه ، وصار لا تقع العين على أغنى منه "(67) ، وقام ابن حيان بتقدير ثروة باديس بأنها تقدر ب " خمسمائة ألف مثقال جعفرية(68)، سوى فضة والآنية والحلية "(69) .

والناظر إلى روايات ابن حَيَّان يجد أن الغالب عليها تصويره مثالب الطبقة الحاكمة ، ولم يغب عنه تصرفات الحكام وشغفهم بالبناء إلى حد الإسراف والبذخ ويتضح هذا ـ فيما نقله عن معاوية بن هشام ـ عند ذكره لقيام الأمير محمد بتحسين قصر الخلافة ، فيقول : أنه بلغ من تحُسَينه إياه مبلغاً " تَوَفَّتْ به الكمال ، واكتسبت الجمال ، فشفيت به أدواء النفوس ، وضرب بحسنها المثل "(70).

كما رصد ابن حَيَّان انحراف الحُجاب والوزراء ، واستطاع أن يلقي الضوء حول طبيعة حياة الأمراء من خلال المعايشة ، وقد أشار إلى ما أصاب أهل الأندلس من نفاق وقلة وفاء وميل مع من يبقى في المنصب ، كما لم يغب عنه أن يصور بعض تجاوزات الولاة وظلمهم . كما صور دور الجواري في بلاط حكام الأندلس ، وانتقد ما كان يقمن به من دسائس وهذه الرؤية النقدية ما كانت لتحدث لولا ظروف عصره التي دفعته إلى ذكر ما وصل إليه حال الأندلس من انقسام وتفكك(71) .
صفحة 10
ونراه لا يغفل الإشارة إلى حال " مشيخة الشورى " أواخر عهد الخلافة الأُمَوية بالأندلس ، ويتضح هذا عند حديثه عن الخليفة هشام المُعْتَد الذي يقول

عنه : " وزاد فى رزق مشيخة الشورى من مال العين ، ففرض لكل واحد خمسة عشر ديناراً مشاهرة ، فقبلوا ذلك على خبث أصله ، وتساهلوا فى أكل ما لم يستطبه فقيه قبلهم "(72).

وكانت هناك طبقة أخرى تعاني ألوان العسف والتنكيل ، ويطلق عليهم لقب العوام وهم الفئة المهمشة في التاريخ(73) ولا يأتي ذكرهم في الغالب الا عند التأريخ للكوارث كالمجاعات والأوبئة ، أو من خلال ذكر حركات المعارضة التي جري تهميشها بالمثل ودمغها بأبشع التهم والنعوت(74). وتتكون هذه الطبقة من الفلاحين في الريف والحرفيين والعمال في المدن(75) وأغلبها من البربر أو المولدين(76) ، أو الموالي(77) ، وكان على هذه الطبقة أن تتحمل أعباء ضرائب باهظة كانت تُفرَض عليها وكانت تقوم بينهم وبين الدولة هوة سحيقة من سوء الظن وعدم الثقة(78) . وكان لهذا التدني أثره على ابن حَيَّان في معارضته لهذه المظاهر في كتبه وتنديده بفاعليها(79) ، ويقول واصفاً أحد هؤلاء المغالين في جمع الضرائب : " ونعي إلينا فلان، وكان فظاً قاسياً ظنيناً جشعاً جباراً مستكبراً قليل الرحمة نزر الإسعاف زاهداً في اصطناع المعروف، أحد الجبابرة القاسطين على الرعية، المجترين على رد أحكام الشريعة وكان مهلكه – زعموا – من طاعونة طلعت عليه ببعض أطرافه، فتجاسر على قطعها بفرط جهالته، فمات معذباً في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد(80).

أما الحالة الثقافية فالعجيب أنه وعلى النقيض من الوضع السياسي ؛ لم تكن الثقافة الأندلسية يوماً أشد إشعاعاً ، وأقوى خصوبة كما كانت عليه في تلك الفترة ففي الغالب تكون الأزمة "تحدياً" يوجب " الاستجابة " – حسب مفهوم " أرنولد توينبي" - ، وغالباً ما تناط النخبة المفكرة بريادة الاستجابة على الصعيدالمعرفي (81) .

ويجمع الدارسون على ازدهار الحركة الثقافية في عصر ملوك الطوائف وذلك راجع إلى تداعيات وظلال العصر السابق ، بما يؤكد أن الظواهر الفكرية في تطورها وفي أفولها تحتاج إلى فترة زمنية طويلة (82) .

هذا وقد مجد الأندلسيون العلماء والفقهاء ورجال الأدب ، وكان لهؤلاء القيادة والريادة في المجتمع الأندلسي أما العلماء فقل من تجده متبحراً في علم واحد أو علمين ؛ بل فيهم من يعد من الفقهاء والمحدثين والفلاسفة والأدباء والمؤرخين واللغويين(83) ولم يقتصروا على العلوم النظرية بل كانت لهم دراسات في علوم عملية(84) كالفيزياء، وعلم العقاقير، والزراعة (علم الفلاحة) والذي أبدعوا فيه وصنفوا التصاميم المشهورة، مسجلين ما توصلت إليه تجاربهم في النباتات والتربة(85) .

وهذا التعدد المعرفي لعب دوراً مهماً في إثراء فكر ابن حَيَّان خاصة وأنه كان مكثرا من الاطلاع على تلك الكتب، وسهلت له تلك النهضة العلمية الاطلاع على تاريخ الممالك النصرانية أيضاً ، مما يرجح أنه كان يعرف عجمية الأندلس وأن " ما أورده ابن حَيَّان من أخبار عن إسبانيا(86) النصرانية ينم عن معرفته الدقيقة بكل أحوالهما وأنساب حكامها (87).

وكان لكثرة مطالعاته التاريخية أن تجنب الروايات الخرافية والأسطورية ولم يشع ذلك في كتاباته ؛ مما كون وعى تاريخى ناقد لديه ومكنه من أن يصور ما وُجد فى البلاط الأندلسي من دسائس وفتن بين الحجاب والوزراء تصويراً نقدياً لا يعتمد على القص فقط .

والخلاصة أن الفكر التاريخي قد اذدهر إبان تلك الحقبة التي شهدت " القرن الذهبي" في تاريخ الفكر الإسلامي(88) وخير نموذج هو حامل لواء التاريخ في الأندلس " ابن حَيَّان القرطبي " .