eKtab
EN ع
حاول مرة أخرى
اقرأ عينة مجانية

حاول مرة أخرى

بقلم ميرة المنصوري

صفحة 1

الصبر والجبر

أشرقت شمس الصباح نشيطة كالعادة وملأت الأرض بنورها ودفئها، هبّ النسيم البارد ليداعب شعري.
تنشقت الهواء بعمق وملأت صدري به. كانت البيئة القروية التي نعيش فيها هادئة جميلة لا يسمع فيها إلا صياح الديك مؤذناً أو نباح الكلاب من بعيد. كنت أسكن بالقرب من جارتي (أم ناصر) التي لم تكن مجرد جارة بل صديقة وأختاً عزيزة. تميزت أم ناصر بالرشاقة والجمال، كانت فارعة الطول، شعرها ينسدل من خلفها كالستار فيتماوج يميناً ويساراً، عيناها حوراوان لم تخلوا يوماً من الكحل الأسود بالرغم من تكرار الأحزان لديها.
أصابع يدها مخضبة بالحناء التي زادت بشرتها البيضاء جمالاً. وكانت أم ناصر عذبة اللسان، لا تسمع منها إلا كل جميل وحسن. مبرومة الأعضاء من ينظر إليها يعجز عن تحويل بصره إلى شيء آخر. كانت ذات حسن وجمال، رقبتها طويلة توحي بالعنفوان والإباء، جيدها تشرق منه الشمس. وبسبب قربي من بيتها، كنت أسمع هدير الطاحونة التي تطحن فيها الحبوب لتعد وجبة الإفطار. كانت حياة أم ناصر جميلة يلفها دفء المحبة والألفة مع زوجها وأولادها وجيرانها. مرت الأعوام على أم ناصر وهى تنعم بحياة سعيدة لا يشوبها هم أو حزن.
كبر أولادها، وهاهو ناصر ابنها البكر قد بلغ من العمر الثالثة عشرة، أصبح فتياً مفعماً بالنشاط والحيوية، وقريباً سيبلغ مبلغ الرجال. أخذت تتبعه بنظرها، وتنظر إليه بكل حب وحنان وعطف. ولدته بعد عشر سنين من الانتظار والشوق والحنين، لتشعر بالأمومة وتسعد بها.
في مساء أحد الأيام، جاءها وقبّلها كعادته دائماً. قال لها: أمي.
ردت عليه بكل حب: لبيك يا ناصر. قال لها: أمي أنا سأموت. قالت الأم بدهشة ولوعةٍ لا يا ناصر..... لا..... لا تقل هذا الكلام.
ثم ضمته إلى صدرها وأخذت تلثم خديه، وتبكي كأنها أحست بشعور غريب لم تشعر به من قبل؟!!.
تكلم ناصر وكأنه يحدثها عن مكان بعيد: أنا سأموت، أرجوك يا أمي أن تعدي لي العصيدة التي أحبها. قالت الأم المسكينة وهى تمشي الهوينا ولا تشعر بما حولها كأنها في حلم أو غيبوبة، قامت وهي لا تقوى على حمل نفسها، وأخذت تعد العصيدة.
انتهت من إعداد العصيدة وغطتها، ثم جلست إلى جوار ناصر ووضعت يدها على رأسه، لا بد وأنه مريض، لم تشعر بأي حرارة تعتريه. فاحت رائحة العصيدة، معلنة بأنها جاهزة للأكل. لم تكن اللحظات التي مرت على أم ناصر بالسهلة، كانت تتحرك وتمشي وهي فاقدة الشعور بنفسها. وضعت العصيدة في طبق صغير وقربته من ناصر بعد أن وضعته في حضنها ثم ناولته لقمة من العصيدة، وما أن وضعت اللقمة في فمه، حتى شهق شهقة، ودخل في غيبوبة. لم يتسنّ الوقت لناصر ليذوق العصيدة التي يحبها، أمسكت به أمه وضمته إلى صدرها وأخذت تتلو عليه سورة ياسين لتخفف من وطأة النزع الأخير على ابنها الحبيب.
وما هي إلا دقائق حتى خرجت الروح الطاهرة إلى بارئها، أغمضت أم ناصر عيني ولدها الحبيب وتشهدت عليه.
كانت الدموع الحارة تسيل على خدي أم ناصر حزناً على فراق فلذة كبدها ولكن ما في اليد حيلة، فالقضاء هو قضاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
مات ناصر..................................................................................................................................
سمعت الجارات بالخبر فجئن على عجل لمواساة أم ناصر التي كانت في حالة من الحزن والبكاء.
كانت دائمة الاسترجاع والذكر لم ينسَ لسانها ذكر الله، بالرغم مما أصابها.
مرت الأعوام على موت ناصر، وأم ناصر لا تفتأ تذكر ابنها الحبيب فتحتسب الأجر والثواب، لم تتذمر يوماً من قضاء الله، لأنها تعلم أن كل ما في الكون مسير بأمره.
حنكتها الحياة ولم تزدها التجارب والأحزان إلا قرباً من الله ، كانت تصف لصويحباتها مرارة فقد الولد وقد قالت لهن مرة إنها تقلبت في الأحزان واليتم والمرض، إلا أن فقد الولد صعب جداً وكأن فقده يترك جمراً متقداً داخل القلب، كلما خبت نيرانه يوقدها النسيم، كانت تقول (واصفة مرارة فقدها لابنها ): كلما مر اسمه على سمعي أشعر أنه لم يمت إلا البارحة وأخذت أتذكر حمله ورضاعه، و.................... و.................. و.................
بالرغم من مرور سنين طويلة على وفاته، إلا أن ذكراه تعيده إلى الحياة مرة أخرى بكل تفاصيلها كلما ذكر، تشتعل النيران في صدري من الحزن عليه، وبالرغم من وفاته إلا أن رائحة ناصر تحاصرني كلما تذكرته، ويخيل إليّ أنه مازال حياً، وأن أنفاسه تلفحني، إنني أشعر بقربه مني وأحس بدفء قبلاته ونعومة يديه اللتين كانتا تطوقان عنقي.
مرت الأعوام على أم ناصر، ورزقها الله ولداً وبنتاً، فرحت بهما كثيراً وتمنت من الله أن يمتع عينيها بهما. ملأت (رزنة) و(أحمد) البيت فكانت أم ناصر تقضي معهما كل وقتها.
صفحة 2
علامات الجمال بدت على محيا رزنة التي ورثت كثيراً من صفات أمها، شعرها الأشقر يتدلى على جانبي وجهها الجميل، عيناها عسليتان، رموشها شديدة السواد تصطف على أطراف عينيها وكأنها جيوش محتشدة، الأنف مستقيم، والخدود كأنها ورد يفوح منه الرحيق.
مضت السنوات مسرعة، وفي أحد الأيام ، جاءت رزنة في إحدى الأمسيات، وقالت لأمها: أمي أشعر وكأني سأموت. شعرت الأم بغصة في حلقها! قالت بخوف وحزن وقلق : هل هناك ما يؤلمك؟ هل تشعرين بشيء؟ قالت رزنة: أرجوك يا أمي، اطبخي لي عصيدة، ردت الأم وهي تذرف الدموع الحارة: حاضر يا رزنة. شعرت الأم باللوعة والأسى، وكانت تدرك في قرارة نفسها أن ما يمر بها وبأبنائها هو حقيقة لا مفر منها، وقامت متحاملة على نفسها لتعد العصيدة، كانت الأم المسكينة تتلفت بخوف وهلع وهي تنظر إلى ابنتها. تساءلت ما الذي يحدث؟ ولماذا تحدث الأمور معي بهذه الطريقة الغريبة؟ كانت الأفكار تتدافع في رأسها ودقات قلبها تتسارع استعداداً لساعة الصفر، حدثت نفسها، هل أنقلها إلى الطبيب؟ ولو حملتها وركضت بها، وماتت وأنا أجري بها، وتركتها تصارع الألم في لحظاتها الأخيرة ولم تذق ما تحب قبل أن تموت، (قالت لنفسها ): ساعدني يا ربي على اختيار الأنفع.
نضجت العصيدة، جلست الأم إلى جوار ابنتها رزنة وضمتها إلى صدرها والدموع تنهمر من عينيها وهي لا تستطيع السيطرة على نفسها، مسحت رزنة الدموع من عيني أمها، وقالت: لا تبكي يا أمي لا تبكي. غرفت أم ناصر العصيدة من القدر وأخذت لقمة لتضعها في فم رزنة. وما أن وضعت اللقمة في فمها حتى شهقت رزنة وأخذت تصارع الموت بيديها ورجليها، والأم المسكينة تحتضنها بكل قوة، وتقول لها: يابنيتي قولي أشهد أن لا إله إلا الله، وهي تكرر الشهادة بصوت مختنق، حتى لفظت أنفاسها الأخيرة، استكان الجسد وكف عن الحركة، حمدت الأم الله وقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
هدأ الجسد الذي كان يملأ البيت والحقل بالصياح واللعب والضحك والغناء. حملت الأم الجسد الساكن، وخرجت به من المنزل، انسدل شعر رزنة وأخذ يتدلى بعد أن انحلت ضفائرها.
وضعت الأم رزنة على الأرض بعد أن تلت الشهادتين عليها وأغلقت عينيها وقبلتها قبلة الوداع. نادت زوجها بصوت خافت حزين، وعندما أقبل، وجد ابنته رزنة مسجاة على الأرض. صاح الأب مرتاعاً، ماذا حدث؟؟
ماذا جرى؟؟
رزنة ابنتي.
ظل الأب ممسكاً برزنة وهو يبكى ويصيح.
قالت الأم: يا أبا ناصر.......... لا تضيع عمل سنين في لحظة.
إن أولادنا أمانة أعطانا الله إياهم لنتمتع بهم زمناً ثم يسترجعهم متى شاء هم ونحن! الموت، كلنا له زائرون..... اصبر يا أبا ناصر....... اصبر لا حول ولا قوة إلا بالله إنا لله وإنا إليه راجعون. مضت السنوات مسرعةً على أم ناصر وهي ما تزال تتذكر فلذتي كبدها، وكيف قدر الله لهما هذا الموت الغريب. كانت تتساءل بينها وبين نفسها، لماذا ماتا بهذه الصورة الغريبة؟.
أهذا امتحان يا ترى؟؟
اللهم، يا رب العالمين، إن كان ما حل بنا امتحاناً من عندك لتختبر به صبري ورضائي بقدرك، فأنا صابرة محتسبة.!
وإن كان ما حل بنا سببه غضبك وسخطك، فاغفر لي يا رب العالمين اللهم إني أستغفرك من الذنوب والمعاصي، اللهم عوّضني خيراً، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها. اللهم إني أسألك الصبر والسلوان.
لم تكن السنون التي مضت على أم ناصر بعد وفاة ولديها، سعيدة فقد كانت أحزانها تتجدد مع شروق كل يوم جديد.
قال لها زوجها في أحد الأيام أم ناصر، أجابته: نعم. قال: إني أراك متعبة ولا بد من ذهابك إلى الطبيب، لقد ابيضت عيناك من فرط البكاء والنواح. أنا أخاف أن تفقدي بصرك كما أنك، هداك الله قد أهملتني، أنا بحاجة إلى وجودك إلى جانبي وقريباً مني لقد نسيت حقوقي يا أم ناصر؟! أخذت أم ناصر تتنهد ثم انخرطت في البكاء.
بعد دقائق كفكفت دموعها وقالت بصوت مبحوح: سامحني يا أبا ناصر فكل يوم يمر علي يذكّرني بهما، إنّ رائحتهما تملأ المكان وكل شبر في هذا البيت يذكرني بهما حتى الوجبة التي أعدها كل يوم تذكرني بهما سامحني يا أبا ناصر............... سامحني.
أنا الآن جثة بلا روح، لم أعد أستطيع أن أذوق لهذا الكون أيَّ طعم، إنني أتمنى أن يعجل الله بموتي فأكون قريبةً منهما. قال أبو ناصر بلطف وحب، إن الموت حق على البشر أجمعين، حتى أن أفضل البشر محمد صلى الله عليه وسلم قد أدركته المنية.
ونحن جميعاً مآلنا إليه. فلماذا تذرفين هذه الدموع ومن سيخلد على هذه الدنيا ومَنْ من البشر لم يذق مرارة فقد شخص عزيز عليه، استعيذي بالله من الشيطان الرجيم.
إن الله قد منَّ عليّ بأحمد وها هو قد ملأ البيت بالضحك واللعب والصراخ وسيكبر أحمد غداً وسيتزوج وسيملأ البيت بالأولاد والبنات وستصبحين جدةً وسيكثر الشعر الأبيض في شعرك وستكثر التجاعيد في هذين الخدين الجميلين.
ضحكت الزوجة الحزينة وضحك معها زوجها، ضم الزوج زوجته في حب وحنان قائلاً: لا تقلقي يا عزيزتي فقد قدر الله أقدار البشر وصرّف هذه الدنيا بخيرها وشرها.
صفحة 3
مرت الأيام هادئة على أم ناصر، وكانت تقضي مع أحمد أمتع اللحظات.
كان أحمد حلو التقاسيم شعره أسود ينسدل على جبينه يتكلم بصعوبة ويتأتئ، وجهه كصفحة الماء الصافية، لا يخلو من ندبة قديمة.
قارب أحمد بلوغ الثالثة عشرة، والأم تمسك قلبها كلما ناداها أحمد.
في إحدى الأمسيات الهادئة، اقترب منها أبو ناصر وقبلها، وتودد إليها، صارحته بمخاوفها قالت له بقلق وخوف: إن أحمد قد بلغ الثالثة عشرة، وأنا خائفة عليه!!!
ردَّ أبو ناصر ضاحكاً تخافين عليه من الله!!!
ضمَّها أبو ناصر إلى صدره وقال لها في حب وحنان: نامي يا حبيبتي ولا تحملي هموماً لا تستطيعها الجبال. تميزت أم ناصر بالهدوء وملأت رائحتها الجميلة أرجاء البيت.
كانت الهالات الخضراء تزين جفونها بمسحة من الجمال حتى الحزن لم يزدها إلا جمالاً.
في إحدى الأمسيات الباردة دخل عليها أحمد وهي تمشط شعرها الذهبي الطويل، وعندما رأته تركت شعرها ينسدل خلفها وأخذته إلى صدرها ثم قبلته وقالت: ماذا تريد يا حبيبي؟.
أجابها: أريد أن أقبلك قبل أن أنام. ردت بحب: وأنا أيضاً أريد أن أقبلك وأضمك إلى صدري.
قال أحمد ما أجمل رائحتك يا أمي! كم أحبها! مسح برأسه على صدرها، شعرت الأم بإحساس غريب وخوف.
ترى ماذا سيأتي غداً؟
يا الله استر، لابد أنها مخاوف أم، هكذا قالت لنفسها.
لم تنم أم ناصر في تلك الليلة، أخذت الأحلام والكوابيس تراودها، استيقظت غير مرة وهي تصرخ، ثم ذهبت إلى حجرة أحمد المجاورة وجلست بجواره لتتحقق من سلامته.
كانت أنفاس أحمد تعلو وتنخفض في صورة هادئة، كان ينعم بنوم هادئ، قبلته على جبينه ودثرته بالغطاء الذي انحسر عنه. خرجت من الغرفة بهدوء وأغلقت الباب بلطف. وجدت زوجها عند الباب، قال لها بقلق: خير ماذا يحدث، أجابته: لا شيء أحببت أن أطمئن إلى أحمد وقد وجدته نائماً، قال الزوج: لا تقلقي يا حبيبتي، هيا عودي إلى النوم.
قالت: أنا خائفة على أحمد، إنني أتمنى أن أموت قبل أن أراه يموت أمام عيني أجابها: تفاءلوا بالخير تجدوه. أجابته بثقة وحزن إنني أشعر بدنو أجله، إنه إحساس أم؟!
أكملت حديثها قائلةً: يجب أن تخرج في الصباح الباكر وتشتري كفناً جديداً لأحمد.
أجابها غاضباً: هل جننت يا أم ناصر ماذا تقولين؟؟!! أجابته بصوت منخفض حزين: هذا ما سوف يحدث. ضمّها إليه وقال: أنا لا ألومك فقد تعرضت للكثير من الصدمات، هيا لننم فالبرد قارس هنا.
في الصباح الباكر استيقظت أم ناصر وذهبت إلى غرفة أحمد للاطمئنان إليه، وجدته يغط في نوم عميق هادئ حمدت الله، وشعرت بالارتياح. راودتها الأفكار لا بد أن ما تشعر به من قلق وخوف، ما هو إلا مجرد أوهام ، وصاحت قائلةً: إنك تخدعين نفسك يا مسكينة... استعاذت الأم من الشيطان.... قالت لنفسها... هل أنا في صراع مع نفسي؟ وكيف سنتفق أنا ونفسي؟ ولم الاستعجال؟ إن غداً لناظره قريب.
في المساء جلس أحمد وأم ناصر حول نار المدفأة يتدفآن بنيرانها إذ كان جو الشتاء بارداً عاصفاً.
كان أبو ناصر قد ذهب إلى المدينة لقضاء بعض الأعمال ولن يعود إلا بعد يومين، ووضع أحمد رأسه في حضن أمه وقال بصوت خافت: أمي. أجابته: ما بك يا حبيبي؟ قال: أمي أشعر أنني سأموت... تنهدت أم ناصر بحرقة وحزن وقالت بصوت باكٍ ماذا تقول يا حبيبي؟. أحمد: أمي أريد أن آكل عصيدة.... شعرت الأم بالدوار فأرادت أن تتمالك نفسها وأن تكون إلى جوار ابنها أحمد في لحظاته الأخيرة وبمجرد أن نضجت قالت في نفسها ليتها لا تنضج، وليت العمر يمضي وأنا أنتظر... على أن أفقد أحمد بعد ثوانٍ من نضجها. حاولت أن تتباطأ، ترددت قليلاً وهي تقول لنفسها لا لن أعطيه منها، ربما كانت سبباً لموته لا لن يذوقها، نادى أحمد: أمي... أين العصيدة أجابته بهدوء... وحزن..... ولكنها لم تنضج بعد.... وضع رأسه على الوسادة...
قالت أم ناصر لنفسها: لا لن أعيد الغلطة مرة أخرى، سأجاريه حتى آخر نفس، ربما كانت العصيدة التي يطلبها هي سبب موته. نهضت وجلست إلى جواره.... ووضعت رأسه في حضنها... وأخذت تمسح شعره الأسود الناعم... شعرت ببرودة أحمد... نادته أحمد... هل تشعر بالبرد؟. كان صوت أحمد قد اختفى ولم يعد يرى بعينيه الزائغتين الضائعتين في الظلام.....!!!!!
ملاحظة: القصة حقيقية.
صفحة 4

الأسنان البراقة

تقلبت في فراشي، شعرت بنعومة الفراش والأغطية من حولي ورائحة العطور الشرقية والبخور تعج بالمكان، كان الوقت ما زال مبكراً للنهوض من الفراش، قلت لنفسي لماذا لا أخلد إلى النوم؟ إن النوم متعة ما بعدها متعة، صدق من قال إن النوم سلطان!
سمعت وطء أقدام في الخارج لا بّد أنه صوت الخادمة الأندونيسية جاءت لتوقظ الأولاد ليذهبوا إلى المدرسة، كانت العاملة نشيطة، كعادتها كل صباح بالرغم من أنها آخر من ينام ، إلا أنها أول من يستيقظ.
كانت أرنا العاملة الأندونيسية في العقد الرابع من العمر ترى في عينيها الكثير من العذاب والألم والمعاناة تدل على قلة الأيام الجميلة التي عاشتها. عيناها غائرتان في تجويف جمجمتها مما يثير الخوف في نفس من يراها، ولكن بسمتها المرسومة على شفتيها تخفف من قبح شكلها. هل يا ترى كانت بتلك البسمة الدائمة على وجهها تريد أن تخفي عيب شكلها؟.
كانت أرنا مبهمة البشرة، اختفى لون بشرتها الأصلي وكأنها وضعت في عين الشمس فترة طويلة، تميزت أرنا بأسنانها البراقة، صفت بتنظيم دقيق، كأنها عقد من اللؤلؤ، تعجبت منها!.... وعلى قدرتها على المحافظة على أسنانها، بالرغم من الحياة القاسية التي عاشتها، كان حجمها صغيراً قاربت في حجمها أصغر أبنائي أحمد.
كانت أرنا متشققة الأطراف أصابت الفطريات أصابعها من كثرة التعرض للماء والغسل، قدماها منفطرتان من المشي والعمل. كلما نظرت إلى يديها وقدميها شعرت بتيار من الكهرباء يسري في جسدي. كان الأولاد يحبون أرنا فهي هادئة بشوشة مطيعة ومتقنة لعملها إتقاناً تاماً، في صباح ذلك اليوم كانت قد أعدت الفطور وجهزت ملابسهم المدرسية. سألتني نفسي: هل ستكونين يا ترى مثل أرنا بهذا النشاط والصبر، لو كنت في رحلة عمل خارج الوطن؟؟... لا لا هذا مستحيل؟!
لو تبادلنا الأدوار وكانت أرنا هي السيدة وأنا الخادمة هل سأخلص لها، لا لا.... لا لا أعتقد؟ دائماً أسأل نفسي لماذا كتب علي أن أكون أنا الخادمة؟
هل من الإنصاف أن أكون الخادمة، ستقتلني الغيرة، والحسد، والحقد. وتنعم السيدة أرنا بالراحة والرخاء، وأنا الخادمة أمسح وأغسل وأنظف القاذورات، لماذا.... لماذا؟ لماذا أعاني مع الغربة التعب والعذاب وضغط العمل.
كنت دائمة النصح لصديقاتي في سلوكهن نحو بيوتهن وأزواجهن، فأنصحهن بضرورة تفقد أحوال بيوتهن وأحوال أولادهن، كنت دائماً أقول لهن أن يخففن الأعباء على الخادمة؟ وأن تكون لهن بصمة وأثر وطابع خاص تتميز به في بيتها ومطبخها وطعامها، فلا تكون الخادمة هي محور البيت فتلقى جميع الأعباء عليها؟؟؟
لماذا الخادمة التي تتعب وتغسل وتطبخ وتكنس، أليست المرأة هي سيدة بيتها؟ لماذا لا تتحمل سيدة البيت أبناءها وتظل تضربهم بينما الخادمة المسكينة تضمهم وتحبهم وتلاعبهم؟ لماذا يحبون النوم مع الخادمة بينما لا يريدون النوم معنا؟
لماذا تترك الخادمة ترتب غرفة نومها وتبث طاقات الحزن في غرفة نومها، وتتركها تعبث وتفتش أدراج ملابسها الخاصة؟ لماذا تحرم الخادمة من كل ما تحب وتحصل السيدة على كل ما تريد من مجوهرات وملابس ونقود؟؟ لماذا....... لماذا؟؟؟
سألت نفسي كثيراً عن مدى قدرة هؤلاء العاملين على العطاء والإخلاص في العمل وهم يعانون فراق أهلهم وأوطانهم وأزواجهم وأولادهم كيف يتحملون العذاب والمعاناة؟
أخبرتني أرنا ذات مرة أنها تركت وراءها في بلدها طفلين أحدهما رضيع وبالرغم من وجودها إلى جواره في البلد نفسه إلا أنها ظلت في مكتب حجز الخادمات خمسة أشهر دون أن تراه أو ترضعه تنتظر دورها لعل أحداً يختارها، كانت خلال هذه الفترة مصابة بالحمى لامتلاء صدرها بالحليب.
لقد أبكتني قصتها كيف لم تستطع تقبيله أو شمه أو ضمه. كيف استطاعت أن تنساه؟ كيف صبرت بدونه؟ وهل ستراه عندما تعود؟ ربما مات؟
مسكينة أرنا وكيف استطاع هؤلاء العمال الصبر والحرمان والتحمل والفراغ والوحدة؟ ونحن لا نتحمل البعد والفراق، أو أبسط هفوة من صديق أو زوج أو ابن....
في أحد الأيام ، ذهبت برفقة إحدى صديقاتي إلى أحد الأعراس ولبسنا الفساتين والمجوهرات وبعد ليلة حافلة جميلة شاهدنا فيها العروس وأهل العروسين من رقص وغناء عدنا ونحن في أوج المتعة والنشاط، وعند اقترابنا من المنزل شاهدنا أضواء..... ودخاناً.... وسيارات إسعاف.... وسيارات إطفاء الحريق.......
أخذ قلبي يدق بعنف وقوة، حتى إنني لم أعد أستطيع السمع من شدة ضرباته.. نوره... ماذا جرى؟!
سألت صديقاتي من شدة الذهول؟؟ قالت لي لتطمئنني: خيراً.. خيراً إن شاء الله ، قلت لها: إنه ليس خيراً بل شر...
نزلت من السيارة بسرعة ، والذهب يصدر رنيناً، كلما تحركت شعرت أنه سيخنقني وكأنها أفعى التفت حول عنقي. بالإضافة إلى الفستان الذي يعيقني عن الحركة بذيله الذي يسحب على الأرض. اقتربت من المنزل، كان المنزل قد تعرض لحريق مخيف، النوافذ متكسرة من شدة الحرارة.... والأثاث مبعثر في كل مكان... يبدو أننا جئنا في آخر الفيلم؟؟ سألت رجل الشرطة وأنا أصيح: أين أولادي هل هم في الداخل؟! هل احترقوا؟؟ هل ماتوا؟؟... وكيف شب الحريق... أين أولادي؟.....
تمنيت في تلك اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعني من هول الصدمة، لم أعد أستطيع حمل نفسي ووقعت على الأرض، ولم أعد أستطيع الحركة... ركضت نورة إليَّ وأمسكتني، وقالت لي: اطمئني.. اطمئني... لم أعد أسمع... وكل ما أستطيع قوله أولادي.. أولادي..
استيقظت على وقع الصفعة على خدي.. لقد ضربتني نورة بقوة على خدي لتوقظني من حالة الهذيان منى... منى.
أقول لك أولادك بخير... وهم في بيت الجيران... لم يصب أحد منهم بأذى لم أصدقها.. لم أصدق نورة التي لم تكذب عليّ يوماً.. صاحت. هيا استندي إلي.. قومي.. سنذهب لنراهم.. قمت بصعوبة... ومشينا إلى أن وصلنا إلى بيت جيراننا... وعندما فتحت نورة الباب جرى إلينا أحمد وإخوانه.. فلم أصدق ما أرى، قبلتهم وحضنتهم بحب وشوق وأخذت أبكي... وأشهق من شدة الفرح، هدأت وسكنت نفسي بعد أن اجتاحتني... الصدمة.
قالت نورة لي: منى اذهبي وبدلي ملابسك في غرفة جارتك أم عبد الله لقد وضعت لك ثوباً بسيطاً لتلبسيه، بدلاً من الفستان واخلعي هذا الذهب الذي لم تعودي تشعرين به... بعد هذا اليوم الحافل. ذهبت وغيرت ملابسي.. أحسست بالراحة.. حمدت الله... وصليت ركعتين شكراً لله.. لقد أنعم الله عليّ نعماً كثيرة... الحمد لله على خيره وشره.... كان يوماً مثيراً متعباً... سألت جارتي أم عبدالله ماذا حدث؟؟
كانت أم عبد الله تقدم لي القهوة برائحتها الزكية وذوقها الرائع.. قالت لي: لقد حدث عطل في أحد أسلاك الكهرباء ما أدى إلى حدوث انفجار في مكيف الهواء الذي سبب اشتعال النار.. ولولا أرنا... لأحترق المنزل بما فيه سألت أم عبد الله... وأين أرنا؟ أجابتني إنها في المستشفى ولم تصب إلا بحروق خفيفة....
سألت أم عبد الله برجاء: هل هي بخير؟...
قالت بكل تأكيد: نعم إنها بخير.
زرنا أرنا في المستشفى، ولم تكن كما اعتدتها متبسمة، ماذا حدث..؟.. لم تعد تبتسم، ولم تعد تتكلم... بعد ذلك عرفت السر...
كانت أرنا تضع طقم أسنان متحركاً.. وبعد أن اشتعلت النيران.. أخذت تجري وتساعد الأولاد في الهرب من الحريق وأثناء ذلك سقط الطقم المتحرك، ولم تعاونها النيران المشتعلة على العودة للبحث عنه.
ضحكت لـ أرنا وقلت لها... طقم الأسنان الجديد على حسابي.
صفحة 5

«السموحة»

كنت أعمل محامياً في القضاء الشرعي، بمدينة أبو ظبي وفى صباح أحد الأيام، جاءتني امرأة في منتصف العمر، لم يخف جمالها، بالرغم من ارتدائها للسواد.
تعرف كيف تختار ألفاظها بكل دقة وأناة، تعجبت منها ومن قصتها، بالرغم من أنها ليست المرة الأولى التي أصادف فيها مثل هذه المشكلات والخلافات الأسرية إلا أنني استغربت ردود فعل هذه المرأة، وهذه قصتها.
كانت السيدة في الثلاثينيات من عمرها، دل لقبها العائلي على أنها من الأسر العريقة في الدولة، الأسر رفيعة المستوى.
لم تكن وفاء قد أكملت تعليمها، لم تكن تملك من الشهادات، سوى شهادة الثاني لمحو الأمية، تزوجت وأنجبت اثني عشر من الذكور والإناث، وهي الزوجة الأولى لزوجها الذي تزوج بعدها ثلاث زوجات. كانت تعيش هي وأولادها في غرفتين للإيجار عانت فيها من الضيق والتعب والحزن ما كانت تعاني.
بعد سنين طويلة من الصبر والرجاء والانتظار، رزقهم الله مسكناً شعبياً، فرحوا به كثيراً وأخذوا يبنون الآمال ويتصورون شكله وكيف سيقومون بترتيبه، تخيلوا باحة المنزل الواسعة التي سيزرعونها وسيملأونها بالأشجار الجميلة والنخيل وسيشترون اللعب والأراجيح ويضعونها في فناء المنزل الجميل.
في الصباح الباكر دق الباب فركض الأولاد يتسابقون ليفتحوه، عندما فتحوا الباب سلم عليهم ساعي البريد وسألهم بلغته الهندية المتكسرة، هل هذا منزل حسين أحمد سعيد، أخذوا يتصايحون إنه أبونا، وأخذوا يحكون لساعي البريد ويخبرونه عن منزلهم الجديد الواسع، كان ساعي البريد محملاً بالأوراق المختومة وبحقيبته التي جعلته لا يستطيع المشي بطريقة مستقيمة.
كان ساعي البريد قد ضاق ذرعاً بالأولاد الذين أخذوا يجرجرونه ويحاولون إمساك حقيبته وحملها، نادوا أمهم بصوت عالٍ، أمي... أمي هناك ساعي بريد لا بد أنه مجرم هارب قد جاءنا متخفياً اتصلي بالشرطة لتقبض عليه، جاءت الأم وهي في حالة من الغضب من أبنائها وهي تتوعدهم وتقسم بأغلظ الأيمان على أن تحرمهم من الذهاب معها إلى السوق، هرب الأولاد ولم يبق إلا هي وساعي البريد، أغلقت الباب نصف إغلاقة وسألت ساعي البريد: ماذا تريد؟ قال لها: هل هذا منزل حسين أحمد سعيد؟ أجابته: نعم، قال هذه ورقة مرسلة إليك من قبل المحكمة ويجب أن توقعي على تسلمها.
أخذت الظرف في تردد، هذه المرة الأولى التي أتسلم فيها ظرفاً من قبل المحكمة، ترى ماذا يوجد فيه؟! (قالت تحدث نفسها) دفعها الفضول إلى سؤال ساعي البريد قالت له: أرجوك اقرأ ما فيه فأنا لا أعرف القراءة، فتح الهندي الظرف ونظر في أسفل الورقة وقال لها: هذه ورقة طلاقك أرسلها زوجك وهي موقعة من المحكمة. وهذا ختم زوجك هل تعرفينه؟؟ نظرت إلى الختم وعرفته، لا تخطئ فيه حيث كان ختمه مميزاً، فقد كان يشبه حصّالة النقود. إنه ختم زوجي الذي أعرفه جيداً من المستحيل أن أخطئ في معرفته راودني الشك، عدت لأسأله مرة أخرى: هل أنت متأكد أن هذه الورقة لي؟ قال: نعم، هل أنتِ وفاء محمد سالم؟ أجبته: نعم. قال بكل تأكيد هي لك أرجو التوقيع على تسلمها، أشار بإصبعه إلى المكان الذي يتم التوقيع فيه، كانت القائمة ملأى بمن هن مثلي، قدم لي دفتر التثبيت على التسلم، وأكد لي، وقّعي هنا. تقول لي وفاء إنها تمنت في تلك اللحظة أن تموت أو أن تنشق الأرض وتبتلعها فترتاح من هذا العذاب ومن هذه الصدمة المؤلمة.
تقول إنها لم تصدق ما جرى، واعتقدت أنها قد تكون غلطة أو مزحة فلماذا سيطلقها؟! تقول وفاء إنها أخذت تتذكر ما حدث معها في آخر ليلة كان فيها في المنزل، كان كل شيء طبيعياً وهادئاً، أخذت وفاء ورقة الطلاق بيد مرتجفة وجلة، وأخذ ساعي البريد يكرر عليها القول بضرورة التوقيع على تسلم الظرف.
أخذت تسأل نفسها على ماذا أوقع؟؟
على هدم بيتي؟... على ضياع أولادي؟... أين سأعيش؟.. ومن أين سآكل أنا وأولادي؟.......
إنني لا أعمل.. وأولادي مازالوا صغاراً يدرسون!!. تمالكت وفاء نفسها وقالت بصوت ملؤه الثقة: حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل. الله لن ينساني، خلقني وقدر لي الرزق.
صفحة 6
أخذت وفاء تتساءل بينها وبين نفسها كيف هانت العشرة وهذه السنون؟! كيف؟؟ كيف ذهبت حياتها معه كأنها لم تكن؟! أخذت تسأل نفسها لماذا أنا حزينة ومن يحزن على زوج مثله لقد اشتريته وباعني وصبرت عليه وهجرني وحفظته في نفسي وماله وخانني، وعانيت منه ومن سوء أخلاقه ما عانيت، من شتم وإهانة وبخل، لم يغفر لي حسن عشرتي شيئاً عنده، حتى أولادي الذين ملأت بهم المكان لم يشفعوا لي عنده، إن كان ضاع المعروف عنده فعند الله لا يضيع إن شاء الله، إنه من شدة بخله حرمني حتى من لقب زوجة، لم أشعر يوماً أنه زوج مثل بقية الأزواج الذين يدللون زوجاتهم ويهتمون بأمور أولادهم، لقد عشت معه كل هذه السنين وأنا أريد رضاه، وقد حرمت نفسي مداراة له، من اللباس والعطور المميزة والبخور الفواح، والأغطية باهظة الثمن، حتى ملابسي الداخلية كانت ممزقة وأقوم بترقيعها حتى لا أطلب منه شيئاً، كان كثير الشكوى إلي، ويقول إنكم ترهقونني بطلباتكم التي لا تنقطع، كنت أخجل منه ومن كلامه القاسي لنا ماذا أفعل به، قلت لنفسي يجب أن أصبر لأجل أولادي وسمعتي وسمعت أهلي، فالإنسان البخيل لا يغيره شيء وينتقل ماله الذي بخل به إلى غيره، كثيراً ما بخل وشح على نفسه وأولاده.
كان ساعي البريد مازال ينتظر توقيع الورقة قلت بصوت عالٍ: إلى غير رجعة إن شاء الله ( أقصد بها زوجي أو من كان زوجي ) دموعي ثمينة فليست لمثله، قلت للساعي الذي ملّ الانتظار: وما جدوى توقيعي فلقد عقد هو وطلق هو، وهدم ما بنيناه هو، وقعت الورقة بثقة وذهول، شعرت بالذل والخزي والمهانة... لماذا أنا مصرة على عدم توقيعها!! فلأوقعها وليذهب إلى الجحيم، لماذا أنا حزينة وهل كنت السبب في ما حدث؟ وماذا سأخسر؟ لقد خسرت عمري مع هذا النذل، وماذا سأخسر أيضاً؟ إنه داء خبيث يجب استئصاله بلا حزن، بلا دموع بعد اليوم.
أكملت وفاء حكايتها، سألتها متعجباً هل طلقك بلا سبب، قالت بعد أن أقسمت بالله، لقد طلقني بلا سبب، ثم أكملت لقد استغل حصوله على المسكن الشعبي، فبدلاً من أن يكون من نصيبنا بعد هذه السنين الطويلة من الصبر والانتظار طلقني ليتزوج الرابعة ويضعها فيه وينعم معها بالمتعة والراحة، ونحن لنذهب إلى الشارع فلسنا في مخطط أولوياته ولا حتى في اهتماماته، تصور يا سيد خلفان (المحامي) لقد رماني في الشارع أنا وهم، إن ما أحزنني أنه لم يكلف نفسه ليذرف دمعة حزن علينا. لم يهتم بأمر أبنائه، ليته وفّر المسكن وأراحنا من التشرد واستجداء الناس، ليته كان فقيراً لسألت الناس أن يحسنوا إلينا ويتصدقوا علينا بأموالهم، ولكنه رجل مقتدر يملك من الأموال ما يملك ولو كان لا يملك فكيف تزوج؟ وأقام حفلة العرس التي كلفته الأموال الكثيرة ، كيف اشترى سيارة لعروسه الجديدة ووضع لها الخادمة والسائق، ونحن عشنا معه سنوات من الحرمان والفقر، وكلما طلبنا منه نقوداً صاح بأعلى صوته أنه لا يملك، ولو كنت أملك المال لكففت نفسي عنه وعن غيره من الناس الذين قد يعطونك وقد يسمعونك من الكلام القاسي ما ينكسر منه الخاطر وتدمع له العين.
لقد تخلى حسين عني وعن أولاده في ظروف جد قاسية، ظلم أبناءه، لقد حرمهم الاستقرار الأسري ليلبي حاجاته وشهواته، كان من الواجب عليه أن يراعيهم ويسد حاجاتهم من الملبس والمأكل والمسكن، إنه بمجرد أن طلقني طلق أبناءه معي، وأنكر مسؤوليته والتزاماته تجاههم، إن كان قد كره الحياة معي فلا ضير، ولكن ماذا سأفعل بأولاده، أليسوا أولاده؟؟ وما زاد الأمر سوءاً أنني بنت عرب وأراعي القيل والقال، فما زلنا يا سيد خلفان في مجتمع شرقي يراعي الأعراف والتقاليد، وحتى إن رفعت عليه قضية من أجل السكن والنفقة فمن أين سآتي بنقود المحامي؟؟ ومن سيعيلنا حتى تنتهي هذه المحاكمات التي قد تستغرق شهوراً وسنوات ، أرجوك يا سيد خلفان انصحني فأنا بحاجة ماسة لقشة أتعلق بها قبل أن أغرق في الهموم والأحزان.
قلت لوفاء أن تصبر حتى أرفع قضيتها إلى من ينظر فيها ويساعدها لعل الله يجد لها من هذا الضيق مخرجاً. بعد خروج وفاء رفعت قضيتها إلى من يهمه الأمر. استدعي زوجها وتم استجوابه، والتحقيق معه في ملابسات القضية، كان حسين يرتجف من الخوف وقام المسؤول بإهانته على فعلته الشائنة وكيف استطاع التلاعب على الدولة باتباع الطرق الملتوية لتحقيق مآربه الشخصية، صرخ المسؤول في وجهه لماذا ترتجف؟ خائف؟ ممن تخاف؟ مني؟! ألم تخف من الله؟؟ ألم تخف من رب العزة؟!
انتهت قضية وفاء بعد أن تسلمت المنزل الجديد وزرعت فيه النخيل والأشجار وأتت باللعب التي تمناها أبناؤها وكانوا يحلمون بها، ليلاً ونهاراً، لكن القصة لم تنتهي، ففي الصباح الباكر فوجئت أثناء دخولي المكتب بالهاتف يرن في إصرار وتحدّ أجبت: آلو: وفاء: آلو أنا وفاء، عرفت صوتها الساحر، قلت لنفسي من يستطيع أن ينسى هذا الصوت الجميل. خلفان: أهلاً أهلاً يا وفاء ما هذا النشاط، هل كل شيء على ما يرام؟ وفاء بصوت حزين: نعم كل شيء على ما يرام إلا أنني لم أنم منذ البارحة. خلفان في دهشة: ولماذا؟ وفاء: لقد جاء حسين ليلة البارحة محملاً بالهدايا والنقود لي ولأولاده. خلفان: وماذا بعد، لم يفعل إلا كل خير. ثم تقول وفاء بتلعثم وخجل: إنه يريد أن يرجعني إلى عصمته، ثم تستطرد في الحديث: لقد قبّل رأسي وقدمي، وطلب منى «السموحة». خلفان: هذا القرار قرارك؟ شعرت وفاء بالإحراج ثم أكملت: أشكرك يا خلفان على موقفك النبيل معي، ولولا الله وجهودك المخلصة لما انتهت هذه المشكلة. أجبتها بفرح وبصدق: عفواً يا وفاء، أنا لم أفعل إلا الواجب، وأتمنى لك حياة سعيدة. قالت: مع السلامة. وضعت سماعة الهاتف، وأنا أشعر بالقهر والغيظ، وبالنيران تهز كياني، كيف ستعود إلى هذا الرجل الجبان الوغد، الخالي من المروءة، كيف ستثق به؟؟ كيف ستعيش معه بلا خوف وبلا قلق؟ كيف ستحبه وتخلص له؟ سبحان الله مقلب القلوب! كيف استطاعت أن تعود إليه بعد محاكمات استمرت ثلاث سنوات من أجل النفقة والمسكن لقد هجرها..... وخانها.....
صفحة 7

عذراً زوجتي

سامحيني يا زوجتي أنت السبب أيتها الزوجة المخلصة الوفية. سامحيني أنت السبب أنت سبب عذابي وعذابك، فبالرغم من جمالك وأناقتك، لم تأسريني، لم تجذبيني نحوك ونحو أولادي لأنسى العالم من حولي، فلا أرى غيركم ولا أسمع إلا صوتكم.
سامحيني زوجتي فقلد بذلت ما تستطيعينه من أجلي لتسعديني لكنه لم يكن كافياً. لقد كنت مريضاً وبحاجة إلى جرعات أكثر من الحب والحنان والاهتمام، وإلا لماذا نظرت إلى الخارج؟ ولما سعيت للبحث بقلبي وروحي وجسدي عن آخر. سامحيني زوجتي ولا تلومي نفسك كثيراً فما جرى قد جرى. سامحيني يا حلوتي فليست كل أنثى هي أنثى؟ لقد وجدت في الأخرى ما فقدته فيك، وأنا لم أعطها من مالي شيئاً، بينما أنت أخذت كل شيء، البيت والمال، وأنجبت الأولاد وحملت اسمي، والأخرى لا تريد شيئاً سوى الحنان والحب والعاطفة، بلا مقابل.
لقد أغدقت الأخرى بحبها وحنانها علي، كلما رأتني تضمني وتقبلني، وتتأوه من غيابي وفراقي، كانت تأخذني إلى مكان منعزل وهادئ، وتبوح لي بأجمل الكلمات والعبارات، كانت كثيراً ما تمسك راحة يدي وتقبلها، لقد كانت تعبدني، وهي لا تدري أنني أنا من يعبدها؟
سامحيني يا زوجتي، كم أعلم أن كلامي قاسٍ عليك، ولكن ماذا أفعل لقد تبدلت أحاسيسك ومشاعرك تجاهي، لم تغفري لي أي زلة أو عيب، كنت تذكرينني بعيوبي وأخطائي، لم تمدحيني يوماً، لم تشكريني يوماً، كنت دائماً تقولين إن ما أفعله هو من أجل أولادي، أولادي فقط؟؟ لماذا يا زوجتي؟؟ ألا أفعله من أجلكم ومن أجل راحتكم من أجل رضائك وإسعادك، لقد كنت قاسية كالألماس البراق الغالي المستحيل كسره. سامحيني يا ماستي الصلبة، فقد وجدت في الأخرى ما لم أجده فيك، فبالرغم من تفوقك عليها في الجمال والأناقة، لكن الأخرى أسرت قلبي وجسدي، فلا أرى إلا هي ولا أشم إلا رائحتها، ولا أشعر إلا بنعومة جسدها، سامحيني يا زوجتي المغرورة، فقد كنت غاية في الجمال، الذي لم يقربني منك بل أبعدك عني؟ أيتها الجميلة المخلصة التي ملأت قلبي بالثقة منها ومن إخلاصها وتفانيها لخدمة أبنائها والاهتمام بهم، لكنه لم يغنني عنك، ولم يكن يكفيني منك؟!
سامحيني يا زوجتي فأنت سبب شقاء هذه الأسرة، لماذا كنت قاسية علي؟ لماذا تهجرين المنزل وتغضبين لأيام وتتركينني لها للأخرى، تحنو علي وتنسيني أولادي وتنسيني إياك وتنسيني همومي وكل العالم، لماذا تقاطعينني دون أن تخبريني أنك ستقاطعينني؟ وتغضبين دون أن تخبريني؟ لماذا لا تعطينني مجالاً للهدنة ولحوار ناجح؟ أيتها الغضوب الثائرة لماذا لا تتصلين بي كلما تأخرت لتطمئني إلي ولتشعريني أنك مشتاقة إلي وتحبيني؟؟ بينما الأخرى تتصل ليل نهار، وكلما رن جرس الهاتف النقال خفق قلبي شوقاً ولهفة لها. سامحيني يا زوجتي المكابرة المتعالية، إنني لا أذكر يوماً أنك اتصلت بي، هل يا ترى لا تعرفين الرقم؟، وهل هناك زوجة لا تعرف رقم زوجها، إن هذا لشيء عجاب، هل يا ترى هي كبرياء الأنثى؟؟ سامحيني يا زوجتي فأنت سبب هذه الدوامة من المشاكل التي لم تنتهي، لم أشعر بالراحة يوماً في بيتي ، كلما احتجتك إلى جواري لا أجدك، ضاعت حياتي معك في خلافات وقطيعة، ولماذا لم يكن لديك حدس الأنثى، فتضيقي نطاق الخلاف بيننا، لماذا كانت أسرتك الكريمة شاهداً على كل خلاف بسيط يحدث بيننا، أليس لديك سر، ألا يوجد لديك خصوصية في حياتك الزوجية أيتها القنبلة الموقوتة. سامحيني يا زوجتي فليس كل ما يقال صحيحاً، ويبدو أن مستشارك الخاص لم يخدمك في قضيتك الشخصية، بل زاد الوضع وحالت قضيته إلى الفشل، لماذا يا زوجتي لم أشعر بالدفء والحنين ومن سأفقد؟؟ أنت.... وماذا سأفقد؟؟؟ أنت.... ومن أنت؟؟ يبدو أنني أعطيتك مساحة أكبر مما ينبغي، أيتها المتعجرفة الغضوب. لا تنظري إليّ من برجك العالي، فبرجك سيخر ساقطاً على الأرض، وستسقطين معه. لماذا تنظرين إلي هكذا؟ هل ستغضبين وتهجرين البيت؟؟ لم يعد يهمني فأنا لا أحتاجك فالأخرى قامت بكل الأدوار التي أريد أن تلعبيها.
مسكينة يا زوجتي فأنت مجرد دمية يحركها الآخرون، دون أن يكون لك أي إرادة أو اختيار؟؟ لا تنظري إلي بتعالٍ، فقد انتهى وقت التعالي، ولماذا تتعالين؟؟ هل لأنك متعلمة وأنا جاهل، وماذا استفدت من هذا العلم، إذا كنت غير قادرة على الاحتفاظ بزوجك وشريك حياتك، إذا كانت هناك أخرى تأسره بكل ما فيها، بالرغم من أنها أقل جمالاً منك، سامحيني يا زوجتي... كانت الأخرى مختلفة، صوتها في الهاتف الدافئ المثير، ورسائلها في الهاتف النقال التي لم تنقطع يوماً ولا ليلاً ولا نهاراً. كانت تسكن في قلبي وروحي، حتى وأنا أنام معك، فأنا أفكر فيها وأتمنى لو كانت هي من ينام إلى جانبي، سامحيني يا زوجتي الباردة المثلجة فطقسك لا يناسبني، فهو عاصف ممطر أو بارد مثلج، أجيبيني يا زوجتي ما بالك صامتة لماذا لا تتكلمين؟؟ لقد قتلتني ببرودك أيتها الباردة. لماذا لا أشعر بالثورة والرغبة نحوك، كما أشعر بها نحو الأخرى، لماذا لا تثيرينني؟ أحب البقاء إلى جوارها بينما أعد اللحظات التي أمضيها في جوارك، أرجوك يا حلوتي أن تعيدي حساباتك، يجب أن تعيديها ويجب أن تسألي نفسك عن سبب برودك، لقد كنت دوماً بخيلة معي حتى في أبسط حقوقي أيتها المتعلمة الفاهمة، لماذا ترفضين أن ألمسك... لماذا تمنعينني..؟ بينما تسمح لي الأخرى بكل شيء وتجاريني وتشجعني وتجذبني.
سامحيني يا زوجتي المسكينة فالنجاح ليس في الشهادات والدرجات بل في حسن الأخلاق خصوصاً اجتذاب المرأة وإغراءها، كانت الأخرى مختلفة، كل ما فيها مثير، تدعوني إلى نفسها وتحثني بكل غنج ورغبة وحب. إنني لا أستطيع أن أصفها فكلها إثارة وجمال ودلال، سامحيني يا زوجتي ولا تصعقين إذا قلت لك إنني أحبها... نعم أحبها، فقد أعطتني عندما حرمتني، واهتمت بي عندما هجرتني، وأحبتني عندما تعاليتِ عليّ وهجرتني، عذراً يا زوجتي، عذراً منك فالأخرى مختلفة تماماً عنك وكلما قارنت بينكما ترجح كفتها، كانت الأخرى ممتعة جداً، كانت تثيرني بكل رغبة بلا تردد وبلا خجل وقد حرصت بذكائها على إرضائي في الجنس، وتبديل الأوضاع، ولم أكن آمل منها فهي متجددة دوماً بخلافك يا زوجتي المتأففة من الجنس الرافضة لكل ما أحب من لمس وهمس. سامحيني... إذا كنت انجرفت وراءها بكل اندفاع وقوة، فالأخرى لا تقاوم....
صفحة 8

الأحلام

كانت هدى صديقتي وأختي وكل شيء بالنسبة إلي، قضيت معها أجمل أيام حياتي، كانت بقربي في كل مراحل دراستي من رياض الأطفال إلى الثانوية العامة كنت أنا وهدى نلبس الملابس نفسها، وننتعل الأحذية نفسها، كانت أسرة هدى تسكن إلى جوار منزلنا، ومن شدة ارتباطي بهدى أقامت أمي علاقة ودية مع أمها، يمضي الوقت سريعاً وأنا إلى جانب هدى نرسم معاً ونقرأ ونرقص ونسمع الموسيقى، ونتبادل الأحاديث والمزاح. أحببتها حباً لا يوصف ملأ كياني وأحاسيسي ومشاعري، تميزت هدى بالخلق والأدب مما قربها إلى نفسي إلى أبعد الحدود، لم أكن أشعر بالعالم من حولي إلا مع هدى، مرت السنوات وتقدمنا للدراسة الجامعية لندخل التخصص نفسه. حملت هدى بين جوانحها كل البراءة والحب والوفاء، فزانها جمال النفس قبل جمال الشكل، حلوة الملامح، لبقة يحبها من يخالطها اتصفت بالكرم وخفة النفس.
عندما دخلت المبنى الجامعي، أحبها كل من عرفها، لم يكن ما يجذبني إلى هدى جمالها وأناقتها وهدوؤها، ولكن تواضعها ولين جنبها يجعلانك تلاحظ الفرق بينها وبين الأخريات، كانت الجامعة تمتلئ بالطالبات المتعجرفات والمغرورات اللواتي يتفاخرن بأنسابهن ومظهرهن، أما هدى فكانت نموذجاً نادراً جداً فبالرغم من أنها كانت من أحسن الطالبات نسباً وحسباً إلا أنها كانت متواضعة لا تشعرك عندما تحادثك أنك أقل منها، ولا تنظر إلى غيرها من الطالبات باحتقار وازدراء كما يفعل الكثير منهن، اتسمت بالتميز حتى عندما كانت تدنو مني لتخبرني بسر ما، كان عطرها عجيباً رائحته باردة وزكية، بالرغم من أنها أعطتني من عطرها الخاص إلا أن رائحته ليست كما أشمه فيها، بشرتها رقيقة بيضاء كالثلج، شعرها أسود يضفي هالة من النور والجمال عليها، كنت دائماً أقول لها إن من سيتزوجك سيكون محظوظاً فأنت آية من الحسن والجمال، كانت ترد قد يكون زوجك يا سلمى.
في السنة النهائية أقامت الجامعة حفلة تكريم الطالبات المتوقع تخرجهن وكنت أنا وهدى من بينهن، أخذنا بالترتيب للحفلة استعداداً للتخرج ودخول عالم العمل، الكثير من الطالبات ذهبن إلى مركز التجميل ودقت ساعة الصفر واقترب اليوم المنتظر لتسليم الشهادات، استيقظت متأخرة فذهبت إلى المبنى الجامعي وأنا أجري، تسلمنا الشهادات وسألت عن هدى لم يشاهدها أحد. اتصلت بمنزلها لأسأل عنها قالوا إنها متعبة قليلاً في المستشفى وستخرج بعد يومين، قلقت بشأنها، إنها لم تنم في المستشفى منذ عرفتها، ماذا جرى؟.
تحاملت على نفسي حتى تسلمت شهادة هدى وشهادتي، خرجت مسرعة إلى المستشفى لأطمئن إليها، هالني ما رأيت. كانت هدى ملقاة على أحد جانبيها، والأنابيب تملأ أنفها كما وضعت أنابيب أخرى لتسمح للبول بالخروج، نظرت إلى عينها فأحسست بفرحتها عند رؤيتي. كان كل ما فيها عاجزاً عن الحركة حتى لسانها، سألت أمها ماذا يجري. قالت والدموع تجري على خدها لا أدرى يقولون جلطة. شعرت بالحزن العميق واعتصرتني مشاعر اللوعة والعجز، لقد تغير لون جسدها الأبيض الناعم إلى الأزرق. توجهت إلى ربي بالدعاء والتضرع، ياالله غفرانك ورحمتك، كيف يفقد الإنسان سنوات من الجهد والعطاء في لحظة، تمتمت في صوت خافت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قدر الله وما شاء فعل، داومت على زيارة هدى لعلها تتحسن، فلا ييأس من رحمة الله إلا الكافر، دعيت لها بالشفاء وتضرعت لربي عسى أن يخفف عنها العذاب إما بالموت وإما بحياة غير هذه الحياة، أخذت في البكاء، الليل والنهار، وكلي عجب كيف حدث هذا بسرعة، مضت ثلاث سنوات تسلمت فيها الإدارة في إحدى الوزارات، وتزوجت، أنجبت ابنتي التي أسميتها هدى، وكنت أزور صديقتي المريضة من وقت إلى آخر، ذهبت لرؤيتها ذلك الصباح كانت كما عهدتها آخر مرة، وجدت أمها تحاول أن تضعها على الجانب الآخر، فهرعت لمساعدة أم هدى، فانزاح الغطاء عن جسدها الجميل، فقمت بتغطية جسمها، كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها هدى، فلم تكن تتكشف عند أي مخلوق، كانت حياتها ملأى بالحياء والمبادئ، ملأت الشقوق والقروح جسدها الجميل حتى رائحته تعفنت من كثرة الدمامل وفمها مليء بالزبد. يا الله ارحمها بالموت! ياالله ارحمها!
الجار الجديد
انتقلنا إلى المنزل الجديد بعد أن ودعنا سنوات من العمر في ذلك المنزل الذي شهد مراحل أبنائنا المختلفة، من ولادة فالطفولة، ثم الشباب.
حزنت كثيراً على فراق بيتنا الذي تهدم وأصبح من المستحيل البقاء فيه، وما زادني حزناً فراق جيراني الذين أحبهم، كانوا بقربي دائماً في أحزانى وأفراحي، إذا مرضت فهم يزورونني، وإذا مرضت فهم يهتمون بأمر بيتي وأبنائي. عشت بينهم وعاشرتهم، وخرجت عنهم ولم أسمع ما يحزنني منهم وما يجرحني، كانوا كرماء، أضفى الله عليهم نعمة الدين والخلق والحسن... كيف سأنساهم.
تمنيت من قلبي أن أجد جيراناً مثلهم عند انتقالنا إلى بيتنا الجديد، كان المنزل الجديد فخماً جميلاً واسعاً تعددت فيه الطوابق وكان يغطيه من الجوانب القرميد الأحمر الذي زاده جمالاً.
صفحة 9
كانت حديقة المنزل واسعة يسورها سور من حديد ذهبي لامع، أرضها خضراء، غرست فيه الأشجار على الجوانب لتشكل الأشجار سياجاً آخر لها، عند حلول المساء نفرش البساط على أرض الحديقة ونجلس هناك حتى وقت متأخر من الليل، نتبادل الأحاديث والضحك والأولاد يلعبون في الحديقة بالكرة أو يقفزون فوق الحبل، بعد مرور أسبوع على انتقالنا إلى البيت الجديد، فوجئت بصوت الجرس يدق في الصباح الباكر... لم أكن أتوقع قدوم أحد قلت لنفسي، من يا ترى سيأتي في هذا الوقت المبكر. فتحت الخادمة الباب، قلت للخادمة من عند الباب يا سوجي؟ قالت لي: مدام تريدك.
تقدمت نحو الباب، فإذا تلك المرأة القصيرة، النحيلة، السمراء؟؟ سلمت عليها فأخذتني بالأحضان، وهى تقول أهلاً وسهلاً بكم.. يا جيراننا... والله فرحنا بكم.. وجئت لأسلم عليكم.
أنا صبيحة جارتكم... هل تريدون شيئاً؟ هل تحتاجون شيئاً؟؟.
كانت صبيحة تتكلم بسرعة، لم تترك لي المجال للكلام معها، إلا بعد أن انتهت. كانت تلهث من كثرة الكلام قلت لها: تفضلي... دخلت صبيحة المنزل وأخذت تتلفت في جوانبه كأنها تبحث عن شيء ما، جلست صبيحة على الأرض وقدمنا لها القهوة والماء، فشربت الماء وشربت القهوة، وبقيت جالسة حتى وقت الظهيرة وهي تثرثر دون انقطاع.
كنت أشعر بصداع حاد، بعد كل زيارة لصبيحة إلى منزلنا، كانت زيارة صبيحة لنا استجواباً أكثر منها زيارة ودية. من أنتم؟؟ ولماذا انتقلتم؟؟ بكم بنيتم بيتكم الجديد؟؟ كم عدد أولادك؟؟ هل تعملين؟؟
وكنت أنا أرد على أسئلتها التي لا تنتهي بعد أن انتهيت نظرت إلى ساعتها وقالت: لقد تأخرت، سأذهب الآن قلت لها: تناولي طعام الغداء معنا. قالت: مرة أخرى. خرجت جارتنا صبيحة، واضعة عباءتها على رأسها التي كانت تسحب على الأرض وقمت أوصلها إلى الباب، بعد أن أغلقت الباب ضحكت على نفسي، فأنا لا أعرف عنها إلا اسمها بينما هي عرفت كل شيء عنا. بعد يومين جاءت جارتنا صبيحة وهي تحمل في يدها طبقاً من تمر وقهوة، وقضت معي أربع ساعات وهي تحكي لي قصص جاراتها التي خطبت، والتي تزوجت، والتي طلقت، والتي مات زوجها، عرفت بعد ذلك معدن جارتنا الجديدة، كانت بلا عمل وكان كل عملها الكلام والقيل والقال، كانت صبيحة كالذباب الذي لا يوجد إلا على القاذورات، ولا يقع إلا على الجروح المتقيحة بالصديد والدم. قلت لنفسي إنها مسكينة وقد تكون مصابة بحالة نفسية. بعد شهرين من التعرف بها جاءت صبيحة إلى منزلنا وهي تبكي قلت لها: ماذا بك يا صبيحة؟ ما أن سألتها عما يبكيها حتى انفجرت بالبكاء والعويل وهى تقول: والله إنك ما تتساهلين، حسبي الله ونعم الوكيل سألتها بقلق وأنا أصيح في وجهها: ماذا حدث، تكلمي، قالت لي: وهي تأخذني على جنب، وتهمس في أذني، والله لولا أني أحبك لما أخبرتك.
قلت لها بخوف: أخبريني ماذا حدث؟؟ قالت: يقولون إن زوجك سوف يتزوج، نظرت إليها بدهشة: صحيح.
قالت: نعم، نعم ولقد جئت أخبرك لتحتاطي للأمر.
قلت لها وأنا أنظر إليها بدهشة وتعجب: ومن أخبرك؟؟
قالت هذه وظيفتي في استقصاء الأخبار.
انفجرت ضاحكة بعد أن هدأت من الضحك قلت لها: كيف سيتزوج وهو ميت من عشر سنوات قالت صبيحة ماذا؟؟ مستحيل؟؟
وأولادك الصغار، كيف أنجبتهم، قلت وأنا أبتسم: إنهم أولاد أختي وقد ربيتهم مع أولادي الكبار بعد أن توفيت أمهم. شعرت صبيحة بغصة في حلقها، ونظرت إلى ساعتها، قالت لي بعد أن شعرت بالخزي والذل لقد تأخرت... يجب أن أذهب. قلت لها وأنا أضحك: تناولي الغداء معنا. قالت لي: مرة أخرى إن شاء الله بعد ذلك اليوم، لم أعد أرى صبيحة، كانت لها وحشة.
صفحة 10

رفقة الأنس

كنت ومجموعة من رفاقي مولعين بالبحر وصيد السمك، كنا نقضي أمتع اللحظات هناك. وقد تستمر هذه اللحظات مدة أيام ونحن لا ندري شيئاً عن العالم من حولنا. لم تكن الرفقة التي التفت حولي بأحسن الصحبة، فقد كانوا رفاق سوء لم يأمروني يوماً بمعروف ولم ينهوني عن منكر ولم يزيدوني إلا انحرافاً وانجرافاً نحو الحرام. لم أكن ذلك الإنسان المستقيم قبل التعرف إلى شلة الأنس وما أن صرت واحداً منهم حتى وقعت في هاوية البركان، لم أستطع الابتعاد عنهم. كان وقت الصحبة مسلياً تنوعت فيه الهوايات والميول، فهم إما يمارسون المنكرات وإما يتعاطون المخدرات أو يبيعونها. لا تجد نفسك وحيداً ولا تشعر بأي فراغ وأنت قريب منهم، فهم يملأون فراغك بكل ما تهوى النفس من كل ما لذ وطاب، ولكن فيما يغضب الله، لم أجد نفسي إلا معهم خصوصاً عندما اختلفت مع أسرتي وزوجتي التي لم تتركني يوماً دون أن تمطرني بوابل النصائح والتحذيرات، لم أكن أجد إلا رفقة الأنس عندما أحتاج إلى دعم نفسيّ أو ماديّ. لم أجد أبوابهم يوماً مغلقة في وجهي وفي وجه من هم أمثالي، وكانوا على استعداد لاستقبالنا في أي وقت وفي أي ساعة ، لم أحتج منهم يوماً شيئاً وردوني صفر اليدين بل على العكس كانوا يعطونني دون حساب، كنت مقرباً منهم يسقونني الخمر مجاناً وأشم المخدرات مجاناً ويمارسون المنكرات معي مجاناً.
كنت أعود كل ليلة وأنا في حالة يرثى لها من السكر والعربدة، كنت أضرب الجدران من حولي وأصرخ بصوت عالٍ، كان الحي كله يعلم بقدومي، كنت أسب أبي وزوجتي دون حياء أو خجل. كنت أترنح يميناً ويساراً وكنت كثيراً ما أتقيأ على نفسي فيصبح شكلي ورائحتي لا يطاقان. وفى إحدى الليالي جئت إلى البيت في وقت متأخر وعندما دخلت جرى ابني الصغير يريد أن يقبلني، كان يبكي ويصيح بابا... بابا أزعجني صوته لأنه لا يطاق فانهلت عليه بيدي أضربه بكل قسوة وعنف، تداركته زوجتي المسكينة واحتضنته لتتلقى الضربات عنه، لم أكن شخصاً باراً بوالدي وبأولادي، لم أهتم يوماً بأمرهم ماذا يريدون أو ماذا يحتاجون؟؟
كنت في قرارة نفسي أكرههم، فقد حرموني الأموال الكثيرة التي يملكها أبي وكلما رجوته أن يعطيني منها، يقول لي إنه لن يعطيني منها وأنا أصرفها في معصية الله.
مازلت أتذكر قسوتي على زوجتي، كان وجودي في حياتها شكلياً، وزوجاً بالاسم فقط، الحياة معي جحيم لا تطاق، كيف تحملتني؟ كيف استطاعت الحياة معي؟. كان ابني الأصغر يصاب بنوبات رئوية حادة من الربو، فتسرع به في منتصف الليل إلى المستشفى، بينما أنا مستلق على السرير في سكر، إما من المخدرات وإما من الخمر.
كنت أظل أياماً في حجرتي غير مكترث للعالم حولي. في إحدى الليالي عند اجتماعنا أنا وصحبة الأنس، قضينا ليلة جميلة على شاطئ البحر مارسنا فيها مختلف الهوايات وفي غمرة السكر، وقد تناولنا المخدر أخذ عبيد القارب ذا المحرك وقام بتشغيله وأخذ ينادينا، هيا يا شباب سنقوم بجولة داخل البحر، دعونا نفرح ونمرح، كان عبيد في الثلاثين من العمر، ولد لأسرة فاحشة الثراء، توفي والده وهو صغير وتولى هو إدارة أموال أبيه عندما كبر، كانت شركات والده لا حدود لها من الإنتاج، وقد زادت أمواله في تجارة المخدرات.
كان عبيد زعيم صحبة الأنس وكان يحمل ملامح من الجمال والرجولة والقوة غير أن قلة الإيمان وقلة الصلاة والذكر بالإضافة إلى تعاطي المخدرات وتناول الخمر كل ذلك جعل منه هيكلاً عظمياً، شاحب الوجه وكأنه قد ذر عليه الرماد.
صاح عبيد بصوته المبحوح هيا يا شباب، ركبنا كالمجانين وأخذنا نتصايح كالكلاب المسعورة. انطلق عبيد بالقارب ذي المحرك في عرض البحر، وهو يضغط على دواسة البترول بأقصى سرعة، أخذ الهواء يضرب وجوهنا وملابسنا، كان القارب يصدر صوتاً قوياً مثيراً كلما شق عباب البحر بقوة.
كنا نغني في بهجة وسرور، نغني بأعلى أصواتنا ونجد متعة في مقاومة الهواء لأصواتنا ولكن حبالنا الصوتية فقدت قدرتها على العمل ربما من كثرة الشراب والغناء. لا أدري كم مضى على وجودنا في عرض البحر، ساعة، ساعتان لا أدرى فجأة انقلب القارب من شدة الصدمة طار القارب في الهواء وسقطنا معه، لم أدر هل أنا وحدي الذي نجوت؟ من سقوط القارب فوقي، لم أعد أسمع أصواتهم لقد اختفت. كان الوقت ليلاً لم أدر ماذا أفعل لم أعد أستطيع الرؤية كان كل ما حولي ظلاماً حالكاً. انشغلت بنفسي عمن هم حولي، صارعت المياه وأخذت أضرب بيدي بقوة لعلني أجد ما أتشبث به، لم أكن أجيد السباحة لا بد أننا توغلنا في البحر. كان لزاماً علينا أن نحارب الأمواج لنعيش، بدأ ماء البحر المالح يدخل أنفي وفمي ثم جوفي، انهار جسمي قاومت الماء وقاومت لعلي أنجو ولكن لا فائدة. لقد تعبت يداي وقدماي وشعرت بالإنهاك، لقد بدأت قواي تخور وأنا أحاول البقاء على السطح، بدأت أنفاسي تتقطع وبدأ جسمي يرتعش، أدركت أن النهاية قد حانت، أخذت أقاوم، وكنت كلما أحسست أن الأمواج تجرني إلى أسفل، أنتفض كالذبيحة التي تذبح، لأبقى على سطح الماء.
أخذت نفسي تحدثني:- ماذا ستفعل يا ماجد؟
إنك مسكين.
هل تعرف يا ماجد أن أسرتك ستحزن عندما تعلم بموتك؟
هل تعلم أن أباك سيحزن؟ هل تعلم أن أمك سينفطر قلبها من الحزن عليك؟ هل تدري أن زوجتك ستحد عليك؟
مسكينة زوجتك، هل تدري أن أولادك سيعيشون أيتاماً؟ وسيفقدون حنانك؟ ماذا ستفعل يا ماجد؟ أجبني لماذا لا تتكلم ؟
إنك الآن لا تصارع الأمواج ولكن تصارع الموت، تمنيت على نفسي أن تصمت هل هذا وقت عتاب؟ إنني في موقف لا أحسد عليه.
ترد نفسي بكل قسوة واستهزاء، هل وجدتك لأحدثك إنك نادراً ما تصحو لأحدثك، لقد أخمدت ضميرك وكرامتك بالمسكرات يا مسكين أنا حزينة لأجلك.
قالت لي نفسي مستهزئة، وهل تعتقد أنك ستموت بسلام، إن العذاب سيأتي مع موتك وليس الآن. شعرت ببرودة تسري في جسدي وبدأت قدماي ويداي تفقدان قوتهما وبدأ جسمي يغوص في الماء، شعرت ببرودة في رجلي اليسرى بدأت هذه البرودة تعلو حتى فخذي. تذكرت كلام أمي وهى تقول إن الموت يؤتى من القدم اليسرى فيدخل فيها وينتقل إلى الجسم لا بد أنه الموت. بكيت في نفسي وما ينفع الندم الآن لم يعد يهمني أمر أمي أو أبى ولا حتى زوجتي وأولادي بكيت على نفسي ، وندمت وتمنيت لو أن لي فرصة أخرى على هذه الحياة سألت نفسي ولمتها كيف سأقابل الله؟ أين أعمالي؟ أين صلاتي؟ أين جهاد النفس؟ ارتطم جسدي بشيء لا أدري لم يعد مهماً، ربما كان القاع؟
ناديت ربي أن يسامحني؟ هو الرؤوف الرحيم. حتى خاتمتي لم تشرفني، ليتنا متنا غير هذه الميتة. مت وأنا مخمور.وجسمي مليء بالخمر والمخدرات.
يارب سامحني، يارب سامحني. كانت عينا ماجد شاخصتين نحو السماء، حاول أن ينطق الشهادتين ولكن صوته خانه كما خانه أصحابه، وخانته صحته وقوته. قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيملَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌق: 22. صدق الله العظيم.