eKtab
EN ع
هبة الله
اقرأ عينة مجانية

هبة الله

بقلم أكرم السواعير

صفحة 1

1 )

بيت الحاج حسان من أوائل البيوت التي أنشئت في حارة البيادر , عمارة بيضاء واسعة من الحجر الأبيض من دورين , يقيم الحاج وزوجته في الطابق الأول مع الخادمة الإندونيسية , ويقيم آخر العنقود ابنهم الأصغر ضياء أو ذراع الحاج الأيمن في الطابق الثاني , مع زوجته التي لم يمض على زواجهما عام واحد حتى رزقهما الله بحسان الأصغر , أما ابنا الحاج الآخران فيقيمان بعيدا ً مع الذرية الكبيرة .
يحيط بالبيت من الجهات الأربع حديقة غناء تنتشر فيها الأشجار المثمرة من كل صنف ولون , ومسطحات مربعة ومستطيلة من النجيل الأخضر , ومجسمات هندسية على شكل كرة أو مكعب أو متوازي مستطيلات مقصوصة بإتقان من نباتات السرو واللاكستروم الزاحف .
وتنتشر في الحديقة شعبة من الممرات الطويلة المبلطة النظيفة التي تغطي كافة أرجائها , دون أن تتلوث أقدام المتنزهين بالتراب أو الطين . وأحسن الأوقات للتجول في جنباتها هو سكون الليل تحت الأنوار الكاشفة المنبعثة من الأسفل والأعلى والموزعة بعناية , لتجعل الناظر يتوجّه ببصره إلى مناطق معينة , ويشعر أنه في مكان ساحر مختلف خارج عن حدود الحياة الدنيا .
إذا نظرت إلى الحاج فسيلفت نظرك سيماء العز والنعيم والاطمئنان , وكأنه في الخمسين من عمره وهو قد بلغ السبعين , وسترى زوجته الحاجة خديجة وكأنها في الثلاثين وهي قد تجاوزت الخامسة والخمسين , وما ذلك إلا للحياة الناعمة التي يرفلون بها والبعيدة عن التعب والهموم والنكد .
يخرج الحاج حسان من الحديقة , ويجلس بجانب ابنه ضياء في سيارة المرسيدس في جولته اليومية المعهودة , فيقبل ضياء يده , وينظر إلى أبيه نظرة حب وإعجاب , ويسأله بعطف وحنان عن صحته , ويهتم به اهتماما ًصادقا ً .
وهذا الخلق : العطف والحنان والحب هو أهم ما يميز علاقة ضياء بأبيه وأمه منذ الصغر , وهذا ما جعل الحاج يستبقيه في السكن قريبا ً منه في الطابق الثاني , ويجعله رفيقه الشخصي في جولاته وأعماله , وهذا لا يعني أن الحاج قد أهمل ولديه الآخرين بل خصص لكل واحد منهما سكنا ً وعملا ً كبيرا ً من أعماله الكثيرة يشرف عليه ويديره ، بل إن ابنتيه المتزوجتين فاطمة وخولة واللتين يسميهما الحاج الغاليتين الحنونتين قد تم إعطاء كل واحدة منهما سكنا ً خاصا ً وسيارة حديثة , كإخوانهما تماما ً , فالحاج يخاف الله ولا يفرق بين أبنائه وبناته , بل على حد تعبير الحاج :
" البنت الصالحة أنفع لأبيها يوم القيامة من الابن إذا أحسن تربيتها , حيث تكون له سترا ً من النار , وتمد له يدها فتسحبه من شدائد القيامة التي يشيب لهولها الولدان , كما فعلت طفلة مالك بن دينار , عندما مدت يدها لأبيها في عرصات القيامة وهو يعاني الأمرّين , كما هو في القصة المشهورة " .
تصل السيارة إلى عمارة النعمة ذات الطوابق الأربعة , حيث يلاقيهم على الباب محمد ابن الحاج الأكبر فيقبل يد أبيه , ويدخل مع الحاج إلى الطابق الأرضي المفتوح على شكل مركز تسوق كبير يجد فيه المشتري كل ما يلزمه .
يسير الحاج في جولات طويلة بين الرفوف , ناظرا ً إلى البضاعة , متفقدا ً النواقص , ملقيا ً التحية على من يصادفه من العمال أو المشترين , مبديا ً بكل أدب بعض الأوامر والملاحظات التي ُتقابل بهزة رأس ُموافقة مع كلمة : " حاضر " .
يركب الحاج المصعد مع ضياء ومحمد , متفقدا ًجميع الطوابق التي تنتشر فيها المحلات التجارية والمكاتب والعيادات .
ينتقل بعد ذلك إلى محطة الوقود الضخمة التي يديرها ابنه جمال , والتي تجد فيها كل ما يلزم المركبات من الوقود والتنظيف ومحلات الميكانيك والكهرباء وقطع الغيار ومركز التسوق والمطعم الكبير وألعاب الأطفال ومسجد للصلاة , فيتحرك فيها في جولة واسعة , برفقة ولديه جمال وضياء , اللذين يهرولان حوله مسرورين , ويلبيان رغباته القليلة التي يطلبها , وعيناه تتنقلان بين السيارات التي تملأ خزاناتها بالوقود وبين الأخرى التي تغيّر الزيت وتتعرض لعمليات التنظيف والتلميع .
ثم يدخل الحاج كعادته اليومية إلى مسجد المحطة فيصلي الضحى ويرفع يديه بالشكر لله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى , ويخرج من المسجد ليتلقى نظرات الحب والإعجاب من ضياء وجمال , وليضع رجليه في الحذاء الذي يحمله ضياء بعد أن حسم السباق اليوم لصالحه , السباق الطيب نحو حذاء الأب المثالي .
صفحة 2
يدلف الحاج إلى عمارة الشقق المستأجرة الثالثة عمارة الشكر , فيصعد إلى السطح وينظر من الأعلى إلى الأرض كما يفعل يوميا ً , ويحمد الله على أن أكرمه ورفعه من حضيض الفقر والحاجة إلى حدائق الثراء والغنى , ثم ينزل وهو يُسلم على المستأجرين الذين يلاقيهم على الأدراج ويستمع إلى ملاحظاتهم .
وأخيرا ً يدخل الحاج إلى مكتبه العقاري يتفقد حركة البيع والشراء والسمسرة التي يديرها الموظف وسام ويتناول كأسا ًمن الشاي بالنعناع , وهو يتبادل معه بعض الأحاديث حول العمل , والأرض التي تم إفرازها وتقسيمها , والشقق التي تم إكمالها وتشطيبها .
هذه الجولة الصباحية التي تمتد حتى أذان الظهر , حافظ عليها الحاج لسنوات طويلة , وعندما يعترض عليه ضياء قائلا ً في أدب :
- " يا حاج لو أرحت بدنك قليلا ً من هذه الجولة اليومية , وأنا وإخواني نقوم باللازم "
يرد عليه الحاج بهدوء وأناة :
- " يا ولدي الحركة بركة , القعود يقتل الجسم ويدمره , ثم يجب على صاحب المال أن يتفقد مصالحه بنفسه , حتى يطرح الله البركة , وحتى يشعر العمال والموظفون أن صاحب العمل متابع ومستيقظ , فيحسنون التصرف ويطردون الأفكار السيئة "
يتحرك الحاج مع ضياء باتجاه المسجد ماشيا ً على قدميه قبيل صلاة الظهر , حيث يتفقد المسجد أيضا ً , ويتابع المؤذن والإمام ويقضي حوائجهما .
بعد الصلاة يمشي الحاج يوميا ً مع صديقه أبي إبراهيم بشكل منفرد في حديث طويل يمتد حوالي الساعة , يستمع فيه الحاج أكثر مما يتكلم , ويدوّن بعض الكلمات في دفتر صغير , وعندما يقترب ضياء ينهره الحاج ويطلب منه الابتعاد , وحينما يسأله متلهفا ً :
- " عن أي شيء تتكلمان يوميا ً يا والدي ؟ ولماذا لا تسمح لي بمرافقتكما ؟ "
يرد عليه الحاج بثـقة واطمئنان :
- " يا ولدي . الله يرضى عليك لا تحشر نفسك , كلام عجائز لا تلتفت له "
يحاول ضياء مع أبي إبراهيم ويتلطف به راجيا ً أن يخبره عن مواضيع الحديث وما يدور بينهما من أسرار , لكن محاولاته تبوء بالفشل , ويرد عليه أبو إبراهيم ردا ً لطيفا , ثم يلوذ بالصمت وهو يدير سبحته , ويرفض أن يكشف أسرار الحاج .
صفحة 3

( 2 )

اليوم النتائج , نتائج امتحانات الثانوية . وقاسم يحتسي شاي الصباح , وينقل بصره بين أبيه وأمه راجيا ً أن ينطق أحدهما بكلام يعيد إلى نفسه الأمل .
ينظر بعتاب إلى أبيه فهد بدشداشته الكالحة ووجهه المجعّد وصلعته الواسعة المحاطة بخصلات الشعر الأبيض المبعثرة .
يتأمل يديه الخشنتين اللتين اعتادتا على حمل قالب اللبن من فوق الآلة وإفراغه , ثم إعادة الكرة مرة أخرى , ليرجع آخر النهار إلى بيته المتواضع في حي البيادر مهدودا ً متعبا ً, فيستلقي على الحصيرة ساعة كاملة , ليتخلص من أكوام التعب والإرهاق , وليعيد فقرات ظهره إلى أمكنتها الأصلية بعد الانحناءات الكثيرة المتواصلة .
هو يعمل الآن كمساعد معلم على آلة اللبن , وهذه المهمة أسهل عليه كثيرا ً من المعلم الكامل . حيث كان في يوم من الأيام معلما ً ُينتج ما يزيد على مائتي لبنة يوميا ً , ثم صارت آلام الظهر والركب لا تسمح له بعمل ما يزيد على خمسين لبنة , فقرر صاحب العمل الاستغناء عنه , إلا أنه نتيجة الرجاء وتدخّل أبناء الحلال والتفكير بالعائلة التي يحمل همها تم تحويله لمساعد معلم بأجر يساوي ثلاث دنانير يوميا ً , وهذا المبلغ لا يساوي الكثير إلا أنه يسد الحاجات الضرورية المتزايدة .
اليوم نتائج الثانوية , وقاسم يحلم بمعدل مرتفع يؤهله لدخول كلية التمريض , ليتخرج ممرضا ً محترما ً بالمريول الأبيض , وليتجول بين الأسرة , ويتفقد المرضى , فيقيس الحرارة ويحقن الإبر ويأخذ الضغط ويوصي على وجبات الطعام ويغيّر على الجروح .
درس سبع ساعات يوميا ً منذ بدء العام . لم يترك سؤالاً جديداً أو سابقا ً إلا ودرسه وتدرب عليه , ثم أدى الامتحانات بثقة واقتدار وتوكل على الله , واليوم الحصاد وظهور النتائج وتحقق الأحلام .
الأب ينظر بشفقة وحسرة إلى ابنه الحالم بالجامعة وإكمال الدراسة , كم يتمنى لو كان غنيا ً ليساعده على تحقيق أحلامه وإدخاله إلى كلية التمريض , ولكن ما باليد حيلة ! فالجامعات للأغنياء وأبنائهم , وليست للفقراء والمساكين .
كم طلب من ابنه أن يدخل التعليم الصناعي , ليتعلم مهنة نافعة تفيده في مستقبله , وتسمح له بمساعدته في مصروف العائلة أو ليريحه نهائيا ً من عناء العمل !
ولكن ابنه العنيد لم يوافق على ذلك , بل استمر ينظر إلى الأغنياء وأبنائهم وأخذ ينافسهم في الدراسة والاجتهاد .
ليته يحصل على معدل صغير لا يؤهله لأي تخصص , بل ليته يرسب ويريحه من عذاب الضمير!
الوالدة ثريا أم قاسم بوجهها الأصفر ذي الغضون الكثيرة والأحزان المرسومة بإتقان على الجبهة وحول العينين , والثوب الطويل الفضفاض المخاط يدويا ً من غير مهارة , والنظرات المحتارة في الموقف المناسب , هل تفرح كثيرا ً لتفوّق ابنها الأكبر , أم تحزن لعدم القدرة على إدخاله الجامعة , أم تحب لو أتى بمعدل منخفض يساوي الرسوب , ليحفظ عائلتها من الخلاف والتفرق وذل السؤال .
صحيح أنها خبأت علبة ً من مسحوق العصير البرتقالي الرخيص , وكيسا ً من ملبس ( ناشد أخوان ) , لتحتفل بمناسبة النجاح , ولتفرح وتسعد بتفوق ابنها , ولكن الظروف أقوى منها ومن زوجها , ولن تسمح لهما بالفرحة والانبساط .
صفية بنت الصف السابع وصفاء بنت الصف الخامس ووسام ابن الصف الرابع ، ينظرون لأخيهم نظرة حب وإعجاب , ويتمنون له المعدل المرتفع والدخول إلى الجامعة ليكون ممرضا ً , بل طبيبا ً كبيرا ً يقوم بعلاجهم وعلاج أبيهم وأمهم من غير مقابل !
تتقلب حبات السبحة بين يدي فهد أبي قاسم , وهو يتأمل صغاره بعيون زائغة وذهن سارح , ينظر إلى ابنه الكبير قاسم بطوله الفارع وعينيه الملونتين وأنفه الصغير الناعم وشاربه المتناسق المرسوم بقلم خفيف , ووجهه الحسن بالشعرات الضعيفة التي بدت تظهر في مناطق متفرقة على لحيته , ثم يحدث نفسه قائلا ً :
" ما شاء الله ابن جميل متفوق ومتدين , تتمنى أمثاله عائلات كثيرة "
ثم يشعر بالفقر والعجز فيتحرك لسانه مكررا ًعبارة واحدة لا يزيد عليها :
" لا حول ولا قوة إلا بالله , لا حول ولا قوة إلا بالله " .
ينهض قاسم ليستعد للذهاب إلى المدرسة لمعرفة النتيجة , فيصلي ركعتي الضحى ثم صلاة الحاجة , ويطلب من الله أن يُنجحه بتفوق وأن يهيئ له دخول كلية التمريض وأن ييسر له مصاريف الدراسة , وأن يصلح له شأنه كله .
يرتب سجادة الصلاة , ويمضي خارجا َ من البيت , وهو يقول :
( بسم الله , توكلت على الله , ولا حول ولا قوة إلا بالله )
ثم يغادر حي البيادر وهو يردد برجاء :
( اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا ً , وأنت تجعل الحزن إذا ما شئت سهلا ً )
يقطع الشارع باتجاه المدرسة , وفي نفسه تتحرك أمواج من القلق والخوف , ثم تنساب نفحات من الأمل والسعادة الخفية .
يدخل في جموع الطلاب والآباء المتزاحمين على باب المدرسة , خلف المدير الذي يفتح الباب , وبيده حقيبة كبيرة تحوي القوائم التي تتضمن أسماء الناجحين والمخفقين , يدخل قاسم إلى الداخل وفي نفسه تتجاوب الآية :
( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ً , ويرزقه من حيث لا يحتسب ) .
صفحة 4

( 3 )

هيثم معلم العلوم مختلف بعض الشيء عن زملائه الآخرين , فهو دائم الاستغلال لوقته ، فتجده في وقت الفراغ إما مُحضّرا ً لدروسه بشكل سريع , أو مطالعا ً لكتاب أدبي أو ديني ، أو تاليا ً لكتاب الله مراجعا ً لحفظه , وإذا اشترك في الحديث فيتكلم بالنافع أو اللطيف من الكلام ، ويضرب صفحا ً عن الكلام الباطل أو البذيء .
هذا سمته من سنين طويلة قضاها في مدرسة النجاح , تلك المدرسة التي تحوي الصفوف من الأول حتى نهاية الثانوية , وهي صفوف غير مكررة , فتجد فيها شعبة واحدة من كل صف , وكل صف يحوي عددا ً نموذجيا ً من الطلاب يساوي ثلاثة وعشرين طالبا ً تقريبا ً , ما عدا الصف التاسع الذي يزيد على الأربعين .
وما زال الأستاذ هيثم يخدم في هذه المدرسة على الرغم من السنوات الثلاث عشرة التي قضاها فيها دون طلب النقل , وما ذلك إلا لحسن أخلاق الأهالي وقلة مشاكل أبنائهم ، وقرب المدرسة من سكنه في حي البيادر الذي لا يبعد أكثر من ثلاثة أميال يقطعها الأستاذ ذهابا ً وإيابا ً في دقائق على متن سيارته البيجو الزرقاء من موديل 1974 , والتي مضى على تصنيعها ما يزيد على خمسة وعشرين عاما ً.
معاملة المعلمين لطلابهم متنوعة , فتجد المعلم الصلب القاسي والذي يبطش بعنف , وكأنه يتعامل مع حجارة أو جمادات ، وإذا رآه الطلاب استعاذوا بالله من الشيطان الرجيم , ويمكثون طيلة الحصة في صمت وسكون , وكأنهم في حضرة جنازة مهيبة , ويعدّون الوقت بالدقائق منتظرين على مضض انتهاء حصته .
ومنهم المتساهل الذي هزمه الطلاب واتخذوه ألعوبة , فلا هو يستطيع إيصال المادة المطلوب مناقشتها , ولا هو قادر على ضبط الطلاب ومنع الأصوات المزعجة التي تنطلق في صالون المدرسة , وتزعج الصفوف الأخرى والمعلمين في غرفهم .
وطريقة الأستاذ هيثم مع طلابه مختلفة فهو يعاملهم بعطف وحنان , وإذا أساء أحدهم أخرجه عند السبورة ثم أجلسه بعد قليل , فإن تكررت إساءته ضربه على يديه بالعصا وأوجعه , ولا يمنع بعد ذلك أن يلاقي الطالب في فراغ حصة لاحقه فيسأله عن حاله ويحنو عليه .
وهو في خلال حركته بين الطلاب يعاملهم بأبوة وأخوة وصداقة , ويسأل عن أحوالهم , ويحاول حل مشاكلهم , ويتواصل مع الأهالي المهتمين بأبنائهم .
الطلاب في حصته يشاركون في الدرس , ويبدون آراءهم ويسألون أحيانا ً أسئلة خارجية لها علاقة بما يدور في الحياة والمجتمعات والسياسة , فيبدي رأيه دون أن يمسّ الخطوط الحمراء التي تسيء للأشخاص والهيئات , والتي قد تمنعه من العودة إلى بيته وتناول غدائه مع صغاره وزوجته , واستبدال هذه النعمة بأمكنة ضيّقة عفنة . ولا يزال الطلاب يذكرون تهربه من بعض الإجابات قائلا ً :
- " يا إخواني , أرجوكم لا تحرجوني , أريد أن أتناول غدائي في البيت "
يؤدي المطلوب منه ويوصل المنهاج , ويتفاعل مع الطلاب الذين يشعرون بأن حصته جميلة , وأن الجرس يفاجئهم معلنا ً نهايتها .
إذا ً هو مع التوسط لا هو باللين الذي يعصر ولا هو بالصلب الذي يكسر , وفلسفته في ذلك أن المعلم يعتبر مربيا ً ينبغي أن يؤثر في طلابه ويوجّه سلوكهم ويصحح أخطاءهم في الدروس والحياة .
ويخاطب هيثم بعض زملائه المعترضين من ذوي الشخصيات الكاسرة قائلا ً :
- " إذا كنت بطاشا ً فسيرفضون كلامك ويبتعدون عنك قال الله لنبيه :
( ولو كنت فظا ً غليظ القلب لانفضوا من حولك )
هذا الكلام للنبي – صلى الله عليه وسلم - فكيف بنا نحن الضعاف المقصرون ! "
صفحة 5
- " ولكن بعض الطلاب على مستوى عال من الشراسة والسوء , ولا ينفع معهم غير البطش "
فيرد هيثم باطمئنان :
- " الحكمة أن تضع الأمور في مواضعها , فالشرس يوقف عند حده , لكنه مع ذلك بحاجة لسماع الكلمة الحلوة الطيبة التي تخاطب المناطق المنيرة في قلبه , قال الله لموسى وهارون موصيا ً عند مقابلة فرعون الذي ادعى الإلوهية :
( فقولا له قولا ً لينا ً لعله يتذكر أو يخشى ) "
وفعلا ً ينصح هيثم طلابه مع النكتة البريئة والضحكة الهادئة قائلا ً:
- " بعد سنين قليلة ستظهرون في المجتمع على حقيقتكم , منكم الناجحون في أعمالهم الذين يبنون ويُصلحون من خلال وظائفهم وأعمالهم , ويعمرون بيوت الله وينشئون بيوتا ً إسلامية صالحة , ومنكم - والعياذ بالله - المجرمون من القتلة والسكارى واللصوص الذين يعيشون في بؤس وشقاء وخوف وسجن , ويكونون لعنة على مجتمعاتهم , وينتظرهم العذاب في الدنيا والقبر والآخرة , فاختر أي الطريقين .
فمن طلابي الذين قمت بتدريسهم قبل سنين قسم ناجحون صالحون , وقسم آخر أشقياء مجرمون خلف القضبان "
لكن الأستاذ هيثم يشعر أحيانا ً بصعوبة طريقته حيث يتمادى بعض الطلاب , ويستغلون المعاملة الطيبة , وينطلقون دون ضوابط , فيضطر لزيادة العيار والبطش بهم أو طردهم من الحصة , ويحسّ في بعض الأحيان باليأس وقلة الاستجابات ومن صعوبة التغيير وظهور الثمار , لكن يعود متذكرا ً أن أجره على الله وقد حصل , وأن النتائج قد تأتي متأخرة كثيرا ً بعد تخرّج الطالب من المدرسة ومعاركة الحياة , حيث في بعض المواقف الحياتية العاطفية التي تهزّ المشاعر تتحرك بذرة الخير القديمة في قلب الشاب الكبير , فتنمو وتثمر ويتحسّن السلوك ويصبح عنصرا ً منتجا ً صالحا ً على منهاج رب العالمين , دون أن يبرز اسم المزارع الذي نثر البذار منذ وقت بعيد .
وعند نهاية الدوام ينطلق الأستاذ هيثم على متن سيارته القديمة باتجاه البيت , وهو مكدود الجسم متعب الذهن من معاركة الصغار وتوجيههم , إلا أن سحبا ً من الفرح والسعادة تدخل إلى نفسه عند وصوله إلى البيت , ليلاقيه أطفاله الصغار في فرح صادق وشوق بريء , ليرتموا في أحضانه وليتعلقوا برقبته ، وهم يهتفون بصوت واحد :
- " بابا حبيبي ، عمري ، قلبي . بابا حبيبي , عمري , قلبي .............."
في هذا اليوم حصلت مع الأستاذ هيثم حادثة غيّرت نفسيته وقلبتها إلى خوف وحزن وترقب ،
هذه الحادثة حصلت مع الطالب عمار أثناء الحصة الخامسة في الصف السابع ، حيث قال الطالب فادي بأنه يستطيع مع ثلاثة من زملائه رفع زميلهم عمار المتمدّد على الأرض بأربعة أصابع كل واحد يضع إصبعه في طرف , على أن يقولوا أربع كلمات من بينها :
" شعر , شيطان , .... " .
أثارت الفكرة الأستاذ هيثم وأحب رؤية المشهد , وتمدد الطالب عمار على الأرض , ووضع كل طالب إصبعا ً تحت جسمه , وقال لهم المعلم بأنه سيقرأ آية الكرسي , حتى يطمئن أن الجو نظيف ولا أثر للسحر والشعوذة .
وفعلا ً أخذ الأستاذ بقراءة آية الكرسي , ونطق الطلاب بالكلمات الأربعة وارتفع عمار على أصابع الطلاب حوالي المتر والنصف إلا أنه سقط من ذلك العلو الشاهق على رأسه وظهره دون حراك غائبا ً عن الوعي .
صفحة 6

( 4 )

في طرف حارة البيادر يعيش جلال أبو فراس في سهل خصيب محاط بسور يجاوز الثلاثة أمتار , تتوسطه فيلا ضخمة , تحيط بها حديقة ذات أشجار جميلة ظليلة , وتضم في جنباتها بركة السباحة الرخامية الواسعة التي في قعرها فتاة فسيفسائية تعزف على آلة موسيقية , وعندما تتحرك المياه الزرقاء فإن الأوتار تتماوج وتبدأ أصابع الفتاة بالعزف , وتنساب موسيقى ناعمة لا يعرف من أين مصدرها .
هكذا تكلم السباك بسام الذي عاين الفيلا مرة واحدة عندما طلبوه لإصلاح عطل بسيط في تمديدات المياه , ويقول بأنه رأى حنفيات ومغاسل ذهبية إلا أن رجال الحارة ضحكوا منه ولم يصدقوا كلامه ، فالذهب غال وليس له مكان إلا أعناق وآذان ومعاصم النساء السعيدات .
أبو فراس يعيش في حي البيادر , لكن كأنه يعيش في منطقة أخرى بعيدة , فالناس لا يرونه إلا من خلف نظارته السوداء في الكرسي الخلفي من سيارته الفخمة ذات الزجاج الملون , حيث يبدو بسحنته السمراء العابسة ورقبته المجعدة وشعره الأسود المصبوغ وكرشه الكبير والسيجار الثخين الذي يعضه عضا ً بأسنانه الطويلة ، وأصابعه التي تتحلى بعدد من الخواتم الذهبية الضخمة .
قليل من أهل الحارة يعرفون ابنه الوحيد فراس أو بناته أو زوجته أو تفاصيل حياته أو بيته من الداخل , والأخبار عنه قليلة , إلا أن هناك شائعات كثيرة عن الليالي الحمراء التي يحييها في الفيلا حيث تدار الكؤوس على أنغام الموسيقى التي تلاحق الهز المتتابع من خصر الراقصة الشرقية بزيها القصير المتوهج , أو الحركات السريعة الصادرة عن صدور الغجريّات اللواتي يرقصن حافيات تحت الأنوار الكاشفة في ساحات الحديقة .
ويتحدث الكثيرون عن السهرات اليومية التي يقضيها أبو فراس في النوادي الليلية التي تستمر حتى الفجر , وعن الرحلات الطويلة التي يقضيها في سوريا ولبنان ومصر وتركيا وأخيرا ً إسرائيل , ويقولون بأنه لم يترك راقصة تسلم من شره في هذه البلدان الخمسة , ولو كان يُحسن اللغات الغربية لشملت رحلاته المباركة كافة أرجاء أوروبا والأمريكيتين !
نعيم الزبال ببذلته البرتقالية الكالحة حدّث أهل الحارة عن ماضي أبي فراس البعيد , وأخذ الرجال الجالسون في ساحة بقالة الزهور يرشفون الشاي , ويستمتعون بالحديث , ويتابعون حركة أصابع نعيم المرتجفة وهو يلف الهيشية ويبلل حافتها بلسانه ثم يقضم طرفها :
- " جلال زميلي أعرفه كما أعرف نفسي وتفاصيل وجهي لكنه الآن يشيح عني , وإذا رآني في الطريق يمتعض , حتى أنه مرة قذف السيجار - الله لا يسامحه - من شباك سيارته باتجاهي , جلّول - كما كنا نسميه – الذي كان لا يشبع من الخبز يقذف سيجاره في وجهي ، وينسى كم كان يغطس في الحاويات وأكياس الزبالة يبحث عن بقية من طعام تسد جوعه , ولا أزال أذكر ضحكته الرنانة عندما خرج من الكيس كيس الزبالة , وهو يحمل علبتين من السردين بالفلفل صارخا ًغير مصدق :
- " ما زالتا مغلقتين يا نعيم , والله لم يفتحهما أحد "
فقلت له :
- " وأنا وجدت كيسا ً فيه ثلاثة أرغفة ما زالت طريه "
فجلسنا نأكل وهو يلتهم قرون الفلفل الأحمر التهاما ً, وعيناه على لقمتي , ولسانه يتحرك قائلا ً بلا حياء :
- " خفّ يدك قليلا ً عن السردين , صغّر لقمتك . ركبناه على الحمار , فمدّ يده على الخُرج ! "
يقول ذلك على الرغم من أنني أطعمته مرارا ً دون كلام ولا منّ , لكن اللئيم لئيم !
صفحة 7
بل في إحدى المرات أعطتني امرأة صينية مقلوبة عليها بعض قطع الدجاج , فناديته ليشاركني ، فبدأ يلتهم الدجاج ولم يمد يده نحو الأرز حتى مسح جميع القطع . يا عمي اللئيم لئيم !
بل بعد قبولي كزبال رسمي في البلدية قدمت له طلبا ً لتتحسن أحواله , وفعلا ً داوم أسبوعا ً , وكان يكنس في الحارة الغربية إلا أنه كان يتهرب من الدوام , ورفض الاعتناء الزائد بالشارع المحاذي لبيت رئيس البلدية فتم طرده .
والله لقد رأيته حزينا ً باكيا ً مُقعيا ً كالكلب بجانب سور المقبرة , ورجاني كثيرا ً أن أتوسّط له عند الرئيس لإعادته , حيث أني أمتاز بمسموعات طيبة .
وفعلا ً حاولت لكن الشاغر تمت تعبئته ، وأخبروني بأن صاحبي – يقصدون جلول – متكبر وليس طير عيشة , ولا يقدّر النعمة !
والآن ُيلقي في الحاوية زجاجات المشروب وكميات من الأرز واللحوم الناضجة التي تشبع فقراء الحارة دون حياء , وكأنه يريد أن ينتقم من ماضيه .
هل تعلمون بأن ابنه القرد فراس شطب سيارتين حديثـتين ( بي أم ) في حوادث مختلفة , وكان يخرج بعد الحادث في كل مرة دون أن يصاب بخدش وكأنه بسبعة أرواح !
والغريب أن أباه جلول كان يترك السيارات مكومة بجانب المركز الأمني , ولا يكلف نفسه جرها وإصلاحها , بل يُنزل لابنه من الصبح سيارة جديدة ! وبالطبع ( بي أم ) لأن ابنه مهووس بالسرعة وسيارة البي أم كما تعلمون لا تخيّب فارسها !
ما هذا الكفر يا ناس ! بل لقد دهس ابنه طفلا ً حتى الموت من حارة السوق , فلم يبت في السجن أكثر من ليلة , ويقال بأنه لم يقضها هناك , بل عاد إلى البيت متأخرا ً , ثم أفرج عنه في الصباح بعد أن تم إرضاء أهل الطفل بالآلاف المؤلفة , فأسقطوا حقوقهم .
يقال بأن أمواله الآن لا تأكلها النيران , وهو يستثمرها في أمكنة عديدة , ولكن الاستثمار غير مهم , فالأموال تجلب الأموال , إنما المهم المليون الأول . اجمع المليون الأول , ثم تمدّد مسترخيا ً لأنك قد وضعت رجلك على درب الملايين "
يتدخل أبو إسماعيل من داخل بقالته سائلا ً:
- " وكيف جمع جلال مليونه الأول ؟ "
يلتفت نعيم إلى داخل البقالة قائلا ً - وقد فرح بالسؤال - :
- " سألتني عن المليون الأول , وهو سؤال صعب لكن عندي إجابته , وهي قريبة وسهلة . فلقد أخبرني شخص غريب وأنا أتكلم على ذمته فلم أر ولم أحضر , قال لي بأن جلالا ً ورث قطعة أرض صغيرة من جهة أمه وهي لا تساوي الكثير فباعها , وصار يتاجر مع صديق له في تصدير الخضراوات إلى الدول الغنية المجاورة , لكنه لم يستفد كثيرا ً , إلا بعد إحدى السفرات التي عاد منها جلول ثريا ً للغاية هو وشريكه , ويقال بأن شاحنة من الشاحنات الستة كانت طافحة بالبودرة والمخدرات , أحضروها من خارج البلد وصدّروها مباشرة إلى الدول التي تتخم بالنقود ويبحث شبابها عن الكيف .
كانت الخطة محكمة , ضربة واحدة قوية , إما أن ترتفع بها حتى النجوم , وإما أن يُقبض عليك وتهوي بها أسفل سافلين .
وكان جلال محظوظا ً , وكان نصيبه المليون الأول , الذي وضعه على درب الملايين .
لكن الحرام لا يدوم , ولو استمتع أهله به حتى حين ! "
صفحة 8

( 5 )

تنزل هدى من الحافلة على طرف حي البيادر وهي تتأبط حقيبتها والهدية الملفوفة , وتتحرك باتجاه البيت .
تلاحظ السيارة البي أم الفخمة التي تنتظرها كالعادة من بعيد , وتمر من أمامها مرتين يوميا ً ذهابا ًوإيابا ًًوهي تصدر الأغاني الصاخبة , كانت السيارة في البداية تقترب منها كثيرا ً , ويصدر من صاحبها بعض كلمات الغزل الرخيصة , ولكن بعد أن قامت هدى بصده والإعراض عنه , صار من بعيد يراقبها , وينظر إليها .
إنه فراس جلال ذلك الشاب العابث والذي تجاوز الثلاثين من غير زواج , ويقضي لياليه الماجنة في أماكن اللهو والحرام .
ُتعرض هدى عنه , فهو لا يستحق أكثر من الإعراض والإهمال . وإثارة الموضوع مع أمها ومن ثم مع أهله , سيجعل الألسن تلوك في عرضها , وتؤلف القصص المنكرة عنها وعن سلوكياتها المنحرفة , دون أن يتقوا الله ويخافوا من عقابه .
تحضر مشاهد المدرسة المختلفة , فتطرد هدى من رأسها صور طالبات الصف الثالث والدفاتر الكثيرة غير المصححة والأخطاء الإملائية , تحاول دائما ً أن تفصل بين حياتها الصاخبة مع الطالبات في الصف وبين حياتها خارج المدرسة , تستغل وقت الاستراحة وحصص الفراغ القليلة , لرصد الغياب والعلامات والملاحظات والتحضير المكتوب , ثم تخرج من المدرسة بالحقيبة المعلقة على كتفها , ويدها تتحرك على جلبابها الطويل , وكأنها تنفض غبار التعب عن جسمها وروحها .
هذه هي السنة الثانية لها في التعليم , وهي تتذكر نصائح زميلتها هيام ذات الخبرة :
- " افصلي بين حياتك داخل المدرسة وخارجها . إذا لم تفعلي ذلك فستعيشين في إرهاق كامل , وستلازمك ضوضاء الصفوف وإزعاجات الطالبات "
ترد هدى مستغربة :
- " ولكن كيف سأفعل ذلك ؟ من الصعب الفصل "
- " حاولي باستمرار , ومع تكرار المحاولة , ستنجحين "
- " ولكن ما الخطر في عدم الفصل "
- " يا حبيبتي , إذا فصلت بين وقت الضوضاء ووقت الراحة , فسيسترخي عقلك وجسمك , وستشعرين يوميا ً بأنك مولودة جديدة . أما إذا لم تفعلي فانتظري مالا تحمد عقباه "
تتساءل هدى في خوف :
- " مثل ماذا ؟ "
- " ستصابين - لا سمح الله - بالضغط أو السكري أو غيره من الأمراض "
تستنكر هدى :
- " معقول ! هل هناك دراسة على هذا الموضوع ؟ "
- " لا دراسة ولا ما يحزنون . التجربة والخبرة هي الحكم . لاحظت أن المعلمات المندمجات في التعليم على مدار اليوم والليلة بالعمل الجاد في المدرسة , والتفكير والهم في البيوت , ينتهين صغيرات . شمعة حياتهن تذوب وتنطفئ بسرعة "
- " أعرف بعض الأسماء من المعلمات المعمّرات رغم هذا الكلام مع شديد احترامي "
- " غالبا ً ما تكون هذه المعلمات من النوع الذي ينسى بسرعة , ويفصل بين البيت والمدرسة , أو أن طبيعة العمل في المدرسة مختلفة "
- " ما طبيعة العمل المختلفة ؟ "
تجيب هيام بهدوء واطمئنان :
- " بعض المشاركات في التعليم لا نعدهن نحن من المعلمات , مثل أمينة المكتبة أو قيمة المختبر أو السكرتيرة , أو المرشدة , أو معلمة الرياضة أو المديرة أو المساعدة أو من يعملن عملا ً مكتبيا ً في مديريات التربية .
وباختصار المعلمة هي التي تدخل إلى الصفوف بشكل يومي من صف لصف , وتستخدم لسانها حتى ينتهي الدوام "
تصمت هدى وهي تفكر في كلام هيام ومحاولة الحكم عليه , فتضيف هيام :
- " إلا أن معلمات مندمجات أخريات لا يصبن بالأمراض , ولكن يصبن بما هو أخطر "
- " أخطر ! ما هو الأخطر من الأمراض وانتهاء العمر "
صفحة 9
- " تبدّل الشخصية , المعلمة التي تخالط الصغار كثيرا ً , وتندمج معهم وتنزل إلى مستواهم تصبح مع الأيام والسنين كالصغار تماما ً , في حركاتها وبساطة تفكيرها وكثرة حركة يديها بمناسبة وغير مناسبة , وتصاب بالتفصيل الممل لموضوع صغير يمكن التعبير عنه بكلمات معدودة ، وأحيانا ً الضحك على شيء لا يستحق الضحك , وباختصار تصبح المعلمة – للأسف - طفلة كبيرة "
فعلا ً إشارة هيام الأخيرة صحيحة ، فلقد لاحظت هدى أن معلمتي الصف الأول والثاني متقاربتان جدا ًً , وتتحدثان مع التأشير بالأيدي , وتتكلمان كثيرا ً وببساطة متناهية في مواضيع طفولية تافهة .
تضحك هدى وهي في الطريق في منتصف حارة البيادر عندما تتذكر حصة الإشغال التي قامت بها في الصف الخامس , والسؤال الذي طرحته على الطالبات :
- " الملائكة من أي شيء مخلوقة ؟ "
تتذكر الطالبة ذات الشعر الناعم , والتي وقفت وأخذت تحرك يدها , ولسانها يصرخ :
- " أنا , أنا , أنا "
فتشير لها هدى بأن تجيب , فترفع صوتها بثقة قائلة :
- " معروفة ! الملائكة مخلوقة من تراب ! "
تطرد هدى صور المدرسة والطالبات والدفاتر والممرات الطويلة بإضاءاتها الخافتة ، والطباشير والغبار المتطاير بعد المحي المستمر للوح , والخرابيش المتشابكة وأسماء الطالبات المكتوبة على جدران المدرسة .
تهب على ذهنها بعض الهموم التي تشغلها وتأخذ من تفكيرها حيزا ً كبيرا ً ، فلقد دخلت في الرابعة والعشرين وهي مقبولة الشكل بل حلوة , ولباسها طويل محتشم , وهي معلمة معينة في القطاع الحكومي , ولكن للآن لم يتقدم الشخص المناسب , الشخص الذي يحقق حلم عمرها الذي بدأ يراودها مع نهاية المرحلة الأساسية , بأن تتزوج بابن الحلال الذي تأوي إليه ويأوي إليها , وينشئان العش الدافئ والبيت النموذجي الذي يستقبل الصغار ويربيهم التربية الصالحة .
كم تخشى أن يفوتها قطار الزواج , لتلتحق بركب العوانس المنتشرات في كل البيوت بأعداد كبيرة !
ما فائدة الدراسة الجامعية والوظيفة الحكومية والراتب والمال إذا لم تتزوج الفتاة وتنجب وتصبح أما ً , وتحقق المهمة المقدسة التي خلقت لأجلها !
تستنكر في نفسها كلام زميلاتها في المدرسة من العوانس اللاتي يتبجحن بأنهن يتمتعن براتبهن ويشترين ما يشتهين , وهن مستريحات من هم الأزواج والطبخ والنفخ والغسيل والكوي والعناية بالصغار وتغيير الحفاظات , أو على رأي المعلمة العانس سامية ذات الأربعين ربيعا ً :
- " الصغار ! بلا هم . قرف يقرفهم . الرجال حيوانات كالثيران أكل وجنس وخدمات "
ُتكذب في نفسها هذا الكلام ولا تصدقه , وتعلم أنه من فوات الحظ وقلة التحصيل , بل لقد لمحت سامية تبكي مرارا ً , وتخبئ دموعها في المكتبة , وهي تتفقد الرفوف متظاهرة أنها تبحث عن كتاب مهم !
المرأة هي المرأة , تحتاج إلى الرجل كثيرا ً ، هذه فطرة الحياة التي فطر الله الناس عليها .
وفي المرأة شوق نحو الرجل لا يطفئه أب أو أخ أو أم ، إنما يطفئه الزوج الطيب الذي يحنو على زوجته , ويراعي مشاعرها .
وما أشبه المعلمة التي تتلهى براتبها ووظيفتها عن مهمة الحياة الأولى بالجائع الذي يتلوى من الجوع , وهو يفاضل بين القمصان أيها يناسب وجهه !
تبلغ هدى مشارف البيت ورنات الزغاريد الصادرة من فم أمها تصل إلى سمعها بقوة . تسقط من عينها دمعة وهي تتذكر والدها الذي انتقل إلى رحمة الله وهي في الثامنة , وتتحرك أمام عينيها صوره وهو يدخل إلى البيت , فيحتضنها مع أختها هالة وأخيها ناصر , ويقدم لهم بعض حاجات الصغار .
كم تتمنى هدى لو كان أبوها حيا ً , ليفرح معهم بنجاح ناصر في الثانوية ! تهمهم قائلة :
- " قدّر الله وما شاء فعل . إنا لله وإنا إليه راجعون "
تدخل إلى البيت وهي فرحة بالبنطال والقميص هديتها لأخيها ناصر .
صفحة 10

( 6 )

كان حي البيادر فيما سبق من الأيام الخوالي سهولا ً واسعة تنتشر حولها ينابيع كثيرة , وهذه الينابيع بعضها يتخذ مجرى ومسارا ً بحسب قوته , وبعضها الآخر يفترش الأرض ولا يحس به الناس حتى تدخل المياه في أحذيتهم من بين الأعشاب اليانعة .
ويحدّ السيل من الجهة الشرقية منطقة واسعة من الأحراش تقدر بمائة دونم من أشجار الصنوبر ذي الحجم الضخم الذي تراكم عبر سنين طويلة , ومن الجهة الغربية هضبة واسعة يعلوها بناء متقن له شكل القلعة الكبيرة المغلقة , ويعتقد بأن هذا البناء بقية مما خلفه الأتراك في البلاد .
وفي الوسط تلتقي كل الينابيع مشكلة السيل الذي يتابع مسيره خارج البيادر , ليدخل حارات أخرى كنهاية حارة السوق ثم بداية الحارة الغربية من أسفلها , ثم ينحرف نحو الأسفل ليحاذي حارة الدير , وليشتبك مع الأودية التي تشكل ( وادي أبي سليط ) كما يسميه الكثيرون ، والذي يستمر في انحداره حتى يلاقي سيل البحّاث وأودية العدسية .
المياه الغزيرة التي تنبع في البيادر جعلت سهوله مسطحات خضراء جميلة تغطيها أعشاب النجيل الضاربة بجذورها العميقة في التربة , والتي تتشابك وتتعانق تحت السطح بقوة تجعل من الصعوبة انتزاعها , ثم تبرز على وجه الأرض على شكل سجادة خضراء متقنة الصنع , مكونة منتزهات طبيعية ومجالس جميلة يرتادها البسطاء والأغنياء , ويتنعّمون بحسن مجلسها , ويتعرضون لنسمات الأصيل المنعشة , والمشبعة بذرات لطيفة من مياه الينابيع الباردة والمضمّخة بروائح الأعشاب والطيون والنعناع البري .
كان المزارعون فيما مضى يحضرون محاصيلهم إلى البيادر حيث السهول الواسعة ومياه الينابيع الباردة القريبة , كانوا يحملون غلاتهم من القمح والشعير والعدس والحمص والسمسم على ظهور الدواب أو العربات التي تجرها الدواب ، ثم يكومونها على سهول البيادر , ثم يربطون حصانا ًأو بغلا ً إلى خشبة عريضة يجلس عليها الصغار , فيدور بهم الحيوان فوق الكومة يوما ً أو أكثر , حتى يتم استخلاص الحبوب تحت ضحكات الصغار ومرحهم , ثم يبدأ رمي الخليط إلى الأعلى بالشواعيب , لتتكوم البذار الذهبية قريبا ً , وليسقط التبن إلى منطقة أبعد قليلا ً , ولتنتشر حبيبات القش الضعيفة على شكل عواصف مزعجة تغزو العيون وتنزل دمعاتها .
ثم ينتشر التجار وأصحاب الديون عند اكتمال ( عملية التذرية ) , لتبدأ المساومات وعقد الصفقات , فهناك تجار للحبوب وآخرون للتبن , وبين ليلة وضحاها تأخذ الأكوام بالتناقص حتى تختفي تماما ً, لتظهر مجموعات من النساء والأطفال والشيوخ الفقراء , والذين يأخذون بكنس سهول البيادر الواسعة لاستخلاص الحبوب المتناثرة وبقايا التبن , والغريب أنهم يستخلصون كميات لا بأس بها يخبئونها مؤونة , وبعضهم يبادلها مع أصحاب البقالات .
بعد ذلك تنتشر جيوش من النمل وأسراب من العصافير والطيور والحمام ، فتحمل قوافل النمل في عمل دؤوب ما بقي من الحب والقش , وتقوم الطيور الكثيرة المرفرفة بمزاحمة النمل وتعبئة الحواصل .
وما هي إلا أيام معدودة حتى تعود البيادر كسابق عهدها جميلة نظيفة , وكأنها لم تشهد تلك الأكوام وهاتيك الأعمال .
ثم بدأ بعض المغامرين ببناء بعض البيوت في البيادر رغم تحذير الكثيرين من أرضها المتحركة بفعل الينابيع والمياه , لكن أغراهم جمالها وحلاوة طقسها , والتزود بمياه الشرب من ينابيعها الرقراقة , التي تنبع من بين سيقان الخبّيزة والنعناع البري والطيون المحاطين بمطارق أشجار الدفلى بورودها الزهرية الجميلة , وأخذت البيوت تتكاثر شيئا ً فشيئا , حتى لم يبق مكان للمحاصيل والحبوب , وأخذت بعض الينابيع تظهر في مطابخ أو غرف بعض البيوت , إلا أن الأهالي يقومون بالحفر , وتسريب المياه المعتدية نحو الخارج .
وأخذ الأهالي بنزع النجيل من جذوره , وتنعيم أرض حدائقهم , وزرع الأشجار المثمرة , فامتلأت الحدائق بالتين والرمان والمشمش والخوخ واللوز والزيتون والدوالي , وهذه الأشجار نمت بشكل كبير , وتضاعف ارتفاعها وتضخم حجم ثمارها , نتيجة للتربة الخصبة وللمياه الغزيرة التي لا تنقطع صيفا ً ولا شتاء .
وإذا تسنّت لك زيارة البيادر الآن فستجدها مجموعة من الحارات الكبيرة التي امتدت على جنبات الوادي وافترشت السهول الواسعة , وانتشرت فيها البيوت الوادعة المحاطة بالحدائق الغناء , وسيضمخ أنفك عبير الياسمين والليمون والجوري والريحان .
وسيصل إلى سمعك صرير عجلات الدراجات الهوائية بمختلف الأشكال والأحجام , وسيصطدم بك بعض الأولاد الذين يتبارون في كرة القدم , والذين لا يخرجون من دوري حتى يدخلوا في آخر , ولينتقلوا إلى حارة أخرى , لعقد التصفيات بين الحارات , حيث يبدأ موّال المشاجرات , لخشونة لعب الخصوم واتهام الحكام بعدم النزاهة .