eKtab
EN ع
حبة قمح
اقرأ عينة مجانية

حبة قمح

بقلم هاشم غرايبة

صفحة 1

حَبّة قمح

منذ الأزل كان الأمر هكذا..

عادةً أُولَد داخل بيتي وأتجدّد عبر دورة رتيبة مكرّرة كتبادُل الليل والنهار.

أُولَد أنا وأخواتي معاً إلى أن يئِنَ الأوان.. لأكون أكثر وضوحاً، أُعْلمكم أن التذكير والتأنيث لا معنى له في عالمي.

لَمّا يَئِنُ الأوان، أتمظهرُ دائماً على مثالِ الأصل وصورته، وأكرّر حضوري كل موسم بلا كلل.

لا يحدث ذلك بيسر وعفوية -كما يوهم حديثي-، فالمصاعب ماثلة دائماً، والمعاناة ضريبة أن أحيا وأحقّق ذاتي، وأتجدّد متجرعةً المِحَن، صابرةً على مخاطر الطريق التي لا تحصى.

يحدث... يحدث كثيراً أن تكون الظروف قاسية، بل لعلها دائماً قاسية. رأيت أترابي وهنَّ يُطْحَنَّ تحت أسنان جُرذ قبيح، أو يختفين في منقار عصفورة جميلة، أو تُعاندهن الظروف؛ ظروف التربة أو الطقس، فيَعُدْن أدراجهن إلى العدم.

عادةً أُولَد مع أترابي متلفّعةً بشرنقتي الخضراء الناعمة، وأظل تحت سمائي التي تبدو من موقعي هذا بلونٍ بنفسجيّ لامِع، أتمدد تحت سمائي الصغيرة مستسلمةً لعنايتها وأكبر، ثم أشْفق عليها وهي تجفّ وتتشقّق مبدّدةً نفسها لتصير تلك السماءُ البهية قشوراً ذهبيةً تكمل زينتي، وتهيّئني لليوم الموعود، يوم التحقيق والانبعاث على صورة السلَف «ذات الكمال والبهاء».

صفحة 2

إنني كطفل يطلّ برأسه عن كتف أمه، لا أرى الأماكن والشخوص إلا وأنا منسحب منها أو وهي هاربة مني؛ فسرعان ما تصير ماضياً فتفوتني فرصة المواجهة والتحدّي والإمساك باللحظة.. كذلك كانت علاقتي بالعالم، وكذلك سمائي الخاصة صدفة ذهبية تقطر لي حَرَّ الشمس دافئاً فأنسحب من عالَم ألِفته إلى عالَم أجهله.

أَنظر إلى الماضي بعناد وسخرية، أذكر مكاناً ترابياً، أذكر نقطة ماء عبر غلاف أخضر شفاف يسمونه «قطرة الندى»، وأذكر لسعة برد، أذكر نقطة لبن دافئة.

في لحظةٍ ما تتجمّع كل الصور الكامنة فيَّ، فتشتعل مخيلتي... الخيال محطة توليد لطاقة هائلة تهبني العزم لأشكّل من سمائي الذهبية الصلبة أردِيَةً ملَكيةً.. فأختال متباهيةً بنضجي، وأزيّن صدري بقلائد، ومعصمي بأساور، وأعلّق قرطين من ياقوت أخضر بأذني وأمسح بالكحل عيني... ولحظة أضع تاج الكمال على رأسي أشعر بِحَرٍّ شديد من حولي، ونار تشتعل داخلي فأنزلق من ملكوتي، وأطرق أبواب الأرض باباً باباً لأخْلُصَ من هذا الجحيم فيتلقّاني حرّاس الأرض باحتفال مهيب يسمّونه «الموسم».

حارسٌ إثر حارس يجرّدونني شيئاً من زينتي وجواهري.

أَصِل إلى الأرض منْهَكةً، فأُسرع للتواري بذرّات التراب -إن واتاني الحظّ-، ثم أترك سرّتي لرطوبة الأرض وأنتظر مصيري.

دائماً أنجو فلا أذهب إلى الطاحونة.. لكني رأيت الكثير من مثيلاتي طَويْنَ سُرَرَهنّ الماسيّة وذهبن إلى العدم. الجزء الأعظم من إخواني -هل سبقَ أنْ قلتُ: لا معنى للتذكير والتأنيث في عالمي؟- يذهبون إلى الطاحون، فيفقدون كينونتهم بيسر ويتحولون إلى ذرّات دقيقة، ثم يُخلَطون بالماء، فتغمرهم سعادة مؤقتة بهطول المطر، وينتشون في هذا الامتزاج المتجانس، لكنهم لا يلبثون أن يُصْلَوا ناراً حامية فلا تعود ذرّة الواحدة منهم تدرك من أين جاءت؟ ولا إلى أين مصيرها؟ لكنها فرِحَةٌ بتحرّرها من سلْطة الكينونة التي كانت دائماً تجبرها على التشكُّل من جديد مثلما ملايين الأشياء ذات المصائر الغامضة.

في تلك الأوقات العصيبة -بُعَيد ما يسمى «الموسم»- كنت أشعر بخوف متواصل؛ فأتكوّر في ملجئي.. أغلق عينيَّ ولا أفتحهما، محاولةً الحصول على الخصوصية التي أحتاجها لأميّز نفسي بين هذا الكمّ الهائل من أشباهي.. وأستعيد شريط حياتي بشكل متقطِّع مشوَّش، فأحبط، وتفتُر همَّتي وأتوقّف عن التفكير، كل شيء في أوانه عاديّ المذاق.

صفحة 3

وقفَت ملِكتنا، قطعَت دفْق سُباتي الآسِر، وصدَح بوقها باللّحن المكرّر أبداً، ثم قالت: يا من وقع عليكن الاختيار للمهمة الخطيرة.. أيتها الملكات الصغيرات أيتها الأمهات العظيمات اعلَمْن أنَّ الذات المنتجة لا تراودها سوى رغبة واحدة: اختفاء بديع ومبدع تحاول خلاله اختزال العالم تحت قشرتها، وصيانة سِرّ الحياة في سرّتها، إنه اختفاء النضج.. المرحلة الأخيرة بالوعي بالدور الذي خُلقنا من أجله نختفي ونحاول أن ننسج كمال صورتنا بحرصٍ، ليستمر نوعنا ويسمو جنسنا.

من يستطيع أن يوقف عجلة الحياة إذا شاء لها القدر أن تدور؟ الآن هذه اللحظة بالذات لحظة انسكب في عروقي أوّل كمّ من عصير النضج، لحظة اختلاط شرنقتي الطفولية الخضراء بأردية النضج الذهبية سمعت صدى نداء غامض كأنه صوتي: «لست مسؤولة عن كمال هذا العالم».. استطعت أن أطلّ برأسي خارج الشرنقة، أدرْت ظهري إلى صدر مرضعتي ونظرت إلى الأفق.. شعرت بسعادة غامرة وأنا أستقبل رشقةً من ضوء الصبح، لم أكن خائفة بل مرتبكة..

لم يعد ذلك الطفل راغباً في أن يرى ما خلف أمِّهِ، منسحباً من مشهد الحياة الذي ترسّخ ماضياً.. صار شغوفاً بمواجهة ما هو أمامه.

ها هو أمامي...

سبق أن قلت: لا معنى للتذكير أو التأنيث في عالمي.

الآن فقط رأيته.

الآن رآني.

نظر مباشرةً إليّ فابتسمت.

قلت: «أيها الطائر إنك وسيم، ما اسمك؟».

قال: «اسمي الهدهد، وأنت ما اسمك؟».

قلت: «حبّة قمح».

ضحك الطائر.. وقال: «عليك السلام».

قلت: «إلى أين أنت طائر؟».

قال: «إلى حيث تحملني الريح».

قلت: «خذني معك».

قال: «إلى أين؟».

قلت: «لا أدري... خذني معك.. أحب أن تحملني الريح.. مللتُ رائحة التراب».

صفحة 4

قَرَّبَ رأسه مني وهمس: «سأحملك».

انتعشت برائحة هواء طري وضوء مبلل، تأججت روحي وقلت بلهفة: «ليكن».

قال الهدهد: «ما ألذّ رائحتك!... تراب وطفولة».

طربتُ لصوته وأخذت برائحة الريح والشمس، انتشيت وتململتُ مستشعرة ضيق بيتي.

هسهسَتْ الأردية الخضراء والذهبية من حولي بحفيفها المنتظر.

قال الهدهد: «يا للموسيقى!».

قلت: «ما أوسع الفضاء!».

قال بصوت قويّ: «أحبك».

همستُ في سرّي: «يا لجرأته»، وكدتُ أنفرط مبتعدةً عن صدر أُمِّنا السّنبلة.

يا لعنف دقات قلبي.. ها نحن نطير معاً.

غنّى الطائر: «أنا للريح والشمس. لي حبّة القمح، واللحظة العابرة».

رماني منقاره إلى الفضاء.

يا لروعة الزمن الذي طرتُ به في الفضاء!

تلقّفني لسانه الصغير. غابت زرقة السماء... حاولتُ الخروج..

غصّ الهدهد. تخبَّطَ.. مالَ مستسلماً للريح، وهبط.

مرارة وحلاوة.. حلاوة ومرارة.

أنا والهدهد والريح والشمس مُعَفَّرُون بالتراب، ونرقص؛ تاركين بقعةً ملوّنة على هذه الأرض التي تشي بوهمِ الخلود، ولا تفوح منها إلا رائحةُ الموت.

صفحة 5

بَوح

كنتُ في التاسعة من عمري..

كان لي كرةٌ من مِزَق الملابس الملوّنة، ولها فَراشاتها الزاهيات..

وحَصّبتُ.

أمرَ جدّي -له الرحمة ولـ(حُوَّارَه) الغيث- الأحفادَ الصغارَ أن يناموا معي في المكان نفسه: «كلّ الأطفال لا بدّ محصِّب، فلْيُحَصّبوا معاً..».

حصّبت البنت.. وطارت فَراشاتها الزاهيات!

أحرقتْ جدّتي شعيراً مُملَّحاً وبَخّرتنا!

«مُرّ ودقيق؛ مُرّ في عين العدوّ، ودقيق في عين الصّديق ومرّار الطّريق..

يا ربّ يا جبّار. احْمِ عيون الصّغار. بجاهِ النبيّ المختار».

كنّا نجوب معاً طرقات «حوّارة» المتربة بلا ملل! نلعب كثيراً. نتشاجر كثيراً. نتصالح كثيراً.. وبيننا دائماً سوء تفاهم حميم!

كنتُ أبحث عن كرتي الضائعة.. وفجأة، قالوا إنها ماتت!

هناك، كانت الحفرة صغيرة، ترابها طري رطب، جلسنا نعبث به ونشكّله على هوانا.. مدَّ جدّي اللفة وراح يصلّي. نثرت التراب عليها لتفتح عينيها اللامعتين وتلعب معنا، فضحكت.

صفحة 6

في سن التاسعة عشرة وجدْتُها إلى جانبي. صَبِيَّةً لها عينان بصفاء السماء، كانت تتكلم اللهجة العراقية بلكْنة جنوبية، وكنتُ أتكلّم لهجةً حورانيّة أصيلة، وتحاورنا بكلمات مرتبكة أوقعَتْنا في سوء فهم حميم.

خرَجنا من الامتحان الأخير معاً، ومشينا تحت الشمس اللاهبة.. كان ثمّة راديو يغنّي: «ياللي جرّة سما بعينك، خاف افزّزها من أقلّك. أنا أحبك..».

شربنا ماء من «سقاية الحاجة عيوشة»، واستدرنا إلى «باب المعظّم»، ومشينا في «شارع الرشيد»، ووصلنا مربعة «حافظ القاضي» فدخلنا مطعماً مكتظاً بالزبائن؛ حشرنا جسدينا على طاولة متواضعة بين غرباء فَظّين.. ثم تابعنا المشي فرحين.

عبرنا إلى شارع «أبو نواس»، ثرثرنا عن كل شيء، وكُنّا نستعين باللهجة المصرية لتصحيح سوء الفهم.. ووصلنا «المسبح»، ثم عدنا في الباص إلى مجمع الميدان.. ولَمّا حانت لحظة البوح بما اختزنَتْهُ صحبة عمْرٍ كامل من التآمر على رغباتنا الوردية.. افترقنا بصمت.

***

«العينان هُما هُما، والسرّ هو السرّ، لم يتبدّل!».

ابتسمَت لي ابتسامة عذبة حنونة وكأنها تقول: «فرصة طيبة»، ابتسمْت لها ابتسامة عريضة: «أهلاً..».

في التاسعة والعشرين. كانت «الفرصة الطيبة!» في مستشفى «ماركا» القريب من سجن المحطة في «عمّان». كان لها مشكلتها، وكان لي مرَضي. تبادلنا تلك النظرة التي تزعم أننا نعرف بعضنا بعضاً منذ الأزل، تحدّثنا بلغة مرتبكة خوفاً من وقوع المعاني في آذان من حولنا، وقعنا في سوء الفهم اللذيذ.

خرجنا من الحافلة إلى عنبر المساجين في المستشفى.. تهرّ الذكريات والأطياف والروائح.. أرى عالم الحرّية الرحب في عينيها. ويأتينا صوت فيروز من حافلة عابرة:

«وعيون بتقول اسكني فيّه، وطيري يا دني.. ويا ليل ليّل ع الدني يا نجوم عَ الأرض انزلي».

يفكّون القيد، أمشي للعنبر المخصص لنا في المستشفى، عند يمين المدخل مكتب يجلس خلفه شاويش تكدّسَت أمامه عشرات الأضابير، وعلى يمينه خزانة قديمة مليئة بأوراق غير مرتّبة، يسار العنبر أُقيمَت مغسلة قذرة، وعلى الحائط عُلّقت كلبشات معدنية لامعة. هل للفظاظة مكان هنا؟!..

التقطنا فرصة انشغالهم بأوراقنا، فتكلّمنا كأنّنا نعرف بعضنا بعضاً منذ الأزل، ودار فينا العنبر الكئيب كدولاب الهوى.. وعند اللحظة التي لا بد منها؛ نادى الشاويش اسمي:

«عمرك.. التهمة.. مرضك؟».

.. وافترقنا!

صفحة 7

في التاسعة والثلاثين التقيتُها في «موسكو»، أعرف قليلاً من الروسية، وتعرف قليلاً من العربية، فوقعنا في سوء فهم ممتع أكثر من الفهم نفسه..

انقضت ثلاثة أسابيع من المشي تحت الثلج وفوق الثلج، ذهبنا إلى «السوم»، و«القوم»، ومحطة «سوكل»، وشارع «أربات».. وواجهنا فظاظة البرد بالحديث عمّا لا نعرفه جيداً، وكنّا فرحَين بالكشف عن هول ما لا نعرف.. ركبنا إلى كل محطّات المترو في «موسكو»، وقرأنا «بابلو نيرودا».. وغنينا معه: «عيناك لشدة عمقهما أخاف أن أنحني لأشرب»..

في اليوم الأخير، جاءت لتبوح بما ينبغي أن تبوح به منذ الأزل، فلم تجدني!

***

التاسعة والأربعون، التقينا في الجزائر، لهجتها جزائرية على فرنسية، ولهجتي أردنية على إنجليزية..

«عيناك عيناها، كذا كانتا، والوجه، ذات الوجه، لم يتبدل..».

مشينا في الجزائر العاصمة تحت المطر العصبي، عبرنا حي القصبة رغم التخويف الفظّ من الإرهابيين، ومشينا على شاطئ البحر رغم التحذيرات الفجّة من اللصوص والنشّالين.. ووقعنا في سوء الفهم اللذيذ، وكانت لدينا المزاعم ذاتها، واللغة المرتبكة نفسها.. وموعد مع البوح كنت أدرك أنه لن يأتي، فقد صارت الحكاية أكثر وضوحاً، والتوقّعات أكثر صرامة ودقة.

***

إنّها سِنّ التاسعة والخمسين، ابْيَضّت ظنوني، وصرت أكثر إدراكاً لقوانين المشي على الطريق..

التقيتها في «عماّن»!

تَرافَقنا على طريق «عمّان إربد» شمالاً.. اتّجهنا إلى «جرش»، و«عجلون»، ثم «إربد».. سِرْنا في طرُق زراعية غير نافذة، وعبَرنا قرىً متشابهة الفظاظة..

على مشارف قرية منسية تعطّلت السيارة!

وقفنا على قارعة الطريق صامتَين.. وما زلنا!

صفحة 8

بيتُ الحواس
(1)

حوسة: كواير للمؤونة، موقد حطب، قناطر، رحى صغيرة، قدور نحاسية، جزمة عالية الساق، بساط مهترئ، باطية خشبية مكسورة الحافّة، قلائد خضار مجففة، جرّة سمْن.. وفي العتَبة كان هناك زير الماء.

كانوا يسمّونه «بيت الحْواسْ» بتسكين الحاء والسين تعبيراً عن «حوسة» الأشياء التي يحتويها!

عند عتَبة بيت الحْواس؛ فعل.. دون علم.. ودون ريب.. ودون نقد كل ما كانت اللحظة تتطلبه منه.. لقد اجتمعت في تلك الساعة الصباحية في مصير الشاب وفي روحه عناصر بيت الحْواس كلها لتؤسس بيتاً كبيراً للحواس.. فتميزت اللحظة التي اكتشف فيها العبق والموسيقى والعظمة عن آلاف الساعات التي عاشها أو خبرها.

صفحة 9

(2)

رائحةُ «خبز جافر» تفوح من الصُرّة.

صُرّة الفطور معلّقة بأصابعه.. داخلها وعاء فخاري مصقول جفّت على حوافّه بقايا لبن خاثر..

«فتنة» تسير إلى جانبه حاملة قِرْبَة ماء كبيرة على كتفَيها، وتمْسِك طرفَيها بثقة.. ساعِداها المرتدّان تجاه القِرْبة يُسْقطان الكُمَّين الواسعَين للثوب، ويشرئبّ بياضُ ذراعيها البضّتَين متحدّياً شمسَ تموز.

يفور تحت أردان الثوب المتهدلّة رجراجان نافران زادا وضوحاً مع رشْح الماء المتواصل من القِرْبة على الكتفَين والصدر.. يلتصق ثوب «الحبر» الفضفاض بجلدها، وتلمع نقاط الماء العذبة على خيوط «الساتان» البرتقالية التي تطرز الثوب بشموس مطفأة.

يهبّ هواء ساخن هبط للتوّ عن التلّة غرب القرية.. مَرَّ بالطرقات الخالية المغبرة.. وانسرب إلى سهول القمح الذهبية، وسحب معه فضلةَ ثوب «فتنة» وأبرز مفاتن جسدها نافرة مثيرة.

صفحة 10

(3)

يكشّ الولد الذباب عن بقايا كشط في ركبته اليسرى.. يقع بصره على قدميه الحافيتين.. يخجل.. (لو أنني لبست البنطال الأزرق ذو الساقين الطويلتين وانتعلت الصندل! أصرّت أمي أن ألبس «الكاكي» القصير بحجّة: بْهِمِّشْ.. ما إنتَ رايح على السهل).

حاوَل أن يرى نفسه بعينيها.. تلفّتَ إليها.. ارتبكتْ مشيتها قليلاً.. ارْتَضّ ذاك الأيمن الطريّ الشهيّ على كتفه.. تعثر.. كاد يسقط.. أفلتت «فتنة» أحد طرفي القربة وأمسكت يده.. كانت يدها باردة لذيذة.. اضطرب.. وقفت لتعدل وضع القربة على كتفها.. أمسكتها بيد وأمسكت يده بالأخرى.. سَرَت قشعريرة لذيذة في جسده.. كعابد هبط عليه الوجْد فجأة وضع يده الأخرى فوق يدها.. انتبهت.. سحبت يدها ببطء.. عيناها جادّتان في التعرّف عليه.. تلمّسَت قطعة القماش المتسخة التي تعصب رأسه.. امتصَّ جرحه طراوة اليد، وتلمّسَت يدُها ندى دمه المتفشّي خلال العصبة.

قالت بِرِقّة: انتبه، الشوكة علقت بقدمك.