المقدمة
جرت العادة أن يقدم للرواية أحد النقاد المعروفين المتخصصين في علم وفن النقد الأدبي، إمَّا للتنويه بقيمتها الفنية والفكرية، أو لتعريف القارئ بكيفية قراءة الرموز والدلالات والثيمات الأساسية، أو من باب الحث على الاهتمام بقضيتها الاجتماعية – السياسية - الإنسانية المطروحة بشكل مباشر أو غير مباشر.
لهذه الرواية في طبعتها المقدسية اخترت مقدمة غير تقليدية، إذ أفسحت مجالا لقرّاء قالوا رأيهم فيما كتبت، لا لأني أفضل آراءهم على آراء المتخصصين، ولا لأن فيما يقولون من العلم والدقة والحكمة أكثر مما لدى النقّاد المحترفين، بل لأني أعتز وأتعلم مما يقولون. فهم أولا وأخيرا من أقصد، هم مرآتي. والشهادات التي وجدتها في إحدى المجلات الرقمية لبعض القرَّاء، على اقتضابها وبساطتها، تقول الكثير وتفرحني، وتعلمني.
سحر خليفة
كفاح زهرة: ويبقى الوطن حبي الأول! الرواية رائعة، ومن ذكاء الكاتبة أنني لم أشعر بأن شخصياتها مختلقة. لقد مزجت بين الحقائق وشخصيتها بأسلوب رائع ودخلت في كثير من التفاصيل، حقائق لم أكن أعرفها من قبل. تعمقت في "الثورة" ونفسية الثوّار ونقلت تجاربهم الشخصية.
رنا: سحر خليفة ترغمني على الغوص في التفاصيل، تفاصيل الهوية والوطن. شعرت بالوطن المسلوب في هذه الرواية! رائحة الخبز والطابون واللبنة الطرية والزيتون وستّ نضال، الستّ الفلسطينية. كنتُ أنا نضال الصغيرة مع فارق الماضي والحاضر رغم أنني لا أهوى التفاصيل الكثيرة، إلا أنني لا أستطيع القفز على تفاصيل تروي أحداثا تاريخية، وليس أي تاريخ، عندما يتعلق الأمر بالثوّار والملثمين والحجَّارة ومغارات الجبل. إنني لم أعايش فترة كان الناس فيها بذلك التلهف للدفاع عن الأرض وبذل الغالي والنفيس من أجلها.
صفوت سافي: رواية ثرية بمفردات من اللهجة الفلسطينية، تستذكر في بدايتها بطلة الرواية، التي تشارف على السبعينات قصة حب طفولي، دارت أحداثها في نابلس وما حولها قبل قرار التقسيم وتفرُّق العائلة، وها هي تعود بعد كل هذا الزمان إلى بيت العائلة المهجور، والتي لم يتبق منها سواها. نهاية الرواية تحمل الكثير من الأمل عندما عثر عاشق البطلة على ما تبقى من عائلتها وهم أبناء وأحفاد أخيها الذي استشهد في دير ياسين، لتكتشف أن العائلة لم تنته وأن الأمل مازال موجودا.
آلاء: تكتب سحر فتبهرني، تكتب، فأجد في تفاصيلها سحرا وحبا وواقعية موجعة. تكتب سحر وأقرأ أنا، دون كلل من حكاياتها التي لا أتمنى لها أن تنتهي. في نصها هذا، نقابل نابلس مختلفة، نابلس الحب والمقاومة، نابلس الفلاحين وأهل المدينة، التفرقة والاتحاد والجو الكئيب وسقوط فلسطين، ومسارات الثوّار في الجبال البكر.
أمل السبتي: هذه الرواية عن حب تاه وذهب، رواية عن الحقيقة المرَّة، عن الظروف في العشر سنوات التي تسبق عام 1948، عن كيف عاش الناس، وكيف قاوموا، وماذا حصل فعلا، رواية عن عبد القادر الحسيني، الذي تمّ تجاهله في المناهج الفلسطينية وتجاهل دوره، ورسم صورة مشوشة له. رواية تستحق أن تقرأ بشخصياتها الطريفة، وصراحتها ومحاسبتها لأخطائنا ووضعها جميعا على الطاولة بوضوح.
ريما الشيخ: عندما أقرأ شيئا يحاكي فلسطين تتضارب في نفسي الأحاسيس حتى أكاد لا أفرّق بين الحزن واليأس والأمل. الحب هنا وجه شفاف للقضيّة، وهل يمكن للحب في زمن الحرب أن ينفصل عن القضية؟ في هذه الرواية تقرأ القائد والقضية. تلمح بعين دامعة خذلان الأمس وضياع اليوم. أشعر بالخزيِّ كلما قرأت تاريخا يحكي موقف العرب من فلسطين
لما ياسين: من أين أبدأ؟ من أجمل ما قرأت في حياتي، كم هي مشوقة ومحزنة، أبكتني النهاية مع أنها معروفة، آه يا سحر يا مبدعة، في بدايتها شممت رائحة البرتقال، وتذوقت اللبن ثم نقلتني إلى كهوف الثوّار وحزنت لخسارتهم. التفاصيل الدقيقة لساحات المعارك جعلتني أحس كأنني في المكان معهم، حقا لا يسعني إلا أن أقول بوركت جهودك يا سحر، واستمري في العطاء.
أميمة: الأقوال والأحداث مأخوذة مما كتب قاسم الريماوي، أمين سر الجهاد المقدس آنذاك، وأعادت سحر خليفة صياغتها بإضافة بعض الشخصيات المتخيلة، ومع ذلك تبقى الأحداث الأساسية كما هي. قراءة تاريخية ممتعة.
خلود التيم الشحي: من أجمل الروايات التي قرأتها طوال حياتي. انغرسَت في ذاكرتي بشكل فظيع. لا أعتقد بأني سأنسى تفاصيلها أبداً. عشقت ولاءها لفلسطين ولحبيبها. عشقت لغتها وتصويرها للأحداث كأنها تحصل أمام ناظري. جميلة أنت يا سحر. شكراً !
الإهداء
لذكراه شاعرا ومناضلا،
مع كل ربيع،
وكل المواسـم،
سحر خليفة
(مد الخطوط حتى تأخذ القصيدة شكلا منتظما)
بني خذوا مني نصيحـة والــــــــد عركت نواصي الدهر والدهر قلب
كما الدهر عبد للجَلود فإنـه وإن جمـــــع الويـــــــلات بالحـــزم يغلــــب
لئيم إذا جس الطباع ضعيفــة كـريم إذا يلقــــاه نــــاب ومخلـــــب
سلاح الفتى طيب الخصال وعزه عفاف وبـأس في الشـــــدائد يرهـــب
وخير ســـلاح للمصائب ســـمعة تفــوح جليــــل الذكـر أيان يذهـــب
بني أقلوا ما استطعتم عثاركم فـرب عثـار للمكـارم يســـــلــب
ولا ترجعوا صفر اليدين مؤملا صنيـع الفتى يبقى إذا المـال ينضــب
عبد القادر الحسيني
1
أعود اليوم لدار العيلة لأقوم بإصلاح ما تصدع ونخره السوس، وأجعل من الدار، دار العيلة، مكانا يُسكن، شيئا يُذكر وله تاريخ. ما عدت أطيق جو الغربة والطيارات والمطارات والبدء من جديد في كل مكان أذهب إليه. هناك عمان، قبلها بيروت، ثم لندن، ثم باريس وواشنطن، ثم المغرب، وأخيرا جئت إلى الضفة. شيء مزعج أن تحس أنك طَرْدٌ آدمي متنقل في كل مطار. ما أن تستقر في مكان ما حتى ترحل. تبدأ من جديد، وما أن تبدأ باعتياد الجو حتى تنتقل إلى آخر، وآخر، وإلى آخره بلا نهاية، وبلا تحديد.
عزمتني زميلة، في القاهرة، على فنجان شاي في منزلها. رأيت الكتب ورفوف الكتب وغبار الكتب وأصص المدادة والخنشار في ركن عتيق من منزلها، وحديقة صغيرة خلف الدار فيها شجرة عمرها مليون، تحتها قطة تنام بهدوء وسكينة، فحسدت القطة والشجرة وحسدت الدار. سألت الزميلة عن عمر الدار وكم سنة سكنت في تلك الدار، فقالت عشرة. عشرة؟ عشرة! عشر سنوات في نفس الدار؟ حسدت الزميلة والقطة وحسدت الدار.
في هذه الدار ولدت أنا، وأمي وداد وسِتِّي زكية. على هذه الدار مرت أجيال، ومر احتلال وعواصف وزلزال رهيب جعل مدينتنا مقلوبة، رأسها لتحت وأرجلها لفوق وحولها دمار وشظايا وغبار كثيف. وكذا الاحتلال، مثل الزلزال، وكذا الهجران والوحشة، وبقايا أهل هجروها وغابوا عنها، رحلوا عنها، همدوا، ماتوا، باتوا ذكرى في زمن عتيق متقطع، مثل سفرنا، يعني رحلات، يعني مراحل، وطَرْد آدمي متنقل عبر محطات وقطارات ومطارات، ومراحل.
أنا كنت هنا منذ التاريخ، أقصد سنوات جرارة، خمسين سنة، سِتِّين سنة، لا فرق كبير في عمر الزمن، أما الإنسان، فأنا نقطة، بل فاصلة في سطر جديد وفقرة جديدة. لكن ما كُتب من الأول، في أول سطر يبقى معنا مثل التاريخ، والذكريات، والطفولة وصورنا القديمة قبل التجاعيد وانحدار الخطوط في سحنتنا وأفول اللمعة من العينين.
أنا كنت هنا حين كانت سِتِّي في عمري، وربما أصغر، أصغر بكثير. كانت ما زالت في الأربعين، وفي الأربعين في ذاك الوقت، أقصد أواخر الثلاثينات، كانت المرأة في الأربعين تبدو عجوزا. نساء الأربعين في ذاك الزمن كن بضفائر مجدولة بعضها خمري من الحناء وبعضها رمادي وبعضها أبيض، أبيض مصفرّ. يلبسن الرمادي أو البني أو الكحلي، سادة بلا زهر ولا تعريق، وله قصات مستقيمة، لا تتغير، مثل الشوال بلا وربات ولا التواءات ولا حركات ولا زينة. يعني المرأة في الأربعين تصبح جدَّة، حجة وحماة، وختيارة.
لكن سِتِّي في ذاك الوقت، ما كانت ختيارة على الإطلاق. كانت أمي، وأمي أختي، وأنا صغيرة ووحيدة بجو مثقل بقصص الأبطال والشهداء والمعارك، وكلمة ثورة تدور وتدور مثل الساعة، مثل العقرب، لا تتوقف. تبدأ من فوق ثم تنزل، وتعود ثانية إلى أعلى، إلى رقم 12، مثل العقرب، يلف ويدور ويعود ثانية إلى نفس الرقم، ثم ينزل.
في هذا الجو من كان هنا؟ سِتِّي وأنا، وخالي وخالي، وخالي الآخر في السعودية، وأمي وداد. من ظل هنا؟ لم يبق أحد إلا سافر، هاجر، ولّى، أضحى ذكرى. وأنا أعود بعد كل السنين لأصلح ما اهترأ وتصدع بعد الزلزال، وقبل الزلزال، وأعيد إلى الدار بعض الرونق، وأزيل الغبار.
*****
في هذا المكان، تحت النافذة الشرقية، وعلى طراحة محشوة بصوف ناعم، وجهها قطني محزز بخطوط توتية وعسلية كانت سِتِّي تجلس صبحا أمام الكانون. مع صلاة الفجر تجلس هنا تغلي القهوة وترش على النار حبات الهال وقشر الليمون حتى تخفي رائحة الفحم. تكون قد أعدت فطورا بلديا معتبرا: جبنة بيضاء نابلسية وزيت وزعتر ولبنة وحلاوة طحينية. تخرج أمي معكرة المزاج من غرفتها. تقول صباح الخير بصوت ناشف. ترشف رشفات من القهوة، وهي تجلس على كرسي صغير من القش قرب الكانون، وأنا أجلس عند قدميها لتمشط شعري وتشده في ضفيرتين خلف ظهري. تقول سِتِّي بتودد: أعمل لك عروس؟ أمي لا تجيب، فأقول أنا: عروسة لبنة. ومع العروس تبدأ رحلتها مع الأحلام، ما حلمت الليلة ومعنى الحلم. تبدأ بالجد ثم أموات منسيين يأتيهم الدور فردا فردا، ثم الأحياء، خالي وحيد، ثم خالي أمين، وخالي سمير في السعودية، ثم أمي وداد وأخيرا أنا. تسرع أمي في تمشيطي، فتسأل سِتِّي: سامعة يا وداد؟ أسمعها تنفخ من أنفها وتصفع ظهري صفعة خفيفة من غير ألم، وتقول بسرعة وهي تقف: سامعة، سامعة، يا الله قومي. فأسرع أنا نحو الجدة، وتسرع أمي بلبس المريول، ثم الإيشارب، وتقول وهي تتجه نحو باب الدار: اليوم وبكرة نوبتجية. وسِتِّي تنادي: لقمة صغيرة تسند بطنك، ارحمي حالك. أعمل لك عروس؟ وتكون قد عملت تلك العروس، فآكلها أنا.
تنظر سِتِّي تلك النظرة عبر الشباك فوق الياسمينة وشجر الخشخاش، وتهمس بحزن: مسكينة وداد، حظها ناقص! أقول بسرعة كي تنسى الأسى: وأنا يا سِتِّي ما سأكون؟ تقول برقة وحزن شفيف: عروس، عروس، خذي كليها. أقول بغيظ: لأ يا سِتِّي، أنا لما أكبر ما سأكون؟ تبتسم لي بسمة صغيرة: عروس، عروس، كلك أبيض، من فوق لتحت كلك أبيض. أقول بذعر: يعني المريول مثل أمي؟ لأ يا سِتِّي، أنا لما أكبر بدي أكون... وأتوقف لأني لا أعرف ما سأكون، ولأني أرى سِتِّي تدمع وتمسح عينيها وتدمدم بتلك الآيات، فأحس بثقل في قلبي ويملأني الحزن.
في ذاك الصبح من ذاك الصيف، وبعد خروج أمي للشغل، قالت سِتِّي:
- أنا شفت بالمنام، الله أعلم.
وسرحت ثانية عبر الشباك وأنا أتابعها وأتأمل لون العينين، زمّ الشفتين، لون البشرة، ومفرق شعرها بين الحناء. أحيانا تهمله، فيبدو الشيب كخط مرسوم بالطبشور. ولون الحناء شراشيب ذرة، ولون البشرة أبيض شفاف كالمرمر، حتى الشرايين الدقيقة تظهر واضحة مرسومة، لونها أخضر.
قالت همسا:
- الليلة في المنام أنا شفت سيدك، وقال لي أروح عند خالك وحيد.
كنت قد اعتدت تلك الأقوال، فلم أسأل كيف يقول من شبع موتا في قبره وصارت عظامه مكاحل افعلي كذا أو سوّي كذا. كانت أرواح المرحومين تحوم حولها في كل مكان، وأنا أيضا في كل مكان، آخذها معي أينما أذهب، لدروس الدين وحفظ القرآن، ودروس الخط والخياطة، وحتى التاريخ والجغرافيا. كنت قد أنهيت الابتدائية وحفظت كتب السكاكيني، راس روس، والولد النظيف، والشمس الذهبية عن ظهر قلب.
سألت سِتِّي باستعطاف:
- تاخذيني معك؟
قالت سِتِّي مؤكدة:
- طبعا، طبعا، صرتِ كبيرة! نجحتِ بدروسك بلا إكمال. شاطرة، ذكية، هاتِ قشرة. كان سيدك يحب ريحة الليمون.
ناولتها القشرة بسرعة وهمة حتى تظل تعتمد علي، فتأخذني إلى أي مكان تذهب إليه. وعدت أتأمل وجهها بحب وشغف وأنا آكل عروس اللبنة.
سرحت ثانية بعينيها عبر الشباك، وقالت بصوت خفيض كما لو كانت تتحدث مع المرحوم:
- روحه في الدار وعيونه معي، هو شايفني.
- وشايفني أنا؟
ابتسمت وهي تنكش الكانون وتهز رأسها مرة لليمين ومرة للشمال:
- مرات، مرات.
- يعني متى؟ لما أغلط أو أعمل صح؟
حين يصل الحديث لهذا الموقع وتكون أمي في الدار، تصيح من بعيد:
- شبعنا أرواح وحكي فاضي، خلينا نعيش زي كل الناس.
تهمس سِتِّي:
- مسكينة وداد! يجعل حظك أحسن منها. حظها ناقص، الله يعينها.
ولا أسألها عن سبب نقصان الحظ؛ لأني أعرف ما القصة من أولها إلى آخرها. أمي المهجورة المنسية، وزواج أبي من يهودية، وهروب أمي للمستشفى حتى تنسى ما حل بها. لكن أمي لا تبدو بحظ ناقص لأني أراها، كما تبدو، سعيدة بعملها ومشغولة. أخذتني مرة لعملها في المستشفى، لأن سِتِّي ذهبت لعزاء. هناك رأيت أمي تضحك وتقفز وتطير مثل فراشة، فراشة بيضاء بلا أجنحة لكن بقبعة مثل التاج، تطير هنا وتطير هناك والكل ينادي وداد يا وداد، وطبيب كبير سأل عني، فقالت بخجل: هذي بنتي نضال. نظر إليها، وسأل بتنغيم: بنتك نضال! وكأنه غير مصدق. ورجعت للدار وأنا أسال: لماذا قال بنتك نضال، وكأنه غير مصدق أن اسمي نضال؟ اسم نضال هو اسم ذكور واسم إناث، معظم الأسماء في عمري كانت أسماء مختلطة ولها معنى، نضال وجهاد وكفاح ووسام وما شابه، فلماذا لم يصدق أن اسمي نضال؟ ولماذا أصرت أن أناديها في المستشفى باسمها وداد؟ ولماذا الطبيب قال بتنغيم وكأنه غير مصدق: بنتك نضال؟! وكأن اسمي عجيب غريب.
*****
أسموني نضال لأن اسمي كان التعبير عن المرحلة، ثم مراحل. من أسماني؟ أمي كانت بعد صغيرة، وبعد محزونة ومشغولة بهم أكبر. سِتِّي موزعة حائرة بين ابنتها وابن أخيها. خالي وحيد كان مع الثورة والثوّار. من ظلَّ إذن؟ خالي أمين المتعلم، قالوا "شيوعي" وقالوا "بعثي وقومي سوري". ما عدت أذكر بالتحديد، لم أعرف قط. هرب إلى الشام ثم بيروت والتصق هناك، يعني هاجر، مثلي أنا، لكني عدت لأستقر على سكن، جزء من وطن، وأموت هنا كما يموت البعير. من أين جاء هذا التعبير "كما يموت البعير؟" خالد ابن الوليد؟ عمرو بن العاص أم صلاح الدين؟ كل الأسماء لها تاريخ إلا اسمي؛ لأنه فعل ناقص مثل كان وما زال وما انفك، فعل ناقص. وكأن النضال لا يتأتى إلا بالعنف! وكأن العنف لا يتأتى إلا بالسيف والبارودة وزرع الألغام!
أنا ما ورثت إلا اسمي، فعل ناقص، وحملت بدل البارودة وزرع الألغام ريشة صغيرة فرسمت الدار، دار العيلة، وصور الأحياء والطبيعة، وخان التجار. قالوا من الصغر أنا فنانة، فصدَّقت الفن واعتنقته وحملته بصمة على جبيني. باطحت الدنيا كي أحمل ريشة صغيرة فيها ألوان وموسيقى وضوء ونسائم ومواويل. رسمتُ الجدة ورسمتُ البحر، رسمتُ الجبل ورسمتُ النهر، رسمتُ النساء في كل وضع يخطر بالبال، نساء ورجال ومواسم من غير حصاد في أرض بور. رسمتُ الزرع ورسمتُ الزهر ورسمتُ طبيعة صامتة فوق أرضية لا توحي بجمال الزهر. حملت لوحاتي ودرت بها في كل مكان. أقمت معارض وأتيلييهات، ورسمتُ للصحف والمجلات ولدي الآن لوحة ضخمة في اليونيسكو، وأخرى أضخم في اليونيفام، وثالثة أصغر، صغيرة جدا، بممر الجامعة العربية. أنا فنانة، هذا ما يقال وهذا ما صرت وعلى هذا أموت. لكني الآن، في هذا العمر، وبعد الدوران مثل النحلة، وبعد الصخب وكل الأضواء، وبعد الإعلام والمانشيتات وأغلفة الصحف والإعلانات، أجد نفسي الآن بلا صاحب وبلا مأوى. بقيت مثل السيف فردا. إن كان الأهل رحلوا مثلي، وأنا رحلت مثل الباقين، من ظلَّ هنا؟ ما ظلَّ هنا سوى هذي الدار. لهذا عدت هنا من جديد، لأجعل من الدار، دار العيلة، بيتي الأول هو بيتي الأخير: جاليري، ومتحف، وصور ورسومات وبراويز، مثل المعرض.
جاء النجار، وقال الخشب نخره السوس، فقلت استبدله. جاء الحداد، وقال الحديد أكله الصدأ، فقلت جدده. جاء المواسيرجي، وقال المواسير مخرومة، موضة قديمة، وكذا الحمَّام والمطبخ وبيت الراحة. قلت اخلع، كسّر، اقدح، كل المنخور والمكسور والمعثث انزله لتحت. وجاء البليط والزجّاج والمهندس وبياع العفش المستعمل، فقلت احمل، لا تبق لي إلا الهيكل وبيرو ستي وكانون النحاس وبعض اللوحات.
بدأ العمل كخلية نحل وأنا انزويت في العيلة آكل وأنام في العيلة وأرتب أوراق الأهل والرسائل في صناديق تلو صناديق. كم تركوا لي من وثائق وصور ورسائل ومفاتيح! وكم وجدت في الأدراج والخزائن صورا وبقايا وتذكارات وقصائد مخطوطة لم تنشر! بجوار اسمي، هذا ما ورثت من العيلة، قصصا وقصائد منسية ودارا وذاكرة مهجورة.
2
قالت سِتِّي:
- اليوم نروح عند أم نايف نسأل عن خالك في عصيرة.
لم أجبها لكني أحسست بمزيج غريب من فرح مكبوت وخوف غامض. كان الثوّار قد ملأوا الجبال بحكاياهم. تفجير ألغام وخطف جنود وقنص ومشانق ومساجين. وكانت طائرات الإنجليز تحوم في الجو مثل الغربان تقذف قنابل ومنشورات فوق القرى في رؤوس الجبال. ونابلس محاطة بقراها كأم الأولاد، والقرويون، أحيانا هنا وأحيانا هناك. يبدأ القصف فأراهم في سوق المدينة وباب الساحة معظمهم نساء مع الأطفال يحملن سلال العنب والتين واللبن والجبن والخبيزة. لكن سِتِّي قالت لي إن النساء القرويات أقوى وأجدع. أجدع ممن؟ أجدع من نساء المدينة، لأن سلال العنب والتين تحوي أشياء ممنوعة تصل الثوّار مثل خالك. يعني خالي مثل الثوّار. يعني الثوّار مثل خالي. يعني خالي في القرية هناك مع الثوّار. يعني خالي في القرى هناك بين الثوّار في رؤوس الجبال بين الصخور والمغر والشوك وشجر الصبار. وأنا وسِتِّي نذهب مشيا لأن الجبال بلا شوارع ولا سيارات ولا حتى حمير. قصة طريفة يرددها الناس عن اعتقال البغال والحمير. أنا ضحكت وبكت سِتِّي وأمي صاحت: يخرب بيتهم، حتى الحمار؟! كان الإنجليز قد أوقفوا قرويا وحماره. فتشوا القروي وحماره فوجدوا شفرة، شفرة عتيقة صدئة مكسورة إلى نصفين، فقالوا عن الشفرة أسلحة وعن الفلاح ناقل أجهزة ممنوعة وعن الحمار وسيلة نقل. اعتقلوا الفلاح وأجهزته ووسيلة النقل اعتقلوها. ضربت سِتِّي يدا بيد، وقالت والدموع في عينيها: منهم لله، جاييهم يوم. وذاك اليوم جاء فورا. في ذاك الليل هجم الثوّار على دورية وأبادوها، عشرة، عشرين، ثلاثين، أربعين، لا أحد يعرف بالتحديد، لأن الأعداد تتزايد، في كل مرة تتزايد. مع الانتقال من دار لدار، من حي لحي، ومن القرية للمدينة، تزيد الأعداد وتتوالد، تصبح أكثر، أكثر بكثير. وكذا الثوّار، أكثر بكثير. والقتل والضرب والطيارات، أكثر بكثير.
قالت سِتِّي:
- اليوم نروح عند أم نايف.
أم نايف تلك بياعة لبن وتين وفقوس. في موسم الصيف تأتي بالعنب والتين والفقوس ولبن وزبدة. وفي فصل الشتاء تأتي بالحلبة والفريكة وعدس وبرغل. وفي الربيع تأتي بالخبيزة والشومر والميرمية وسلال العكوب غير المعكّب. تجلس مع سِتِّي في الليوان بعد أن تنهي جولتها على كل البيوت وتأخذان بتعكيب العكوب، وتنقيب القمح والفريكة، وتحكيان قصص الدنيا. أبو حمزة تزوج على مرته، وأم جابر زارت أولادها بسجن الرملة، ودار المختار اقتحموها مع آذان الفجر وما خلوا حاجة مطرحها. خلطوا الرز والسكر والسمنة، وشقّوا الفرشات والمخدات، وقلبوا الخزائن والدبيّات وجرار الزيت والمرطبانات وحتى الدجاجات طيروها. شو تقولي عليهم يا حجة؟
تجيب سِتِّي، وهي ما زالت تنقب وتمسح العرق عن حاجبها:
- منهم لله، ربك كبير على كل ظالم، جاييهم يوم.
تهتف أم نايف بحرارة:
- إيمتى يا حجة؟ إيمتى ييجي؟ لا اليوم ولا بكرة ولا بعده، خلص زهقنا، طلعت روحنا، نفسنا انقطع وحالتنا تصعب عالكافر. هم كفّار يا أم وحيد. اليهود كفّار والانجليز أكفر. لا دين ولا رب ولا حتى كعبة يزوروها. حتى القيامة قاموها وربك شايف وسامع وساكت! شو تقولي عليهم يا حجة؟
تقول سِتِّي مهدئة:
- يمهل ولا يهمل. حسابه شديد يوم القيامة. جاييهم يوم.
تكاد أم نايف تبكي:
- إيمتى يا حجة؟ الناس هلكوا، واولادنا شردوا في الجبال وطفحت الحبوس، والموسم راح على أصحابه. حتى الزيتون ما غلّ ولا حمل، ولا دار الزيت في عروقه. قحل ومحل ويهود وانجليز، شو عملنا يا ربي وسوّينا؟ وابنك وحيد شيخ الشباب شو أخباره؟
تحدجها سِتِّي بتفحص:
- أخباره عندك يا أم نايف. عندك أخبار كل الثوّار.
تضحك أم نايف وتلوح يدها المدقوقة بوشم قديم:
- لا عندي علم ولا عندي خبر. ينصرهم ربي ويجبرهم، قولي انشا الله.
ولا تقول سِتِّي انشا الله، بل ترفع رأسها وتحدق:
- أنا بدي وحيد، خبر عن وحيد، من تحت الأرض يا أم نايف!
تحدجها أم نايف بنظرة حذرة:
- الصبر مليح يا أم وحيد، قولي انشا الله!
3
خرجنا مع الفجر وكانت المدينة ما زالت تصحو من النوم ببطء وخشوع. الشوارع خالية إلا منا، والسوق العتيق بلا زبائن، وبعض التجار يعلقون بضائعهم أو يكنسون أمام المحال ويشطفون الأرض بماء أسود، فنضطر للقفز وفحج الخطوات.
قال أحدهم بصوت مشحوط من أثر النوم:
- يسعد صباحك يا حجة.
ولم تكن سِتِّي حجة. كانت تنوي أن تحج في كل سنة، وكل سنة ترجئ حجتها، لأن وحيداً ولأن أميناً ولأن سميراً ولأن وداد، كل بدوره يشغلها بمشاكله فتؤجل حجتها وترجئها لسنة أخرى. لكن الناس كانوا ينادونها يا حجة؛ لأنها من بيت شريف كله حجاج، ولأنها بنت المرحوم فلان، وأرملة فلان، وأم واحد من الثوّار يسمونه شيخ الشباب. وبما أن ابنها يلقب بالشيخ والحاج فلان، فهي إذن مثله حجة، ولولا الحياء لأسموها شيخة على وزنه.
تخطينا السوق وخرجنا من قلب المدينة نحو المقبرة الشرقية في سفح الجبل حتى وصلنا الطريق الترابية بمحاذاة المحاجر وشيخ العماد، ثم عصيرة، قرية أم نايف والثوّار. هذا ما قيل، قالوا عصيرة بلد الثوّار. اقتحمها الإنجليز عدة مرات، لكن الثوّار في كل مكان، أحيانا هنا، أحيانا هناك، في مغر الجبال وبين الصخور وشجر الصبار، وبين الناس في السوق العتيق في المدينة وخان التجار. لا أحد يعرف بالتحديد، هم كالأشباح.
جلسنا على صخرة لنلتقط أنفاسنا ونأكل لقمة. لم نكن قد أفطرنا بعد، فأخرجت سِتِّي عرائسها وفلقات الجبن وحبات خيار. كانت تلهث من أثر الصعود، وأنا أيضا ألهث وأحك مواضع الشوك والقرّيص أعلى قدميّ. ورغم الأشواك كنت سعيدة. بالنسبة لي كانت نزهة، أواخر آيار، بداية العطلة الصيفية، بلا مدارس، وخروج من الدار العتيقة والسوق العتيق للبرية، والجو بديع، وزهور الجبل حمراء وصفراء ونهدية، ونباتات ذات روائح بعضها للأكل مثل الزعتر والشومر والسيبعة، وبعضها كعلاج للسعال وتلبك المعدة والإسهال كالبابونج، وبعضها للزينة والفرجة مثل الشقيق وقرن الغزال وبز البقرة. كانت سِتِّي تعرف كل النباتات وتقدرها وتحكي عنها بإجلال غريب كما لو كانت لها أرواح. فتقول لي: هذا الشومر الله يرضى عليه ينفع للسعال وضيق النفس، وهذي الميرمية بنت أصول، سمّوها ميرمية على اسم ستنا مريم أم سيدنا عيسى عليه السلام، تنفع للمغص والكلاوي. وهذي الحلبة تدر الحليب، تغليها النفساء وتشربها فيطفح الحليب من ضروعها مثل البقرة. فأضحك وأقول: مثل البقرة؟ لكن سِتِّي لا تضحك بل تحكي عن النباتات بجدية، كما لو كانت لها أرواح.
أنظر إلى المدينة من فوق وأحس أني بطيارة. كأني أركب طيارة. أنا لم أركب طيارة. ركوب الطيارات للطيارين، يعني الإنجليز، يعني اليهود، يعني قنابل. لكن هناك في ذاك الجو بين الأزهار والنباتات والصخر الأبيض ونسيم أيار مثل نيروز. قالت سِتِّي مثل نيروز يعني عيد الربيع والورد والزهور عند البهائيين في حيفا، لا هم إسلام ولا مسيحيين ولا حتى يهود. ما دينهم إذن؟ هي لا تعرف وأنا لا أعرف سوى أن نيروز هو عيد الربيع وهواء الجبل ورائحة العشب وزهور البرية والألوان، مثل نيروز.
قالت سِتِّي:
- هناك، بعيد، على مد النظر حفاف البحر. شايفة الأزرق؟
نظرت مليا ولم أر الشط الأزرق، ولا بحر ولا نهر ولا سفينة. لكن سِتِّي قالت لي إن أخاها، هناك في حيفا، لديه مراكب وسفن ولنشات فيها بضائع، أغنى منّا، أغنى بكثير. لكن الحالة مستورة، حالتنا نحن، أما سيدي، فأغنى بكثير.
التفتت إلي:
- أكلت يا سِتِّي؟
نظرت إليها ونظرت إلي، وتبادلنا تلك النظرة، هي نظرة حب، ونظرة إعجاب وتدله شبيه بالعشق. كانت تقول: أنتِ روحي، وأنا أقول: أنتِ حياتي. وهذا فعلا ما كنا نحس. بالنسبة لها كنت أنا أكثر من طفلة وحفيدة، كنت حب الكبر وغرام الشيب، كما كانت تقول. كنت المتنفس لعواطف امرأة باتت أرملة وهي ما زالت في العشرين، والآن كبرت وصارت حجة وختيارة وعلى حافة قبرها، كما كانت تقول. أسمعها تقول حافة القبر فأكاد أجن لأن سِتِّي، بالنسبة لي، ليست ختيارة على الإطلاق. كانت ترفع شوالات الطحين والسكر دون مساعدة ودون عناء. وتصعد على سلم الحاكورة لتقطف الليمون والخشخاش، فتصيح وداد، يعني أمي:
- يا أمي ناوية على وقعة؟ تكسري حوضك تكسري رجلك وأنا أبلش فيك وأتورط.
فتخفض عينيها عن الشجرة، وتنظر إليّ وتغمزني، وتقول لي:
- شايفة أمك؟ مش خايفة علي، خايفة تتورط وتبلش فيّ. إنسي الموضوع.
ولا أنسى لأني أحتار بين الاثنتين. فأنا بالفعل أخاف عليها مثل أمي وداد، لكني أيضا أرى من حقها صعود السلم وقطف الليمون ورفع السحاحير على السدة ثم المشاوير الطويلة لزيارة المقبرة الشرقية والغربية، حيث أموات من سبقونا وزيارة الأقصى حين نزور خالي أميناً ثم التسكع في حارات وأسواق القدس. سِتِّي قوية. سِتِّي ذكية. سِتِّي نشيطة. أقوى من أمي بما لا يقاس، وأحلى من أمي بما لا يقاس، وأعذب وأرق، فيها عواطف. لكن عواطفها نحوي غير عن وداد، يعني ابنتها. وحين تغار أمي مني، تقول سِتِّي بلا ابتسام، وكأنها تؤكد حقها في أن تحب حفيدتها أكثر: ما أعز من الولد إلا ولد الولد. فتسكت وداد على مضض، وأبتسم أنا ؛لأن سِتِّي تغمزني وتهمس لي بصوت مسروق: أنت روحي. وأنا أقول: أنت حياتي.
4
دخلنا القرية مع آذان الظهر، ورأينا الرجال يتجهون نحو مسجد صغير وسط البلد. وسط البلد هو شارع ضيق فيه إسفلت، شبه إسفلت، مليء بالحفر والتراب والقش وبعر الغنم، ويحيط به خرفيش الربيع والخبيزة، وعلى الجانبين دكاكين صغيرة وفقيرة أمام حواكير لدور من اللبن والتبن، تختفي بين الخوخ والتين والمشمش، وخلفها حقول العدس والفول والبندورة.
التفت إلينا بعض الشباب، أما الشيوخ فغضوا الأنظار، ووقف الأولاد أمام الدكاكين وعلى البسطات ينظرون إلينا كما لو كنا من المريخ؛ لأني أنا بشكلي المدني: فستان وضفائر بشرائط وحذاء لميع مع جرابات، بعكس الأطفال في القرية، معظمهم حفاة بشعر منفوش، بلا شرائط، ولا لميع ولا جرابات. أما سِتِّي، فكانت بالغطوة كعادتها ومنديل كثيف على وجهها يخفي التفاصيل.
مشى الأولاد خلفنا وعلى الجانبين بصمت وفضول، ولمحت طفلة على مصطبة مدت لي لسانها تسخر مني، وصاح شاب متفاصحا: إمش وَلِه إنت وهو، عيب، انضبُّوا. لكن الأولاد ظلوا وراءنا وعلى الجانبين حتى وصلنا دكان بقال ينطلق منه صوت مذياع يغني أغنية مصرية.
وقفت سِتِّي أمام الدكان، وألقت التحية مثل الرجال:
- السلام عليكم.
رفع البقال حاجبيه كما لو تفاجأ، وأجاب بفضول وترحاب مبالغ فيه:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
والتفت إلى الأولاد من حولنا:
- إمشِ وَلَه أنت وهو، عيب، تحشموا!
لم يلتفت إليه الأولاد، وظلوا ينظرون وينتظرون.
قالت سِتِّي باقتضاب سريع:
- وين دار أم نايف الله يخليك.
صاح ولد:
- أنا أعرف دارها لأم نايف.
وصاح آخرون:
- وأنا أعرفها.
قال البقال وهو يشير بإصبعه نحو بعض الدور:
- بآخر الشارع على يمينك، واجهة من طوب بين الزيتون. وَلَه أنت وهو، يا الله غوروا.
ركض الأولاد أمامنا نحو تلك الدار، ليبشروا أم نايف بمقدمنا، وليثبتوا معرفتهم الأكيدة بأم نايف ودارها المزروعة بين الزيتون.
خرجت أم نايف لتعرف من جاء لزيارتها. كانت مشمرة الذراعين وتضع طرف ثوبها في زنار عريض من الصايا ومن تحت الثوب، بدا لباسها الطويل حتى القدمين مثل السروال، أبيض كامد بلون مغبر. أمّا رأسها فظهر مفرعا من دون غطاء، فبدت جدائلها النحيلة سوداء بلا شيب رغم كبرها، فقد كانت بعمر سِتِّي أو أكبر، وفي فمها بعض الأسنان فيها فجوات وتعاريج وعلى ذقنها وشم أخضر.
وضعت يدها فوق عينيها من ضوء الشمس لترى من نحن، وكان الأولاد حولها ينتظرون قدومنا بفارغ الصبر. هي تريد أن تعرف من القادم لزيارتها، وهم أيضا. وحين رأتنا وعرفت من نحن صفقت بيديها، ووضعت يدها فوق فمها وأطلقت زغرودة خافتة، قصيرة جدا، لتظهر فرحها ودهشتها وكتعبير أكيد عن شرف عظيم ألم بها، فها هي سيدة مدنية، بنت الأصول، تأتي إليها لزيارتها، وهي القروية الفقيرة، بياعة اللبن والفريكة، فهل هناك شرف أعظم؟
في تلك الأثناء، أحسست بيد تمتد إلى ثوبي وتشده. ضممت ثوبي إلى ركبتي بسرعة وإجفال، والتفت لأرى ما الأمر، فرأيت الطفلة الصغيرة، من مدت لسانها تسخر مني، صغيرة جدا، أصغر مني، وأقصر بكثير، شعرها منبوش بلا تمشيط، ووجهها كالح من غير لون، وإن كان أميل إلى السمرة، ثوبها مشرشر بلا أزرار، لونه توتي بزهر أصفر، وبدون حذاء في قدميها. التقت أعيننا بنظرة جامدة حذرة، أنا خائفة جفلى، وهي بلا خوف ولا تعبير في عينيها، ويدها ما زالت تمسك بثوبي وتشده. لهذا أحسست براحة غريبة وأنا أدخل دار أم نايف، لأختبئ من الطفلة الصغيرة وجوقة أولاد.
دار أم نايف غرفة واسعة معتمة فيها طراريح على الأرض، وزير ماء في زاوية أقرب ما تكون إلى مطبخ، وباب يؤدي إلى حظيرة فيها غنمات ودجاجات وأرانب.
جلسنا على الأرض فوق الطراريح، وشربنا الشاي بالميرمية، وبدأ الهمس بين الاثنتين وأنا أسمع وأحاول أن أفهم وأتابع. لكن أم نايف قالت لي إن العنزة، واسمها وضحة، قد ولدت بنتا صغيرة بحجم القطة، فهل أحب أن أراها؟ التصقت بسِتِّي وهززت رأسي بخجل وفضول، لأني أريد أن أتسمع على ما يقال. لكن أم نايف ألحت أن أخرج لأشاهد الأولاد وهم يلعبون "دقة واجري" فلم أتجاوب والتصقت أكثر بحضن سِتِّي.
قالت سِتِّي: طيب خليها مش مشكل. فبدأت أم نايف تتحدث بلغة الألغاز. جاءوا، ذهبوا، طلعوا، نزلوا، أكلوا، شربوا، وعملوا العرس بين الزيتون وأكوام القمح، حرقوا القمحات.
سألتُ سِتِّي بدهشة وفضول:
- مين يا سِتِّي حرق القمحات؟
لكزتني سِتِّي كي أسكت، وقالت لأم نايف باهتمام: آ، وبعدين؟ وأكملت أم نايف حديثا لم أفهم منه إلا شذرات.
كنا ما زلنا نشرب الشاي حين تدفقت النساء على أم نايف. هذه تقول أنها جاءت لاقتراض بيضتين، وأخرى جاءت لشراء لبن، وثالثة جاءت لأنها مشتاقة لأم نايف وتريد الاطمئنان على أخبارها، ورابعة وخامسة حتى امتلأت الغرفة والطراريح بنساء من كل الأعمار. وكلما ازداد العدد، ازددت التصاقا بحضن سِتِّي، وسِتِّي بدت كمديرة مدرستنا الابتدائية، لأنها تجيد الحديث بلغة القرآن وأمثال وتعليقات تجعلها تبدو كمديرة مدرسة بين النساء القرويات. لكن لم تمض سوى دقائق حتى انقلبت الآية واختلف الوضع. إذ أخذ السباق على البطولة يحمى ويشتد. هذه تقول خبأت البارودة والديناميت تحت الزبل، وثانية تقول في فرش العجين، وثالثة قالت إنها وضعت المسدس في جونة اللبن، وحين مر الانجليزي انشقت الأرض عن الفدائي وسحب المسدس من تحت اللبن وقتل الضابط وأعاد المسدس لموضعه فأخذت تنادي: لبن يا لبن، مين بِدُه لبن؟
أخيرا قالت كبيرتهن، وهي كما تبدو ذات صول وجول في القرية ومع الثوّار:
- يا أم وحيد، ابنك ما شا الله شيخ الشباب، والله الناس يحكوا عنه ويقولوا بطل، لكن شفناه؟ لأ ما شفناه. مرات يقولوا اشتبك مع الانجليز، ومرات يقولوا قطع الطريق وقتل عشرة ويمكن عشرين، الناس يقولوا وإحنا نسمع. لكن شفناه؟ لأ ما شفناه. لكن تكرمي، لك عندي أسأل وأدوِّر حتى ألاقيه. مليح يا حجة؟
هزت سِتِّي رأسها بيأس وقنوط. وفي تلك اللحظة، بدت أبعد ما تكون عن مديرة مدرسة، أو حتى معلمة مستورة وعلى قد الحال.
5
ناداني الدهان:
- يا ست نضال، هذي اللوحة لازم تنزل.
دخلت الغرفة، غرفة خالي، خالي أمين المثقف، ابن الأحزاب، شرّاء الكتب والمجلات، فوجدت الأرض مليئة بالكتب والجرائد والمنشورات، وقصاصات من تلك الصحف القديمة: صور ورسوم ومانشيتات. "الانجليز ينوون الرحيل،" "لجان التحقيق فشلت وخابت،" "المفتي صرح من منفاه،" "والنشاشيبي ينفي التصريح."
قال الدَّهان وهو يرمقني بملل وفضول وبيده مجرود ضخم وعلبة معجون:
- يا ست نضال، هذي اللوحة، وهذي الكتب وهذي الأوراق، بدنا نشتغل!
ناديت شابا كان يقتلع الأعشاب من ساحة الدار، وقلت له: تعال احمل. لكني حملت تلك اللوحة، وذهبت بها إلى العِلِّيَّة حيث أنام وأقوم وأعيش الزمن من الأول، من خلال أوراق ورسائل ومقالات لم تنشر بعد.
وضعت اللوحة فوق صناديق الأوراق والصور والتذكارات، وجلست على السرير ثم تمددت، وسرحت بنظري في اللوحة، لوحة عيبال، وحرش الصنوبر في القمة فوق المحاجر وشيخ العماد. حين رسمت تلك اللوحة كنت في الحادية عشرة، وقد أصبحت فنانة، بل هاوية، برعم هاوية، أرسم لوحات بالطبشور وألوان الماء. لم أكن بعد قد تمرست بخلط الألوان. لم أكن انتقلت لدهان الزيت. تلك اللوحة، لوحة عيبال، كانت مرسومة بألوان الماء، وكانت ألوانها قد بدأت تخبو وتغيم، وكأن الزمن فعل باللوحة ما حل بنا، بدأنا نخبو والثورة تغيم. لكن هل غامت أو غابت؟ مثل الساعة، تبدأ من فوق، ثم تنزل تحت، وتعود ثانية للأعلى، وبلا توقيت!
خالي أمين رآني أرسم صورة فنان من مجلة، محسن سرحان. كنت أحب محسن سرحان! كنت مراهقة صغيرة أحلم بشاب جميل لطيف، يكبر ويصير رجلا قويا يحميني، يأخذ بيدي ويقبلني ويحملني ويطير فوق عيبال وقمة جرزيم، ويقول لي إني حلوة وإني بريئة، وإنه جاء ليخلصني من ذاك الجو، جو الخوف والتوتر، ودموع سِتِّي.
نظر إلى الصورة المنقولة وضحك علي، وقال مقهقها: محسن سرحان! ما زلت ترسمين محسن سرحان! أهذا ذوقك؟ محسن سرحان؟
كنت قد رسمت محسن سرحان عدة مرات، في كل مرة أنقل صورته مكبرة أكبر وأكبر، وفي كل مرة أخطئ في نقل عينيه أكثر وأكثر. عين واضحة صحيحة، وعين عوراء أو حولاء أو مطفيّة، بؤبؤها يخرج عن المركز فتبدو حولاء أو عوراء أو مطفيّة. لكني واظبت على نقله حتى أحظى بمحسن سرحان، الرجل الشهم المخلّص، حبّيب النساء.
خالي المثقف لم يقنع بمراوغتي. قال الأحلام والأفلام ونقل الصور من المجلات شيء لا يغني ولا يثمر. هل هذا فن؟ هل هذا حياة؟ هل هذا جمال وعواطف؟ الفن عمق وتجلي. محسن سرحان؟ أين حياتك؟ أين الواقع؟ أين التاريخ؟ أين الرؤيا؟
لم أفهم ما قصده بالتاريخ وبالرؤيا، لكني فهمت أن ما أقوم بنقله ليس حقيقة وليس الواقع، وأهم من ذلك ليس جميلا، لأن خالي فسر الأمور بشكل ساخر جعلني أقرف من رسمي ومحسن سرحان. قال بجدية وتفلسف: كأنك تحلمين كما نحلم بشيخ يخلصنا من الواقع ومن هذا الهمّ. فبدأت أتخيل محسن سرحان هو ذاك الشيخ، بلفة بيضاء وجبة طويلة ولحية كثة وصوت مليء بالتهديد.
توقفت عن الرسم عدة أسابيع حتى ضبطني، وقال بعتاب: يا محسن سرحان يا إمَّا بلا؟! أهذا هو الفن؟ وأعطاني كتبا لرسامين رسموا الواقع، ورسموا الأفكار، ورسموا خيالات عن الجنة أو جهنم، رسموا الموناليزا وأفروديت وكيوبيد الحب ويسوع المسيح. وعشت مع دافنتشي ورفاييللو وبوتتشللي وسيزان وفان خوخ وبيكاسو. بدأت أفهم معنى الرسم. بدأت أفهم أن الرسم يعني الواقع، واقع معجون بالرؤيا وحركة تاريخ فغاب عن عقلي وخيالي محسن سرحان كما غاب الشيخ بلفّته بلفتة تاريخ.
بدأت أرسم من الواقع، سِتِّي، أمي، شجر الخشخاش والياسمينة، وقطة بيضاء تنام بهدوء تحت الشجرة، ثم عيبال، وحرش الصنوبر في القمة، حيث التقينا أنا وسِتِّي بخالي ومجموعة من الثوّار، كما التقيت بحبي الأول، الولد الشاب ابن القرية بقمة عيبال. في ذاك الوقت، كانت الثورة قد هدأت، أو انهدت من داخلها، ومن الخارج. بدأت حلوة، قوية، نقية ثم اندثرت. وفي ذاك الوقت، حين كانت ما زالت نقية، التقينا في الحرش، فوق القمة، خالي ومجموعة من الثوّار، وحبي الأول.
أراها الآن فوق الصناديق المحشوة بأوراق العائلة والرسائل، وقصائد خالي المنسية، فتمثل لي زمنا ولّى وما زال يدور عقرب ساعة، يبدأ من فوق وينزل لتحت ثم يرتفع إلى القمة، إلى رقم 12، وأنا أنتظر وأتأمل وخيالي يدور وذاكرتي تجعلني أغوص وأتوغل في ذاك الحرش، قبل أن أوغل في الذكرى، والحب البعيد، حبي لأول.