eKtab
EN ع
حبيبتي كريت
اقرأ عينة مجانية

حبيبتي كريت

بقلم سابا آلتن صاي

صفحة 1

الجزء الأول

تطايرت أوراقٌ كثيرة بعدد أصابع اليد في فِناء جامع «هُنكار» في مَيْدان «سبلانتسيا». اندفعت الأوراق في هبوبها في الأزقّة الضيّقة، على امتداد البيوت الحجريّة خلف الميدان، والمنعطفة تدريجيّاً لتواجه البحر. سَكنت هذه الأوراق برهة قصيرة أمام الأبواب المطلية باللون الأخضر للبيوت المتقابلة على مسافة ذراعين في «آبدالا»، ثمّ تصاعدت لتركب متْنَ العاصفة التي هاجت بغتةً مثل موجة غضب مفاجئة. وانعطفت متطايرة على مسار الطريق القصير الممتدّ بين البيوت وبين السوق الذي يُقْطَع بِشرْبة «سيكارة». وبعد أن وضعت مهبّ الريح وراءها، انسلّت إلى داخل السوق التي لم تُفْتَح مصاريع متاجرها إلا قبل فترة وجيزة. وأخيراً حطّت الأوراق متناثرة أمام عتبة السحّاب الخشبي للصّائغ مصطفى أفندي، بعد أن اجتازت الدكاكين المنتشرة على اليمين والشّمال، حيث تختلط عتمة ليلة من ليالي أيلول ببياض نور الفجر في جزيرة «كريت»، وتحتلّ مكانها بعد قليل الرّياحُ التي ستخلّف رطوبة نديّة، وقد داعبت كتلةَ البيوت في الحيّ الإسلاميّ «هانيا» وشبابيكها المغلقة بإحكام، وأبوابها، وجذوع أشجار الليمون والزيتون في بساتينها، والأزهار الحمراء لنبْتات الغرنوق. لكنّها أذاعت الخوف والقشعريرة حتّى في الحِمَى الدّافئ للذّة الكرى... تثاقلت الرّيح، واستقرّت.
انطلقت الطيور أوّلاً من الحقول في الطّرف الآخر، وطارت إلى داخل المدينة، وزفّت سلامها إلى مقرّ المدفعيّة المحاذية للمدخل الغربيّ. كانت أعينها تغطّي «فرقة» حيث الثّكنة العثمانية التي تنظر إليها من التلّة، فتلمح توجّهَ طابور الجيش «النّظاميّ» إلى الساحة لأداء الاجتماع.
كانت الفرقة المؤلفة من ثماني مجموعات مصطفّة بانتظام بعرض فردين اثنين، وبطول خمسة أفراد، تحيّي الرقباء على رأس كلّ مجموعة ـ بقولهم: «السّلام عليكم» ـ الذين بدورهم ينتظرون بصمت ريثما يتمّ عدّ العناصر، والرقباء يبلّغون كلّ قائدٍ التّفقّد، وهؤلاء يبلّغون بدورهم التفقد ركضاً إلى النقيب.
خلف الباحة مدافع سوداء في حُجُرات متراصّة، تنتصب ثابتة، وهي متوجّهة نحو البحر المتوسّط.
انعطف طير عند رأس «الطّابور» وطار نحو المنارة المنتصبة فوق حاجز الأمواج الذي تطلّ عليه فوّهات المدافع الكبيرة. دارَ الطير حولَ المنارة الّتي يتلاشى ضوءُها في البياض المتلألئ للفجر. ونزلَ بين فلول صيّادي السّمك. انقسمت العصافير الّتي جعلت البحر المتوسط في «هانيا» قِبالة صدورها إلى مجموعات، وهي تعبر الشّريط السّاحليّ الذي انحنى أمامها مثل القوس. بعضها بدأ يتنفّس وهو يبحث عن حبوب البذار بين الحجارة الكبيرة، وبعضها الآخر تنقّلَ مسرعاً إلى الدّاخل، إلى «سبلانتسيا» و«كاستلّي»، ورفرفَ بجناحيه ليلتقط بقايا حبّ النّوى الذّي بقي أمام البيوت منذ الليل، أو ينكبّ على أكوام القُمامة اللذيذة التي لا تعادلها لذّة في نظرها. أمّا الطيور التي استمرّت في الانطلاق عبر الشريط السّاحلي فقد وصلت إلى لُقَيْماتها الأخيرة في تجاويف الجدران الحجرية للمستودعات المصطفّة جنباً إلى جنب، وفي هياكل السفن التي تفوح برائحة القار والخشب بين مزالق السفن اللّمّاعة، في «تارسانا» التي تقع في الطرف الآخر من المدينة. ثمّ صفّت الطيور أجنحتها في الهواء إلى «هاليبا» تاركةً المدينة وراءها.
كان البحر يدخل في أحضان «هانيا». تمتصّ «هانيا» أمواج البحر المتوسط الخشنة واللينة والرخوة حيناً في صدرها، وبعد أن تتجرَّعَ إلى داخلها طَعْمَها المالح والمعتدل، تفتح ذراعيها فجأةً، لتحوِّل رذاذ الأمواج إلى السّهوب. وأخذت النوارس تبحث عن السّرطانات التي يمكن أن تلتقطها بدسّ رؤوسها في التّجاويف الصخرية المبلّلة في الأماكن التي تمتدّ فيها إلى شواطئ «هانيا» التي تستطيل إلى «هالبْيا». وعندما لم تجدْ النوارس مبتغاها صبّت جام غضبها على الصّخور، ثم تحرّكتْ إلى المناطق الداخلية، مطلقةً صرخات الجوع، لتتوجّه إلى حيث فضلات الطعام التي خلّفتها العصافير في السوق وفي «كانيفارو».
كانت «كانيفارو» مستعدّة لتستقبل بعد قليل بائعي «الرّاحة» والأطعمة الخفيفة، والصّاغة، وباعة السّمن والفطائر، وتجّار الجوخ، وصنّاع وباعة الطرابيش (الفاس)، والفرّانة، وبائعي الحلوى والحدّادين، وصانعي أطقم الدوابّ، والبارود، وسماع صرير مصاريع تلك المحلاّت التجارية أثناء رفعها، وعبارات «صباح الخير»، وتبادل الأحاديث العابرة باللهجة الرّومانية للنّاس الذين يحكّ بعضهم كفوف أيديهم المرتجفة قبل القبض على السكاكين براحات أيديهم.
ستشهد المدينة نظرات هؤلاء الأشخاص الحادّة، ليتصالحوا دون رغبة منهم على رشف القهوة. وتحطّ أسراب النّحل في الحقول الفوّاحة، وتطير بين الأرجاء أطرافُها مغموسة بحبّات الطلّع للأزهار، تحيّي أجواء مباني القنصليّات، وتطبع قُبُلاتها على أزاهير الحدائق في القنصليّات الإيطاليّة والفرنسيّة والإنكليزيّة والرّوسيّة، ثمّ تسلك المسار الّذي اتّخذته أسراب الطيور والنوارس، وأخذت تتجوّل في أرجاء المدينة. طارت، وهي تدوي بصوتٍ ثَمِلٍ حتّى النّشوة من عبير الصّباح، بعد أن استنشقت ملء جوفها عبق الياسمين المنتشر في جسد «هانيا» المتعرّق، وروائح النعنع والريحان، وأشجار الزيتون والمصطَلى، وشعاع الشمس المعتدل، واغْتبقت قطراتِ المطر الكبير، وأضواء الشمس الوافرة باستمرار، وأريج أشجار البرتقال والليمون التي تفوح كلّ عام مرّتين على الأقل. «هانيا»! أكثر مدن إقليم «كريت» جاذبيّة! تولي عناية بشؤون التعليم في (رَسْمو)... مدينة تهب فؤادها لجنون (إسفاكية).
صفحة 2
إن قلب «هانيا» الرقيق يَغمرُ بالحبّ «إسفاكية» أكثر من «رَسْمو». «هانيا» لا شكّ حسناء «كريت»!.
أمّا ابراهيم ابن الصائغ مصطفى، حين يشرع طريقه ليفتح محلّه أثناء تأهّب الباعة والحرفيين لفتح دكاكينهم، فإنه كان يشغل تفكيره بـ «كريت» و«هانيا» في كلّ خطوة يخطوها في كلّ شارع. وعند كل حَجَرة، وسور كلّ حديقة، كان لا يفتأ، يفكّر بذلك كلّه، وعندئذٍ كان يلوذ إلى خطيبته جميلة.
«جميلة» بجسدها الرّقيق النّحيل، بعينيها الحوراوين الشّفّافتَين مثل جناح الفَراش، وزُرْقتهما الغامقة الّتي تذكّر بالبحر الذي يحيط بـ «كريت». إذا تأمّلْتَ في تلك الزّرقة تجد فيهما أسماك المنطقة وطيورها، تتألّم فوراً وتفرحُ فوراً. و«كريت» الممتلئة مثل ضروع الماعز السّمين العنيد، بجبالها المتفرّعة المتشعّبة، وصخورها، وبحرها، ورياحها القاسية الهائجة بجنون... قد تموت من أجلك، وقد تُزْهِق روحك.. هذه هي «كريت»، تبدو و«جميلة»، كأنّهما فرسا رهانٍ في عين ابراهيم.
كلتاهما محبوبتان، كلتاهما تمتلكان جمالاً أخّاذاً يفتن القلوب. كلتاهما لا تُضاهَيان أبداً.
«هل تستحقّين هذه الرّزايا يا «كريت»؟ هل يليق بك الألم يا جميلة؟ جمالك يضيعُ هباءً منثوراً في هذا المحيط المشحون بالنّكبات، في هذه الظروف الدامية التي تعصف بالأجساد، في الجوّ المتأهّب للانفجار، والأحوال المتأزّمة دون انقطاع»: هذا ما كان يشغل عقل ابراهيم وفكره.
كان يسير في الطريق الوعْرة ذات الحجارة الكبيرة، بينما قلبه يخفقُ بشدّة: من يدري، قد يكون مصحوباً بأصوات أزيز الرّصاص (بم بم). ويده على مقبض سكّينه المزدوج المعلّق على حزام سرواله المحلّيّ الصّنع، وهو ذاهب ليفتح الدُّكّان قبل أبيه.
كان كلّ صباح يخرج متوضّئاً، وحَذراً من رصاصة طائشة قد تصيبه.
كان في الثامنة عشرة، بوجهه الجميل الوضّاء الحليق، على رأسه طربوشه الذي يميل قليلاً إلى الطرف الأيمن، وشعره الكثيف الليّن مثل ريش الطيور، يتدلّى على جبينه وحاجبَيْه الكثيفين المنضودين بتناسق، كما يغطي عينَيْه السّوداوين الشبيهتَيْن بحبّة اللوز، واللتين ينظر بهما ببراءة طفل وحكمة ناسكٍ زاهد.
وجنتاه بارزتان، وشفتاه الرقيقتان تسوّران ثغره في وجهه المتطاول، وشاربه المبلّل بالعَرَق قليلاً.. سبحان الخالق الذي أبدع له كلّ عضو مثاليّ، وزيّن به رأسه الذي يحمل معالم جزيرة «كريت»، هذا الرأس المتناسق الكبير، بأذنيه الكبيرتين المُرْهفَتيْن اللتين يُصيخ بهما السمع ليلتقط زقرقات العصافير وأمواج البحر، وجلبة كلّ إنسان، وصوت كلّ رصاصة.
هذا الرأس قد رُكّب على عنق طويلة ومنكبَين عريضَيْن، وعلى صدرٍ رَحْبٍ ثم على خَصْرٍ رفيعٍ رشيق، وأخيراً على ساقَيْن معتدلتَيْن مثل القلم، حتّى غدا مثلاً أعلى للإنسان الكريتيّ، بل وأدهش أبناء كريت أنفسهم.
كانت مشيتُه مثل مشية الحجل. ما إن يلوح بسرواله، ويقطع الزّاوية، حتى تجيش البنات الجميلات خلف النوافذ، فيأخذْن الماء البارد، ويبلّلن أثداءهن التي يكشفْنها بغية ترطيب صدورهنّ. أمّا هو فلا يلتفت، بل يُطرق خجلاً، لا أحد يعرف بِمَ يفكّر. ففؤاده هائم بفتاة غضّة، يتقرى مشاعره، وكلّما تفقّد قلبه واصل مسيره، ومن ثمّ تتألق ابتسامة على ثغره في وجهه النّاصع، وكلّما أشرقت الابتسامة أكثر ظهر الارتباك في ضحكته ونظراته، ويده، وساعِدِه، وخطواته. حينذاك يخفي رأسه بين كتفَيْه ويتمنّى وسط الطريق أن يكون طيراً، فيبسط جناحيه ويطيرَ هرباً.
لا يدري ماذا يفعل إزاء الضحكات التي تتناهى إلى أذنه من الشبابيك المتقاربة في الأزقّة الضّيّقة، وعبارات الثرثرة، والتمتمات الحارّة (احترقْتُ يا عاشقي)، ولا يدري وإلى أين سيذهب. يدور قلبه ويدور، ثمّ يجد «جميلة» مثل الولي (الخضر)، يلوذ إلى حُبِّه وكأنّه السّبيل للخلاص.
صفحة 3

في إحدى المرّات حاولت إحداهنّ أن تنال من شرف جميلة قائلة:
«هي حلال لك في عينك، ولكن تعالَ وانظرْ إلى ما ترتكبُ من حرام». انقلب ابراهيم في منتصف الشارع إلى جبلٍ من نار. يَبِسَ الدم في وجهه. رفع رأسه إلى النّافذة، قال: «مالينا. أنتِ الآن أصبحت حراماً على زوجك، فصوني حرمتك عليه». فأصيبت مالينا وراء السّتارة بالذّهول، وتكومت أرضاً. فنقلوها إلى مرقدها بمشقّة، ظلّت تبكي أيّاماً، حتّى جمد الدم في عينيها.
استدعوه من قبل القنصليّة الإيطالية يوماً. حيث وقفت عربة القنصلية أمام دكّانه، قالوا له: «سعادة القنصل يرجو حضوركم». رَكب وذهب معهم. أدخلوه إلى قاعة الاستقبال. كان جالساً في وضعية ما: يداه في حضنه، رأسه مائل قليلاً، يفرقع أصابع يده. هكذا كان جلوسه.
بعد قليل مَثُلت سعادة السفيرة، ترفل في ثوبها الفضفاض. امرأة بدينة، جعلت شعرها الأسود الطويل جدائل، وكشفت جبينها العريض جيّداً. بياض جبهتها يفيض عبى خدّيها وجيدها، وصدرها، يبدأ في منكبيها ويمضي إلى أعلى ثديَيْها، ودون ذلك كانت ترتدي ثوباً مضاعفاً بأطباق فوق بعضها بلون أخضر حشيشيّ فاتح، من أقمشة مصنوعة من الحرير الرقيق، المنسوج بخيوط من حرير، يزركشها شريط زيتي (دانتل). مَنْ ينظر إلى المرأة، فسوف يروم حقاً الغوص في أسرارها ودفائنها. ولهذه الحَسْناء الغامضة كاللغز، لمعرفة المزيد عنها، كان رَفْعُ ابراهيم لوجهه وَخَفْضُه سواء.
مدّت يدها للتقبيل، وقالت بطريقة خليعة: «سمعْتُ عنك ثناءً كثيراً. وكأنّه ليس في «هانيا» صائغ آخر غيركم يا عزيزي، كلُّ مَنْ سألتُه دلَّ عليك». أنهت كلامها بهياج، وجلستْ فوراً على الكنبة بجانب ابراهيم. كانت تحرّك أصابعها الرفيعة أثناء الكلام، تلامسُ القماش الحريريّ للكنبة، وأثناء ذلك كانت يدُها، في غنج، تلازم صوتها المليء بالعزم والتّرجيع، هذا الصوت الذي يشكو حرارة الجوّ في كريت بلغة رومانية فصيحة، يتخلّله أحياناً بعض القهقهات المتقطّعة، وتعطي فرصة لابراهيم ليتكلّم، ثم تستأنف الكلام لتمزّق الصمت. كانت قهقهاتُها، أسئلتُها والتفاتاتُها، تملأ البَهْو الكبير.
«أريد عِقْداً. أرى أن الياقوت يناسبني، لكنْ ماذا تقول أنت؟»
تطوف يدها على عنقها، وعندما تمدّ فكّها نحو ابراهيم، تديرُ رأسها بظرافة ملموسة من أحد كتفيها إلى الآخر. وحين لم تتلقّ جواباً من ابراهيم، فكرت ملياً فيما لو قال: «لا يمكن». هذه المرة سوف تسأل عن حجارة كريمة أخرى «أم يجب أن يكون من الياقوت الأزرق. صحيح أن عيني ليست زرقاء ولكنْ ربّما تناسب جسدي؟».
كان ابراهيم جالساً، وقد ضمّ ركبتيه إلى بعضهما، يتفحّص المرأة دون أن يلفظ ببنت شفة. هذه النظرات إمّا أن تتهافت بعد قليل لتأكل ما تقع عليه بعد دعوة ضعيفة، وإمّا أن تغضّ حياءً.
لذلك لا تفهم المرأة ما يفكّر به ابراهيم، فينتابها القلق، والتردد، ولا تني تقدّم رجلاً وتؤخّر أخرى. ولعل هذا ما جعلها تطلق ضحكات عصبيّة متصنّعة عدّة دقائق. ولما همّ ابراهيم بالكلام كادت أن تقع من الكنبة التي تجلس عليها.
«سيدتي الهانم. اعذريني على جرأتي، هل عندك أولاد؟»
السفيرة تحفظت، بينما وضعت يدها في ثِنْيات ثوبها التي تشبه فقاقيع الصّابون، ردّت خصلة شعرها الكثّة المتدلية على جبينها إلى وراء رأسها. لم يبرزْ إلا حاجبها، وتراجع جسدها إلى الخلف.
قالت بصوتٍ جليديّ: «عندي ولدان».
«لذلك اسمحي لي أن أصنع العِقد من حبّات اللؤلؤ. لا يناسب المرأة الأمّ إلا اللؤلؤ».
حينما ودّعت المرأة ابراهيم، كان فمها يرتجفُ من الانفعال، وعيناها تقدحان غضباً، وقسمات وجهها تختنق بالبكاء.
صفحة 4
هكذا كان ابراهيم. تنظر إلى عينه لتتوسّل منه الكلام، لكنّه لا يُسهب. بل يتوخّى الإيجاز، لا لأنّه يعدّل أو يحوّر في كلماته ضَعْفاً، وإنّما لأنه يتحرّى الكلام الصائب الضروري، ويزن ألفاظه. قد تظنّ أنّه لن يتكلّم أبداً، وإذا به ينطق بقول بليغ، لا يعلوه بيانٌ. لا يُعْرف لماذا يُقِلّ أو يتوقّف في حديثه. وتراه دائماً يلمّع ويشحذ سكيّنه التي نقش عليها عبارات من الشّعر الشعبي ـ إذا تراكم عليها الوسخ قليلاً. إذا قالت له أمّه السيّدة عزيزة: «اذبح هذه الدجاجة» ذبحها فوراً حالما أمسك بها، لكنّه في ذلك اليوم كان غارقاً في الصمت، لا يستطيع أحد أن يفتح فمه حتّى بالإكراه، كان يفرقع أصابعه من السُّلامى، وهو يتأفّف. من ينظر إلى يديه اللتين تحنوان على كلّ شيء تتناولانه، فسوف تسترعي انتباهه أنامله الطويلة الرقيقة بوضوح. كان يتمنّى أيّ إنسان أن يُجْلِس طفلاً صغيراً بين أنامله السّحْريّة المبتكرة المرنة كالقلم، ليأخذه بين أصابعه ويحنو عليه باللمسات الرقيقة.
من يدري كم من أطفال أموات أو أحياء، يرتبط مصيرهم بقدر ابراهيم!.
كان همّه الوحيد الآن هو البقاء حيّاً، أو المحافظة على الرّوح فوق الأرض التي تترقّب مصيراً مجهولاً. كان هدفه في هذه اللحظات أن يصل إلى عتبة دكّانه سالماً غانماً دون مصيبة أو بليّة، لا أن ينعم بهذه القامة الطويلة.
خشخشت الورقة التي حطّت أمام الباب تحت قدميه. انحنى وأخذها، وبدأ يقرؤها. كلّما استمرّ في القراءة تهدّلت شفته السُّفْلى، وحتّى لا ترتجف يده التي تحمل البيان المنشور، شدّ بيده الأخرى على ساعده.
إلى مسلمي «كريت»:
نحن ـ الموقّعين أدْناه ـ الدول الأربع الحامية؛ أيْ: فرانسا، إنكلترا، إيطاليا وروسيا.. باسم هذه الدّول، نخاطب من يهمّه الأمر من الأميرالات والجنرالات المسؤولين عن إدارة جزيرة «كريت» والسلطان عبد الحميد خان ممثل الدّولة العثمانية ونائب الوالي مصطفى إسماعيل باشا ممثّلاً عن ولاية «كريت».
واستناداً إلى نتيجة الاتفاقيات التي توصّلنا لعقدها نُعْلِمُ ما يلي:
في 4 تشرين الأوّل سنة 1314 هـ. وتكميلاً لسلطة الوالي الجديد، فقد وضعْنا أيدينا على إدارة الجزيرة، وبناءً عليه ستنتهي مهامّ نائب الوالي اعتباراً من هذا التاريخ، وستعلّق من التاريخ ذاته سلطة ومهامّ الموظفّين الأتراك.
ووفق ذلك ستحدد الوظائف من قبل الأميرالات الموقعين وأسماؤهم أدناه، وستحال إلى الموظّفين الجدد المعيّنين، وسيعفى الموظّفون القائمون من مهامّهم: جميع المتصرّفين والقائم مقاميّة، والرسوم، وموظّفي البريد والصّحة، على أن تسحب الدولة العثمانية جنودها من جزيرة «كريت» وكذلك الدولة اليونانية تسحب عساكرها فوراً من جزيرة «كريت» ولن يرسلوا جُنْداً مستجدّين.
وعلى أن تبقى سيادة الدولة العثمانية فوق جزيرة «كريت» وحقوقها معلّقة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تبقى راية السلطنة العثمانية مرفوعة جنباً إلى جنب مع رايات الدّول الحليفة الحامية، وذلك في مناطق «رَسْمو» وإسكافية وقندية، وكيسامو، إضافة إلى «هانيا» التي تتواجد فيها مديرية الولاية العامّة لجزيرة (كريت).
وليكنْ في معلوم الجميع أن الوالي العام لـ «كريت» سيُعيّن بعد الآن من قبل الدول المذكورة. على أن تقع مسؤولية ضبط الأمن على عاتق الدول المعنيّة. ويمكن لمسلمي «كريت» الذين تركوا منازلهم أن يعودوا إليها في أمان. وفي حال معارضة البنود المذكورة أعلاه، سنضطر فوراً إلى التدابير واللوائح القانونية بحق المخالفين لتطبيق النظام.
أُعْلِم وأُخْبِر عَلَناً!
الأميرال. كـَ. بوتيير.
باسم الدّول الأربع المنتدبة.
صفحة 5
توقّف ابراهيم مليّاً عندَ جملة «أن تسحب الدّولة العثمانيّة جنودها»، ورجع ثانية إلى جملة «جميع الموظّفين»، وربّما نظر إلى عبارة «سيُعيّن الوالي من قبل الدول الحامية» أكثر من عشرين مرّة. قَرَأ بنود المنشور بصوت عالٍ. قلب بحركة سريعة الكرسيّ الخفيض المصنوع من القشّ عند الباب تماماً من الدّاخل، وأثناء القراءة، فتح كيس الحجارة الثمينة الّذي يأخذه معه إلى بيته مساءً، ويرجع به صباحاً. فَرَش الحجارة على راحة يده، جمعها، أغلق الكيس، وزجّه تحت المنضدة، ثبّت الكرسيّ الذي قَلَبه، وجلس في وسط الدّكّان، لفّ ساعديه على صدره، احدودب بثَنْي صدره. ترنّح إلى الأمام حيناً، وإلى الوراء حيناً آخر. لم يهدأ. نهض، كان بجسده الضّخم يتحرّك، يروح ويغدو مرّة إلى الباب، ومرّة إلى الطّرف السُّفْلي حيث الغرفة الدّاخلية المقفلة، وكأنه طريدة عَلِقت في الفخّ.
أطلقَ نظرات مريبة غامضة على باب الغرفة الدّاخلية التي كان يقطّع فيها شذرات الألماس مع أبيه، ويذيب قطع الذّهب ليصنع منها حِليًّا ومجوهرات غالية لا مثيل لها، بأشكال مختلفة. تحسّس سكّينه، كان سيخرجها، لكنّه تراجع في اللّحظة الأخيرة، أبقاها في زنّاره. لا يهدأ غضبه أو يسكن بحالٍ من الأحوال. لا يدري ماذا يفعل؟ اضطرب عقله، قلّبَ بنات أفكاره في رأسه، لم يصْفُ ذهنه. كلّما اغتمّ، واسودّت عينُه، راوده خوف من تشتّت عقله وغياب فكره؛ يصكّ أسنانه، يتحرّك عشوائياً، وأخيراً يهتدي إلى رُشْده فيرتاح وكأنه عثر على صديق قديم، يبلع ريقه مع كلّ نفس يتنفّسُه. وما إن يستعيد صوابه حتّى يتلاشى غضبه. لم يستطع أن يعدّ المرات التي بلعَ فيها ريقه، تَعِبَ من كثرة تحرّكه في الدّكان جيئةً وذهاباً. سرى الوجع إلى ساقَيْه. وقف بغتةً. وكما لو تعطلت السّاعة على حين غرّة بعد أن كانت تعمل بانتظام، وكما لو سقط الطائر أرضاً مثل حجرة ثقيلة، بعد أن كان يحلّق باسطاً جناحيه، كذلك هو حال ابراهيم. ها هو ذا، أمام المحلّ، ظهره إلى الدّكّان، إحدى يديه على المطرقة ملتصقة، والأخرى على جبينه جامدة دون حراك. مضى خياله إلى البعيد، بعد أن حوّم فوق الشوارع والمنازل، وقطع مسافات بعيدة، لا تسْتطيع حتّى الطّيور أن تصل إليها. وبقي هكذا إلى أن اختلطت السّوق وشوارع «هانْيا» وبيوتها وشجرات المصطَلى وغيوم السّماء، والبحر، بضياء الكون تماماً.
في الطرف الآخر من السوق سُمِعَ صوت صرير المصراع الذي انفتح إلى المنتصف في دكّان الحذّاء أحمد أفندي «كوشينبوتو»، لكنّه لم ينتبه إلى ذلك جيّداً. وعندما لم يسمع صوت حركة لسحّاب دكّان آخر انتفض. ترك كلّ شيء كما هو.. الدّكّان، الكيس، كلّ شيء، وجرى لاهثاً يلفظ الأنفاس. وما إن رآه الحذّاء أحمد أفندي حتى تراجع مثل النّار منتفضاً. وظل يطيل النظر دون وعي في العيون السوداء، وإلى شفتيه اللتين لا تنطبقان، وثم إلى الورقة.
«ماذا في تلك الورقة؟».
كلّما قَرَأ ابراهيم، احمرّ عنق وصدر أحمد أفندي الملقب بـ (كوشينبوتو) أي الصّدر الأحمر. انتشرت الحمرة في وجهه، ومنابت شعره. وعندما انتهى ابراهيم من القراءة، لم يكن الرجل يفتح فمه. اختلطت صيحات النّوارس بأصوات أبواب الدّكاكين. ولم يتمالك أحمد أفندي نفسه إلاّ بعد فترة طويلة، إذ وقال:
«ما أشدّ أسفي على مَنْ لقَوْا مصرعهم في تسيليا! ضاعت «كريت» يا بنيّ!!».
«لا يمكن أن تضيع أبداً. لا تتكلّم هكذا!»
إنْ لم يمسكِ أحمد أفندي بابراهيم، فربما سيهوي مغشياً عليه في زاوية، أو سيضربُ على الزّاوية بقبضة يده، أو برأسه، أو بجسده أو بأيّ عضوٍ منه، ثمّ يمزّق نفسه هناك. هذا ما كان يبدو عليه. تزعزع أحمد أفندي من سوء حال ابراهيم. بدأ يهدّئ من روعه بكلمات تكاد تخرج بعسر من بين أنفاسه، وتمتم في أذنه:
«أنت تقول هذا يا ولدي! لكن لا نعرف الواقع هناك؟ يقولون: نرسل الجنود العثمانيين مرّة ثانية، من سيحمينا برأيك؟ لمن نسلّم أرواحنا وأموالنا؟ إذا كنْت تعرف فقلْ. يقول في المنشور: ونرسل الموظفين أيضاً. فإذا اضطررت لعمل أو تجارة هناك، فانتظر سنة أو أكثر! ويقول: يمدّ يده ونفوذه إلى هنا. يعيّنون والياً نصْرانياً من اليونان فوق رؤوسنا وينتهي الأمر. و«تسيليا» التي ربحْناها في السنة الماضية تضيع هباءً».
كان ابراهيم يضرب الأرض بكعب «جزمته» المحلّيّة. كان يصرخ من جهة أخرى: «منذ أن فتحْت عيني للحياة أعرف أنّهم لا يريدوننا هنا. ونحن لم نذهب، لم نذهب إلى مكان آخر قطّ».
صفحة 6
التفت أحمد أفندي يُمنة ويسرة، وضع إبْهامه على فم أحمد قائلاً:
«اسكتْ يا «بديمو»(1) لا تصرخ.. إلى أين سيذهب الإنسان تاركاً داره وحقله، حتّى نذهب نحن أيضاً؟ منذ تاريخ (21)(2) وهؤلاء ينتفضون، أنت لا تعرف ذلك. كنت حينذاك صغيراً. لم يكن أبوك وقتذاك قد وُلِد بعْدُ. وانتفضوا في (1830)، وفي (41..) تمرّدوا، وكذلك في (66). حتى هم لا يعرفون عدد الانتفاضات التي أشعلوها. وبعد الحرب الروسية العثمانية سنة 78 انتفضوا للانضمام إلى مركزهم الأمّ. في كلّ حرب انهزم فيها العثمانيّون قاموا بعصيان منادينَ بالاستقلال، وذبحونا فيها».
«ونحن أيضاً نفظّع فيهم».
«نذبّح فيهم، لكنّهم لا ينتهون يا ولدي. وأنت أيضاً إذا ساندك هؤلاء الذين كتبوا المنشور، تبقى محميّاً مظفّراً. لا تُعَالَجُ هذه الأمور بالتّقتيل والتنكيل. في عصيان سنة (78) كان هناك رجل سقّاء اسمه «بَيْرَم» يغادر المقهى في الليل، ويتوجّه إلى منطقة التّجاويف في «سَريسو» فيكمن حتّى الصّباح، ويفتك بكلّ شخص تناله يداه مثل عزرائيل. وعندما ينبلج الصّباح يعود أدراجه، فيلبس ثيابه، ويبدأ بتوزيع الماء على البيوت. لا أحد كان يتوقّع أن يقتل كلّ فردٍ يصادفه في الجبل، لا يعرفونه إلا زبوناً في المقهى. في أحد الأيّام تعقّبوه، ولم يستطيعوا أن يعثروا له على أثر. وفي اليوم الثّاني قالوا له: «وجهُك ذابل، وعيناك محمرّتان. يبدو أنّك لم تنم الليلة». فاعتقلوه، وفي الصّباح كان جسده معلّقاً على شجرة الحور في ساحة «تعمير خانة» في «هاله باده». لا تنتهي هذه المسألة بالقتل والتّقطيع. يُفْتَرض أن تعقد الدّولة العثمانية مجلساً، وتُنْزل قبضة يدها بحزم على طاولة المفاوضات لتقول: «أنا المكلّفة بحماية «كريت» وأنا صاحبةُ القول الفصل. انظرْ حينذاك هل ترى من يرفع صوته؟».
«لا تضحكْني يا (ذا الصّدر الأحمر). لا تملك الدولة العثمانية القدرة على أن تهوي بقبضتها على طاولة أحد. ما قلْتَه صحيح إذنْ. واأسفاه على الّذين لقَوْا مصرعهم».
أرخى ابراهيم كتفيه المشدودين أثناء قوله ذلك، فبرز احديدابُ ظهره أكثر.
«آه كم سترى أعينُنا من مآسٍ يا ولدي. وكأنّ ما شهدناه لا يكفي! ما زلْت شابّاً يا بنيّ! أنا أخاف عليكم».
كان «كوشينبوتو» يريد أن يتكلّم أكثر، لكنّه قطع حبل كلامه. أدار رأسه، وانعطف: «إذا كان «أبدالا» فاتحاً المقهى، فاطلبْ لي فنجان قهوة. وعندما يأتي والدك قلْ له أن يمرّ عليّ».
تذكّر ابراهيم حينها أنّه ترك باب الدكان وسحّابه مفتوحاً، وأسرع إلى هنا هلعاً. لِمَ العجلة؟ بدأ يمشي بخطوات طويلة إلى المحلّ.
عند دخوله من الباب وجد «مصطفى أفندي» منتصباً في وسط الدّكّان. كانا يشبهان بعضهما. وجهاهما، مشيتُهما، هيئتهما نفسها. جسد ابراهيم فاتح اللون، خدّاه المورّدان، وجهه الرقيق المتطاول، يشبه أمّه عزيزة هانم. أمّا قامتُه، وقدّه، ووقاره، وما رسمْت الحكمة عليه، فيَنْزعُ بها إلى أبيه. مَنْ لا يعرفهما ـ وخاصّةً إذا احمرّت عيناه من الغضب، ورغا وأزبد، وقلب كلّ شيء أمامه، وكأنّه السّيل الجارف ـ فإنّه لا يميّز بين الأب والابن. إنّ علائم النُّبل لمصطفى أفندي منتقلة إلى طباع ابراهيم، ولكنّ نقطة الاختلاف تبدأ هنا. كان في نظرات عزيزة هانم المعتدلة الهادئة أثر من اختلاج العين وهياج النظرة الأرناؤوطية (الألبانيّة). كان دم ابراهيم الكريتي الذي يأخذ من العنصرين يغلي، يفور حميّة دون انقطاع.
قال مصطفى أفندي: سمعْتُ يا «بيضة عشّي». كان ابراهيم أكبر إخوته وهم: بنتان، وذكران. وقول الأب «بوتوكو» أي: بيضة العشّ لا يناسب مقام ابراهيم بعد ولادة أشقّائه بعده البتّة. لكن الأب كان يحبُّ ابنه الأكبر البِكْر كثيراً. ليس الأمر بيده.
«أحضر «أبدالا» مثل الّتي بيدك».
لاح ابراهيم من الباب دون أن يبدي أيّ جواب. ثمّ نطق: «أبدالا» وأكمل (كوشينبوتو) يريد قهوته» وحَرَفَ اتّجاهه، قذف الورقة الّتي جعّدها. فتح الغرفة الجوّانية، دخل، وقفل الباب من الدّاخل. وما إن اقترب من منضدة العمل حتّى سحب قطعة الجلد المدبوغ التي نشرها من قبل. أخذ الخاتم الذّهبيّ الذي تعبَ عليه البارحة، والألماسة الثالثة، بيده، ليثبّتها بمسامير.
قرَّبَ جسمه من الرفّ الخشبيّ المائل المثبت على الجزء العُلْوي من الطّاولة، محاذياً لصدره. ثبّت العدسة المكبّرة على عينه اليمنى. عندما تفحّص القطعة التي صاغها بعين مجرّبة حاذقة لم يعجبْه صنعها. كانت حوافّ الماسّة ناشزة، لا تبدو نظيفة تماماً. كانت تعرقل بريق الماسة. ليس عنده صانع بالأصل. وإلا لانهال عليه بصفعة على الطريقة العثمانيّة من الطّراز الممتاز، تنال حتى إعجاب الذي تلقّى الصّفعة. رفع الخاتم بحرص. بحث عمّن يوجّه إليه الصفعة أو يتلقى منه الصفعة على سوء أدائه. أنزل قبضته على سطح الطّاولة بقوّة تألّمت لها روحه. لاحظ ذلك عند طقطقة أصابعه. يداه اليوم غير نشيطتَيْن. وهما متسرّعتان كثيراً. يجدر بيد الصّائغ أن تكون متأنّية دقيقة. إن تسرّعت أصابها الارتجاف، وأوقعت صاحبها في مهوى الفشل لا قدّر الله.
آه لو أنّه يقوم بتلك الصّفْعة العثمانية لسكنت يده وقلبه، وسكت غضبُه. من هو هذا العثمانّي الذي لا تتحمل روحُ بشرٍ ألمَ صفعته؟! ما هي إستانبول، وكيف تكون؟ هل يحمل هواؤها، ماؤها، شبهاً لـ «كريت»؟ هل (كانيفارو) هكذا؟ هل تحسّ بظروف هذه المنطقة؟ إنّ هؤلاء البشر هنا يطالبون دائماً بالانضمام لسيادة الأمّ. ماذا يقول الإنسان العثمانّي؟! لماذا تسمح لهم السلطنة بهذه المظاهر طالما هي سلطنة عظيمة «عليّة»!.
صفحة 7
في الانتفاضة الدموية للروم سنة 96، قبل عامين، أعقب ذلك فوراً توافد 1500 جندي من (بيره) و(سلانيك)، وجاء سلاح بهذا العدد أيضاً. احتشد سائر السّكان المسلمين في القرى والأقضية، تركوا وراءهم بيوتهم وحدائقهم، ولجؤوا إلى المدن خوفاً من الذّبح. لم تعد «هانيا» تستوعب المزيد من الأشخاص. إنهم ينامون في الشوارع، والمساجد، والتّكايا. يمرضون، يجوعون، يتعرضون للرصاص، يموتون. كانت كريت سوقاً ومسرحاً للأرواح المزهوقة، فلو جمعت دماء المسلمين والنّصارى التي أريقت لتشكّلت منها سيول في الشّوارع.
كان ابراهيم يكتم أنفاسه، حتى ليشعر بالاختناق، لكنه نفخَ فجأة، ورفع المكبّرة والخاتم، ورماهما في الدّرج. وخرج من الغرفة.
جاءت قهوة أبيه المرّة منذ وقت طويل، انتبه إلى نفاذ نصفها. جالَ بصره إلى الخارج. لمح البقّال حليم آكيس، والحذاء «تراكيس» يفتحان أبواب دكّانَيْهِما. كانت شفاههما مطبقة، لا تلفظ أيّ حرف أبداً. بدأ المسيحيّ «تراكيس» يطرق فِلْذات الحديد (طق.. طق).. وجهه الكبير بمقدار خمسة أشبار، كِرْشه يتدلّى حتّى الركبتَيْن تقريباً. كان يجلس على كرسيه الخفيض في هيئة غريبة! مكدّراً، حتى بدا كأنما لا يتنفس ذرات الهواء المشبعة بالغبار.
«كانيفارو» التي بدأت يومها بتبرّم، تُعَدُّ من الشوارع الداخلّية لـ (هانيا). كانت منبسطة طويلة. كانت سوقاً تتوزّع فيها الدّكاكين على الجانبين، يتجمّع فيها الباعة المسيحيّون والمسلمون والمعلّمون الحرفيّون، ويتفاعل فيها الناس في كلّ وقت من أوقات اليوم. كلّ دكان يحمل صوتاً خاصّاً به، يفيض من الباب، ويذيعُ في المحيط. تتفاعل فيها الأصوات التي تصدر من كلّ محل: صوت مطرقة النّحّاس، أزيز المِرْجل لصانع «الرّاحة»، خشخشة صفحات الكتب للمكتبيّ، لفائف أوراق السجائر لصانع التبغ، صوت تفريغ بائع الأطعمة للقمح من كيس إلى كيس، وكفّات الميزان لبائع السّمن، وأصوات مقصّ النّسّاج، والوعاء المعدني للفرّان.. تتفاعل هذه الأصوات، تتوحّد، لتعطي الصوت الخاصّ لـ (كانيفارو). لا يخفى على أحد ما يفعله أيّ شخص في السّوق: كأنْ يصوغ ابراهيم حلية ذهبيّة، أو تأتي صفقة قماش للطرابيشيّ... تحضير الحلواني للسّكّر، دق الإسكافي للجلد المدبوغ، وخز الإبرة لصانع أمتعة البهائم، وشعور تراكيس بالنُّعاس، وبيع السمْسار بيتاً لأحد الموظفين في القنصلية الإيطاليّة في هذه الآونة.. كان كلّ ذلك بالتمام.
ويروى أيضاً أنه في الأوقات العصيبة قد يدبّ خلاف عابر بين النّصارى والمسلمين، إذْ يتصارخون، ونادراً ما يتضاربون. وعقب ذلك يتبادلون عبارات اللوم والعتاب، ليهدّئوا النّفوس. كانت التجارة عصبُ «كانيفارو»، و«كانيفارو» هي الشريان المتدفّق لـ (هانيا). وأيّ خطبْ مؤلم كان يترك ضرره على الجميع. وهذا ما يعرفه جميع أبناء «كانيفارو» سواء كانوا مسلمين أم مسيحييّن. كان الصلح بينهم سهلاً، لكنْ لا أحد يعرف مآل الأحداث اليوم.
لو حدث في وقت آخر مثلاً أنْ وجّه البقال حليم آكيس كلمة مزعجة للمسيحيّ «ملاتيوس» لهبّ ابن دينه «تراكيس» فوراً للمصالحة، ووزّع الشطائر (كوكوجينا) اللذيذة الفوّاحة التي أحضرتها زوجته، يميناً وشمالاً. فهذه الشطائر المؤلّفة من الفطير المشرّب بزيت الزيتون وقِطع الجبن، واليقطين، بلذّتها الفائفة، كانت كفيلة بإرضائهم وتهدئتهم، وتحسين مزاجهم المتعكّر. ولو حدث أن انزعج تراكيس، وقذف بكلمة قاسية على أحدهم، لتصدّى بائع السّكاكر عيساكو لإصلاح ذات بينهما. ذاك الشخص كان يهوديّاً.. هو أيضاً كان يقطرُ سُمّاً اليوم. لقد عاين الرجل الوضع السيّئ للمسلمين الذين قرؤوا الورقة قبل قليل، فشعر بالخوف، لذلك تأهّب من الآن للمصالحة بين الأطراف.
كان جسد ابراهيم يخرج من باب الدكان بركانَ غضب، وإذا بقَرْع طبلٍ يتناهى إلى الأسماع. كان المنادي ينادي بأعلى صوته. الكلّ آذان صاغية. الصوت يقترب أكثر. أقفلوا الأبواب، وضعوا المفاتيح على خواصرهم، وبدؤوا يتقاطرون للاجتماع. توجّه الجميع نصارى ومسلمين إلى مَيْدان «سبلاتسْيا» رأساً. ساروا بخطواتٍ ثقيلة سوّت تراب الأرض. ساعدوا المنادي ليرتقي المصطبة الموضوعة تحت شجرة الحور. ومُدّ له الطبل. قرع الطبل بعصاه عدّة مرّات. صرخ الرجل بنبرة صوت ضخمة، وهو يقف طويلاً عند كل كلّمة يلفظها برومانية «كريت»: أيّها الكريتيون!
وفق القرار الذي اتخذه القناصلة، سينسحبُ عسكر العثمانلية واليونان من «كريت»! لن يعيّن العثمانيون الوالي. وسيُعلّق عمل ومهامّ الموظّفين!».
قرأ البيان. وعندما انتهى منه قرع الطبل ثلاث مرات. ونزلَ من حيث صعد. خيّم الصّمت على الساحة الكبيرة: حشود الأهالي، الحور، شجرات الأكاسيا، أشجار الخرّوب، القطط، طيور الوروار، الذّباب، النّمل، والفراش، كلّ ذلك غرقَ في صَمْتٍ مطبق. لا صوت أبداً. عمّ الهدوء، نزل صمْتٌ مثل تدنّي سحابة ماطرة آن أوان انهمارها، دنا فوق الرؤوس في الميدان، والأكتاف.
صفحة 8
لفّ الصمت منارة جامع «هنكار» عند السّاحة تماماً، وتسلّل عبر النوافذ المفتوحة للبيوت، وتغلغلَ في جوهر كلّ عنصر حيّ أو جامد: النّساء، الأولاد، بيوت المؤونة، جرّات زيت الزيتون، وأواعي الخبز المجفّف. عمّ الصمت كل شيء، وغدا جزءاً من الواقع.
ارتفعت صيحة مجهولة من بين الحشود. هذه الصيحة زعزعت سكينة الصّمت، كسّرت جداره مثل فخّارة شراب تصطدم بالجدار، فينكفئ السائل على الأرض.. مزّقتْه.. الجلجلات التي صدرت عن المحتشدين ملأت الفراغ الّذي أحدثته هذه الصّرخة. وعند مدخل السّوق ترى الباعة الّذين جاؤوا لبيع الخضراوات من البساتين القريبة، والمتسوّقين، والجنود والنّساء، وإمام الجامع، والمسيحيّين، وجنود القنصليّات، وصيادي السّمك، وكاهن الكنيسة، وزوجته، والأولاد، قد رفعوا أصواتهم معاً، وراحوا يدورون هنا وهناك، وهم يتخبّطون، يتشرذمون ويتجمعون مثل كرات صغيرة، يتصارخون، يتصايحون، يئنّون، يتألّمون، يبكون، يتكاثفون، ينفرجون، يثورون، يجلسون على ركبهم، كانوا يتصارخون واضعين رؤوسهم بين أيديهم.
في وسط الزحام الصّاخب الشبيه بخليّة نحل هائجة تعطي فراخاً جديدة، ارتفعت يد طويلة، ومعصم محسور عن الثّوب، بين أصابعها سكّين لمعت تحت أشعة الشمس الحارة في هذه السّاعة. أعشى الوهج الذي انعكس عن تلك السّكينة الأبصار للوافدين من القرى، ومن «كوسترينوس» و«هاليبا» ارتفعت صيحات النّساء اللواتي يسقين نبْتات «النّعنع» على النوافذ، هناك، وهربْنَ إلى داخل البيوت.
اهتزّت السّكّين بقوّة على أثر صوتٍ هائج مثل الزئير جاء من الخلف:
«كلّ شيء يتعلّق بكياني هو كريتيّ! من يتجرأ على طرد الحامية العثمانية من هذه الأراضي؟ مَنْ.. هاها؟!!».
ذلك المعتصم كان سينقضّ بكلّ تأكيد على عنق إنسان مسيحيّ. وبينما هو يهمّ بذلك، أمسك أحدهم بالذّراع من المرفق، ولواه، وقبض عليه بإحكام، إذ التصق فجأةً بتلك اليد، وضغط على راحة اليد بقوّة، وهزّها. وبتوتّر الأصابع وارتخائها، وانفتالها، انزلقت السّكّينة بانسياب، وسقطت، ونزلت اليد، ببطءٍ ورخاوة، وهوت إلى الأرض دون انثناء.
دمدم ابراهيم من بين شفتيه: «لا ترجُ البلاء يا «بيجي ريكو!»
نظر بيجيريكو إلى ابراهيم نظرة ذات معنى، وكأنّه ينظر إلى «كوستاس» الذي قاسَمَه المأكل في الجبل في الانتفاضة الكبيرة. يقال: إنّه رأى كوستاس وهو يتربّص بصديق طفولته «حسن آكي» من الوراء، ويذبحه. هل يقف هكذا، فينقضّ بدوره عليه، ويلصق سكينه على بلعومه؟ وبعد ذلك يتروّى.. ويبدأ الاثنان في البكاء.
عينا ابراهيم الآن مثل عيني غزال أصيب برصاصة. سيتوسّل إليه قليلاً ويقول له بعد ذلك: «فدْيتُك يا «بيجيريكو»، الوضع متوتر مثل وتر كمنجة مشدود، فلا تفتحْ علينا مشاكل ووجع رأس». وربّما يرتمي على قدميه. كان منخراه يرتجفان. ما زالت يده تضغط بقوة على معصم «بيجيريكو». حتّى لو دلّك المعصم بزيت الزيتون فلن تذهب زُرْقته، زَفَرَ «بيجيريكو» جرعة الهواء التي استنشقها إلى رئتيه. وانحنى وهو يتأفّف بأنين حادّ، ووضع رأسه بين يديه. تكوّم مثل كرة وراح يتمايل مرةّ إلى الأمام، ومرّة الوراء. دفعه ابراهيم، وضربه لكمتين على صدره.
«لا يلزمنا الآن مُجازفة حمقاء!»
تنفّس المحتشدون الصُّعداء بعد كتم أنفاسهم. الأكتاف المشدودة انبسطت. الرؤوس التي انكمشت بين الأكتاف تمتدّ، تهتزّ. الحناجر تتجرّع الأنفاس. تبدأ الأصوات تغمغم بتذمّر أولاً، ثم علا هدير في المحيط. وبعد ذلك تكلّم كلّ واحد على هواه، وتعالت الأصوات.
قال تراكيس: «ابراهيم.. سلمْتَ! كادَ أن يعرّض أرواحنا وأرواحكم للخطر». تفقّد ابراهيم أزرار قميصه منزوع الكمّ على الأرض. عدّلَ وَضْع سترته المطرّزة بمربّعات. أحد طرفَيْ سلساله قد تقطّع، فكَّ الطّرفَ الآخر ووضعه في كفّه.
نظرَ ابراهيم إلى أبيه. رآه وهو يمشي مع «كوشينبوتو» إلى المقهى بترنّح. وكان «كروموزاكيس حسن» أيضاً معهم. كان الثلاثة قريبين من بعضهم يتناجون، كان أبوه يذهب حيناً ويغدو حيناً، يرفع بصره طوراً، ويلقي النظرات حوله طوراً. لابدّ أنّه ينتظر ابنه.
توجه ابراهيم إليهم. مصطفى أفندي، لا ريبَ، سيعانق ولده الآن، وإن كان الوضع لا يسمح بذلك، سوف يضمّه إلى صدره، ويقبّله من جبينه، وسيقول له: «بوتوكوم» أي بيضة عشيّ، على الأقل ستدمع عيناه، ولن يكون ذلك مناسباً.
تلاقى الأب والابن وجهاً لوجه. تريّث مصطفى أفندي قليلاً، لم يقلْ له إلا: «كنْ حذراً يا بنيّ».
صفحة 9
«سأكون يا أبي. هل تأتي؟»
«اذهبْ أنت. نحن سنمرّ على المقهى، ثمّ أعود»
نظر إلى ابراهيم من الخلف. إذا ألمّ مكروه بابْنه الضخم كالعملاق، الإنسان النّبيل الذي يحرّك قلوب بنات «كريت»، إذا حدث شيء لولده خطيب الملاك الجميل «جميلة» لقرّة عينه، فقد يضيع صوابه ويفقد عقله. مَنْ يؤذي أصلاً هذا الفتى البريء، الطاهر القلب مثل فراخ القُمْريّ، والثّابت الجِنَان مثل النّسر الكاسر؟! أيّ رصاصة طائشة يمكن أن تصيبه في داخل أروقة شوارع «كريت» أو مسارح الصّيد، أو جنبات البيوت، أو في ميدان سبلانتسيا مثلاً؟ لا سمح الله!».
لا حدّ للخواطر والأفكار التي تجول في عقله. يموج فكره بسيلٍ من المخاوف والغموم. في الأوقات العصيبة التي شهدتها «كريت» حين تحوّلت إلى بِرْكة دم، ولاسيما في العصيان المشؤوم سنة 96(3)، حيث كمن القَتَلة «الذئاب» في أماكن كثيرة سالت عليها دماء المسيحيين والمسلمين في سفوح وقفار «هانيا» و«رَسْمو» و«سريسو». عندما أنزلوا إلى «كيريت» كتل السّلاح، أفواج الجنود دون انقطاع، حين ادخروا من المؤونة ما يكفي لسنة تقريباً، وخرجوا لملاقاة قطّاع الطرق المسلّحين، وحين صبّوا نيرانهم على المساجد والبيوت أثناء غزوهم. فخسر كلّ بيت أو عائلة من عائلات المسلمين والمسيحيّين في «كريت» ضحيّة أو روحاً، حتّى في «هانيا» إذ كان لا يجرؤ الإنسان على أن يزور جاره بعد ساعة متأخّرة من الليل، ولا أن يصل أيّ شخص إلى مطرح المصائب. كم يخاف المرءُ على فِلْذة كبدٍ له!. قال بينه وبين نفسه: «الله يحفظ ولدي وأولاد الجميع..!» محاولاً أن يبرّد غليله، ولكنْ عبثاً. النّار التي اندلعت في داخل مصطفى أفندي، سرت من حَلْقه إلى رأسه، وجعلت شعر رأسه ينتصب مثل الأشواك. انتقلت أمواج من الحرارة من هامة رأسه إلى سائر بدنه، هذه الحرارة اللاهبة، مثل رغيف حارّ يفوح منه البخار، حامت فوق رؤوسهم، أكلتهم نيران الغمّ جميعاً أيضاً. إنّ مشاعر الكرب والكدر الّتي خنقت الحناجر، ومنعتْها من النُّطق والبوح، فلم يُسْمَعْ منها إلاّ أصوات «الأفّ» الهامسة الممزوجة بالشّكوى الدفينة؛ قد توشّحت بالصمت، لكنها ساكنتهم باستمرار، فتحوّلت إلى جرحٍ دامٍ ينزف في الأعماق. آه لو تخرج من الأفواه ضمائر الصّخور الرّاسخة، لكريت وجبالها بقممها الجرْداء، لكانوا أذابوا بصيحاتهم الثلوج في التّلال والآكام مثل دموعٍ دافئة، وأرسلوها عبر السّفوح إلى الأسفل، لَبَقيت «كريت» تحت سيول الماء.
ترك الحشْدُ وراءه الشخص الذي تراخى ساعداه على جنبيه، وانكمش فمه ولسانه، واختنق الصراخ في حنجرته، وتوجّه فوراً إلى المقهى الواقع هناك. جلسوا على أوّل كرسيّ وجدوه، ونفثوا آلامهم الداخلية مع دُخان تَبْغِهم إلى الهواء.
ارتدى النّادل «أبدالا» صدريته التي نزعها ورماها قبل قليل، بلفّها حول خصره. سوّى كمّ قميصه، وأسرع لتأمين القهوة والماء والشّراب للمحتشدين.
كان النادلُ «أبدالا» بكداشيّاً(4). اسمه الحقيقيّ «آبدال موسى». عندما كانت أمُّه حاملاً به، مات أبوه، وبعد أن وُلِد الغلام، رأت أمه حلماً، تكرّر ثلاث ليالٍ، فصرخت «آبدال موسى. آبدال موسى». أصيبت الأمّ بحيرة كبيرة، فما كان منها إلاّ أن غيرت اسمه من «غريب» إلى «آبدال موسى». حينذاك تجلّت أمارة وجْد على محيّا الرضيع. وبقي اسمه هكذا. كان أهل «كريت» ينادونه «أبدالا». ودائماً تظهر عيناه جاحظتين، وحاجباه البارزان يظهران كبيرين. وكانت تظهر معالم الدهشة والعفوية على وجهه من كلّ شيء يراه في هذه الدنيا الكبيرة، ومن كلّ شعور يراوده. كان مستقيم القدّ فارهاً مثل العصا. ذراعاه اللتان تتدّليان على طرفي جسمه الطويل، وساقاه اللتان تنفتحان إلى الخارج أثناء مشيه، لا يستطيع ضمّها والتحكم بهما وقت العمل، فيقلب كلّ شيء يصادفه في طريقه، ولا يتجرّأ أحد على أن يقترب منه بسهولة. فيظّلون في تردّد. لكنْ أبدالا أكثر ما يكون منتظماً ودقيقاً عندما يصنع القهوة فحسْب، حيث يضع الموقد، والفحم، وصفائح الماء التي يملؤها للاحتياط، والفناجين، والركوة، في صفٍّ متناسق، ويخصّص الجزء السفلي لملاعق الحلوى، وعلبة الراحة، وعلى بعدٍ مناسب من المنضدة كان يضع أنواع النراجيل في نسقٍ بعيد.
كان يعرف عيار القهوة لكل شخص. لا يرفع الركوة عالياً إذا لم يُغْلِها ثلاث مرّات على الأقلّ. فإذا ما أخطأ أحد النّادلين في تعيير القهوة لأحدهم، فإنّه يقيم القيامة عليه، فيتكلّم مع الصّانع مزبداً وكأنّه يبصق عليه، ويأمر النّادل بسكبّ القهوة التي صنعها بنفسه على التراب تحت شجرة الحور. ثم يضع الدلّة بنفسه مرة ثانية على النار دون أن يلفظ أية كلمة، أمّا النّادل الصغير فكان يحمرّ وجهه تماماً، ويذوبُ من الحرج.
وإذا غضب على أحدهم مثلاً، تلاعبَ بعيار قهوته التي يعرفها، فيجعلها فاسدة مثل السمّ. فيقول شارب القهوة: «هذا «فارماكي»(5) زقّوم يا رجل!» وكأنّه شرب سمّاً حقيقياً فعلاً، فيفسد طَعْم فمه طوال اليوم.
صفحة 10
كان هائجاً أخرق. يفعل ما يخطرُ بباله، ويقول ما يأتي على لسانه. لا يخاف أو يتحرّج من أحد. إذا فتل عقله على أحد، صبّ عليه اللعنات والشتائم دون أن يقول: هذا جنديّ من جنود القنصليّة، أو من الجيش النظامي، أو هذا مسيحي وهذا مسلم. وإذا أحبَّ، أحبّ الجميع. وإذا بكى، ذرف دموعه للنّاس جميعاً دون فارق. لذلك كان مقْهاه في الساحة مكاناً محبّباً يرتاده جميع الكريتيين، إذ يجلس المسيحيّون على ثلاث طاولات في المقدّمة، ويتداولون النّقاش في مسألة سبب تقاعس العثمانيين لوضع حدٍّ لهذا الفساد.
وإذا ذكر أحدهم بين الفنية والأخرى ضرورة اللجوء إلى حمل السّلاح، فأفسد صفاء الجوّ، ترى أبدالا يسمع ذلك، وهو يدير ظهره أثناء إعداد القهوة، فيندفع في غضبٍ جنوني، يصطدم بمن على يمينه ومن على شماله، وبركلةٍ واحدة يبعثِرُ الطّاولتَيْن معاً. وإذا لم يشفِ غليل غضبه، ركل أيضاً الكراسي الصغيرة المصنوعة من قشّ الحصير. وكلّما أصاب شخصاً ما دفعه بقوّة، وصرخ بصوته في الحاضرين: إلى الخارج، افرنقعوا إلى الخارج. ويغلق قهوته إغلاقاً تامّاً. وعندما يسكنُ غضبه، يأخذ كرسياً صغيراً ليجلس تحت شجرة الحور، وينظر متأمّلاً في البعيد، يشرب النرجيلية ساعات طوالاً دون أن يكلّم أحداً، وكلّما مرّ من أمامه أحدٌ تذكّر العابر الحادثة، فيشعرُ بالخجل، كأنّه هو من قام بالمشهد، وليس أبدالا، فيمرّ ويكمل طريقه دون أن ينظر إلى «أبدالا».
هو الآن يصغي إلى كلّ همسة بكلّ دقة. كان متلهّفاً متحيراً. عيناه الكبيرتان الذّاهلتان غطّاهما السّواد مثل حبّات الزّيتون. كان يسمع حتّى صوت تدفّق الدم في عروقه. كان في وضعٍ حذرٍ جدّاً، وكأنّه يخاف من نفور ذبابٍ وطيرانه.
في مثل هذه الأوقات تعمل يداه المرتجفتان بنشاط. يأخذ نصف مقدار البنّ في علبة القهوة من على يمينه، ويأخذ مثل ذلك من السّكّر، والماء الإضافي بحركة متناغمة لا خلل فيها، يحرّك الدلّة، يغليها ثلاث مرّات بثلاثِ ثوانٍ متعاقبة. يمسح كؤوس الماء بقطعة جوخ مبلّلة بالخلّ ويصُفُّها على الصينيّة، ويضع قربها دلّة القهوة المغلية. لا يترك الخدمة للصّانع. كان يأخذ القهوة بنفسه.
التقط الصينيّة، وأسرع إلى مصطفى أفندي و«كروموزاكيس». وضع القهوة دون أن ينبس بكلمة. كان مصطفى أفندي يشرب القهوة المرّة (سكيتوس). إذا وضع ذرّة سكر على ثلاث ملاعق من القهوة، فالحذر الحذر. ينتصب حاجباه، ينزاح الخطّ الواصل بين جبينه وشعره المتهدل إلى الخلف. ما كان يفعل شيئاً حينها، ولكن يدير جبهته نحو أبدالا، فيخمّن أبدالا أنّه قد ارتكب إثماً مبيناً.
وضع مصطفى أفندي يده على صدره، ضغط عليه، ثم شرب الماء، نظَّف فمه. وبعد ذلك بدأ يرتشف قهوته. التفت إلى «كوشينبوتو»: «قلْ يا كوشينبوتو».
«لن أتكلّم أنا، بل سيتكلّم «كروموزاكيس»
نظّف «كروموزاكيس» حَلْقه، وتصفّح الحاضرين فرداً فرداً، ثم انحنى صوب مصطفى أفندي، وشرع ينطق كلمةً كلمة، بتأنٍّ وهدوء وكأنّه يهمس في أذنه:
«أنا ذاهب يا صاحب المقام».
سحب مصطفى أفندي جسده إلى الوراء، ونظر إليه نظرةً ملغزة. بدا جبينه وكأنّه يرتدُّ إلى الخلف، فاعتدل فوراً:
«إلى أين؟»
«إلى الأناضول»
لم يتكلّم مصطفى أفندي. ألأنه لا يعرف ماذا يقول؟ أمّ لأنّه لا يستطيع انتقاء سؤال من آلاف الأسئلة التي تزدحم في عقله؟ رأى كروموزاكيس أن الصّمت أخذه كلّ مأخذ، فاستأنف كلامه بنفاذ صبر:
«أصبح هذا المكان لا يطاق أبداً للسّكن».
ساد صمتٌ ثانية.
«لقد أرسلْتُ أخي إلى إزمير، ليرى ما إذا كان هناك يناسبنا للإقامة واستمرار الحياة.»
«هل استطلع حقاً؟»