صفحة 1
المقدمة
عندما تمت كتابة التاريخ المصري منذ حوالي قرنين، لم يكن هذا التاريخ يحتوي على مكان لواحد من أهم العصور في بلادنا، وهو العصر القبطي. ربما كان سبب غياب هذا العصر من تاريخنا المكتوب، يرجع إلى اعتقاد الباحثين الخاطئ بأن المصريين لم يعتنقوا المسيحية قبل الحكم البيزنطي في القرن الرابع. وبينما يوافق الكثيرون منهم على أن القديس مرقص هو الذي أسس كنيسة الإسكندرية، فهم ينظرون إلى هذه المدينة وكنيستها باعتبارها يونانية وليست مصرية.
الآن بعد مرور حوالي قرن ونصف القرن على بدء أعمال الكشف الأثري في بلادنا، أصبح من الضروري إعادة النظر في وجهة النظر هذه. وبينما تبين أن الإسكندرية التي وصل إليها مرقص كانت مدينة مصرية في حضارتها ومظهرها، فقد تم العثور على الآلاف من البقايا الأثرية في جميع أنحاء البلاد، تظهر بوضوح انتشار العقيدة المسيحية منذ القرن الثاني على الأقل. ومن المؤكد أن أقدم الكتابات المسيحية الموجودة الآن في جميع أنحاء العالم بما في ذلك العهد الجديد، وجدت في مصر، وليس في أي مكان آخر. وبما أننا نتحدث هنا عن التاريخ وليس عن الخلافات اللاهوتية، فمن المؤكد أن الجماعة المسيحية في مصر تكونت قبل أية جماعة مسيحية في أي بلد آخر. وبينما تبين البقايا الأثرية تنوع الجماعات المسيحية الأولى في مصر كما في بقية البلدان، فلم يتم تحديد قواعد ما يعتبر أورثوذكسياً قبل نهاية القرن الثاني.
حان الوقت حتى يكون لنا دور في كتابة تاريخ بلادنا، كما حان الوقت لإعادة فحص الأدلة على ضوء نتائج الكشوفات الأثرية الحديثة. عندئذ يمكننا استعادة ذاكرتنا المفقودة، والعودة إلى جذورنا الحضارية التي تمتد لخمسة آلاف عام خلال ثلاثة عصور تاريخية مهمة، الفرعونية والقبطية والإسلامية.
ترجع أهمية هذا الكتاب إلى أنه يتحدث عن مرحلة منسية من تاريخ بلادنا، وهي الفترة المتعلقة بالحقبة القبطية من التاريخ المصري. كان اليونان القدماء يطلقون على أبناء الشعب المصري منذ أيام الفراعنة اسم "إيجيبتوس" حيث حل حرف الجيم اليوناني مكان حرف القاف، كما حل حرف التاء اليونانية مكان الطاء المصرية. ولا يزال الأوروبيون حتى وقتنا هذا، يستخدمون اسم الأقباط للدلالة على أبناء الشعب المصري، حيث يستخدم البريطانيون والأمريكيون كلمة "إيجيبشيانز"، كما يستخدم الفرنسيون كلمة "ايجيبسيان". ورغم ورود اسم مصر في القرآن الكريم، فقد استخدم المؤرخون العرب كلمة "قبط" للدلالة على الشعب المصري. إلا أن هذه الكلمة أصبحت الآن لا تطلق سوى على المسيحيين فقط من أبناء الشعب المصري.
انتهى حكم الفراعنة لمصر مع موت كليوباترا السابعة عام 30 قبل الميلاد، بعد حوالي ثلاثة آلاف عام. ومنذ ذلك التاريخ فقدت مصر كيانها السياسي المستقل، وصارت جزءاً من الإمبراطورية الرومانية، يتم تسيير أمورها عن طريق حاكم يرسله الإمبراطور ويكون مقره بالإسكندرية. ورغم استمرار التقاليد والعادات الفرعونية كما هي تحت الحكم الروماني، فقد جرت تغييرات كبيرة خاصة في مجالات الدين واللغة والفنون. ففي ظل السيطرة الرومانية ماتت الديانات القديمة «الفرعونية» تدريجياً، خصوصاً مع تحول المصريين جميعهم إلى العقيدة المسيحية الجديدة التي انتشرت من الإسكندرية وحتى أسوان، وفي نفس الوقت - رغم استمرار اللغة اليونانية كلغة البلاد الرسمية - بدأت كتابة مصرية جديدة في الظهور، تتمثل في اللغة القبطية التي حلت تدريجياً مكان الكتابات المصرية الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية القديمة. وفي ذات الوقت أتاح انهيار النظام الديني الفرعوني الفرصة لظهور أنواع جديدة من الفن المصري.
منذ وصول الرومان إلى بلادنا، لم يعد أبناء الشعب المصري يشاركون في حكم بلادهم، كما حرموا من حق تكوين جيش يحميهم أو حتى الانضمام إلى وحدات الجيش الروماني المرابطة في مصر. وظل الوضع كذلك بعد انتقال ولاية مصر إلى سلطة الدولة الرومانية الشرقية - البيزنطية - بعد سقوط روما في القرن الخامس للميلاد، كما استمر الوضع على نفس الحال بعد الفتوحات العربية والإسلامية، وحتى مجيء محمد علي باشا في القرن التاسع عشر. فقد ولدت مصر الحديثة مع وصول الحملة الفرنسية إلى أبو قير - شرقي الإسكندرية - عند نهاية القرن الثامن عشر، بقيادة نابليون بونابارت. ورغم أن الاحتلال الفرنسي لمصر لم يدم سوى ثلاث سنوات (1798م - 1801م)، فقد ساعد الشعب المصري بعد ذلك على التخلص من المماليك الذين اضطهدوهم. وبعد هزيمة المماليك ورحيل الفرنسيين، جاء محمد علي من ألبانيا مع الجيش العثماني ليملأ الفراغ، وسرعان ما تمكن محمد علي من تكوين قاعدة مصرية محلية للسلطة، من زعماء الفلاحين والموظفين وتجار القاهرة والأغنياء. وعندما اختار الزعماء المصريين محمد علي ليكون حاكماً لهم، اضطر الباب العالي إلى قبوله والياً على مصر. وبعد حوالي 18 قرناً من فقدان الكيان السياسي المستقل، استطاع محمد علي انتزاع البلاد من الدولة العثمانية، لتعود دولة مستقلة ذات سيادة. كما قرر محمد علي تحديث مصر على الطريقة الغربية، وأعاد تنظيم اقتصادها الزراعي. ولأول مرة منذ نهاية حكم الفراعنة، جند محمد علي الصعايدة المصريين في جيشه الجديد، وعهد بتدريبهم إلى الكولونيل الفرنسي سيف، الذي عرف بعد ذلك باسم سليمان الفرنساوي، وتم تنظيم الوحدات العسكرية على أساس النظم الأوروبية الحديثة.
في النهاية وقعت الدول الأوروبية اتفاق لندن سنة 1840م، الذي منح محمد علي باشا حكماً وراثياً لمصر، وأخرج البلاد من سلطة الدولة العثمانية، وإن ترك للباب العالي مظهراً صورياً من الولاية. كانت نتيجة انفصال مصر عن الإمبراطورية العثمانية هي استعادة المصريين لشعورهم القومي، وإدراكهم أنهم ينتمون إلى دولة خاصة بهم ولم يعودوا جزءاً من كيان سياسي آخر. إلا أن الدولة المصرية الوليدة سرعان ما سقطت تحت الاحتلال البريطاني في 1882م، ثم صارت محمية بريطانية بعد نشوب الحرب العالمية الأولى في 1914م. ومع هذا - رغم وقوعها تحت الاحتلال البريطاني - استمرت العناصر القومية المصرية في النمو ديموقراطياً، فتم وضع دستور للبلاد في 1923م، نتج عنه تكوين برلمان منتخب يمثل الشعب، كان بداية مسيرة الطريق الديموقراطي.
بعد سقوط مصر في يد الرومان، لم يعد هنا ملوك فراعنة يحكمون البلاد كما كان الوضع سابقاً، لكن الشعب المصري - القبطي - ظل يحتفظ بتراثه الثقافي القديم ولم يتأثر بالفكر الروماني أو العقائد اليونانية. فبعد دخول الرومان لمصر سنة 31 قبل الميلاد، صارت روما هي العاصمة السياسية للإمبراطورية الرومانية، بينما ظلت الإسكندرية هي العاصمة الثقافية والدينية فيها. ثم حدث تطور هام في مصر منذ منتصف القرن الميلادي الأول، حيث كان الشعب المصري هو أول شعب في العالم يعتنق - بأكمله - الديانة المسيحية الجديدة، بعد وصول القديس مرقص الرسول إلى الإسكندرية. كان الفراعنة هم الذين يدعمون الكهنة والمعابد بالمال والعطايا والهبات، وكانت المعابد وكهنتها وحدها معفية من دفع الضرائب. ومع سقوط النظام الفرعوني وحلول نظم رومانية جديدة لحكم البلاد، لم يعد هناك من يحمي المعابد القديمة، أو يهتم بحالة التدهور التي ألمت بها. وهكذا اختفت الديانات القديمة، لتحل مكانها الديانة المسيحية تدريجياً في كل أنحاء مصر.
المرحلة القبطية :
هذا العصر الجديد الذي بدأ في مصر بعد سقوط حكم الفراعنة، يمثل المرحلة القبطية من التاريخ المصري والتي انتهت بوصول عمرو بن العاص في 641 للميلاد، وبداية مرحلة التاريخ الإسلامي. فهذا هو عصر المصريين الأقباط دون حكامهم السابقين من الفراعنة، أي أنه عصر القبط، ففي حالة الضياع التي عاشها المصريون بعد انهيار المؤسسة الدينية الفرعونية، وبحثهم عن الخلاص في عقيدة جديدة تتفق مع عقائدهم القديمة، وخصوصًا ما يتعلق منها بقيامة الأموات والحساب، كان المصريون هم أول الشعوب التي تقبلت العقيدة المسيحية الوليدة، من الإسكندرية في الشمال وحتى أسوان وبلاد النوبة في الجنوب. وهكذا صاحب العصر القبطي - عصر الشعب المصري بعد الفراعنة- انهياراً للديانات القديمة وانتشار للعقيدة المسيحية بين المصريين.
كما كانت الكنيسة التي أقامها القديس مرقص في الإسكندرية عند منتصف القرن الأول - وكان هو أول البطاركة بها - هي أول كنيسة مسيحية في العالم كله. وكان أسقف الإسكندرية هو الوحيد الذي حصل على لقب "بابا". ولم تظهر كنيسة روما نفسها إلا بعد حوالي عشرين عاماً من كنيسة الإسكندرية، حيث لم يتم تعيين خلف للقديس بطرس في روما قبل ستينيات القرن الأول. كما كانت مدرسة اللاهوت بالإسكندرية هي الوحيدة في العالم التي تدرس اللاهوت المسيحي، خلال النصف الثاني من القرن الميلادي الثاني. وقد تلقى العديد من أساقفة الكنائس العالمية دراستهم في هذه المدرسة المصرية القبطية .
ومنذ انتهاء تبعية بلادنا للدولة العثمانية وعودة السيادة المصرية الحديثة في عصر محمد علي باشا، عاش المصريون - مسلمون ومسيحيون - في وفاق اجتماعي وتقارب في الثقافة والعادات الاجتماعية، ولم يحدث تفاضل بينهم بسبب العقيدة الدينية أو الأصل السلالي، حتى بالنسبة إلى أحفاد الجماعات التركية والمملوكية. فقد شارك الجميع جنباً إلى جنب في بناء الدولة والجيش، كما ساهموا في بناء الاقتصاد والثروة. وفي ثورة 1919م، خرج المصريون جميعاً - مسلمون ومسيحيون - لمواجهة العدو والمناداة بالاستقلال والدستور.
لهذا فإنني أرجو من قراء هذا الكتاب أن يفهم الجيل الحالي وكذلك الأجيال القادمة تاريخ الأقباط في مصر ، وأن يذكرنا هذا الكتاب بالتطورات الهامة في تاريخ بلادنا، وأن يساعد في تغيير الوضع السيئ الذي صار قائماً الآن، حيث ظهرت عناصر التفرقة بين أبناء الأمة وصار الأقباط المسيحيون مستبعدين من المناصب الحساسة وكذلك السيادية في الدولة، كما لو كانوا أجانب في وطنهم الأم لدرجة الشعور العام أنه لا يمكن الاطمئنان إلى ولائهم وإخلاصهم لبلادهم. فهذا الكتاب خطوة أولى - أرجو أن تتبعها خطوات - حتى نستعيد الذاكرة الحضارية لشعبنا المصري، وسوف تؤدي بكل تأكيد إلى عودة الوفاق بين أبناء شعبنا، كي نساهم سوياً في بناء غد أفضل لأبنائنا ومستقبلنا.
وأن تدريس هذا الكتاب في المدارس والجامعات سيتيح فرصة افضل لكي تعرف الأجيال تاريخها الحقيقي بدلاً من مسح تاريخ الأقباط من ذاكرة التاريخ المصري ، وهذا في حد ذاته ظلم للتاريخ ويستتبعه خلق عدم الوفاق بين ابناء الأمة .
منـير غبـور
عندما تمت كتابة التاريخ المصري منذ حوالي قرنين، لم يكن هذا التاريخ يحتوي على مكان لواحد من أهم العصور في بلادنا، وهو العصر القبطي. ربما كان سبب غياب هذا العصر من تاريخنا المكتوب، يرجع إلى اعتقاد الباحثين الخاطئ بأن المصريين لم يعتنقوا المسيحية قبل الحكم البيزنطي في القرن الرابع. وبينما يوافق الكثيرون منهم على أن القديس مرقص هو الذي أسس كنيسة الإسكندرية، فهم ينظرون إلى هذه المدينة وكنيستها باعتبارها يونانية وليست مصرية.
الآن بعد مرور حوالي قرن ونصف القرن على بدء أعمال الكشف الأثري في بلادنا، أصبح من الضروري إعادة النظر في وجهة النظر هذه. وبينما تبين أن الإسكندرية التي وصل إليها مرقص كانت مدينة مصرية في حضارتها ومظهرها، فقد تم العثور على الآلاف من البقايا الأثرية في جميع أنحاء البلاد، تظهر بوضوح انتشار العقيدة المسيحية منذ القرن الثاني على الأقل. ومن المؤكد أن أقدم الكتابات المسيحية الموجودة الآن في جميع أنحاء العالم بما في ذلك العهد الجديد، وجدت في مصر، وليس في أي مكان آخر. وبما أننا نتحدث هنا عن التاريخ وليس عن الخلافات اللاهوتية، فمن المؤكد أن الجماعة المسيحية في مصر تكونت قبل أية جماعة مسيحية في أي بلد آخر. وبينما تبين البقايا الأثرية تنوع الجماعات المسيحية الأولى في مصر كما في بقية البلدان، فلم يتم تحديد قواعد ما يعتبر أورثوذكسياً قبل نهاية القرن الثاني.
حان الوقت حتى يكون لنا دور في كتابة تاريخ بلادنا، كما حان الوقت لإعادة فحص الأدلة على ضوء نتائج الكشوفات الأثرية الحديثة. عندئذ يمكننا استعادة ذاكرتنا المفقودة، والعودة إلى جذورنا الحضارية التي تمتد لخمسة آلاف عام خلال ثلاثة عصور تاريخية مهمة، الفرعونية والقبطية والإسلامية.
ترجع أهمية هذا الكتاب إلى أنه يتحدث عن مرحلة منسية من تاريخ بلادنا، وهي الفترة المتعلقة بالحقبة القبطية من التاريخ المصري. كان اليونان القدماء يطلقون على أبناء الشعب المصري منذ أيام الفراعنة اسم "إيجيبتوس" حيث حل حرف الجيم اليوناني مكان حرف القاف، كما حل حرف التاء اليونانية مكان الطاء المصرية. ولا يزال الأوروبيون حتى وقتنا هذا، يستخدمون اسم الأقباط للدلالة على أبناء الشعب المصري، حيث يستخدم البريطانيون والأمريكيون كلمة "إيجيبشيانز"، كما يستخدم الفرنسيون كلمة "ايجيبسيان". ورغم ورود اسم مصر في القرآن الكريم، فقد استخدم المؤرخون العرب كلمة "قبط" للدلالة على الشعب المصري. إلا أن هذه الكلمة أصبحت الآن لا تطلق سوى على المسيحيين فقط من أبناء الشعب المصري.
انتهى حكم الفراعنة لمصر مع موت كليوباترا السابعة عام 30 قبل الميلاد، بعد حوالي ثلاثة آلاف عام. ومنذ ذلك التاريخ فقدت مصر كيانها السياسي المستقل، وصارت جزءاً من الإمبراطورية الرومانية، يتم تسيير أمورها عن طريق حاكم يرسله الإمبراطور ويكون مقره بالإسكندرية. ورغم استمرار التقاليد والعادات الفرعونية كما هي تحت الحكم الروماني، فقد جرت تغييرات كبيرة خاصة في مجالات الدين واللغة والفنون. ففي ظل السيطرة الرومانية ماتت الديانات القديمة «الفرعونية» تدريجياً، خصوصاً مع تحول المصريين جميعهم إلى العقيدة المسيحية الجديدة التي انتشرت من الإسكندرية وحتى أسوان، وفي نفس الوقت - رغم استمرار اللغة اليونانية كلغة البلاد الرسمية - بدأت كتابة مصرية جديدة في الظهور، تتمثل في اللغة القبطية التي حلت تدريجياً مكان الكتابات المصرية الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية القديمة. وفي ذات الوقت أتاح انهيار النظام الديني الفرعوني الفرصة لظهور أنواع جديدة من الفن المصري.
منذ وصول الرومان إلى بلادنا، لم يعد أبناء الشعب المصري يشاركون في حكم بلادهم، كما حرموا من حق تكوين جيش يحميهم أو حتى الانضمام إلى وحدات الجيش الروماني المرابطة في مصر. وظل الوضع كذلك بعد انتقال ولاية مصر إلى سلطة الدولة الرومانية الشرقية - البيزنطية - بعد سقوط روما في القرن الخامس للميلاد، كما استمر الوضع على نفس الحال بعد الفتوحات العربية والإسلامية، وحتى مجيء محمد علي باشا في القرن التاسع عشر. فقد ولدت مصر الحديثة مع وصول الحملة الفرنسية إلى أبو قير - شرقي الإسكندرية - عند نهاية القرن الثامن عشر، بقيادة نابليون بونابارت. ورغم أن الاحتلال الفرنسي لمصر لم يدم سوى ثلاث سنوات (1798م - 1801م)، فقد ساعد الشعب المصري بعد ذلك على التخلص من المماليك الذين اضطهدوهم. وبعد هزيمة المماليك ورحيل الفرنسيين، جاء محمد علي من ألبانيا مع الجيش العثماني ليملأ الفراغ، وسرعان ما تمكن محمد علي من تكوين قاعدة مصرية محلية للسلطة، من زعماء الفلاحين والموظفين وتجار القاهرة والأغنياء. وعندما اختار الزعماء المصريين محمد علي ليكون حاكماً لهم، اضطر الباب العالي إلى قبوله والياً على مصر. وبعد حوالي 18 قرناً من فقدان الكيان السياسي المستقل، استطاع محمد علي انتزاع البلاد من الدولة العثمانية، لتعود دولة مستقلة ذات سيادة. كما قرر محمد علي تحديث مصر على الطريقة الغربية، وأعاد تنظيم اقتصادها الزراعي. ولأول مرة منذ نهاية حكم الفراعنة، جند محمد علي الصعايدة المصريين في جيشه الجديد، وعهد بتدريبهم إلى الكولونيل الفرنسي سيف، الذي عرف بعد ذلك باسم سليمان الفرنساوي، وتم تنظيم الوحدات العسكرية على أساس النظم الأوروبية الحديثة.
في النهاية وقعت الدول الأوروبية اتفاق لندن سنة 1840م، الذي منح محمد علي باشا حكماً وراثياً لمصر، وأخرج البلاد من سلطة الدولة العثمانية، وإن ترك للباب العالي مظهراً صورياً من الولاية. كانت نتيجة انفصال مصر عن الإمبراطورية العثمانية هي استعادة المصريين لشعورهم القومي، وإدراكهم أنهم ينتمون إلى دولة خاصة بهم ولم يعودوا جزءاً من كيان سياسي آخر. إلا أن الدولة المصرية الوليدة سرعان ما سقطت تحت الاحتلال البريطاني في 1882م، ثم صارت محمية بريطانية بعد نشوب الحرب العالمية الأولى في 1914م. ومع هذا - رغم وقوعها تحت الاحتلال البريطاني - استمرت العناصر القومية المصرية في النمو ديموقراطياً، فتم وضع دستور للبلاد في 1923م، نتج عنه تكوين برلمان منتخب يمثل الشعب، كان بداية مسيرة الطريق الديموقراطي.
بعد سقوط مصر في يد الرومان، لم يعد هنا ملوك فراعنة يحكمون البلاد كما كان الوضع سابقاً، لكن الشعب المصري - القبطي - ظل يحتفظ بتراثه الثقافي القديم ولم يتأثر بالفكر الروماني أو العقائد اليونانية. فبعد دخول الرومان لمصر سنة 31 قبل الميلاد، صارت روما هي العاصمة السياسية للإمبراطورية الرومانية، بينما ظلت الإسكندرية هي العاصمة الثقافية والدينية فيها. ثم حدث تطور هام في مصر منذ منتصف القرن الميلادي الأول، حيث كان الشعب المصري هو أول شعب في العالم يعتنق - بأكمله - الديانة المسيحية الجديدة، بعد وصول القديس مرقص الرسول إلى الإسكندرية. كان الفراعنة هم الذين يدعمون الكهنة والمعابد بالمال والعطايا والهبات، وكانت المعابد وكهنتها وحدها معفية من دفع الضرائب. ومع سقوط النظام الفرعوني وحلول نظم رومانية جديدة لحكم البلاد، لم يعد هناك من يحمي المعابد القديمة، أو يهتم بحالة التدهور التي ألمت بها. وهكذا اختفت الديانات القديمة، لتحل مكانها الديانة المسيحية تدريجياً في كل أنحاء مصر.
المرحلة القبطية :
هذا العصر الجديد الذي بدأ في مصر بعد سقوط حكم الفراعنة، يمثل المرحلة القبطية من التاريخ المصري والتي انتهت بوصول عمرو بن العاص في 641 للميلاد، وبداية مرحلة التاريخ الإسلامي. فهذا هو عصر المصريين الأقباط دون حكامهم السابقين من الفراعنة، أي أنه عصر القبط، ففي حالة الضياع التي عاشها المصريون بعد انهيار المؤسسة الدينية الفرعونية، وبحثهم عن الخلاص في عقيدة جديدة تتفق مع عقائدهم القديمة، وخصوصًا ما يتعلق منها بقيامة الأموات والحساب، كان المصريون هم أول الشعوب التي تقبلت العقيدة المسيحية الوليدة، من الإسكندرية في الشمال وحتى أسوان وبلاد النوبة في الجنوب. وهكذا صاحب العصر القبطي - عصر الشعب المصري بعد الفراعنة- انهياراً للديانات القديمة وانتشار للعقيدة المسيحية بين المصريين.
كما كانت الكنيسة التي أقامها القديس مرقص في الإسكندرية عند منتصف القرن الأول - وكان هو أول البطاركة بها - هي أول كنيسة مسيحية في العالم كله. وكان أسقف الإسكندرية هو الوحيد الذي حصل على لقب "بابا". ولم تظهر كنيسة روما نفسها إلا بعد حوالي عشرين عاماً من كنيسة الإسكندرية، حيث لم يتم تعيين خلف للقديس بطرس في روما قبل ستينيات القرن الأول. كما كانت مدرسة اللاهوت بالإسكندرية هي الوحيدة في العالم التي تدرس اللاهوت المسيحي، خلال النصف الثاني من القرن الميلادي الثاني. وقد تلقى العديد من أساقفة الكنائس العالمية دراستهم في هذه المدرسة المصرية القبطية .
ومنذ انتهاء تبعية بلادنا للدولة العثمانية وعودة السيادة المصرية الحديثة في عصر محمد علي باشا، عاش المصريون - مسلمون ومسيحيون - في وفاق اجتماعي وتقارب في الثقافة والعادات الاجتماعية، ولم يحدث تفاضل بينهم بسبب العقيدة الدينية أو الأصل السلالي، حتى بالنسبة إلى أحفاد الجماعات التركية والمملوكية. فقد شارك الجميع جنباً إلى جنب في بناء الدولة والجيش، كما ساهموا في بناء الاقتصاد والثروة. وفي ثورة 1919م، خرج المصريون جميعاً - مسلمون ومسيحيون - لمواجهة العدو والمناداة بالاستقلال والدستور.
لهذا فإنني أرجو من قراء هذا الكتاب أن يفهم الجيل الحالي وكذلك الأجيال القادمة تاريخ الأقباط في مصر ، وأن يذكرنا هذا الكتاب بالتطورات الهامة في تاريخ بلادنا، وأن يساعد في تغيير الوضع السيئ الذي صار قائماً الآن، حيث ظهرت عناصر التفرقة بين أبناء الأمة وصار الأقباط المسيحيون مستبعدين من المناصب الحساسة وكذلك السيادية في الدولة، كما لو كانوا أجانب في وطنهم الأم لدرجة الشعور العام أنه لا يمكن الاطمئنان إلى ولائهم وإخلاصهم لبلادهم. فهذا الكتاب خطوة أولى - أرجو أن تتبعها خطوات - حتى نستعيد الذاكرة الحضارية لشعبنا المصري، وسوف تؤدي بكل تأكيد إلى عودة الوفاق بين أبناء شعبنا، كي نساهم سوياً في بناء غد أفضل لأبنائنا ومستقبلنا.
وأن تدريس هذا الكتاب في المدارس والجامعات سيتيح فرصة افضل لكي تعرف الأجيال تاريخها الحقيقي بدلاً من مسح تاريخ الأقباط من ذاكرة التاريخ المصري ، وهذا في حد ذاته ظلم للتاريخ ويستتبعه خلق عدم الوفاق بين ابناء الأمة .
منـير غبـور
صفحة 2
الذاكرة المفقودة
رغم أن مصر تمتلك تاريخاً طويلاً إلا أن ذاكرتها أصبحت قصيرة هذه الأيام. إذ يبدأ التاريخ المسجل في مصر منذ أن اخترع المصريون القدماء فن الكتابة الهيروغليفية. وحتى عهد قريب كان الاعتقاد السائد يذهب إلى أن السومريون الذين سكنوا جنوب العراق، سبقوا المصريين بقرن من الزمان في اختراع الكتابة، نحو ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد. وفي ديسمبر 1999م أعلن جانتر دراير - مدير معهد الآثار الألماني بالقاهرة - أنه عثر على مجموعة من الكتابات المنقوشة على قطع من العاج الصغيرة، يرجع تاريخها إلى حوالي ثلاثة آلاف و 300 سنة قبل الميلاد، أي قبل الكتابات السومرية بأكثر من مائة عام على الأقل. وجدت هذه الكتابات في مقبرة الملك عقرب الأول في أبيدوس بصعيد مصر.
وبالرغم من تاريخ مصر الطويل، يبدو أن مصر المعاصرة قد فقدت ذاكرتها، ومن الغريب أن المصريين في عصرنا الحديث لا يعلمون شيئاً عن تاريخهم القديم. فالطلاب المصريون لا يتعلمون سوى القليل من التاريخ القديم لبلادهم، أقل بكثير مما يتعلمه الطالب في مدارس الدول الغربية. فطلاب مصر لا يعرفون شيئاً عن الكتابات الهيروغليفية أو القبطية لآداب بلادهم الغنية قبل استخدام الكتابة العربية منذ القرن الميلادي السابع. وبالنسبة إلى غالبية المصريين، تعتبر الآثار القديمة والمتاحف التي تحتويها بمثابة مزارات للسياح فقط، وليست لهم. وأذكر أن الكاتب يوسف السباعي - الذي أصبح وزيراً للثقافة أيام الرئيس جمال عبد الناصر - كتب مرة في مجلة آخر ساعة يعتذر عن عدم زيارته للشاعر السوري نزار قباني بفندق هيلتون النيل، قائلاً إنه لم يتمكن من زيارة المتحف المصري القريب منه، نظراً إلى ضيق وقته.
عندما فقدت مصر ذاكرتها التاريخية، لم تعد البلاد قادرة على إدراك هويتها الحقيقية. فمن نحن؟ هل نحن سلالة الفراعنة الذين حكموا مصر القديمة؟ هل نحن من أبناء المصريين القدماء من الأقباط؟ هل نحن عرب أم مسلمون أو شىء آخر؟
وترجع أسباب فقدان الذاكرة المصرية إلى سببين رئيسيين: السبب الأول هو تحطيم مكتبة الإسكندرية في 391 للميلاد وإحراق حوالي نصف مليون مخطوط بها، مما أدى إلى ضياع الذاكرة المكتوبة لمصر الفرعونية. أما السبب الثاني فهو فقدان مصر لكيانها السياسي المستقل وخضوعها لكيانات سياسية أجنبية حوالي ألفي عام: الرومان، البيزنطيون، العرب، الفاطميون، العباسيون، الأيوبيون، المماليك، والعثمانيون ثم الاحتلال الفرنسي والبريطاني.
في اعتقادي أن ضياع الذاكرة التاريخية لمصر هو السبب الرئيسي لعدم قدرة مصر على التعلم من ماضيها حتى تعيد بناء كيانها، وتنضم إلى العالم الحديث. فحتى يمكن للبلاد أن تدرك هويتها الحقيقية، لا بد لها أولاً من استعادة ذاكرتها المفقودة؛ فالنهضة المصرية - رينيسانس - تتطلب العودة إلى الجذور الثقافية، قبل حوالي خمسة آلاف عام، وبينما كانت النهضة الإيطالية في القرن الخامس عشر تمثل ارتباط أوروبا بتاريخها الكلاسيكي القديم، فإن النهضة المصرية تتطلب الارتباط بتاريخها القديم.
ولدت مصر الحديثة مع وصول الحملة الفرنسية إلى أبو قير - شرقي الإسكندرية - عند نهاية القرن الثامن عشر، بقيادة نابليون بونابارت. ورغم أن الاحتلال الفرنسي لمصر لم يدم سوى ثلاث سنوات فقط (1798 - 1801)، فقد ساعد الشعب المصري بعد ذلك على التخلص من المماليك الذين اضطهدوهم. ومع الأسلحة والذخائر التي أتى بها جيش نابليون، أحضر بونابارت معه آلة للطباعة العربية وأكثر من 160 عالماً لتسجيل تاريخ مصر القديم، وكانت نتيجة دراسات هؤلاء العلماء الفرنسيين كتاب "في وصف مصر" الذي صدر بالفرنسية عام 1801م في عشرين مجلداً وأيقظ العالم على روعة حضارة أجدادنا.
وبعد هزيمة المماليك وطرد الفرنسيين، جاء محمد علي من ألبانيا مع الجيش العثماني ليملأ الفراغ، وسرعان ما تمكن محمد علي من تكوين قاعدة مصرية محلية للسلطة، من زعماء الفلاحين والموظفين وتجار القاهرة الأغنياء. وعندما اختار الزعماء المصريين محمد علي ليكون حاكماً لهم، اضطر الباب العالي قبوله والياً على مصر. وبعد حوالي 18 قرناً من فقدان الكيان السياسي المستقل، استطاع محمد علي انتزاع البلاد من الدولة العثمانية، لتعود دولة ذات سيادة مستقلة. كما قرر محمد علي تحديث مصر على الطريقة الغربية، وأعاد تنظيم اقتصادها الزراعي. وللمرة الأولى منذ نهاية حكم الفراعنة، جند محمد علي الصعايدة المصريين في جيشه الجديد، وعهد بتدريبهم إلى الكولونيل الفرنسي سيف الذي عرف باسم سليمان الفرنساوي، وتم تنظيم الوحدات العسكرية على أساس النظم الأوروبية الحديثة. وساعد تنظيم التجارة والجيش على تحديث مشروعات مختلفة، مثل المؤسسات التعليمية والمستشفيات وإنشاء الطرق وحفر الترع، إلى جانب إنشاء المصانع التي تمد الجيش بالملابس والذخيرة، وكذلك بناء السفن.
وكما استعان محمد علي بالفلاحين المصريين في بناء جيشه الجديد، فقد استخدمهم كذلك في إعادة بناء اقتصاد البلاد وإدارتها؛ لهذا احتاج الوالي مصريين متعلمين لإدارة دولته وبناء النظام الصناعي الحديث. في تلك الحقبة من القرن التاسع عشر، كان الأزهر هو المؤسسة التعليمية الوحيدة في مصر، يقوم بتدريس اللغة العربية والمواد الشرعية؛ فأرسل محمد علي بعض خريجي الأزهر إلى أوروبا - وخصوصاً فرنسا - لتلقي العلوم الحديثة، ثم أقام نظاماً جديداً للتعليم في مصر لتدريس المواد العلمية الحديثة للشباب. نتج عن كل هذا ظهور جيل جديد من المصريين المتعلمين، الذين عملوا بعد ذلك على تجديد الثقافة المصرية وتحديد الهوية المصرية. كان رفاعة رافع الطهطاوي واحداً من هؤلاء الرجال، وأصبح من أهم قادة الحركة التعليمية خلال المرحلة الأولى للتحديث، حيث تولى ترجمة العديد من الكتب الأوروبية. وساعدت أعمال الطهطاوي الأجيال التالية من المصريين في التعرف إلى الفكر الغربي وإدراك مفهوم الوطنية المصرية.
في النهاية وقعت الدول الأوروبية اتفاق لندن سنة 1840 الذي منح محمد علي باشا حكماً وراثياً لمصر، وأخرج البلاد من سلطان الدولة العثمانية، وإن ترك للباب العالي مظهراً صورياً من الولاية. كانت نتيجة انفصال مصر عن الإمبراطورية العثمانية استعادة المصريين لشعورهم القومي وإدراكهم أنهم ينتمون إلى دولة خاصة بهم ولم يعودوا جزءاً من كيان سياسي آخر. إلا أن الدولة المصرية الوليدة سرعان ما سقطت تحت الاحتلال العسكري البريطاني في 1882، ثم صارت محمية بريطانية على أثر نشوب الحرب العالمية الأولى في 1914. ومع هذا - رغم وقوعها تحت الاحتلال البريطاني - استمرت عناصر القومية المصرية في النمو ونحت نحواً ديموقراطياً فتم وضع دستور للبلاد نتج عنه تكوين برلمان منتخب يمثل الشعب كان بداية مسيرة الطريق الديموقراطي.
رغم أن مصر تمتلك تاريخاً طويلاً إلا أن ذاكرتها أصبحت قصيرة هذه الأيام. إذ يبدأ التاريخ المسجل في مصر منذ أن اخترع المصريون القدماء فن الكتابة الهيروغليفية. وحتى عهد قريب كان الاعتقاد السائد يذهب إلى أن السومريون الذين سكنوا جنوب العراق، سبقوا المصريين بقرن من الزمان في اختراع الكتابة، نحو ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد. وفي ديسمبر 1999م أعلن جانتر دراير - مدير معهد الآثار الألماني بالقاهرة - أنه عثر على مجموعة من الكتابات المنقوشة على قطع من العاج الصغيرة، يرجع تاريخها إلى حوالي ثلاثة آلاف و 300 سنة قبل الميلاد، أي قبل الكتابات السومرية بأكثر من مائة عام على الأقل. وجدت هذه الكتابات في مقبرة الملك عقرب الأول في أبيدوس بصعيد مصر.
وبالرغم من تاريخ مصر الطويل، يبدو أن مصر المعاصرة قد فقدت ذاكرتها، ومن الغريب أن المصريين في عصرنا الحديث لا يعلمون شيئاً عن تاريخهم القديم. فالطلاب المصريون لا يتعلمون سوى القليل من التاريخ القديم لبلادهم، أقل بكثير مما يتعلمه الطالب في مدارس الدول الغربية. فطلاب مصر لا يعرفون شيئاً عن الكتابات الهيروغليفية أو القبطية لآداب بلادهم الغنية قبل استخدام الكتابة العربية منذ القرن الميلادي السابع. وبالنسبة إلى غالبية المصريين، تعتبر الآثار القديمة والمتاحف التي تحتويها بمثابة مزارات للسياح فقط، وليست لهم. وأذكر أن الكاتب يوسف السباعي - الذي أصبح وزيراً للثقافة أيام الرئيس جمال عبد الناصر - كتب مرة في مجلة آخر ساعة يعتذر عن عدم زيارته للشاعر السوري نزار قباني بفندق هيلتون النيل، قائلاً إنه لم يتمكن من زيارة المتحف المصري القريب منه، نظراً إلى ضيق وقته.
عندما فقدت مصر ذاكرتها التاريخية، لم تعد البلاد قادرة على إدراك هويتها الحقيقية. فمن نحن؟ هل نحن سلالة الفراعنة الذين حكموا مصر القديمة؟ هل نحن من أبناء المصريين القدماء من الأقباط؟ هل نحن عرب أم مسلمون أو شىء آخر؟
وترجع أسباب فقدان الذاكرة المصرية إلى سببين رئيسيين: السبب الأول هو تحطيم مكتبة الإسكندرية في 391 للميلاد وإحراق حوالي نصف مليون مخطوط بها، مما أدى إلى ضياع الذاكرة المكتوبة لمصر الفرعونية. أما السبب الثاني فهو فقدان مصر لكيانها السياسي المستقل وخضوعها لكيانات سياسية أجنبية حوالي ألفي عام: الرومان، البيزنطيون، العرب، الفاطميون، العباسيون، الأيوبيون، المماليك، والعثمانيون ثم الاحتلال الفرنسي والبريطاني.
في اعتقادي أن ضياع الذاكرة التاريخية لمصر هو السبب الرئيسي لعدم قدرة مصر على التعلم من ماضيها حتى تعيد بناء كيانها، وتنضم إلى العالم الحديث. فحتى يمكن للبلاد أن تدرك هويتها الحقيقية، لا بد لها أولاً من استعادة ذاكرتها المفقودة؛ فالنهضة المصرية - رينيسانس - تتطلب العودة إلى الجذور الثقافية، قبل حوالي خمسة آلاف عام، وبينما كانت النهضة الإيطالية في القرن الخامس عشر تمثل ارتباط أوروبا بتاريخها الكلاسيكي القديم، فإن النهضة المصرية تتطلب الارتباط بتاريخها القديم.
ولدت مصر الحديثة مع وصول الحملة الفرنسية إلى أبو قير - شرقي الإسكندرية - عند نهاية القرن الثامن عشر، بقيادة نابليون بونابارت. ورغم أن الاحتلال الفرنسي لمصر لم يدم سوى ثلاث سنوات فقط (1798 - 1801)، فقد ساعد الشعب المصري بعد ذلك على التخلص من المماليك الذين اضطهدوهم. ومع الأسلحة والذخائر التي أتى بها جيش نابليون، أحضر بونابارت معه آلة للطباعة العربية وأكثر من 160 عالماً لتسجيل تاريخ مصر القديم، وكانت نتيجة دراسات هؤلاء العلماء الفرنسيين كتاب "في وصف مصر" الذي صدر بالفرنسية عام 1801م في عشرين مجلداً وأيقظ العالم على روعة حضارة أجدادنا.
وبعد هزيمة المماليك وطرد الفرنسيين، جاء محمد علي من ألبانيا مع الجيش العثماني ليملأ الفراغ، وسرعان ما تمكن محمد علي من تكوين قاعدة مصرية محلية للسلطة، من زعماء الفلاحين والموظفين وتجار القاهرة الأغنياء. وعندما اختار الزعماء المصريين محمد علي ليكون حاكماً لهم، اضطر الباب العالي قبوله والياً على مصر. وبعد حوالي 18 قرناً من فقدان الكيان السياسي المستقل، استطاع محمد علي انتزاع البلاد من الدولة العثمانية، لتعود دولة ذات سيادة مستقلة. كما قرر محمد علي تحديث مصر على الطريقة الغربية، وأعاد تنظيم اقتصادها الزراعي. وللمرة الأولى منذ نهاية حكم الفراعنة، جند محمد علي الصعايدة المصريين في جيشه الجديد، وعهد بتدريبهم إلى الكولونيل الفرنسي سيف الذي عرف باسم سليمان الفرنساوي، وتم تنظيم الوحدات العسكرية على أساس النظم الأوروبية الحديثة. وساعد تنظيم التجارة والجيش على تحديث مشروعات مختلفة، مثل المؤسسات التعليمية والمستشفيات وإنشاء الطرق وحفر الترع، إلى جانب إنشاء المصانع التي تمد الجيش بالملابس والذخيرة، وكذلك بناء السفن.
وكما استعان محمد علي بالفلاحين المصريين في بناء جيشه الجديد، فقد استخدمهم كذلك في إعادة بناء اقتصاد البلاد وإدارتها؛ لهذا احتاج الوالي مصريين متعلمين لإدارة دولته وبناء النظام الصناعي الحديث. في تلك الحقبة من القرن التاسع عشر، كان الأزهر هو المؤسسة التعليمية الوحيدة في مصر، يقوم بتدريس اللغة العربية والمواد الشرعية؛ فأرسل محمد علي بعض خريجي الأزهر إلى أوروبا - وخصوصاً فرنسا - لتلقي العلوم الحديثة، ثم أقام نظاماً جديداً للتعليم في مصر لتدريس المواد العلمية الحديثة للشباب. نتج عن كل هذا ظهور جيل جديد من المصريين المتعلمين، الذين عملوا بعد ذلك على تجديد الثقافة المصرية وتحديد الهوية المصرية. كان رفاعة رافع الطهطاوي واحداً من هؤلاء الرجال، وأصبح من أهم قادة الحركة التعليمية خلال المرحلة الأولى للتحديث، حيث تولى ترجمة العديد من الكتب الأوروبية. وساعدت أعمال الطهطاوي الأجيال التالية من المصريين في التعرف إلى الفكر الغربي وإدراك مفهوم الوطنية المصرية.
في النهاية وقعت الدول الأوروبية اتفاق لندن سنة 1840 الذي منح محمد علي باشا حكماً وراثياً لمصر، وأخرج البلاد من سلطان الدولة العثمانية، وإن ترك للباب العالي مظهراً صورياً من الولاية. كانت نتيجة انفصال مصر عن الإمبراطورية العثمانية استعادة المصريين لشعورهم القومي وإدراكهم أنهم ينتمون إلى دولة خاصة بهم ولم يعودوا جزءاً من كيان سياسي آخر. إلا أن الدولة المصرية الوليدة سرعان ما سقطت تحت الاحتلال العسكري البريطاني في 1882، ثم صارت محمية بريطانية على أثر نشوب الحرب العالمية الأولى في 1914. ومع هذا - رغم وقوعها تحت الاحتلال البريطاني - استمرت عناصر القومية المصرية في النمو ونحت نحواً ديموقراطياً فتم وضع دستور للبلاد نتج عنه تكوين برلمان منتخب يمثل الشعب كان بداية مسيرة الطريق الديموقراطي.
صفحة 3
وهكذا نرى أن الحركة القومية الجديدة بدأت تنمو مع بداية القرن العشرين، وراحت تنظر إلى تاريخ مصر القديم منذ العصر الفرعوني. وفي تلك الفترة، رفض الباحث أحمد لطفي السيد - الذي صار مديراً لأول جامعة مصرية في 1925 - اعتبار مصر جزءاً من العالم العربي أو العالم الإسلامي. وأصر لطفي السيد على اعتبار مصر أمة مستقلة يعود تاريخها إلى آلاف السنين منذ العصر الفرعوني. إلا أن هذه المحاولة لاستعادة الذاكرة التاريخية للمصريين لم تدم طويلاً، وجاءت نهايتها نتيجة لتطور الوضع السياسي في منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية. فقد تغير الموقف بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1947م بتقسيم أرض فلسطين إلى دولتين، دولة عربية ودولة يهودية، عند ذلك رفضت الجامعة العربية - التي كانت قد تكونت بعد الحرب - قرار التقسيم، وقررت إرسال جيوشها النظامية إلى فلسطين بهدف منع إقامة دولة إسرائيل.
هزمت جيوش الدول العربية السبع في حرب 1948م، واضطرت الحكومات إلى القبول بوقف القتال والهدنة. وكان لهذه الهزيمة في حرب فلسطين أثراً كبيراً على المسيرة السياسية في مصر، بل وفي كل بلدان الشرق الأوسط. قامت حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952، بقيادة البكباشي جمال عبد الناصر. ورغم أن جمال عبد الناصر كان يعتمد في البداية على سياسة قومية مصرية، فإنه سرعان ما غير سياسته اعتماداً علي فكرة القومية العربية. وتعتمد فكرة القومية العربية على النتاج الحضاري المشترك، وعلى التاريخ المشترك للبلدان العربية إلى جانب وحدة اللغة والثقافة. ونتيجة لهذه القومية المشتركة، جاء شعار الوحدة العربية للمطالبة بتكوين كيان سياسي عربي واحد، يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي. وفي سنة 1958م قام عبد الناصر بتغيير اسم "مصر" التاريخي، واستبداله باسم "الجمهورية العربية المتحدة"، عندما قامت الوحدة بين مصر وسوريا. وهكذا اختفى اسم مصر - الوحيد من بين البلدان الذي ورد في كل من القرآن والتوراة والإنجيل - من القاموس السياسي، إلى أن أعاده الرئيس السادات في 1971م.
أدى صعود فكرة القومية العربية في الفكر السياسي بعد ثورة يوليو إلى تغيير مسيرة مصر الحديثة. فبدلاً من استمرار العمل من أجل استعادة الهوية المصرية المفقودة، أحدثت سياسة عبد الناصر المعتمدة على فكرة الوحدة العربية ارتباكاً، خصوصاً بعد أن واجهها فيصل ملك السعودية بفكرة الوحدة الإسلامية. وهكذا واجهت فكرة البعث القومي المصري نهاية مفاجئة.
عندما توقف الباحثون المصريون عن محاولة العثور على جذور التاريخ الماضي لبلادهم، صارت معرفتهم بهذا التاريخ تعتمد كلية على المصادر الأوروبية. صحيح أن الأمم التي تتحدث العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لديها مصالح سياسية واقتصادية مشتركة، كما أنها تشترك في العديد من العناصر الثقافية. صحيح كذلك أن هذه الشعوب، لو أنها تعاونت سوياً لتكوين نوع من الجبهات الموحدة تشبه الوحدة الأوروبية، فسوف يكون لديها فرصة أفضل لتحسين مصالح كل بلد على حدة. ومع هذا فإن هذه الشعوب - تاريخياً - لا تمثل أمة عربية واحدة. وبينما كانت أول أمة عربية عرفناها في التاريخ هي تلك التي كونها النبي محمد بعد هجرته إلى المدينة المنورة في بداية القرن السابع للميلاد، فإن جذور الأمة المصرية تعود إلى حوالي أربعة آلاف سنة قبل هذا التاريخ. وعندما اعتبر الباحثون المصريون أنفسهم عرباً، أصبح عليهم النظر إلى التاريخ المصري القديم باعتباره جزءاً من الجاهلية قبل الإسلام لا تستحق دراسته.
تولى الباحثون من ثلاث دول أوروبية - فرنسا وإنجلترا وألمانيا - مهمة كتابة تاريخ العالم، بما في ذلك مصر، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. في ذلك الوقت كان التاريخ القديم يعتبر إلى حد كبير، جزءاً تابعاً للأدب الكلاسيكي والدراسات التوراتية، وعلى هذا صار من اختصاص الباحثين الكلاسيكيين المتخصصين في الدراسات اليونانية والرومانية، وفي خلال القرنين 18 و 19 تولى هؤلاء الباحثون، ليس فقط تحديد تتابع الأحداث (chronology) في التاريخ القديم، بل إنهم هم الذين تولوا تحديد برامج التاريخ التي تدرس في الجامعات وكتابة موسوعات الإنسيكلوبيديا.
نقطتان رئيسيتان وردتا في تحديد التاريخ المصري القديم - كما سجله الكلاسيكيون - تسببا في عدم فهم المصريين لتاريخهم القديم بشكل صحيح: إصرارهم على أن مصر لم تعتنق المسيحية قبل فترة الحكم البيزنطي، وادعاؤهم بأن مدينة الإسكندرية لم تكن مصرية بل يونانية. نتج عن هذا غياب الدراسات القبطية عن المدارس والمعاهد المصرية، كما رفض المصريون ثقافة الإسكندرية - قمة ما وصلت إليه الحضارة المصرية الفرعونية - باعتبارها ثقافة أجنبية دخيلة. ولما كانت النظم الدراسية المصرية الحديثة تتبع النظم الأوروبية التي تشكلت خلال عصر التنوير في القرن التاسع عشر، وافق الباحثون المصريون على كل ما تعلموه عن أساتذتهم الغربيين دون نقاش، حتى فيما يتعلق بتاريخ بلادهم، ولأن علم المصريات لم يكن قد تطور بعد في تلك الحقبة، حيث صار الآن فرعاً خاصاً من دراسة التاريخ، فقد تولى الكلاسيكيون كتابة تاريخ الفراعنة.
الآن بعد أن أصبحت دراسة التاريخ تعتمد على وسائل التكنولوجيا والعلم الحديث في دراسة أحداث الماضي، وعندما استطاعت مجارف رجال الآثار الكشف عن الآلاف من البقايا والكتابات القديمة، حان الوقت كي نعيد فحص تاريخنا القديم لنضعه على أرض أكثر صلابة. وفي اعتقادي أن دراسة تاريخنا القديم هى الخطوة الأولى لاستعادة ذاكرتنا المفقودة، وإدراك هويتنا الحقيقية وفتح الطريق للبحث الحضاري الذي طال انتظاره.
هزمت جيوش الدول العربية السبع في حرب 1948م، واضطرت الحكومات إلى القبول بوقف القتال والهدنة. وكان لهذه الهزيمة في حرب فلسطين أثراً كبيراً على المسيرة السياسية في مصر، بل وفي كل بلدان الشرق الأوسط. قامت حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952، بقيادة البكباشي جمال عبد الناصر. ورغم أن جمال عبد الناصر كان يعتمد في البداية على سياسة قومية مصرية، فإنه سرعان ما غير سياسته اعتماداً علي فكرة القومية العربية. وتعتمد فكرة القومية العربية على النتاج الحضاري المشترك، وعلى التاريخ المشترك للبلدان العربية إلى جانب وحدة اللغة والثقافة. ونتيجة لهذه القومية المشتركة، جاء شعار الوحدة العربية للمطالبة بتكوين كيان سياسي عربي واحد، يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي. وفي سنة 1958م قام عبد الناصر بتغيير اسم "مصر" التاريخي، واستبداله باسم "الجمهورية العربية المتحدة"، عندما قامت الوحدة بين مصر وسوريا. وهكذا اختفى اسم مصر - الوحيد من بين البلدان الذي ورد في كل من القرآن والتوراة والإنجيل - من القاموس السياسي، إلى أن أعاده الرئيس السادات في 1971م.
أدى صعود فكرة القومية العربية في الفكر السياسي بعد ثورة يوليو إلى تغيير مسيرة مصر الحديثة. فبدلاً من استمرار العمل من أجل استعادة الهوية المصرية المفقودة، أحدثت سياسة عبد الناصر المعتمدة على فكرة الوحدة العربية ارتباكاً، خصوصاً بعد أن واجهها فيصل ملك السعودية بفكرة الوحدة الإسلامية. وهكذا واجهت فكرة البعث القومي المصري نهاية مفاجئة.
عندما توقف الباحثون المصريون عن محاولة العثور على جذور التاريخ الماضي لبلادهم، صارت معرفتهم بهذا التاريخ تعتمد كلية على المصادر الأوروبية. صحيح أن الأمم التي تتحدث العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لديها مصالح سياسية واقتصادية مشتركة، كما أنها تشترك في العديد من العناصر الثقافية. صحيح كذلك أن هذه الشعوب، لو أنها تعاونت سوياً لتكوين نوع من الجبهات الموحدة تشبه الوحدة الأوروبية، فسوف يكون لديها فرصة أفضل لتحسين مصالح كل بلد على حدة. ومع هذا فإن هذه الشعوب - تاريخياً - لا تمثل أمة عربية واحدة. وبينما كانت أول أمة عربية عرفناها في التاريخ هي تلك التي كونها النبي محمد بعد هجرته إلى المدينة المنورة في بداية القرن السابع للميلاد، فإن جذور الأمة المصرية تعود إلى حوالي أربعة آلاف سنة قبل هذا التاريخ. وعندما اعتبر الباحثون المصريون أنفسهم عرباً، أصبح عليهم النظر إلى التاريخ المصري القديم باعتباره جزءاً من الجاهلية قبل الإسلام لا تستحق دراسته.
تولى الباحثون من ثلاث دول أوروبية - فرنسا وإنجلترا وألمانيا - مهمة كتابة تاريخ العالم، بما في ذلك مصر، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. في ذلك الوقت كان التاريخ القديم يعتبر إلى حد كبير، جزءاً تابعاً للأدب الكلاسيكي والدراسات التوراتية، وعلى هذا صار من اختصاص الباحثين الكلاسيكيين المتخصصين في الدراسات اليونانية والرومانية، وفي خلال القرنين 18 و 19 تولى هؤلاء الباحثون، ليس فقط تحديد تتابع الأحداث (chronology) في التاريخ القديم، بل إنهم هم الذين تولوا تحديد برامج التاريخ التي تدرس في الجامعات وكتابة موسوعات الإنسيكلوبيديا.
نقطتان رئيسيتان وردتا في تحديد التاريخ المصري القديم - كما سجله الكلاسيكيون - تسببا في عدم فهم المصريين لتاريخهم القديم بشكل صحيح: إصرارهم على أن مصر لم تعتنق المسيحية قبل فترة الحكم البيزنطي، وادعاؤهم بأن مدينة الإسكندرية لم تكن مصرية بل يونانية. نتج عن هذا غياب الدراسات القبطية عن المدارس والمعاهد المصرية، كما رفض المصريون ثقافة الإسكندرية - قمة ما وصلت إليه الحضارة المصرية الفرعونية - باعتبارها ثقافة أجنبية دخيلة. ولما كانت النظم الدراسية المصرية الحديثة تتبع النظم الأوروبية التي تشكلت خلال عصر التنوير في القرن التاسع عشر، وافق الباحثون المصريون على كل ما تعلموه عن أساتذتهم الغربيين دون نقاش، حتى فيما يتعلق بتاريخ بلادهم، ولأن علم المصريات لم يكن قد تطور بعد في تلك الحقبة، حيث صار الآن فرعاً خاصاً من دراسة التاريخ، فقد تولى الكلاسيكيون كتابة تاريخ الفراعنة.
الآن بعد أن أصبحت دراسة التاريخ تعتمد على وسائل التكنولوجيا والعلم الحديث في دراسة أحداث الماضي، وعندما استطاعت مجارف رجال الآثار الكشف عن الآلاف من البقايا والكتابات القديمة، حان الوقت كي نعيد فحص تاريخنا القديم لنضعه على أرض أكثر صلابة. وفي اعتقادي أن دراسة تاريخنا القديم هى الخطوة الأولى لاستعادة ذاكرتنا المفقودة، وإدراك هويتنا الحقيقية وفتح الطريق للبحث الحضاري الذي طال انتظاره.
صفحة 4
تقسيم خاطئ
يقسم التاريخ المصري عادة إلى ثلاثة أقسام: العصر الفرعوني (من حوالي 3150 إلى 332 قبل الميلاد)، العصر اليوناني الروماني (من 332 قبل الميلاد إلى 641 ميلادية)، العصر الإسلامي (من 641 وحتى وقتنا هذا). وكما يتبين لنا، فلا ذكر للعصر القبطي في هذا التقسيم للتاريخ المصري. ورغم أن بعض الباحثين وبعض المتاحف قد بدؤوا أخيراً يتحدثون عن العصر القبطي، فإن هذا العصر عندهم ليس له مكان في تتابع أحداث التاريخ المصري الذي يدرس في المعاهد والجامعات، أو فيما تنشر الموسوعات العالمية. وحتى بالنسبة إلى أولئك الباحثين الذين يتحدثون عن العصر القبطي، فلا يزال هذا العصر بدون حدود تاريخية محددة، بل هو متداخل مع فترتي الحكم الروماني والبيزنطي. ومن أهم أسباب اختفاء العصر القبطي من التاريخ المصري، هو أن الباحثين الكلاسيكيين اعتبروا القسم الثاني من التاريخ المصري يمثل تاريخ حضارة أجنبية وليست مصرية، حضارة يونانية ورومانية.
في هذا الكتاب سأحاول توضيح سبب هذا الوضع الشاذ وأبين أن ما يسمى الآن بالعصر الروماني للتاريخ المصري (30 ق.م - 641 م)، هو في الحقيقة يمثل العصر القبطي من تاريخ مصر، وسوف أقدم تقسيماً جديداً لتاريخ بلادنا يحل مكان التقسيم القديم، ينقسم كذلك إلى ثلاثة أقسام: فرعوني (من حوالي 3150 إلى 30ق.م)، قبطي (30ق.م - 641م) وإسلامي (641 إلى الوقت الحاضر). وأنا أستخدم كلمة "قبطي" هنا كما كانت الكلمة تستخدم في العصور القديمة، ليس للدلالة على المسيحي المصري، وإنما للدلالة على "المصري" بشكل عام. وعلى هذا يمثل العصر القبطي عندي الفترة ما بين نهاية الحكم الفرعوني في 30 ق. م.، وحتى وصول العرب المسلمين في 641 م.
أستخدم كلمة "قبطي" هنا بمعنى "مصري" كما كانت تستخدم في الأزمنة القديمة، حيث صارت لها دلالة دينية في وقتنا الحاضر بمعنى "مسيحي مصري". فالأقباط هم بشكل عام أحفاد المصريين القدماء، مثلهم في هذا مثل الغالبية العظمى من المصريين الذين اعتنقوا الإسلام. فقد استخدم الكتاب اليونان القدامى كلمة قبطي وأقباط للتعبير عن سكان مصر وشعبها. وكلمة Copt الإنجليزية مأخوذة عن الكلمة اليونانية Aiguptios وهي شكل الصفة للاسم Aiguptia أي مصر. ومن المفهوم أن Eiguptia هي بدورها مأخوذة عن اسم مدينة منف في مصر القديمة ها-كا-بتاح أي مقر روح بتاح، الكلمة التي استخدمها اليونانيون للدلالة على مصر كلها. ومن الناحية الأخرى، بينما استخدم العهد القديم من الكتاب المقدس الكلمة العبرية "مصرايم" للدلالة على بلادنا، استخدم القرآن كلمة مصر. ومع هذا فقد أطلق المؤرخون العرب الأوائل على المصريين كلمة "قبط"، وهي الكلمة التي صارت الآن ذات دلالة دينية وليست قومية.
وبالنسبة إلى التقسيم القائم حالياً للتاريخ المصري، ليس هناك خلاف فيما يتعلق بالعصر الإسلامي بينما يوجد الخلاف حول القسمين الآخرين. إذ يتضمن القسم المسمى بالعصر اليوناني الروماني ثلاثة أجزاء: عهد البطالمة وعهد الرومان وعهد البيزنطيين. ومن الواضح أن إطلاق اسم العصر اليوناني الروماني على هذه الفترة من التاريخ المصري يقوم على أساس عقائدي وليس على أساس من التاريخ، فكيف لأمة أن تحدد تاريخها بناء على أسماء الأجانب المحتلين لأرضها، وإلا لصار لدينا عصر هكسوسي وعصر ليبي وعصر فارسي وعصر لكل محتل سيطر بقواته على بلادنا. ونلاحظ هنا أن العصر الإسلامي لم يأخذ اسمه بسبب احتلال العرب لمصر، وإنما بسبب اعتناق أبناء الشعب المصري للإسلام في تلك الحقبة.
كان الكلاسيكيون الأوروبيون هم الذين قاموا بتحديد عصور التاريخ المصري خلال القرن التاسع عشر، ليس على أساس التطورات الداخلية والتغيرات التي حدثت في مجالات الثقافة والإدارة، بل على أساس تصورهم الخاص لطبيعة التاريخ المصري القديم. اعتقدوا أنه خلال تلك الفترة عندما سقطت البلاد تحت حكم أجنبي - للمقدونيين والرومان ثم البيزنطيين - اختفت عناصر الحضارة المصرية القديمة، وحلت مكانها عناصر جديدة لحضارة هيلينية يونانية، وهم يرون أن الحضارة المصرية القديمة انتهت من الوجود مع وصول الإسكندر الأكبر إلى أرض مصر في 332 قبل الميلاد، وفي ما يدعون أنه في تلك اللحظة نفسها حلت مكانها حضارة يونانية هيلينية استمرت - في رأيهم - حتى وصول العرب في 641 للميلاد.
"إذا ما سألنا لماذا جمع بطليموس الأول وخلفاؤه العديد من الباحثين والشعراء في بلاطهم، فلا تكفي الإشارة إلى الدوافع المعروفة جيداً لدى الملوك الآخرين الذين راعوا الفنون والعلوم، مثل الرغبة في تعظيم مركزهم في البلاط على سبيل المثال، لا بد لنا أيضاً الأخذ في الاعتبار أنه لم يكن ممكناً إظهار تفوق الثقافة اليونانية بطريقة أفضل، إلا عن طريق (العمل على) ازدهار الفنون والعلوم (اليونانية) في الإسكندرية، حتى يمكن تبرير الحكم المقدوني اليوناني على مصر. هذا الازدهار يثبت كذلك أن الثقافة اليونانية كانت لا تزال حية وفي حالة جيدة، بينما كانت الثقافة المصرية - التي لطالما أعجب بها اليونان المتعلمون كثيراً - قد ماتت منذ وقت طويل. فلم يهتم اليونان كثيراً بالمصريين الذين عاصروهم. من هذا المنظور يكون تأسيس ومساعدة المتحف السكندري تحقيقاً لسياسة ثقافية بمعنى الكلمة".(1)
إلا أن هذا الادعاء من جانب رودولف بلوم يتعارض تماماً مع الأدلة الأثرية الحديثة، والتي تؤكد أن الثقافة الفرعونية المصرية استمرت خلال فترة حكم البطالمة كما سنبين فيما بعد.
التاريخ المصري الحالي - كما هو قائم الآن - ينهي العصر الفرعوني مع وصول الإسكندر الأكبر وسقوط الأسرة 31 حوالي 332 قبل الميلاد، أي أنه يضع حكم البطالمة خارج العصر الفرعوني، فما الأسباب التي بررت للكلاسيكيين إخراج البطالمة خلفاء الإسكندر من العصر الفرعوني؟ فحتى نهاية القرن التاسع عشر كانت فترة حكم الملوك البطالمة تعتبر جزءاً من التاريخ المصري القديم، الذي لم ينته إلا بعد سقوط البطالمة سنة 30 قبل الميلاد، عندما خضعت مصر لسيطرة الرومان. ما الذي جعل مؤرخي القرن العشرين يغيرون هذا الوضع ويعتبرون البطالمة حكاماً أجانب مثلهم في ذلك مثل الرومان؟
يقسم التاريخ المصري عادة إلى ثلاثة أقسام: العصر الفرعوني (من حوالي 3150 إلى 332 قبل الميلاد)، العصر اليوناني الروماني (من 332 قبل الميلاد إلى 641 ميلادية)، العصر الإسلامي (من 641 وحتى وقتنا هذا). وكما يتبين لنا، فلا ذكر للعصر القبطي في هذا التقسيم للتاريخ المصري. ورغم أن بعض الباحثين وبعض المتاحف قد بدؤوا أخيراً يتحدثون عن العصر القبطي، فإن هذا العصر عندهم ليس له مكان في تتابع أحداث التاريخ المصري الذي يدرس في المعاهد والجامعات، أو فيما تنشر الموسوعات العالمية. وحتى بالنسبة إلى أولئك الباحثين الذين يتحدثون عن العصر القبطي، فلا يزال هذا العصر بدون حدود تاريخية محددة، بل هو متداخل مع فترتي الحكم الروماني والبيزنطي. ومن أهم أسباب اختفاء العصر القبطي من التاريخ المصري، هو أن الباحثين الكلاسيكيين اعتبروا القسم الثاني من التاريخ المصري يمثل تاريخ حضارة أجنبية وليست مصرية، حضارة يونانية ورومانية.
في هذا الكتاب سأحاول توضيح سبب هذا الوضع الشاذ وأبين أن ما يسمى الآن بالعصر الروماني للتاريخ المصري (30 ق.م - 641 م)، هو في الحقيقة يمثل العصر القبطي من تاريخ مصر، وسوف أقدم تقسيماً جديداً لتاريخ بلادنا يحل مكان التقسيم القديم، ينقسم كذلك إلى ثلاثة أقسام: فرعوني (من حوالي 3150 إلى 30ق.م)، قبطي (30ق.م - 641م) وإسلامي (641 إلى الوقت الحاضر). وأنا أستخدم كلمة "قبطي" هنا كما كانت الكلمة تستخدم في العصور القديمة، ليس للدلالة على المسيحي المصري، وإنما للدلالة على "المصري" بشكل عام. وعلى هذا يمثل العصر القبطي عندي الفترة ما بين نهاية الحكم الفرعوني في 30 ق. م.، وحتى وصول العرب المسلمين في 641 م.
أستخدم كلمة "قبطي" هنا بمعنى "مصري" كما كانت تستخدم في الأزمنة القديمة، حيث صارت لها دلالة دينية في وقتنا الحاضر بمعنى "مسيحي مصري". فالأقباط هم بشكل عام أحفاد المصريين القدماء، مثلهم في هذا مثل الغالبية العظمى من المصريين الذين اعتنقوا الإسلام. فقد استخدم الكتاب اليونان القدامى كلمة قبطي وأقباط للتعبير عن سكان مصر وشعبها. وكلمة Copt الإنجليزية مأخوذة عن الكلمة اليونانية Aiguptios وهي شكل الصفة للاسم Aiguptia أي مصر. ومن المفهوم أن Eiguptia هي بدورها مأخوذة عن اسم مدينة منف في مصر القديمة ها-كا-بتاح أي مقر روح بتاح، الكلمة التي استخدمها اليونانيون للدلالة على مصر كلها. ومن الناحية الأخرى، بينما استخدم العهد القديم من الكتاب المقدس الكلمة العبرية "مصرايم" للدلالة على بلادنا، استخدم القرآن كلمة مصر. ومع هذا فقد أطلق المؤرخون العرب الأوائل على المصريين كلمة "قبط"، وهي الكلمة التي صارت الآن ذات دلالة دينية وليست قومية.
وبالنسبة إلى التقسيم القائم حالياً للتاريخ المصري، ليس هناك خلاف فيما يتعلق بالعصر الإسلامي بينما يوجد الخلاف حول القسمين الآخرين. إذ يتضمن القسم المسمى بالعصر اليوناني الروماني ثلاثة أجزاء: عهد البطالمة وعهد الرومان وعهد البيزنطيين. ومن الواضح أن إطلاق اسم العصر اليوناني الروماني على هذه الفترة من التاريخ المصري يقوم على أساس عقائدي وليس على أساس من التاريخ، فكيف لأمة أن تحدد تاريخها بناء على أسماء الأجانب المحتلين لأرضها، وإلا لصار لدينا عصر هكسوسي وعصر ليبي وعصر فارسي وعصر لكل محتل سيطر بقواته على بلادنا. ونلاحظ هنا أن العصر الإسلامي لم يأخذ اسمه بسبب احتلال العرب لمصر، وإنما بسبب اعتناق أبناء الشعب المصري للإسلام في تلك الحقبة.
كان الكلاسيكيون الأوروبيون هم الذين قاموا بتحديد عصور التاريخ المصري خلال القرن التاسع عشر، ليس على أساس التطورات الداخلية والتغيرات التي حدثت في مجالات الثقافة والإدارة، بل على أساس تصورهم الخاص لطبيعة التاريخ المصري القديم. اعتقدوا أنه خلال تلك الفترة عندما سقطت البلاد تحت حكم أجنبي - للمقدونيين والرومان ثم البيزنطيين - اختفت عناصر الحضارة المصرية القديمة، وحلت مكانها عناصر جديدة لحضارة هيلينية يونانية، وهم يرون أن الحضارة المصرية القديمة انتهت من الوجود مع وصول الإسكندر الأكبر إلى أرض مصر في 332 قبل الميلاد، وفي ما يدعون أنه في تلك اللحظة نفسها حلت مكانها حضارة يونانية هيلينية استمرت - في رأيهم - حتى وصول العرب في 641 للميلاد.
"إذا ما سألنا لماذا جمع بطليموس الأول وخلفاؤه العديد من الباحثين والشعراء في بلاطهم، فلا تكفي الإشارة إلى الدوافع المعروفة جيداً لدى الملوك الآخرين الذين راعوا الفنون والعلوم، مثل الرغبة في تعظيم مركزهم في البلاط على سبيل المثال، لا بد لنا أيضاً الأخذ في الاعتبار أنه لم يكن ممكناً إظهار تفوق الثقافة اليونانية بطريقة أفضل، إلا عن طريق (العمل على) ازدهار الفنون والعلوم (اليونانية) في الإسكندرية، حتى يمكن تبرير الحكم المقدوني اليوناني على مصر. هذا الازدهار يثبت كذلك أن الثقافة اليونانية كانت لا تزال حية وفي حالة جيدة، بينما كانت الثقافة المصرية - التي لطالما أعجب بها اليونان المتعلمون كثيراً - قد ماتت منذ وقت طويل. فلم يهتم اليونان كثيراً بالمصريين الذين عاصروهم. من هذا المنظور يكون تأسيس ومساعدة المتحف السكندري تحقيقاً لسياسة ثقافية بمعنى الكلمة".(1)
إلا أن هذا الادعاء من جانب رودولف بلوم يتعارض تماماً مع الأدلة الأثرية الحديثة، والتي تؤكد أن الثقافة الفرعونية المصرية استمرت خلال فترة حكم البطالمة كما سنبين فيما بعد.
التاريخ المصري الحالي - كما هو قائم الآن - ينهي العصر الفرعوني مع وصول الإسكندر الأكبر وسقوط الأسرة 31 حوالي 332 قبل الميلاد، أي أنه يضع حكم البطالمة خارج العصر الفرعوني، فما الأسباب التي بررت للكلاسيكيين إخراج البطالمة خلفاء الإسكندر من العصر الفرعوني؟ فحتى نهاية القرن التاسع عشر كانت فترة حكم الملوك البطالمة تعتبر جزءاً من التاريخ المصري القديم، الذي لم ينته إلا بعد سقوط البطالمة سنة 30 قبل الميلاد، عندما خضعت مصر لسيطرة الرومان. ما الذي جعل مؤرخي القرن العشرين يغيرون هذا الوضع ويعتبرون البطالمة حكاماً أجانب مثلهم في ذلك مثل الرومان؟
صفحة 5
عندما نسأل: لماذا تم إبعاد الأسرة البطلمية من العصر الفرعوني، يكون الجواب عادة: لأن البطالمة كانوا أجانب وليسوا مصريين، إلا أن هذه الإجابة في الواقع مضللة، ذلك أن البطالمة لم يحكموا مصر كحكام أجانب نيابة عن مقدونيا، بل كانوا حكاماً محليين، تماماً مثل الأسرة المالكة حالياً في بريطانيا التي هي من أصل ألماني، وكما كانت أسرة محمد علي باشا - التي حكمت مصر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين - من أصل ألباني، بل إن هناك العديد من الأسرات التي تضمنها العصر الفرعوني كانت كلها من أصل أجنبي.
الأسرات 15 إلى 17 (1650-1550 ق. م.) كانت من الحكام الهكسوس ذوي الأصول الآسيوية. الأسرات 22-23 (945-715 ق. م.) كانت من أصل ليبي. الأسرة 25 (747-656 ق. م.) كانت نوبية الأصل. الأسرة 31، وهي التي اعتبروها آخر أسرات العصر الفرعوني، لم تكن أجنبية فحسب بل حكمت مصر كمستعمرة للإمبراطورية الفارسية، فقد غزا قمبيز الثاني مصر أولاً في 525 ق.م ثم وقعت مصر تحت الحكم الفارسي للمرة الثانية سنة 343 ق.م أيام حكم الملك نكتانبو الثاني من الأسرة 29، وهو آخر الفراعنة المصريين الذين حكموا البلاد، أما الأسرة 31 - وهي آخر أسرات العصر الفرعوني التي انتهى حكمها بقدوم الإسكندر في 332 ق.م فكانت تمثل ملوكاً من الفرس: آرتاكسيريكس الثالث 343-338 ق.م، آرتسيز 338-336 ق.م وداريوس الثالث 336-332 ق.م.
من الواضح أن استبعاد البطالمة - الذين اعتبروا أنفسهم ملوكاً مصريين منذ البداية - عن العصر الفرعوني ليس عائداً إلى كونهم من أصل أجنبي، فالسبب الحقيقي لاستبعاد البطالمة الذي جرى خلال القرن العشرين، عقائدي أيديولوجي، وليس تاريخياً. فلم يتبع الباحثون الكلاسيكيون التطور الطبيعي للتاريخ المصري، لكنهم اتبعوا فهمهم الخاص لما كان هذا التاريخ يمثل لديهم، أرادوا اعتبار البطالمة حكاماً يونانيين، حتى يتمكنوا من إثبات استنتاجهم الخاطئ بأن عاصمة البطالمة في الإسكندرية كانت مدينة يونانية، وعلى ذلك تكون ثقافة الإسكندرية يونانية هيلينية وليست مصرية، ومع هذا فإن تاريخ الملوك المقدونيين الذين حكموا مصر، ليس فقط مخالفاً لهذا الاستنتاج، بل يتعارض معه كلية، فلم يأت الإسكندر إلى مصر - كما يدعون - في مهمة لنشر الثقافة الهيلينية ونظامها الإداري في بلادنا، بل إنه شخصياً اعتنق العقائد المصرية وقام الكهنة بتتويجه فرعوناً في مدينة منف.
عندما وصل الإسكندر إلى مصر في نوفمبر 332، رحب به الشعب المصري كمحرر لبلادهم من اضطهاد الفرس، واضطر الحاكم الفارسي مازاسيز إلى الاستسلام، وقام الإسكندر بتقديم الأضحية إلى العجل أبيس المقدس في منف، عاصمة البلاد في ذلك الوقت، وهناك تم تتويجه بحسب التقاليد المصرية وارتدى تاج الأرضين الفرعوني، حيث قام الإسكندر بتطييب خاطر الكهنة وقبول العقائد المصرية، وأمضى الإسكندر ذلك الشتاء في تنظيم البلاد اعتماداً على حكام مصريين، بينما جعل الجيش تحت قيادة مقدونية منفصلة، وأعطى الإسكندر تعليماته لبناء مدينة الإسكندرية بالقرب من الفرع الغربي لدلتا النيل، بين البحر وبحيرة مريوط بحيث تحميها جزيرة فاروس في الشمال، سار الإسكندر بعد ذلك غرباً على شاطئ البحر، ثم نزل جنوباً داخل الصحراء الغربية لزيارة معبد آمون بواحة سيوة حيث أكد له كاهن النبوءة أنه ابن آمون، وكان ولاء الإسكندر لمعبود النبوءة في سيوة كاملاً، فبعد مضي عشر سنوات - بينما كان الإسكندر يموت في بابل - أمر بأن يؤخذ جسده إلى واحة سيوة، ويتم دفنه بالقرب من والده آمون. وبحسب ما أورده ديودوروس عندما دخل الإسكندر إلى المعبد بصحبة الكهنة ليشاهد الإله، خاطبه أحد من الكهنة الكبار قائلاً: حماك الرب يا بني، وهذا اللقب (ابني) جاء إليك من آمون نفسه. فأجاب الإسكندر: قبلت يا أبي، ولو جعلتني سيد العالم كله سوف أدعى ابنك دائماً.
بعد وفاة الإسكندر وهو بعد شاب صغير، نشب الصراع بين قادته حول اقتسام الإمبراطورية وقام سوتر (بطليموس الأول فيما بعد) باختطاف نعش الإمبراطور سنة 323 ق. م.، وجاء به إلى منف في مصر، حيث ثبت نفسه حاكماً للبلاد. وحكم سوتر مثل بقية القادة المقدونيين المتنازعين لتقسيم الإمبراطورية، باسم ورثة الإسكندر الشرعيين، فيليب آرهيديوس (المتخلف) - أخيه من أبيه - والإسكندر الرابع ابنه الطفل - من زوجته روكسان. وبعد موت ابن الإسكندر في ظروف غامضة، صار بطليموس حاكماً منفرداً لمصر. وبحسب ما أورده ديودورس الصقلي فإن بطليموس: أخذ حكم مصر دون مشكلات، وعامل الأهالي بلطف وجمع 8000 وزنة من المال، واستخدم قوة من الجند المرتزقة ونظم سلطته.(2)
وهناك نص هيروغليفي مهم: "مؤرخ للعام السابع للملك الإسكندر الصغير، وهو أول تقرير داخلي لدينا للحكم البطلمي يسمي سوتر)بطليموس): نص هيروغليفي يسميه حاكم عظيم اسمه بطليموس ... الذي أعاد تماثيل الآلهة (التي كان الفرس قد سرقوها) والتي وجدها في آسيا. كل الأثاث والكتب لكل المعابد في الشمال والجنوب، أعادها إلى أماكنها".(3) وبعد انتهاء الصراع بين قادة الإسكندر، أصبح بطليموس متفرداً في مصر وأخذ لقب الملك عام 305 ق. م. ونسمع عنه في كتابات الدلتا الهيروغليفية - خصوصاً في مسألة الحاكم - كملك فرعوني على الطريقة المصرية:
"في العام السابع للفيضان، وقدسية حورس الشاب الغني في قوته، سيد التيجان المحب للآلهة، الذين منحوه جلال والده، حورس الذهبي حاكم العالم، ملك مصر العليا ومصر السفلى، سيد الأرضين، مسرة قلب آمون الذي اختارته الشمس ابن رع، من الإسكندر الذي لا يموت ومن مدينة با وتب، الصديق.
إنه ملك في عالم غريب، كما كان قداسته داخل آسيا فكان حاكماً عظيماً في مصر، كان اسمه بطليموس ... فقد أعاد تماثيل الآلهة التي وجدها في آسيا مع الأثاث وكتب معابد شمال وجنوب مصر، أعادها إلى مواقعها. وجعل مقره قلعة الملك - محباً لاسم آمون الذي اختاره رع، ابن رع، الإسكندر ...
خاطبه وكيله وكبار مصر السفلى، في الأرض البحرية التي تسمى بوتو حيث وضع الملك تمثالاً لتانن مختار بتاح ابن رع ... خاطبوا قداسة الملك السيد وحورس ابن أوزوريس حاكم الحكام وملك الملوك لمصر العليا. ملك الملوك لمصر السفلى الذي انتقم لأبيه. سيد بي أصل الآلهة الذي لم يوجد ملك مثله ".(4)
وبحسب ديودوروس فإن بطليموس الأول كان حريصاً على تأكيد حقه الشرعي في الجلوس على عرش الفراعنة، وتقديم نفسه على أنه وريث شرعي لهم. وكان هذا هو السبب الذي جعله يأمر بأن يكون المعبود سرابس (وهو أوزوريس- أبيس عند المصريين)، هو الإله الرسمي لمدينة الإسكندرية، وعمل هو وخلفاؤه على تثبيت عقيدته. على هذا فإن الأسرة البطلمية التي حكمت مصر لثلاثة قرون قبل بدء التقويم الميلادي، لا تمثل حكماً أجنبياً واحتلالاً يونانياً كما يقول البعض، بل كانت أسرة مصرية من أصل أجنبي. وهم اعتبروا أنفسهم - كما اعتبرهم المصريون - خلفاء شرعيين للفراعنة. وبينما اعتمدوا في بداية حكمهم على المهاجرين من مقدونيا واليونان لإدارة البلاد، فقد تغير الأمر بعد ذلك تماماً - وخصوصاً منذ عهد بطليموس الرابع عند بداية القرن الثاني ق. م. - عندما أصبح المصريون أكثر أهمية سواء في الإدارة أو الجيش. "يخبرنا بوليبيوس إنه عندما كان فيلوباتر (بطليموس الرابع) يستعد للدفاع عن المملكة المصرية في مواجهة هجمات الملك السلوقي أنتيوجوس الثالث في هجومه (من سوريا) على فلسطين في 219- 218 (التي كانت تابعة لمصر) قام هو - أو بعض وزرائه - بتسليح 20 ألف جندي مصري في فيلق. ويضيف بوليبيوس أن نتيجة المساهمة الكبيرة التي قام بها الجنود المصريون في تحقيق النصر في معركة رفح في يونيو 217 (قبل الميلاد)، ثورة الأهالي التي استمرت بشكل متقطع لبضع سنوات ... ومن المعروف جيداً أن العناصر المصرية بدأت تسيطر على كل نواحي الحياة".(5)
الأسرات 15 إلى 17 (1650-1550 ق. م.) كانت من الحكام الهكسوس ذوي الأصول الآسيوية. الأسرات 22-23 (945-715 ق. م.) كانت من أصل ليبي. الأسرة 25 (747-656 ق. م.) كانت نوبية الأصل. الأسرة 31، وهي التي اعتبروها آخر أسرات العصر الفرعوني، لم تكن أجنبية فحسب بل حكمت مصر كمستعمرة للإمبراطورية الفارسية، فقد غزا قمبيز الثاني مصر أولاً في 525 ق.م ثم وقعت مصر تحت الحكم الفارسي للمرة الثانية سنة 343 ق.م أيام حكم الملك نكتانبو الثاني من الأسرة 29، وهو آخر الفراعنة المصريين الذين حكموا البلاد، أما الأسرة 31 - وهي آخر أسرات العصر الفرعوني التي انتهى حكمها بقدوم الإسكندر في 332 ق.م فكانت تمثل ملوكاً من الفرس: آرتاكسيريكس الثالث 343-338 ق.م، آرتسيز 338-336 ق.م وداريوس الثالث 336-332 ق.م.
من الواضح أن استبعاد البطالمة - الذين اعتبروا أنفسهم ملوكاً مصريين منذ البداية - عن العصر الفرعوني ليس عائداً إلى كونهم من أصل أجنبي، فالسبب الحقيقي لاستبعاد البطالمة الذي جرى خلال القرن العشرين، عقائدي أيديولوجي، وليس تاريخياً. فلم يتبع الباحثون الكلاسيكيون التطور الطبيعي للتاريخ المصري، لكنهم اتبعوا فهمهم الخاص لما كان هذا التاريخ يمثل لديهم، أرادوا اعتبار البطالمة حكاماً يونانيين، حتى يتمكنوا من إثبات استنتاجهم الخاطئ بأن عاصمة البطالمة في الإسكندرية كانت مدينة يونانية، وعلى ذلك تكون ثقافة الإسكندرية يونانية هيلينية وليست مصرية، ومع هذا فإن تاريخ الملوك المقدونيين الذين حكموا مصر، ليس فقط مخالفاً لهذا الاستنتاج، بل يتعارض معه كلية، فلم يأت الإسكندر إلى مصر - كما يدعون - في مهمة لنشر الثقافة الهيلينية ونظامها الإداري في بلادنا، بل إنه شخصياً اعتنق العقائد المصرية وقام الكهنة بتتويجه فرعوناً في مدينة منف.
عندما وصل الإسكندر إلى مصر في نوفمبر 332، رحب به الشعب المصري كمحرر لبلادهم من اضطهاد الفرس، واضطر الحاكم الفارسي مازاسيز إلى الاستسلام، وقام الإسكندر بتقديم الأضحية إلى العجل أبيس المقدس في منف، عاصمة البلاد في ذلك الوقت، وهناك تم تتويجه بحسب التقاليد المصرية وارتدى تاج الأرضين الفرعوني، حيث قام الإسكندر بتطييب خاطر الكهنة وقبول العقائد المصرية، وأمضى الإسكندر ذلك الشتاء في تنظيم البلاد اعتماداً على حكام مصريين، بينما جعل الجيش تحت قيادة مقدونية منفصلة، وأعطى الإسكندر تعليماته لبناء مدينة الإسكندرية بالقرب من الفرع الغربي لدلتا النيل، بين البحر وبحيرة مريوط بحيث تحميها جزيرة فاروس في الشمال، سار الإسكندر بعد ذلك غرباً على شاطئ البحر، ثم نزل جنوباً داخل الصحراء الغربية لزيارة معبد آمون بواحة سيوة حيث أكد له كاهن النبوءة أنه ابن آمون، وكان ولاء الإسكندر لمعبود النبوءة في سيوة كاملاً، فبعد مضي عشر سنوات - بينما كان الإسكندر يموت في بابل - أمر بأن يؤخذ جسده إلى واحة سيوة، ويتم دفنه بالقرب من والده آمون. وبحسب ما أورده ديودوروس عندما دخل الإسكندر إلى المعبد بصحبة الكهنة ليشاهد الإله، خاطبه أحد من الكهنة الكبار قائلاً: حماك الرب يا بني، وهذا اللقب (ابني) جاء إليك من آمون نفسه. فأجاب الإسكندر: قبلت يا أبي، ولو جعلتني سيد العالم كله سوف أدعى ابنك دائماً.
بعد وفاة الإسكندر وهو بعد شاب صغير، نشب الصراع بين قادته حول اقتسام الإمبراطورية وقام سوتر (بطليموس الأول فيما بعد) باختطاف نعش الإمبراطور سنة 323 ق. م.، وجاء به إلى منف في مصر، حيث ثبت نفسه حاكماً للبلاد. وحكم سوتر مثل بقية القادة المقدونيين المتنازعين لتقسيم الإمبراطورية، باسم ورثة الإسكندر الشرعيين، فيليب آرهيديوس (المتخلف) - أخيه من أبيه - والإسكندر الرابع ابنه الطفل - من زوجته روكسان. وبعد موت ابن الإسكندر في ظروف غامضة، صار بطليموس حاكماً منفرداً لمصر. وبحسب ما أورده ديودورس الصقلي فإن بطليموس: أخذ حكم مصر دون مشكلات، وعامل الأهالي بلطف وجمع 8000 وزنة من المال، واستخدم قوة من الجند المرتزقة ونظم سلطته.(2)
وهناك نص هيروغليفي مهم: "مؤرخ للعام السابع للملك الإسكندر الصغير، وهو أول تقرير داخلي لدينا للحكم البطلمي يسمي سوتر)بطليموس): نص هيروغليفي يسميه حاكم عظيم اسمه بطليموس ... الذي أعاد تماثيل الآلهة (التي كان الفرس قد سرقوها) والتي وجدها في آسيا. كل الأثاث والكتب لكل المعابد في الشمال والجنوب، أعادها إلى أماكنها".(3) وبعد انتهاء الصراع بين قادة الإسكندر، أصبح بطليموس متفرداً في مصر وأخذ لقب الملك عام 305 ق. م. ونسمع عنه في كتابات الدلتا الهيروغليفية - خصوصاً في مسألة الحاكم - كملك فرعوني على الطريقة المصرية:
"في العام السابع للفيضان، وقدسية حورس الشاب الغني في قوته، سيد التيجان المحب للآلهة، الذين منحوه جلال والده، حورس الذهبي حاكم العالم، ملك مصر العليا ومصر السفلى، سيد الأرضين، مسرة قلب آمون الذي اختارته الشمس ابن رع، من الإسكندر الذي لا يموت ومن مدينة با وتب، الصديق.
إنه ملك في عالم غريب، كما كان قداسته داخل آسيا فكان حاكماً عظيماً في مصر، كان اسمه بطليموس ... فقد أعاد تماثيل الآلهة التي وجدها في آسيا مع الأثاث وكتب معابد شمال وجنوب مصر، أعادها إلى مواقعها. وجعل مقره قلعة الملك - محباً لاسم آمون الذي اختاره رع، ابن رع، الإسكندر ...
خاطبه وكيله وكبار مصر السفلى، في الأرض البحرية التي تسمى بوتو حيث وضع الملك تمثالاً لتانن مختار بتاح ابن رع ... خاطبوا قداسة الملك السيد وحورس ابن أوزوريس حاكم الحكام وملك الملوك لمصر العليا. ملك الملوك لمصر السفلى الذي انتقم لأبيه. سيد بي أصل الآلهة الذي لم يوجد ملك مثله ".(4)
وبحسب ديودوروس فإن بطليموس الأول كان حريصاً على تأكيد حقه الشرعي في الجلوس على عرش الفراعنة، وتقديم نفسه على أنه وريث شرعي لهم. وكان هذا هو السبب الذي جعله يأمر بأن يكون المعبود سرابس (وهو أوزوريس- أبيس عند المصريين)، هو الإله الرسمي لمدينة الإسكندرية، وعمل هو وخلفاؤه على تثبيت عقيدته. على هذا فإن الأسرة البطلمية التي حكمت مصر لثلاثة قرون قبل بدء التقويم الميلادي، لا تمثل حكماً أجنبياً واحتلالاً يونانياً كما يقول البعض، بل كانت أسرة مصرية من أصل أجنبي. وهم اعتبروا أنفسهم - كما اعتبرهم المصريون - خلفاء شرعيين للفراعنة. وبينما اعتمدوا في بداية حكمهم على المهاجرين من مقدونيا واليونان لإدارة البلاد، فقد تغير الأمر بعد ذلك تماماً - وخصوصاً منذ عهد بطليموس الرابع عند بداية القرن الثاني ق. م. - عندما أصبح المصريون أكثر أهمية سواء في الإدارة أو الجيش. "يخبرنا بوليبيوس إنه عندما كان فيلوباتر (بطليموس الرابع) يستعد للدفاع عن المملكة المصرية في مواجهة هجمات الملك السلوقي أنتيوجوس الثالث في هجومه (من سوريا) على فلسطين في 219- 218 (التي كانت تابعة لمصر) قام هو - أو بعض وزرائه - بتسليح 20 ألف جندي مصري في فيلق. ويضيف بوليبيوس أن نتيجة المساهمة الكبيرة التي قام بها الجنود المصريون في تحقيق النصر في معركة رفح في يونيو 217 (قبل الميلاد)، ثورة الأهالي التي استمرت بشكل متقطع لبضع سنوات ... ومن المعروف جيداً أن العناصر المصرية بدأت تسيطر على كل نواحي الحياة".(5)
صفحة 6
ومن المعروف كذلك أن البطالمة منذ بداية حكمهم، أقاموا علاقة وطيدة مع الكهنة المصريين الذين امتدت سلطتهم على كل البلاد، كما قام البطالمة بإصلاح وترميم المعابد الفرعونية وأضافوا إليها معابد جديدة شيدوها، أهمها في إدفو، إسنا، دندرة، فيلة، كوم إمبو، واستمر البطالمة طوال فترة حكمهم في بناء المعابد على الطريقة الفرعونية وتقديم القرابين إلى الآلهة الفرعونية، كما ضمنوا للمعابد استمرار ريعها الذي كان قائماً من قبل.
الزعم إذاً بأن الإسكندر وخلفاءه أحلوا حضارة وثقافة هيلينية مكان الحضارة المصرية الفرعونية لا تدعمه الأدلة التاريخية المتوفرة لدينا. وعلى خلاف هذا الزعم، فإن الإسكندر والبطالمة حافظوا على التقاليد الفرعونية كما كانت. بل إن البطالمة أخذوا نظام الإدارة المصري كما هو دون تغيير يذكر، وكان تتويجهم للعرش يتم بالطقوس نفسها الفرعونية القديمة. فقد ظل نظام إدارة البلاد في عهد البطالمة فرعونياً في جوهره، مع استخدام جهاز من الكتبة المصريين الذين يحسنون اللغتين المصرية واليونانية، تم تقسيم البلاد إلى أكثر من 30 إقليماً مع تقسيمات أخرى للمناطق والقرى، كما احتفظ الكهنة المصريون بمواقعهم المهمة ونفوذهم وثرائهم، واستمر العمل بالقوانين المصرية ونظم الإدارة والقضاء التي خضع لها الغالبية العظمى من المواطنين، إلى جانب بعض القوانين الملكية الجديدة التي صدرت بها مراسيم وقوانين في مواضيع خاصة. وفي الأمور العسكرية - ورغم أن البطالمة كان لهم في البداية جيش مكون من المقدونيين والجنود المرتزقة من اليونان والبلقان والكريتيين - فقد تغير الوضع بعد ذلك منذ أوائل القرن الثاني ق. م.، حيث تم تجنيد المقاتلين المصريين في الجيش.
في الجانب الثقافي، استمرت الموضوعات المصرية هي السائدة سواء في الفن أو الدين. وفي راقودة (وهي القرية المصرية التي كانت قائمة غرب مدينة الإسكندرية قبل بنائها، واستمرت بعد ذلك تمثل الحي المصري في المدينة الجديدة) تم إقامة معبد سرابس فوق ربوة مرتفعة وهنا كان السكندريون يتعبدون بحسب الطقوس التي حددها الكهنة المصريون التي ورثوها عن أجدادهم منذ مئات السنين.
"في حي راقودة المصري القديم على ارتفاع بسيط تم توسيعه، وبثراء من الرخام المصري والمواد النادرة التي جمعتها المعابد الكهنوتية بولائها، ارتفع معبد سرابس. كان هذا هو أروع بناء في الإسكندرية، يطل على العاصمة التي يشرف على كل أقسامها من موقعه الغربي. وهنا كان السكان المصريون واليونان يتعبدون عند مذابح واحدة".(6)
وتبعاً للتقاليد الفرعونية مارس العديد من ملوك البطالمة عادة زواج الملك لأخته، منذ عهد بطليموس الثاني. ولم تكن العائلة البطلمية فقط هي التي تبنت عناصر الحضارة المصرية، فقد اعتنق المهاجرون اليونان العاديون عناصر الثقافة المصرية، وخصوصاً في المسائل المتعلقة بالدين ودفن الموتى: "هذا الاستيعاب (لعناصر الحضارة المصرية) انتشر منذ اللحظة الأولى داخل الطبقات الأمية والدنيا، وهي هنا كانت غريبة بالنسبة إلى اليونان، لكنهم تحولوا ببطء - عن طريق الزواج المشترك والتوافق الديني - إلى نموذج تكرر في أماكن أخرى من العالم.
ظلت كتب التاريخ حتى القرن العشرين في العصر الحديث، تعتبر ملوك البطالمة من بين الفراعنة. وقد ضمن جورج آر جليدون (1837-1841) الملوك والملكات البطالمة في قائمة ملوك مصر القدماء، وهو من رجال الآثار البريطانيين الذين عملوا في مصر، كما ضمن جيمس هنري بريستد (وهو عالم أمريكي للمصريات) الإسكندر الأكبر وخلفاءه البطالمة في قائمة الملوك المصريين في كتابه "تاريخ مصر" الذي نشر في 1906م. لكن الموقف تغير تماماً عندما تولى الباحثون الكلاسيكيون (الذين اعتبروا أن اليونان تمثل أصل الحضارة الحديثة) كتابة التاريخ المصري. فقد أصر الكلاسيكيون ومن تبعوهم على اعتبار البطالمة ملوكاً أجانب في مصر، جاؤوا في مهمة لنشر الثقافة اليونانية في البلاد. فرغم أن الحضارة الكلاسيكية اليونانية انتهت مع وفاة الفيلسوف أرسطو عند نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، زعم الكلاسيكيون أن نوعاً جديداً من حضارة اليونان - الحضارة الهيلينية- بدأت خارج الأرض اليونانية في الممالك المقدونية، وبخاصة في الإسكندرية، لهذا اعتبر الكلاسيكيون الفترة ما بين وصول الإسكندر إلى مصر في 332 ق.م. والغزو الروماني لمصر في 30 ق.م، هي عصر الحضارة الهيلينية.
التطور العام الذي حدث في القرن الخامس عشر، وأخرج أوروبا من ظلام العصور الوسطى إلى عصر النهضة - رينيسانس - تم نتيجة لإحياء حكمة المصريين القدماء، خصوصاً ما يتعلق منها بالفلسفات الأفلاطونية الجديدة والهرمسية (المتعلقة بهرمس - توت - إله المعرفة) عندئذ كان الأوروبيون ينظرون إلى المصريين القدماء باعتبارهم أصل الحكمة والفنون، ويعتبرون الإسكندرية وثقافتها بمثابة تطور طبيعي للحضارة الفرعونية القديمة. فعندما وصلت بعض الكتابات الهرمسية في 1460 إلى بلاط كوزيمو مديسي حاكم مدينة فلونسا الإيطالية، تمت ترجمتها من اليونانية إلى اللاتينية. وأصبحت هذه الكتابات والأفكار التي تحتويها مركز الحركة الأفلاطونية الجديدة التي بدأها فيشينو الذي تولى ترجمة هذه الكتابات، والتي صارت بعد ذلك نقطة البداية لعصر النهضة. في ذلك الوقت قام عالم الفلك البولندي نيكولاس كوبورنيكوس بطرح نظريته التي تقول بدوران الأرض حول الشمس، التي أدت إلى العودة إلى عقيدة الطبيعة الأصلية لمصر القديمة.
إلا أن الوضع تغير بعد ذلك في القرن التاسع عشر، حيث رفض الكلاسيكيون أفكار عصر النهضة فيما يتعلق بالأصل المصري للحضارة، كما رفضوا قبول كتابات اليونان القدماء الذين تحدثوا عن التأثير الفرعوني على الفكر الغربي، وكما كتب جون بيرنت: "الفكرة الشائعة حتى الآن هي أن اليونان أخذوا فلسفتهم بشكل ما عن مصر وبابل، لهذا لا بد لنا من محاولة تفهم ماذا تعني هذه الفكرة حقيقة ... فمعظم ما تم اعتباره شرقياً قد يكون محلياً. أما فيما يتعلق بالتأثير المتأخر، فلا بد لنا أن نصر على عدم وجود أي كاتب في عصر نمو الفلسفة اليونانية يعرف شيئاً عن قدومها من الشرق ... فأفلاطون الذي كان يحترم المصريين لأسباب أخرى، يصنفهم كأناس عمليين وليس كفلاسفة، ولم يتحدث أرسطو سوى عن أصل الرياضيات في مصر ... ولم يحدث إلا متأخراً عندما بدأ الكهنة المصريون ويهود الإسكندرية يتنافسون لاكتشاف أصل الفلسفة اليونانية في تاريخهم الخاص، عند ذلك ظهرت روايات تقول بأن الفلسفة اليونانية جاءت من فينيقيا أو مصر".(7)
في العصر الحديث تم تأكيد الطبيعة الفرعونية لمصر البطلمية، بفضل أعمال البحث الأثري كما سيتضح لنا فيما بعد، وقد تحدث الباحث البريطاني بيتر جرين عن هذا الموضوع فكتب يقول:
"من الصعب متابعة انتشار الأفكار الثقافية اليونانية في... الشرق بأية ثقة حقيقية وتفسير أدبي حقيقي بين الثقافة اليونانية والثقافات الأخرى، فليس هناك أي أثر لهذا، فمن ناحية فإن الترجمة الأدبية (عن اليونانية)... تبدو غير موجودة، وهي علامة مؤكدة على الاختلاف في الذوق... ففي مجال الفنون المرئية والعمارة والموسيقى (وهو المجال الذي يوجد فيه القليل من الأدلة المكتوبة) توحي بتأثير النماذج والأدوات الشرقية على اليونانية، حتى في مجال الفن والمعمار، فما يشار إليه عادة كدليل على انتشار (الثقافة اليونانية) بهذه الطريقة ليس هو كذلك".(8)
كما بينت الدراسات الحديثة عدم صدق ما قال به الباحثون الكلاسيكيون: "بدلاً من اعتبار وصول الإسكندر الأكبر وقائده بطليموس ممثلاً خطاً فاصلاً في التاريخ المصري، يمكن القول بأنه برغم أنه من المؤكد حدوث بعض التغييرات السياسية المهمة فيما بين منتصف الألف الأول قبل الميلاد ومنتصف الألف الميلادي الأول، فإن هذه التغيرات جرت ضمن عملية تدرج مريح نسبياً لتغييرات اجتماعية واقتصادية، وقد تكون عناصر مهمة من الحضارة الفرعونية قد عاشت - تقريباً كما هي - لآلاف السنين، بعد مرورها بتغييرات سياسية وثقافية عند بداية العصر الإسلامي في 641 ميلادية".(9)
الزعم إذاً بأن الإسكندر وخلفاءه أحلوا حضارة وثقافة هيلينية مكان الحضارة المصرية الفرعونية لا تدعمه الأدلة التاريخية المتوفرة لدينا. وعلى خلاف هذا الزعم، فإن الإسكندر والبطالمة حافظوا على التقاليد الفرعونية كما كانت. بل إن البطالمة أخذوا نظام الإدارة المصري كما هو دون تغيير يذكر، وكان تتويجهم للعرش يتم بالطقوس نفسها الفرعونية القديمة. فقد ظل نظام إدارة البلاد في عهد البطالمة فرعونياً في جوهره، مع استخدام جهاز من الكتبة المصريين الذين يحسنون اللغتين المصرية واليونانية، تم تقسيم البلاد إلى أكثر من 30 إقليماً مع تقسيمات أخرى للمناطق والقرى، كما احتفظ الكهنة المصريون بمواقعهم المهمة ونفوذهم وثرائهم، واستمر العمل بالقوانين المصرية ونظم الإدارة والقضاء التي خضع لها الغالبية العظمى من المواطنين، إلى جانب بعض القوانين الملكية الجديدة التي صدرت بها مراسيم وقوانين في مواضيع خاصة. وفي الأمور العسكرية - ورغم أن البطالمة كان لهم في البداية جيش مكون من المقدونيين والجنود المرتزقة من اليونان والبلقان والكريتيين - فقد تغير الوضع بعد ذلك منذ أوائل القرن الثاني ق. م.، حيث تم تجنيد المقاتلين المصريين في الجيش.
في الجانب الثقافي، استمرت الموضوعات المصرية هي السائدة سواء في الفن أو الدين. وفي راقودة (وهي القرية المصرية التي كانت قائمة غرب مدينة الإسكندرية قبل بنائها، واستمرت بعد ذلك تمثل الحي المصري في المدينة الجديدة) تم إقامة معبد سرابس فوق ربوة مرتفعة وهنا كان السكندريون يتعبدون بحسب الطقوس التي حددها الكهنة المصريون التي ورثوها عن أجدادهم منذ مئات السنين.
"في حي راقودة المصري القديم على ارتفاع بسيط تم توسيعه، وبثراء من الرخام المصري والمواد النادرة التي جمعتها المعابد الكهنوتية بولائها، ارتفع معبد سرابس. كان هذا هو أروع بناء في الإسكندرية، يطل على العاصمة التي يشرف على كل أقسامها من موقعه الغربي. وهنا كان السكان المصريون واليونان يتعبدون عند مذابح واحدة".(6)
وتبعاً للتقاليد الفرعونية مارس العديد من ملوك البطالمة عادة زواج الملك لأخته، منذ عهد بطليموس الثاني. ولم تكن العائلة البطلمية فقط هي التي تبنت عناصر الحضارة المصرية، فقد اعتنق المهاجرون اليونان العاديون عناصر الثقافة المصرية، وخصوصاً في المسائل المتعلقة بالدين ودفن الموتى: "هذا الاستيعاب (لعناصر الحضارة المصرية) انتشر منذ اللحظة الأولى داخل الطبقات الأمية والدنيا، وهي هنا كانت غريبة بالنسبة إلى اليونان، لكنهم تحولوا ببطء - عن طريق الزواج المشترك والتوافق الديني - إلى نموذج تكرر في أماكن أخرى من العالم.
ظلت كتب التاريخ حتى القرن العشرين في العصر الحديث، تعتبر ملوك البطالمة من بين الفراعنة. وقد ضمن جورج آر جليدون (1837-1841) الملوك والملكات البطالمة في قائمة ملوك مصر القدماء، وهو من رجال الآثار البريطانيين الذين عملوا في مصر، كما ضمن جيمس هنري بريستد (وهو عالم أمريكي للمصريات) الإسكندر الأكبر وخلفاءه البطالمة في قائمة الملوك المصريين في كتابه "تاريخ مصر" الذي نشر في 1906م. لكن الموقف تغير تماماً عندما تولى الباحثون الكلاسيكيون (الذين اعتبروا أن اليونان تمثل أصل الحضارة الحديثة) كتابة التاريخ المصري. فقد أصر الكلاسيكيون ومن تبعوهم على اعتبار البطالمة ملوكاً أجانب في مصر، جاؤوا في مهمة لنشر الثقافة اليونانية في البلاد. فرغم أن الحضارة الكلاسيكية اليونانية انتهت مع وفاة الفيلسوف أرسطو عند نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، زعم الكلاسيكيون أن نوعاً جديداً من حضارة اليونان - الحضارة الهيلينية- بدأت خارج الأرض اليونانية في الممالك المقدونية، وبخاصة في الإسكندرية، لهذا اعتبر الكلاسيكيون الفترة ما بين وصول الإسكندر إلى مصر في 332 ق.م. والغزو الروماني لمصر في 30 ق.م، هي عصر الحضارة الهيلينية.
التطور العام الذي حدث في القرن الخامس عشر، وأخرج أوروبا من ظلام العصور الوسطى إلى عصر النهضة - رينيسانس - تم نتيجة لإحياء حكمة المصريين القدماء، خصوصاً ما يتعلق منها بالفلسفات الأفلاطونية الجديدة والهرمسية (المتعلقة بهرمس - توت - إله المعرفة) عندئذ كان الأوروبيون ينظرون إلى المصريين القدماء باعتبارهم أصل الحكمة والفنون، ويعتبرون الإسكندرية وثقافتها بمثابة تطور طبيعي للحضارة الفرعونية القديمة. فعندما وصلت بعض الكتابات الهرمسية في 1460 إلى بلاط كوزيمو مديسي حاكم مدينة فلونسا الإيطالية، تمت ترجمتها من اليونانية إلى اللاتينية. وأصبحت هذه الكتابات والأفكار التي تحتويها مركز الحركة الأفلاطونية الجديدة التي بدأها فيشينو الذي تولى ترجمة هذه الكتابات، والتي صارت بعد ذلك نقطة البداية لعصر النهضة. في ذلك الوقت قام عالم الفلك البولندي نيكولاس كوبورنيكوس بطرح نظريته التي تقول بدوران الأرض حول الشمس، التي أدت إلى العودة إلى عقيدة الطبيعة الأصلية لمصر القديمة.
إلا أن الوضع تغير بعد ذلك في القرن التاسع عشر، حيث رفض الكلاسيكيون أفكار عصر النهضة فيما يتعلق بالأصل المصري للحضارة، كما رفضوا قبول كتابات اليونان القدماء الذين تحدثوا عن التأثير الفرعوني على الفكر الغربي، وكما كتب جون بيرنت: "الفكرة الشائعة حتى الآن هي أن اليونان أخذوا فلسفتهم بشكل ما عن مصر وبابل، لهذا لا بد لنا من محاولة تفهم ماذا تعني هذه الفكرة حقيقة ... فمعظم ما تم اعتباره شرقياً قد يكون محلياً. أما فيما يتعلق بالتأثير المتأخر، فلا بد لنا أن نصر على عدم وجود أي كاتب في عصر نمو الفلسفة اليونانية يعرف شيئاً عن قدومها من الشرق ... فأفلاطون الذي كان يحترم المصريين لأسباب أخرى، يصنفهم كأناس عمليين وليس كفلاسفة، ولم يتحدث أرسطو سوى عن أصل الرياضيات في مصر ... ولم يحدث إلا متأخراً عندما بدأ الكهنة المصريون ويهود الإسكندرية يتنافسون لاكتشاف أصل الفلسفة اليونانية في تاريخهم الخاص، عند ذلك ظهرت روايات تقول بأن الفلسفة اليونانية جاءت من فينيقيا أو مصر".(7)
في العصر الحديث تم تأكيد الطبيعة الفرعونية لمصر البطلمية، بفضل أعمال البحث الأثري كما سيتضح لنا فيما بعد، وقد تحدث الباحث البريطاني بيتر جرين عن هذا الموضوع فكتب يقول:
"من الصعب متابعة انتشار الأفكار الثقافية اليونانية في... الشرق بأية ثقة حقيقية وتفسير أدبي حقيقي بين الثقافة اليونانية والثقافات الأخرى، فليس هناك أي أثر لهذا، فمن ناحية فإن الترجمة الأدبية (عن اليونانية)... تبدو غير موجودة، وهي علامة مؤكدة على الاختلاف في الذوق... ففي مجال الفنون المرئية والعمارة والموسيقى (وهو المجال الذي يوجد فيه القليل من الأدلة المكتوبة) توحي بتأثير النماذج والأدوات الشرقية على اليونانية، حتى في مجال الفن والمعمار، فما يشار إليه عادة كدليل على انتشار (الثقافة اليونانية) بهذه الطريقة ليس هو كذلك".(8)
كما بينت الدراسات الحديثة عدم صدق ما قال به الباحثون الكلاسيكيون: "بدلاً من اعتبار وصول الإسكندر الأكبر وقائده بطليموس ممثلاً خطاً فاصلاً في التاريخ المصري، يمكن القول بأنه برغم أنه من المؤكد حدوث بعض التغييرات السياسية المهمة فيما بين منتصف الألف الأول قبل الميلاد ومنتصف الألف الميلادي الأول، فإن هذه التغيرات جرت ضمن عملية تدرج مريح نسبياً لتغييرات اجتماعية واقتصادية، وقد تكون عناصر مهمة من الحضارة الفرعونية قد عاشت - تقريباً كما هي - لآلاف السنين، بعد مرورها بتغييرات سياسية وثقافية عند بداية العصر الإسلامي في 641 ميلادية".(9)
صفحة 7
هل كانت الإسكندرية يونانية؟!
يعتبر المؤرخون الكلاسيكيون أن الإسكندرية لم تكن جزءاً من الأرض المصرية، بل كانت مدينة يونانية بنيت عند حدود مصر، وهذا هو الرأي السائد اليوم في جميع مراكز دراسة التاريخ في العالم. ولهذا فإذا أردت الحصول على كتاب يتعلق بتاريخ الإسكندرية في أية مكتبة أو متحف في العالم، فأنت لا تجده في القسم المصري وإنما في القسم اليوناني، وهذا هو ما يؤكده بيتر جرين أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة تكساس عندما يقول: "لم تكن الإسكندرية في مصر بل كانت عندها".(10) لكن هذا الرأي لم يظهر لدى الباحثين إلا منذ منتصف القرن التاسع عشر، بينما كانت الإسكندرية قبل ذلك التاريخ تعتبر دائماً مدينة مصرية وجزءاً من تاريخ مصر الفرعوني. ففي قرار صدر عن سكان مدينة ديلوس عندما كانت الجزيرة خاضعة لبطليموس الثاني، ورد ذكر "الإسكندرية التابعة لمصر".(11) وليس هناك مصدر واحد من المصادر الكلاسيكية يتحدث عن الإسكندرية على أنها مدينة يونانية. وقد تحدث ثلاثة من الكتاب الذين زاروا الإسكندرية عن وضع المدينة في عهد البطالمة، وكتبوا عن تاريخها في تلك الفترة، وهم بوليبيوس وديودوروس واسترابوا، الذين تحدثوا جميعاً عن الطبيعة المصرية لهذه المدينة التي يسكنها أناس من جميع أنحاء العالم.
بوليبيوس هو سياسي ومؤرخ يوناني شاهد سقوط المدن اليونانية تحت سلطة الرومان، وزار الإسكندرية بين 145 و 116 قبل الميلاد، وكتب بوليبيوس يصف ما شاهده شخصياً في الإسكندرية خلال زيارته، ومع هذا فهو لم يتحدث عن المدينة باعتبارها يونانية، بل على العكس من ذلك تماماً، فقد ذكر أن المدينة التي زارها خلال القرن الثاني قبل الميلاد، كان طابعها مصرياً أكثر منه يونانياً: "زيارة خاصة للإسكندرية ملأتني بالنفور... فالمدينة... يسكنها ثلاثة أجناس - المواطنون المصريون وهم جنس ذكي متحضر، والجنس الثاني من الجنود المرتزقة... الذين تعلموا كيف يتحكمون بدلاً من أن يطيعوا (الأوامر) نتيجة للشخصية الضعيفة للملوك، والجنس الثالث هم السكندريون... وهم أفضل من الجنس الثاني، فرغم كونهم جنساً مختلطاً، فهم أصلاً من اليونان كما احتفظوا بمجموعة من المبادئ اليونانية، لكن هذا الجنس الأخير يكاد يكون قد انقرض بفضل يورجيتس فيسون (بطليموس الثامن)، الذي زرت الإسكندرية في عهده".(12)
كما تحدث استرابو الجغرافي الذي زار الإسكندرية بعد بضع سنوات من سقوطها في يد الرومان عن هذه المدينة - كما رآها حوالي سنة 25 قبل الميلاد - مؤكداً أنها كانت مصرية وليست يونانية: "من المستحيل تحديد ما إذا كانت الإسكندرية (التي هي) في مصر، تقع شمالي أو جنوبي بابل".(13)
ليس هناك مصدر كلاسيكي واحد يعود إلى فترة البطالمة يتحدث عن الإسكندرية بوصفها "عند" مصر. بل على العكس - كما رأينا من أدلة بوليبيوس واسترابوا - كما كانت الإسكندرية هي عاصمة البلاد بها المقر الملكي، فهي جزء من مصر جغرافياً وثقافياً، وعلى هذا فلا يوجد دليل يدعم الزعم بأن الإسكندرية نشأت كمدينة يونانية، مستقلة عن بقية الأراضي المصرية. حقاً كانت الإسكندرية مدينة ذات أجناس متعددة - كوزموبوليتان - جرى بناؤها لتحقيق حلم الإسكندر الأكبر في التوافق بين الشعوب، هنا عاش المصريون جنباً إلى جنب مع المقدونيين واليونان واليهود والعرب الأقباط والفينيقيين والليبيين والفرس والأفارقة. ورغم انتمائهم إلى أعراق مختلفة، فقد عملوا سوياً لإنتاج أول نهضة حضارية في تاريخ البشر، وأصبح معبد السرابيوم بالإسكندرية مركزاً عالمياً للمعرفة والحكمة واحتوت مكتبته نسخاً لكل فروع المعرفة، جرى تجميعها في مكان واحد من كل مصادر الحضارات القديمة، فهنا تم التعرف للمرة الأولى إلى توراة موسى وإنجيل المسيح وفلسفة هرمس، جنباً إلى جنب مع كل فروع معارف العلوم الطبيعية.
يعتبر المؤرخون الكلاسيكيون أن الإسكندرية لم تكن جزءاً من الأرض المصرية، بل كانت مدينة يونانية بنيت عند حدود مصر، وهذا هو الرأي السائد اليوم في جميع مراكز دراسة التاريخ في العالم. ولهذا فإذا أردت الحصول على كتاب يتعلق بتاريخ الإسكندرية في أية مكتبة أو متحف في العالم، فأنت لا تجده في القسم المصري وإنما في القسم اليوناني، وهذا هو ما يؤكده بيتر جرين أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة تكساس عندما يقول: "لم تكن الإسكندرية في مصر بل كانت عندها".(10) لكن هذا الرأي لم يظهر لدى الباحثين إلا منذ منتصف القرن التاسع عشر، بينما كانت الإسكندرية قبل ذلك التاريخ تعتبر دائماً مدينة مصرية وجزءاً من تاريخ مصر الفرعوني. ففي قرار صدر عن سكان مدينة ديلوس عندما كانت الجزيرة خاضعة لبطليموس الثاني، ورد ذكر "الإسكندرية التابعة لمصر".(11) وليس هناك مصدر واحد من المصادر الكلاسيكية يتحدث عن الإسكندرية على أنها مدينة يونانية. وقد تحدث ثلاثة من الكتاب الذين زاروا الإسكندرية عن وضع المدينة في عهد البطالمة، وكتبوا عن تاريخها في تلك الفترة، وهم بوليبيوس وديودوروس واسترابوا، الذين تحدثوا جميعاً عن الطبيعة المصرية لهذه المدينة التي يسكنها أناس من جميع أنحاء العالم.
بوليبيوس هو سياسي ومؤرخ يوناني شاهد سقوط المدن اليونانية تحت سلطة الرومان، وزار الإسكندرية بين 145 و 116 قبل الميلاد، وكتب بوليبيوس يصف ما شاهده شخصياً في الإسكندرية خلال زيارته، ومع هذا فهو لم يتحدث عن المدينة باعتبارها يونانية، بل على العكس من ذلك تماماً، فقد ذكر أن المدينة التي زارها خلال القرن الثاني قبل الميلاد، كان طابعها مصرياً أكثر منه يونانياً: "زيارة خاصة للإسكندرية ملأتني بالنفور... فالمدينة... يسكنها ثلاثة أجناس - المواطنون المصريون وهم جنس ذكي متحضر، والجنس الثاني من الجنود المرتزقة... الذين تعلموا كيف يتحكمون بدلاً من أن يطيعوا (الأوامر) نتيجة للشخصية الضعيفة للملوك، والجنس الثالث هم السكندريون... وهم أفضل من الجنس الثاني، فرغم كونهم جنساً مختلطاً، فهم أصلاً من اليونان كما احتفظوا بمجموعة من المبادئ اليونانية، لكن هذا الجنس الأخير يكاد يكون قد انقرض بفضل يورجيتس فيسون (بطليموس الثامن)، الذي زرت الإسكندرية في عهده".(12)
كما تحدث استرابو الجغرافي الذي زار الإسكندرية بعد بضع سنوات من سقوطها في يد الرومان عن هذه المدينة - كما رآها حوالي سنة 25 قبل الميلاد - مؤكداً أنها كانت مصرية وليست يونانية: "من المستحيل تحديد ما إذا كانت الإسكندرية (التي هي) في مصر، تقع شمالي أو جنوبي بابل".(13)
ليس هناك مصدر كلاسيكي واحد يعود إلى فترة البطالمة يتحدث عن الإسكندرية بوصفها "عند" مصر. بل على العكس - كما رأينا من أدلة بوليبيوس واسترابوا - كما كانت الإسكندرية هي عاصمة البلاد بها المقر الملكي، فهي جزء من مصر جغرافياً وثقافياً، وعلى هذا فلا يوجد دليل يدعم الزعم بأن الإسكندرية نشأت كمدينة يونانية، مستقلة عن بقية الأراضي المصرية. حقاً كانت الإسكندرية مدينة ذات أجناس متعددة - كوزموبوليتان - جرى بناؤها لتحقيق حلم الإسكندر الأكبر في التوافق بين الشعوب، هنا عاش المصريون جنباً إلى جنب مع المقدونيين واليونان واليهود والعرب الأقباط والفينيقيين والليبيين والفرس والأفارقة. ورغم انتمائهم إلى أعراق مختلفة، فقد عملوا سوياً لإنتاج أول نهضة حضارية في تاريخ البشر، وأصبح معبد السرابيوم بالإسكندرية مركزاً عالمياً للمعرفة والحكمة واحتوت مكتبته نسخاً لكل فروع المعرفة، جرى تجميعها في مكان واحد من كل مصادر الحضارات القديمة، فهنا تم التعرف للمرة الأولى إلى توراة موسى وإنجيل المسيح وفلسفة هرمس، جنباً إلى جنب مع كل فروع معارف العلوم الطبيعية.
صفحة 8
اكتشاف قصر كليوباترا
وقع كشف أثري هام بالإسكندرية في عام 1998، سيكون له أثر كبير في تغيير فهمنا للتاريخ الكلاسيكي. وتحت عنوان "البحر يسلم كنز كليوباترا"، نشرت صحيفة الصنداي تايمز اللندنية هذه القصة في 25 من أكتوبر 1998: "تم الكشف عن القصر الملكي الأسطوري لكليوباترا الذي فيه عشقت يوليوس قيصر، الذي تم استرجاعه من تحت أمواج البحر المتوسط حيث رقد منذ أكثر من ألف و 600 سنة" تم هذا الكشف المهم بعد أن صرحت السلطات المصرية في 1990 للمعهد الأوروبي للبحث الأثري تحت الماء، بالعمل بالقسم الشرقي للميناء الشرقي، حيث كان يقع الحي الملكي في عهد البطالمة، وبعد بضع سنوات من البحث وعمل الخرائط، تمكن فرانك جودييو - القائد الفرنسي لبعثة الآثار المائية - من الإعلان عن اكتشافه للقصر الملكي لكليوباترا (51-30 ق. م.)، التي كانت آخر حكام الأسرة البطلمية، وقد عثر الغطاسون الذين يعملون مع جودييو على أرضيات من الرخام في قاع البحر، يعتقد أنها في موقع قصر كليوباترا. وعثر الغطاسون كذلك على كتل من حجر الجرانيت الأحمر وأعمدة مكسورة فوق جزيرة أنتيرودس التي تغمرها المياه، دليل آخر لجودييو لتأكيد موقع الحي الملكي. وتم استعادة بقايا من قصر كليوباترا من تحت مياه البحر المتوسط، كانت مختفية منذ 17 قرناً، كما أبلغ الغطاسون عن مشاهدتهم لأعمدة وتماثيل للآلهة المصرية وأحواض وأفران وحتى حوائط، يعتقد البعض بوجود حمامات كليوباترا بينها.
وبعد مرور أربعة أيام على تقرير الصنداي تايمز، نشرت وسائل الإعلام العالمية تفاصيل أخرى عن هذه الكشوفات التي كان من بينها شكل لأبي الهول، وعدة تماثيل دينية ظهرت للمرة الأولى بعد حوالي ألفي عام، عندما تم رفعها من بين بقايا مدينة الإسكندرية التي غرقت تحت سطح الماء، وعثر كذلك على تمثالين عند مدخل معبد صغير داخل قصر كليوباترا، يمثل أحدهما والد الملكة (بطليموس الثاني عشر) مصنوعاً من الجرانيت الرمادي. هذا المعبد الملكي لإيزيس لم يرد ذكره في كتابات استرابوا، الذي يعتبر أهم مصدر كتب عن الإسكندرية القديمة. وقد سر فراك جودييو للعثور على هذا المعبد الذي يبلغ ارتفاعه 20 قدماً، وقال للصحافيين إن هذا المعبد: "لم يكن معروفاً، وكان علينا توقع وجود مثل هذا المعبد بالقرب من القصر الملكي. هذا كشف مثير." كما تم العثور على تمثال بالحجم الطبيعي لكاهن حليق الرأس، يرتدي عباءة ويحمل جرة لها غطاء على شكل رأس أوزوريس إله الموتى، وهكذا، بعد خمس سنوات من أعمال الكشف الأثري تحت سطح الماء، أعلن فرانك جودييو قائد البعثة أنه تمكن من التعرف إلى موقع قصر كليوباترا وتحديد مكان الحي الملكي للبطالمة، الذي كان أهم مركز سياسي في تلك الحقبة من التاريخ، لكن أرض هذا الحي كانت تنزلق تدريجياً لمئات السنين، مما أدى إلى سقوط البنايات، حتى جاء زلزال قوي سنة 365 ميلادية، تبعته أمواج عاتية أغرقت الحي الملكي بأكمله.
جاء العثور على معبد فرعوني داخل منطقة القصور الملكية البطلمية، بمثابة مفاجأة غير متوقعة لدى رجال الآثار الذين لم يتوقعوا العثور على بقايا فرعونية في عاصمة البطالمة. هذا المعبد الصغير لإيزيس، وجد على مقربة من مقر الملكة كليوباترا وعند مدخله بقايا فرعونية: أشكال لأبي الهول وتمثال الكاهن المصري وكذلك تمثال لوالد كليوباترا منحوت على الطريقة الفرعونية المصرية. وأثارت الكشوفات الجديدة تعليقات الباحثين، حيث علق زولت كيس - البروفيسير في أكاديمية العلوم البولندية - على الطبيعة الفرعونية للآثار التى تم العثور عليها في الحي الملكي البطلمي قائلاً: "بالتأكيد يمكننا القول في ضوء هذه الكشوفات إن إسكندرية البطالمة والرومان كانت قليلة الهيلينية وكثيرة المصرية عما كان عليه الاعتقاد". (جريدة التايمز في 29/10/1889م)
لما كانت وجهة النظر الكلاسيكية تعتقد أن الإسكندرية القديمة كانت يونانية، فقد جاءت الطبيعة الفرعونية لقصر كليوباترا مفاجئة بشكل كبير. حتى أن الدكتور مصطفى العبادي - وهو أستاذ الدراسات اليونانية الرومانية بجامعة الإسكندرية - أصر على أن "الإسكندرية كانت يونانية تماماً."(14) ومع هذا، فإن الكشف عن إسكندرية كليوباترا قد بين - بعكس ما يعتقده الدكتور العبادي - أن عاصمة البطالمة كانت مدينة مصرية فرعونية، وقد أدى العثور على بقايا فرعونية بدلاً من البقايا اليونانية داخل قصر الحاكم البطلمي إلى صدمة لدى بعض الباحثين الكلاسيكيين، ومع هذا رفض جين يويوت - الأستاذ بالكوليدج دي فرانس - قبول الاستنتاجات السابقة، أمام المئات من رجال الصحافة والإعلام الذين جاؤوا إلى الإسكندرية لحضور المؤتمر الصحافي، آملين في الحصول على بعض التفسيرات حول الطبيعة الفرعونية لقصر كليوباترا، ولكن ما قاله يويوت للصحافيين زاد من حيرتهم وأغلق ملف التساؤلات، على الأقل في الوقت الحاضر. وقد نشر يويوت رأيه الذي قاله للصحافيين في كتاب باسم "الأحياء الملكية المغمورة" تم نشره في لندن بعد ذلك. يقول يويوت:
"علينا أن نحذر من الشروحات المتعجلة والتبسيطية فيما يتعلق بما يعثر عليه وتتم رؤيته في الموقع، ونبقي الأسئلة والإجابات داخل الإطار العام للبحث في التاريخ القديم ... فلكون الإسكندر هو القائد الأعلى للتحالف الهيليني (اليوناني) فمن الطبيعي أن يقوم ببناء مدينة يونانية، فالمهندسون اليونان قاموا ببناء مدينة على الطراز اليوناني ... ومع الملوك البطالمة أصبحت الإسكندرية (التي تقع) عند حدود مصر، واحدة من محاور الثقافة الهيلينية ... فالإسكندرية كانت وسوف تكون دائماً مدينة يونانية كاملة، خارجة ومنفصلة عن قلب مصر القديمة. فهي في كتاباتها وبقاياها تنتمي إلى الهيلينيين (اليونان)."(15)
كان فراك جودييو رئيس بعثة الغطس الأثرية قد اختار يويوت للقيام بعمل كشوفات تتضمن المكتشفات التي تم العثور عليها، وترجمة النصوص الهيروغليفية الموجودة بها، لكن الأستاذ الفرنسي قرر تجاوز مهمته حتى يمنع أجهزة الإعلام من قبول النتيجة المنطقية التي توصلوا إليها في البداية، من أن قصر كليوباترا يشير إلى الطبيعة الفرعونية لحكم البطالمة، بل إنه تمادى في محاولة فرض رؤيته الخاصة على البعثة بأن حدد لجوديو نفسه المهمة التي عليه أن يلتزم بها، أي البحث عن قصر يوناني وليس مصري:
"تسبب افتتان الإنسان الحديث بماضي مصر السحيق، ... في أن تغطي الثقافة المصرية المنقرضة على بقايا الحضارة الكلاسيكية التي سادت في الإسكندرية: فكل من الصحافة ووسائل الإعلام المرئي والمسموع، بمجرد ما تأكد من (قصر) كليوباترا البطلمية وفنارة بطليموس، أسرعوا بذكر وتكرار (الحديث عن) التماثيل الضخمة وأشكال أبى الهول، والمسلات المنحوتة من الجرانيت الأسواني والأعمدة التي على شكل أوراق البردي والعلامات الهيروغليفية. (يتحدثون عن الملك) سيتي ورمسيس، بدلاً من طرز الإيونك والدورك والطراز الكورنثي (اليونانية) والأعمدة الرومانية للأسرة البطلمية وللقياصرة.
صارت أشكال أبى الهول التي وجدها الغطاسون تحت الماء، هي نجوم العرض المصور هنا وهناك، (صارت) الإسكندرية تساوي (معبد) الكرنك! وبالطبع فإن هذا العرض استدعى صورة محرفة عن الواقع في عقل الجمهور عن الإسكندرية، وجرى نقل آثار الإسكندرية من مجال الكلاسيكيات إلى مجال المصريات.... وبالمناسبة فإن المكتشفين أنفسهم تأثروا بهذه الآثار الشرقية، التي وإن كانت أقل عدداً لكنها أكثر شيوعاً وأكثر استعراضاً، مما أدى إلى أن العلماء - حتى اليوم - عرفوا أكثر عن المصريات التي وجدت تحت الماء، عما عرفوا عن اليونانيات."(16)
إلا أن يويوت كان مضطراً إلى تقديم تفسير ما عن كيفية وجود هذه البقايا الفرعونية الكثيرة داخل نطاق الحي الملكي البطلمي، حتى عهد كليوباترا عند نهاية حكم البطالمة:
وقع كشف أثري هام بالإسكندرية في عام 1998، سيكون له أثر كبير في تغيير فهمنا للتاريخ الكلاسيكي. وتحت عنوان "البحر يسلم كنز كليوباترا"، نشرت صحيفة الصنداي تايمز اللندنية هذه القصة في 25 من أكتوبر 1998: "تم الكشف عن القصر الملكي الأسطوري لكليوباترا الذي فيه عشقت يوليوس قيصر، الذي تم استرجاعه من تحت أمواج البحر المتوسط حيث رقد منذ أكثر من ألف و 600 سنة" تم هذا الكشف المهم بعد أن صرحت السلطات المصرية في 1990 للمعهد الأوروبي للبحث الأثري تحت الماء، بالعمل بالقسم الشرقي للميناء الشرقي، حيث كان يقع الحي الملكي في عهد البطالمة، وبعد بضع سنوات من البحث وعمل الخرائط، تمكن فرانك جودييو - القائد الفرنسي لبعثة الآثار المائية - من الإعلان عن اكتشافه للقصر الملكي لكليوباترا (51-30 ق. م.)، التي كانت آخر حكام الأسرة البطلمية، وقد عثر الغطاسون الذين يعملون مع جودييو على أرضيات من الرخام في قاع البحر، يعتقد أنها في موقع قصر كليوباترا. وعثر الغطاسون كذلك على كتل من حجر الجرانيت الأحمر وأعمدة مكسورة فوق جزيرة أنتيرودس التي تغمرها المياه، دليل آخر لجودييو لتأكيد موقع الحي الملكي. وتم استعادة بقايا من قصر كليوباترا من تحت مياه البحر المتوسط، كانت مختفية منذ 17 قرناً، كما أبلغ الغطاسون عن مشاهدتهم لأعمدة وتماثيل للآلهة المصرية وأحواض وأفران وحتى حوائط، يعتقد البعض بوجود حمامات كليوباترا بينها.
وبعد مرور أربعة أيام على تقرير الصنداي تايمز، نشرت وسائل الإعلام العالمية تفاصيل أخرى عن هذه الكشوفات التي كان من بينها شكل لأبي الهول، وعدة تماثيل دينية ظهرت للمرة الأولى بعد حوالي ألفي عام، عندما تم رفعها من بين بقايا مدينة الإسكندرية التي غرقت تحت سطح الماء، وعثر كذلك على تمثالين عند مدخل معبد صغير داخل قصر كليوباترا، يمثل أحدهما والد الملكة (بطليموس الثاني عشر) مصنوعاً من الجرانيت الرمادي. هذا المعبد الملكي لإيزيس لم يرد ذكره في كتابات استرابوا، الذي يعتبر أهم مصدر كتب عن الإسكندرية القديمة. وقد سر فراك جودييو للعثور على هذا المعبد الذي يبلغ ارتفاعه 20 قدماً، وقال للصحافيين إن هذا المعبد: "لم يكن معروفاً، وكان علينا توقع وجود مثل هذا المعبد بالقرب من القصر الملكي. هذا كشف مثير." كما تم العثور على تمثال بالحجم الطبيعي لكاهن حليق الرأس، يرتدي عباءة ويحمل جرة لها غطاء على شكل رأس أوزوريس إله الموتى، وهكذا، بعد خمس سنوات من أعمال الكشف الأثري تحت سطح الماء، أعلن فرانك جودييو قائد البعثة أنه تمكن من التعرف إلى موقع قصر كليوباترا وتحديد مكان الحي الملكي للبطالمة، الذي كان أهم مركز سياسي في تلك الحقبة من التاريخ، لكن أرض هذا الحي كانت تنزلق تدريجياً لمئات السنين، مما أدى إلى سقوط البنايات، حتى جاء زلزال قوي سنة 365 ميلادية، تبعته أمواج عاتية أغرقت الحي الملكي بأكمله.
جاء العثور على معبد فرعوني داخل منطقة القصور الملكية البطلمية، بمثابة مفاجأة غير متوقعة لدى رجال الآثار الذين لم يتوقعوا العثور على بقايا فرعونية في عاصمة البطالمة. هذا المعبد الصغير لإيزيس، وجد على مقربة من مقر الملكة كليوباترا وعند مدخله بقايا فرعونية: أشكال لأبي الهول وتمثال الكاهن المصري وكذلك تمثال لوالد كليوباترا منحوت على الطريقة الفرعونية المصرية. وأثارت الكشوفات الجديدة تعليقات الباحثين، حيث علق زولت كيس - البروفيسير في أكاديمية العلوم البولندية - على الطبيعة الفرعونية للآثار التى تم العثور عليها في الحي الملكي البطلمي قائلاً: "بالتأكيد يمكننا القول في ضوء هذه الكشوفات إن إسكندرية البطالمة والرومان كانت قليلة الهيلينية وكثيرة المصرية عما كان عليه الاعتقاد". (جريدة التايمز في 29/10/1889م)
لما كانت وجهة النظر الكلاسيكية تعتقد أن الإسكندرية القديمة كانت يونانية، فقد جاءت الطبيعة الفرعونية لقصر كليوباترا مفاجئة بشكل كبير. حتى أن الدكتور مصطفى العبادي - وهو أستاذ الدراسات اليونانية الرومانية بجامعة الإسكندرية - أصر على أن "الإسكندرية كانت يونانية تماماً."(14) ومع هذا، فإن الكشف عن إسكندرية كليوباترا قد بين - بعكس ما يعتقده الدكتور العبادي - أن عاصمة البطالمة كانت مدينة مصرية فرعونية، وقد أدى العثور على بقايا فرعونية بدلاً من البقايا اليونانية داخل قصر الحاكم البطلمي إلى صدمة لدى بعض الباحثين الكلاسيكيين، ومع هذا رفض جين يويوت - الأستاذ بالكوليدج دي فرانس - قبول الاستنتاجات السابقة، أمام المئات من رجال الصحافة والإعلام الذين جاؤوا إلى الإسكندرية لحضور المؤتمر الصحافي، آملين في الحصول على بعض التفسيرات حول الطبيعة الفرعونية لقصر كليوباترا، ولكن ما قاله يويوت للصحافيين زاد من حيرتهم وأغلق ملف التساؤلات، على الأقل في الوقت الحاضر. وقد نشر يويوت رأيه الذي قاله للصحافيين في كتاب باسم "الأحياء الملكية المغمورة" تم نشره في لندن بعد ذلك. يقول يويوت:
"علينا أن نحذر من الشروحات المتعجلة والتبسيطية فيما يتعلق بما يعثر عليه وتتم رؤيته في الموقع، ونبقي الأسئلة والإجابات داخل الإطار العام للبحث في التاريخ القديم ... فلكون الإسكندر هو القائد الأعلى للتحالف الهيليني (اليوناني) فمن الطبيعي أن يقوم ببناء مدينة يونانية، فالمهندسون اليونان قاموا ببناء مدينة على الطراز اليوناني ... ومع الملوك البطالمة أصبحت الإسكندرية (التي تقع) عند حدود مصر، واحدة من محاور الثقافة الهيلينية ... فالإسكندرية كانت وسوف تكون دائماً مدينة يونانية كاملة، خارجة ومنفصلة عن قلب مصر القديمة. فهي في كتاباتها وبقاياها تنتمي إلى الهيلينيين (اليونان)."(15)
كان فراك جودييو رئيس بعثة الغطس الأثرية قد اختار يويوت للقيام بعمل كشوفات تتضمن المكتشفات التي تم العثور عليها، وترجمة النصوص الهيروغليفية الموجودة بها، لكن الأستاذ الفرنسي قرر تجاوز مهمته حتى يمنع أجهزة الإعلام من قبول النتيجة المنطقية التي توصلوا إليها في البداية، من أن قصر كليوباترا يشير إلى الطبيعة الفرعونية لحكم البطالمة، بل إنه تمادى في محاولة فرض رؤيته الخاصة على البعثة بأن حدد لجوديو نفسه المهمة التي عليه أن يلتزم بها، أي البحث عن قصر يوناني وليس مصري:
"تسبب افتتان الإنسان الحديث بماضي مصر السحيق، ... في أن تغطي الثقافة المصرية المنقرضة على بقايا الحضارة الكلاسيكية التي سادت في الإسكندرية: فكل من الصحافة ووسائل الإعلام المرئي والمسموع، بمجرد ما تأكد من (قصر) كليوباترا البطلمية وفنارة بطليموس، أسرعوا بذكر وتكرار (الحديث عن) التماثيل الضخمة وأشكال أبى الهول، والمسلات المنحوتة من الجرانيت الأسواني والأعمدة التي على شكل أوراق البردي والعلامات الهيروغليفية. (يتحدثون عن الملك) سيتي ورمسيس، بدلاً من طرز الإيونك والدورك والطراز الكورنثي (اليونانية) والأعمدة الرومانية للأسرة البطلمية وللقياصرة.
صارت أشكال أبى الهول التي وجدها الغطاسون تحت الماء، هي نجوم العرض المصور هنا وهناك، (صارت) الإسكندرية تساوي (معبد) الكرنك! وبالطبع فإن هذا العرض استدعى صورة محرفة عن الواقع في عقل الجمهور عن الإسكندرية، وجرى نقل آثار الإسكندرية من مجال الكلاسيكيات إلى مجال المصريات.... وبالمناسبة فإن المكتشفين أنفسهم تأثروا بهذه الآثار الشرقية، التي وإن كانت أقل عدداً لكنها أكثر شيوعاً وأكثر استعراضاً، مما أدى إلى أن العلماء - حتى اليوم - عرفوا أكثر عن المصريات التي وجدت تحت الماء، عما عرفوا عن اليونانيات."(16)
إلا أن يويوت كان مضطراً إلى تقديم تفسير ما عن كيفية وجود هذه البقايا الفرعونية الكثيرة داخل نطاق الحي الملكي البطلمي، حتى عهد كليوباترا عند نهاية حكم البطالمة:
صفحة 9
"تعودنا تصور الإسكندرية الهيلينية كمدينة ذات بيئة يونانية خالصة، بحيث تشبه معابدها ما هو موجود في أثينا أو إفسوس، وحيث أظهر القسم اليوناني من السكان المسيطر عادات وأذواقاً يونانية، دون وجود أعمال أجنبية... ومن المعروف جيداً وجود أناس من أصول مصرية في المدينة (الإسكندرية)، ومع هذا فإن الفكرة السائدة هي أنه، لا يجب أن تكون في الإسكندرية أية إشارات إلى وجود طقوس عبادة محلية تتبع التقاليد المصرية، كيف إذاً يمكننا تفسير الوجود الفرعوني في الإسكندرية؟"(17)
وبدلاً من أن يجيب عن السؤال الذي طرحه، رفض يويوت القبول بأن البقايا الفرعونية التي عثر عليها الغطاسون عند قاع البحر، كانت لها علاقة بالقصر الملكي أو الإسكندرية البطلمية بشكل عام. وأصر يويوت على أن المدينة التي بناها البطالمة، ظلت عالماً يونانياً خارج مصر وموازياً لها. أما البقايا الفرعونية التي وجدت في قاع البحر فيصر يويوت على أنها لم تصل إلى الإسكندرية إلا بعد حوالي سبعين سنة من نهاية حكم كليوباترا، حيث أحضرها الإمبراطور الروماني جايوس كاليجولا (37-41 م.). وينهي يويوت تحليلاته قائلاً:
"لا يجب ألا تنحرف أفكارنا بسبب الأثر الاستعراضي للفراعنة والهيروغليفية، (علينا) أن نحدد مهمة رجال الآثار المتخصصين في دراسة الفن الهيليني (اليوناني) والروماني و(العصر) المسيحي الأول".(18)
هل كانت الإسكندرية حقاً مدينة يونانية على حدود مصر كما يصر البروفيسير يويوت، أم أنها كانت مدينة مصرية تمثل امتداداً للحضارة الفرعونية؟ هل صحيح أن عاصمة البطالمة صارت تمثل مرحلة هيلينية جديدة لحضارة اليونان التي انتهت في أثينا، أم أنها كانت تمثل المرحلة الأخيرة لحضارة الفراعنة المصريين؟
قرر الإسكندر الأكبر بناء مدينة الإسكندرية في تاريخ يحدد عادة بالسابع من أبريل 331 قبل الميلاد، في موقع شرقي راقودة التي كانت قرية مصرية للصيادين منذ ثلاثة قرون على الأقل من بناء المدينة الجديدة، وكان الموقع الذي تقرر بناء المدينة الجديدة عليه بمثابة مستطيل ضيق من الأرض، يمتد حوالي ميلين بين البحر المتوسط شمالاً وبحيرة مريوط جنوباً. كما كانت هناك جزيرة فاروس على بعد نصف ميل في البحر قبالة هذه الأرض، تحمي موقع المدينة من أمواج البحر كما تساعد على تكوين ميناء طبيعي، وتم تقسيم المدينة عند بنائها إلى ثلاثة أقسام:
1 - القسم الغربي يمثل قرية راقودة القديمة الذي أصبح مسكناً للعناصر المصرية في العاصمة الجديدة، وكان به معبد السرابيم الرئيسي في الإسكندرية، وكذلك المدافن التي تقع في أقصى الغرب.
2 - صار وسط المدينة المطل على الميناء يعرف باسم بروخيان، وهو القسم الذي شيدت فيه القصور الملكية وسكنه المقدونيون واليونان، هنا كانت دواوين الحكومة والأسواق التجارية والبنايات العامة، بما في ذلك الموسيون - المتحف - والسوما التي تحتوي على مدافن الملوك، بما في ذلك المدفن الذي وضع فيه جسد الإسكندر لبعض الوقت.
3 - أما القسم الثالث الواقع شرقي المدينة فقد سكنته في البداية الجماعات اليهودية التي شجعها الإسكندر وخلفاؤه على المجيء إلى المدينة ومنحوهم بعض الامتيازات.
منذ بداية أعمال الكشف الأثري لم يهتم علماء المصريات بمدينة الإسكندرية، التي اعتبروها مدينة يونانية هيلينية وليست مصرية. لهذا ترك أمر البحث الأثري بها لمديري المتحف اليوناني الروماني، الذي تم بناؤه في 1892م. ولم يتغير هذا الوضع إلا في 1961م عندما عثر الغطاس السكندري كمال أبو السادات على تمثال ضخم، نائم فوق قاع البحر أسفل قلعة قايتباي، شرقي جزيرة فاروس القديمة، وعندما تمكن أبو السادات من إقناع رجال البحرية من انتشال التمثال من قاع البحر، تبين أنه يمثل إحدى ملكات البطالمة التي ظهرت على شكل المعبودة الفرعونية إيزيس. ثم جاءت الخطوة الثانية عندما قررت السلطات المصرية تقوية الدعامات الموجودة في البحر؛ لحماية الجانب الشرقي للميناء القديم، وهو نفس الموقع الذي وجد فيه التمثال، أرادت السطات التأكد من عدم وجود آثار أخرى في هذا الموقع قبل ردمه بالحجارة، فطلبت المساعدة من هيئة اليونسكو العالمية التي أرسلت البريطانية أونور فروست لفحص الموقع، وجاء تقرير الخبيرة البريطانية يؤكد وجود آثار قديمة مغمورة تحت سطح الماء أسفل أسوار قلعة قايتباي.
وعندما تقرر السماح لأصحاب البنايات الواقعة في وسط الإسكندرية بهدمها وإعادة بناء عمارات حديثة مكانها، أرسلت الحكومة بعض رجال الآثار لفحص هذه المواقع والتأكد من خلوها من البقايا الأثرية، قبل تشييد الأبنية الجديدة. وفي 1992م دعت السلطات المصرية المركز الفرنسي للدراسات السكندرية إلى القيام ببعض أعمال الكشف في هذه المواقع، وسط المدينة، وقام المركز الفرنسي بعمل حوالي عشر حفريات في مواقع مختلفة من وسط المدينة المسكونة، إلى جانب موقعين تحت سطح الماء عند الميناء الشرقي، وكذلك في منطقة الجبانة غربي المدينة القديمة، وفي العام نفسه منحت السلطات المصرية تصريحاً للمعهد الأوروبي للبحث الأثري تحت الماء، بالانضمام إلى عمليات الكشف، وبدأ العمل في القسم الشرقي للميناء الشرقي، حيث ساد الاعتقاد بوجود الحي الملكي للبطالمة.
بعد ست سنوات من العمل الكشفي الذي قام به المعهد الفرنسي، استطاع رجال الآثار من دراسة تتابع طبقات الأرض خلال كل مراحل البناء في الإسكندرية القديمة، وهكذا تمكنوا بعد حفر عشرة أمتار تحت سطح الأرض من استعادة ألفين و300 سنة من التاريخ، تمتد من أيام حكم المماليك (1250-1517) وحتى أول جماعة استوطنت المدينة خلال القرن الثالث قبل الميلاد، أما القبور المستديرة التي عثر عليها في كوم الشقافة - غربي موقع راقودة القديم - وعلى عمق 20 متراً تحت سطح الأرض، فتبين أنها ترجع إلى فترة الحكم الروماني، وهنا - حتى بعد مضي أكثر من مائة عام على نهاية حكم البطالمة - وجدت عناصر فرعونية في هذه المقابر. ففي أعلى مدخل القبو الرئيسي للمقبرة وجد شكل مفرغ فوق كورنيش فرعوني مستدير، يمثل صقرين على جانبي شمس مستديرة لها جناحان، وفي داخل المدفن عثر على منظر فرعوني كذلك فوق التابوت، يمثل عبادة عجل أبيس وتحنيط أوزوريس، كما وجد منظر يمثل المعبود حورس ذا رأس الصقر وتابوتاً له رأس أبى قردان يحيطان بأنوبس حارس الموتى في النظام الفرعوني، الذي يقوم بتحنيط جسد أوزوريس، ومن الواضح أن سكان الإسكندرية، حتى بعد مرور أكثر من قرن على وقوعهم تحت سيطرة الرومان، كانوا لا يزالون يحافظون على العقائد الفرعونية القديمة.
في عام 1994م طلبت السلطات المصرية من عالم الآثار الفرنسي جين إيف إمبرير، أن يضع منطقة قاع البحر الموجودة أسفل قلعة قايتباي ضمن عملية إنقاذ الآثار التي كان يتولاها في وسط المدينة. وبمجرد بداية فحصه للموقع، تمكن من مشاهدة كتل حجرية ضخمة مكومة على عمق 8 أمتار تحت سطح الماء - ومئات من القطع منتشرة فوق مساحة تبلغ حوالي خمسة أفدنة فوق قاع البحر. وعثر فريق إمبرير على بقايا تمثال يمثل جذع إنسان وحوالي ست قواعد لتماثيل أصغر حجماً وأجساد لأشباه أبى الهول التي فقدت رؤوسها. في الإجماع تم العثور على حوالي 3 آلاف كتلة من الحجر والمئات من قطع أعمدة فرعونية مكسورة، يبلغ قطر بعضها حوالي 60 سنتيمتراً ويصل قطر أكبرها إلى مترين وثلاثين سنتيمتراً، إلى جانب العديد من قواعد الأعمدة منتشرة فوق قاع البحر.
كما تم العثور على الخرطوش الملكي لرمسيس الثاني من الأسرة 19، منقوشاً على عدة أعمدة على شكل ورق البردي، وقطع مكسورة من ثلاث مسلات لأبيه الملك سيتي الأول. وظهر رسم للفرعون فوق مسلتين وهو يقدم القرابين لمعبودات عين شمس، بينما ظهر الفرعون على جانبين من المسلة الثالثة على شكل حيوان يمثل المعبود سيت قاتل أوزوريس، وظهر على الجانبين الآخرين شكل أبى الهول له رأس إنسان. وبشكل عام زاد عدد أشكال أبى الهول التي وجدت على ما عثر عليه من مسلات: حوالي 25 شكلاً في أحجام مختلفة ومن تواريخ متعددة ما بين الأسرة الثانية عشر والأسرة السادسة والعشرين، وتبين أن هذه الآثار جميعها تم نقلها من مدينة عين شمس إلى الإسكندرية.
ومن أهم ما عثرت عليه بعثة إمبرير عند قاع البحر كان جذعاً لتمثال ضخم منحوت من جرانيت أسوان الأحمر، يبلغ ارتفاعه من القاعدة إلى الرقبة أربعة أمتار و 55 سنتيمتراً، ويمثل ملكاً بطلمياً على شكل فرعون. كما وجدت بقايا ثلاثة تماثيل أخرى: رأسان لفراعنة بطالمة وصدر لامرأة وست قواعد لتماثيل.
وبعد عشرة أعوام من أعمال الكشف الأثري في الإسكندرية، كتب إمبرير يعبر عما شعر به عندما شاهد هذه الآثار الفرعونية بالإسكندرية وعن طبيعة المدينة القديمة:
"هذه المنتجات المتعددة للعصر الفرعوني - أشكال أبى الهول والمسلات والأعمدة على شكل البردي ... تحمل شهادة بليغة على (عملية) الاقتراض (التي تمت) من المعبد في عين شمس التي قام بها البطالمة ثم أباطرة الرومان. وهي تنضم إلى البقايا ذات الملامح الفرعونية التي عثر عليها خلال أعمال الكشف فوق الأرض الجافة (في المدينة) وتعطي ... مدينة الإسكندرية شخصية خاصة، فالمدينة لا بد وأنها في بعض الأجزاء كان لها طابعاً مصرياً."(19)
وهكذا فإن الكشوفات الأثرية الجديدة بدأت تغير الفكرة الكلاسيكية القديمة عن أن مدينة الإسكندرية كانت يونانية، وتظهر طبيعتها المصرية الفرعونية.
وبدلاً من أن يجيب عن السؤال الذي طرحه، رفض يويوت القبول بأن البقايا الفرعونية التي عثر عليها الغطاسون عند قاع البحر، كانت لها علاقة بالقصر الملكي أو الإسكندرية البطلمية بشكل عام. وأصر يويوت على أن المدينة التي بناها البطالمة، ظلت عالماً يونانياً خارج مصر وموازياً لها. أما البقايا الفرعونية التي وجدت في قاع البحر فيصر يويوت على أنها لم تصل إلى الإسكندرية إلا بعد حوالي سبعين سنة من نهاية حكم كليوباترا، حيث أحضرها الإمبراطور الروماني جايوس كاليجولا (37-41 م.). وينهي يويوت تحليلاته قائلاً:
"لا يجب ألا تنحرف أفكارنا بسبب الأثر الاستعراضي للفراعنة والهيروغليفية، (علينا) أن نحدد مهمة رجال الآثار المتخصصين في دراسة الفن الهيليني (اليوناني) والروماني و(العصر) المسيحي الأول".(18)
هل كانت الإسكندرية حقاً مدينة يونانية على حدود مصر كما يصر البروفيسير يويوت، أم أنها كانت مدينة مصرية تمثل امتداداً للحضارة الفرعونية؟ هل صحيح أن عاصمة البطالمة صارت تمثل مرحلة هيلينية جديدة لحضارة اليونان التي انتهت في أثينا، أم أنها كانت تمثل المرحلة الأخيرة لحضارة الفراعنة المصريين؟
قرر الإسكندر الأكبر بناء مدينة الإسكندرية في تاريخ يحدد عادة بالسابع من أبريل 331 قبل الميلاد، في موقع شرقي راقودة التي كانت قرية مصرية للصيادين منذ ثلاثة قرون على الأقل من بناء المدينة الجديدة، وكان الموقع الذي تقرر بناء المدينة الجديدة عليه بمثابة مستطيل ضيق من الأرض، يمتد حوالي ميلين بين البحر المتوسط شمالاً وبحيرة مريوط جنوباً. كما كانت هناك جزيرة فاروس على بعد نصف ميل في البحر قبالة هذه الأرض، تحمي موقع المدينة من أمواج البحر كما تساعد على تكوين ميناء طبيعي، وتم تقسيم المدينة عند بنائها إلى ثلاثة أقسام:
1 - القسم الغربي يمثل قرية راقودة القديمة الذي أصبح مسكناً للعناصر المصرية في العاصمة الجديدة، وكان به معبد السرابيم الرئيسي في الإسكندرية، وكذلك المدافن التي تقع في أقصى الغرب.
2 - صار وسط المدينة المطل على الميناء يعرف باسم بروخيان، وهو القسم الذي شيدت فيه القصور الملكية وسكنه المقدونيون واليونان، هنا كانت دواوين الحكومة والأسواق التجارية والبنايات العامة، بما في ذلك الموسيون - المتحف - والسوما التي تحتوي على مدافن الملوك، بما في ذلك المدفن الذي وضع فيه جسد الإسكندر لبعض الوقت.
3 - أما القسم الثالث الواقع شرقي المدينة فقد سكنته في البداية الجماعات اليهودية التي شجعها الإسكندر وخلفاؤه على المجيء إلى المدينة ومنحوهم بعض الامتيازات.
منذ بداية أعمال الكشف الأثري لم يهتم علماء المصريات بمدينة الإسكندرية، التي اعتبروها مدينة يونانية هيلينية وليست مصرية. لهذا ترك أمر البحث الأثري بها لمديري المتحف اليوناني الروماني، الذي تم بناؤه في 1892م. ولم يتغير هذا الوضع إلا في 1961م عندما عثر الغطاس السكندري كمال أبو السادات على تمثال ضخم، نائم فوق قاع البحر أسفل قلعة قايتباي، شرقي جزيرة فاروس القديمة، وعندما تمكن أبو السادات من إقناع رجال البحرية من انتشال التمثال من قاع البحر، تبين أنه يمثل إحدى ملكات البطالمة التي ظهرت على شكل المعبودة الفرعونية إيزيس. ثم جاءت الخطوة الثانية عندما قررت السلطات المصرية تقوية الدعامات الموجودة في البحر؛ لحماية الجانب الشرقي للميناء القديم، وهو نفس الموقع الذي وجد فيه التمثال، أرادت السطات التأكد من عدم وجود آثار أخرى في هذا الموقع قبل ردمه بالحجارة، فطلبت المساعدة من هيئة اليونسكو العالمية التي أرسلت البريطانية أونور فروست لفحص الموقع، وجاء تقرير الخبيرة البريطانية يؤكد وجود آثار قديمة مغمورة تحت سطح الماء أسفل أسوار قلعة قايتباي.
وعندما تقرر السماح لأصحاب البنايات الواقعة في وسط الإسكندرية بهدمها وإعادة بناء عمارات حديثة مكانها، أرسلت الحكومة بعض رجال الآثار لفحص هذه المواقع والتأكد من خلوها من البقايا الأثرية، قبل تشييد الأبنية الجديدة. وفي 1992م دعت السلطات المصرية المركز الفرنسي للدراسات السكندرية إلى القيام ببعض أعمال الكشف في هذه المواقع، وسط المدينة، وقام المركز الفرنسي بعمل حوالي عشر حفريات في مواقع مختلفة من وسط المدينة المسكونة، إلى جانب موقعين تحت سطح الماء عند الميناء الشرقي، وكذلك في منطقة الجبانة غربي المدينة القديمة، وفي العام نفسه منحت السلطات المصرية تصريحاً للمعهد الأوروبي للبحث الأثري تحت الماء، بالانضمام إلى عمليات الكشف، وبدأ العمل في القسم الشرقي للميناء الشرقي، حيث ساد الاعتقاد بوجود الحي الملكي للبطالمة.
بعد ست سنوات من العمل الكشفي الذي قام به المعهد الفرنسي، استطاع رجال الآثار من دراسة تتابع طبقات الأرض خلال كل مراحل البناء في الإسكندرية القديمة، وهكذا تمكنوا بعد حفر عشرة أمتار تحت سطح الأرض من استعادة ألفين و300 سنة من التاريخ، تمتد من أيام حكم المماليك (1250-1517) وحتى أول جماعة استوطنت المدينة خلال القرن الثالث قبل الميلاد، أما القبور المستديرة التي عثر عليها في كوم الشقافة - غربي موقع راقودة القديم - وعلى عمق 20 متراً تحت سطح الأرض، فتبين أنها ترجع إلى فترة الحكم الروماني، وهنا - حتى بعد مضي أكثر من مائة عام على نهاية حكم البطالمة - وجدت عناصر فرعونية في هذه المقابر. ففي أعلى مدخل القبو الرئيسي للمقبرة وجد شكل مفرغ فوق كورنيش فرعوني مستدير، يمثل صقرين على جانبي شمس مستديرة لها جناحان، وفي داخل المدفن عثر على منظر فرعوني كذلك فوق التابوت، يمثل عبادة عجل أبيس وتحنيط أوزوريس، كما وجد منظر يمثل المعبود حورس ذا رأس الصقر وتابوتاً له رأس أبى قردان يحيطان بأنوبس حارس الموتى في النظام الفرعوني، الذي يقوم بتحنيط جسد أوزوريس، ومن الواضح أن سكان الإسكندرية، حتى بعد مرور أكثر من قرن على وقوعهم تحت سيطرة الرومان، كانوا لا يزالون يحافظون على العقائد الفرعونية القديمة.
في عام 1994م طلبت السلطات المصرية من عالم الآثار الفرنسي جين إيف إمبرير، أن يضع منطقة قاع البحر الموجودة أسفل قلعة قايتباي ضمن عملية إنقاذ الآثار التي كان يتولاها في وسط المدينة. وبمجرد بداية فحصه للموقع، تمكن من مشاهدة كتل حجرية ضخمة مكومة على عمق 8 أمتار تحت سطح الماء - ومئات من القطع منتشرة فوق مساحة تبلغ حوالي خمسة أفدنة فوق قاع البحر. وعثر فريق إمبرير على بقايا تمثال يمثل جذع إنسان وحوالي ست قواعد لتماثيل أصغر حجماً وأجساد لأشباه أبى الهول التي فقدت رؤوسها. في الإجماع تم العثور على حوالي 3 آلاف كتلة من الحجر والمئات من قطع أعمدة فرعونية مكسورة، يبلغ قطر بعضها حوالي 60 سنتيمتراً ويصل قطر أكبرها إلى مترين وثلاثين سنتيمتراً، إلى جانب العديد من قواعد الأعمدة منتشرة فوق قاع البحر.
كما تم العثور على الخرطوش الملكي لرمسيس الثاني من الأسرة 19، منقوشاً على عدة أعمدة على شكل ورق البردي، وقطع مكسورة من ثلاث مسلات لأبيه الملك سيتي الأول. وظهر رسم للفرعون فوق مسلتين وهو يقدم القرابين لمعبودات عين شمس، بينما ظهر الفرعون على جانبين من المسلة الثالثة على شكل حيوان يمثل المعبود سيت قاتل أوزوريس، وظهر على الجانبين الآخرين شكل أبى الهول له رأس إنسان. وبشكل عام زاد عدد أشكال أبى الهول التي وجدت على ما عثر عليه من مسلات: حوالي 25 شكلاً في أحجام مختلفة ومن تواريخ متعددة ما بين الأسرة الثانية عشر والأسرة السادسة والعشرين، وتبين أن هذه الآثار جميعها تم نقلها من مدينة عين شمس إلى الإسكندرية.
ومن أهم ما عثرت عليه بعثة إمبرير عند قاع البحر كان جذعاً لتمثال ضخم منحوت من جرانيت أسوان الأحمر، يبلغ ارتفاعه من القاعدة إلى الرقبة أربعة أمتار و 55 سنتيمتراً، ويمثل ملكاً بطلمياً على شكل فرعون. كما وجدت بقايا ثلاثة تماثيل أخرى: رأسان لفراعنة بطالمة وصدر لامرأة وست قواعد لتماثيل.
وبعد عشرة أعوام من أعمال الكشف الأثري في الإسكندرية، كتب إمبرير يعبر عما شعر به عندما شاهد هذه الآثار الفرعونية بالإسكندرية وعن طبيعة المدينة القديمة:
"هذه المنتجات المتعددة للعصر الفرعوني - أشكال أبى الهول والمسلات والأعمدة على شكل البردي ... تحمل شهادة بليغة على (عملية) الاقتراض (التي تمت) من المعبد في عين شمس التي قام بها البطالمة ثم أباطرة الرومان. وهي تنضم إلى البقايا ذات الملامح الفرعونية التي عثر عليها خلال أعمال الكشف فوق الأرض الجافة (في المدينة) وتعطي ... مدينة الإسكندرية شخصية خاصة، فالمدينة لا بد وأنها في بعض الأجزاء كان لها طابعاً مصرياً."(19)
وهكذا فإن الكشوفات الأثرية الجديدة بدأت تغير الفكرة الكلاسيكية القديمة عن أن مدينة الإسكندرية كانت يونانية، وتظهر طبيعتها المصرية الفرعونية.
صفحة 10
من أنشأ مكتبة الإسكندرية؟
أصر أساتذة الدراسات الكلاسيكية منذ القرن التاسع عشر، على أن مكتبة الإسكندرية لم تكن مصرية بل كانت هيلينية يونانية، وزعموا أن المكتبة أنشأها باحثون من اليونان، الذين أقاموها على نواة من الكتابات والمعارف اليونانية، ولما كانت اليونانية هي لغة الكتابة الرسمية في أيام البطالمة، اعتبروا أن كل ما تمت صياغته بهذه اللغة كان يونانياً، ولا يزال هذا الرأي الغريب هو السائد الآن حتى في مصر نفسها، حيث يفاخر بعض الأساتذة بأن مكتبة الإسكندرية كانت يونانية، فالدكتور مصطفى العبادي - وهو المرجع الرئيسي في مصر بخصوص المكتبة - يؤكد في كتابه "حياة ومصير مكتبة الإسكندرية القديمة"، الطبيعة اليونانية لمدينة الإسكندرية ومكتبتها.
هل كانت مكتبة الإسكندرية التي أسسها البطالمة، مؤسسة يونانية أم مصرية؟
حتى يمكننا الإجابة على هذا السؤال يجب علينا أولاً معرفة تاريخ تكوين المكتبة، ومن كان مؤسسها، وأين كان موقعها في المدينة القديمة. كما يجب علينا كذلك التعرف إلى نوعية الكتابات التي وجدت في المكتبة، وهل كانت تمثل في جوهرها علوماً يونانية أم معارف مصرية. وحتى القرن التاسع عشر كان هناك توافق عالمي على أن مكتبة الإسكندرية بنيت على نواة من حكمة مصر الفرعونية، إلى جانب تجميع النتاج الثقافي لحضارات الشرق الأوسط القديمة وكتابات شعراء بلاد اليونان. لكن هذه الفكرة تغيرت خلال القرن التاسع عشر في عصر ظهور القوميات الأوروبية الحديثة، واستعمارها للعالم الشرقي، عندئذ ظهر رأي جديد بين باحثي التاريخ الكلاسيكي، زعم بأن الإسكندرية وما أنتجته من ثقافة لم يكن مصرياً أو شرقياً، بل كان هيلينياً يونانياً. جاء هذا الاعتقاد نتيجة ظهور أيديولوجية قومية عنصرية في أوروبا، اعتبرت أن الأجناس الآرية البيضاء التي تسكن أوروبا تتفوق في طبيعة تكوينها البيولوجي على الأجناس الشرقية. هذا التطور في الفكر القومي الذي بدأ منذ حوالي قرنين خصوصاً في ألمانيا، نتج عنه ظهور اعتقاد بأن الحضارة الكلاسيكية في اليونان نشأت مستقلة بعيداً عن حضارات الشرق القديمة، ولم تتأثر بها، واعتبرت هذه الأيديولوجية (ذات الطبيعة القومية الرومانتيكية التي ظهرت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر) أن الثقافة مرتبطة بالأصل السلالي، هذه الأيديولوجية التي غيرت الموقف فيما يتعلق بعلاقة الحضارة الفرعونية بحضارة اليونان، وبالتالي بالحضارة الأوروبية الحديثة.
لما كان من المعروف أن الحضارة الكلاسيكية في اليونان انتهت حتى قبل بناء مدينة الإسكندرية أو مكتبتها، فقد استخدم الكلاسيكيون تعبيراً جديداً للدلالة على ما أنتجته الإسكندرية من ثقافة، هو "الهيلينية" بمعنى الثقافة اليونانية التي لم تظهر في بلاد اليونان نفسها، وإنما في الخارج - خصوصاً في الإسكندرية - قام بتقديم هذا التفسير للمرة الأولى المؤرخ الألماني يوهان جوستاف درويسون في القرن 19، ثم صار بعد ذلك بمثابة الكتاب المقدس للباحثين الكلاسيكيين في كل أنحاء العالم. وحتى يؤكد الكلاسيكيون صحة نظرية درويسون، قاموا بإعادة تفسير مصادر التاريخ القديم لكي تتفق معها، ولما كان المصدر الرئيسي لما يسمونه "ثقافة هيلينية" قد جاء من مكتبة الإسكندرية، أصبحت هذه المكتبة مركزاً لاهتمامهم، قالوا إن مكتبة الإسكندرية بناها اليونان، الذين أقاموها على ركيزة من العلوم اليونانية. إلا أن هذا القول يتناقض كلية مع ما نعرفه من المصادر المعاصرة للمكتبة.
تؤكد المصادر القديمة الحقائق التالية:
1- بعد اكتمال بناء مدينة الإسكندرية، قام بطليموس الأول (سوتر) بتشييد الموسيون - المتحف - داخل الحي الملكي، ليكون مقراً لبعض شعراء اليونان الذين جاؤوا إلى عاصمته الجديدة للبحث والدراسة، كما شيد معبد السرابيوم في حي راقودة المصري الذي كان يقع غربي المدينة، والذي كان موجوداً حتى قبل بناء الإسكندرية - منذ القرن السادس قبل الميلاد، وقد ذكر المؤرخ الروماني بلوتارخ أن بطليموس طلب من مانيتون الكاهن المصري، تنظيم طقوس العبادة في السرابيوم على الطريقة الفرعونية.
2- قام بعد ذلك بطليموس الثاني (فيلاديلفوس) بتكوين المكتبة داخل معبد السرابيوم، وكلف الملك مانيتون بإعداد المجموعة الأولى من الكتب التي يجب وضعها بالمكتبة، وقام مانيتون بترجمة ما وجده في مكتبات المعابد الفرعونية وعمل نسخة يونانية لها، خصوصاً لمكتبات معابد عين شمس ومنف، ولديها شاهد معاصر رأى المكتبة في معبد السرابيوم قبل حرقها 391 م. بفترة وجيزة.
إذا كانت مكتبة الإسكندرية قد أنشئت في معبد السرابيوم الفرعوني القائم في حي راقودة المصري، وقام بتكوينها مانيتون الكاهن المصري الذي أقامها على كتابات من المعابد المصرية، يصبح من المستحيل على أتباع درويسون الادعاء بأنها كانت هيلينية؛ لهذا قرر الكلاسيكيون تغيير علامات الطريق، حتى يجعلوا الشخص الذي كان مسؤولاً عن تكوين المكتبة يونانياً، ثم غيروا موقعها فجعلوه خارج معبد السرابيوم الموجود بالحي المصري للمدينة.
وجد الكلاسيكيون فرصتهم في خطاب لشخص يدعى أريستس، يقول فيه إن ديميتريوس اليوناني - وليس مانيتون المصري - هو الذي كون المكتبة، ورد ذكر هذا الخطاب أولاً في كتابات المؤرخ اليهودي يوسيفوس خلال القرن الميلادي الأول Antiqities)، XII، ii)، بمناسبة الحديث عن الترجمة اليونانية للتوراة. هذا الخطاب وجهه المدعو أريستيس إلى أخيه، يدعي فيه أنه عمل مسؤولاً في بلاط بطليموس الثاني خلال القرن الثالث قبل الميلاد، ويتحدث عن ظروف ترجمة التوراة العبرية، يبدأ الخطاب بالحديث عن كيف أن ديميتريوس (الذي حسب قوله عينه بطليموس الثاني مديراً للمكتبة) نصح الملك بترجمة التوراة، وهو الذي كان مسؤولاً عن جمع الكتب من كل أنحاء العالم لترجمتها ووضعها في مكتبة الإسكندرية، فبعث الملك بخطاب إلى الكاهن الأكبر في القدس، يطلب منه موافاته بنسخ من كتب توراة موسى الخمس. وسافر أريستيس للقاء الكاهن إليعازر في القدس، طالباً منه إرسال مجموعة من الكتبة اليهود إلى الإسكندرية للقيام بعمل الترجمة.
أصر أساتذة الدراسات الكلاسيكية منذ القرن التاسع عشر، على أن مكتبة الإسكندرية لم تكن مصرية بل كانت هيلينية يونانية، وزعموا أن المكتبة أنشأها باحثون من اليونان، الذين أقاموها على نواة من الكتابات والمعارف اليونانية، ولما كانت اليونانية هي لغة الكتابة الرسمية في أيام البطالمة، اعتبروا أن كل ما تمت صياغته بهذه اللغة كان يونانياً، ولا يزال هذا الرأي الغريب هو السائد الآن حتى في مصر نفسها، حيث يفاخر بعض الأساتذة بأن مكتبة الإسكندرية كانت يونانية، فالدكتور مصطفى العبادي - وهو المرجع الرئيسي في مصر بخصوص المكتبة - يؤكد في كتابه "حياة ومصير مكتبة الإسكندرية القديمة"، الطبيعة اليونانية لمدينة الإسكندرية ومكتبتها.
هل كانت مكتبة الإسكندرية التي أسسها البطالمة، مؤسسة يونانية أم مصرية؟
حتى يمكننا الإجابة على هذا السؤال يجب علينا أولاً معرفة تاريخ تكوين المكتبة، ومن كان مؤسسها، وأين كان موقعها في المدينة القديمة. كما يجب علينا كذلك التعرف إلى نوعية الكتابات التي وجدت في المكتبة، وهل كانت تمثل في جوهرها علوماً يونانية أم معارف مصرية. وحتى القرن التاسع عشر كان هناك توافق عالمي على أن مكتبة الإسكندرية بنيت على نواة من حكمة مصر الفرعونية، إلى جانب تجميع النتاج الثقافي لحضارات الشرق الأوسط القديمة وكتابات شعراء بلاد اليونان. لكن هذه الفكرة تغيرت خلال القرن التاسع عشر في عصر ظهور القوميات الأوروبية الحديثة، واستعمارها للعالم الشرقي، عندئذ ظهر رأي جديد بين باحثي التاريخ الكلاسيكي، زعم بأن الإسكندرية وما أنتجته من ثقافة لم يكن مصرياً أو شرقياً، بل كان هيلينياً يونانياً. جاء هذا الاعتقاد نتيجة ظهور أيديولوجية قومية عنصرية في أوروبا، اعتبرت أن الأجناس الآرية البيضاء التي تسكن أوروبا تتفوق في طبيعة تكوينها البيولوجي على الأجناس الشرقية. هذا التطور في الفكر القومي الذي بدأ منذ حوالي قرنين خصوصاً في ألمانيا، نتج عنه ظهور اعتقاد بأن الحضارة الكلاسيكية في اليونان نشأت مستقلة بعيداً عن حضارات الشرق القديمة، ولم تتأثر بها، واعتبرت هذه الأيديولوجية (ذات الطبيعة القومية الرومانتيكية التي ظهرت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر) أن الثقافة مرتبطة بالأصل السلالي، هذه الأيديولوجية التي غيرت الموقف فيما يتعلق بعلاقة الحضارة الفرعونية بحضارة اليونان، وبالتالي بالحضارة الأوروبية الحديثة.
لما كان من المعروف أن الحضارة الكلاسيكية في اليونان انتهت حتى قبل بناء مدينة الإسكندرية أو مكتبتها، فقد استخدم الكلاسيكيون تعبيراً جديداً للدلالة على ما أنتجته الإسكندرية من ثقافة، هو "الهيلينية" بمعنى الثقافة اليونانية التي لم تظهر في بلاد اليونان نفسها، وإنما في الخارج - خصوصاً في الإسكندرية - قام بتقديم هذا التفسير للمرة الأولى المؤرخ الألماني يوهان جوستاف درويسون في القرن 19، ثم صار بعد ذلك بمثابة الكتاب المقدس للباحثين الكلاسيكيين في كل أنحاء العالم. وحتى يؤكد الكلاسيكيون صحة نظرية درويسون، قاموا بإعادة تفسير مصادر التاريخ القديم لكي تتفق معها، ولما كان المصدر الرئيسي لما يسمونه "ثقافة هيلينية" قد جاء من مكتبة الإسكندرية، أصبحت هذه المكتبة مركزاً لاهتمامهم، قالوا إن مكتبة الإسكندرية بناها اليونان، الذين أقاموها على ركيزة من العلوم اليونانية. إلا أن هذا القول يتناقض كلية مع ما نعرفه من المصادر المعاصرة للمكتبة.
تؤكد المصادر القديمة الحقائق التالية:
1- بعد اكتمال بناء مدينة الإسكندرية، قام بطليموس الأول (سوتر) بتشييد الموسيون - المتحف - داخل الحي الملكي، ليكون مقراً لبعض شعراء اليونان الذين جاؤوا إلى عاصمته الجديدة للبحث والدراسة، كما شيد معبد السرابيوم في حي راقودة المصري الذي كان يقع غربي المدينة، والذي كان موجوداً حتى قبل بناء الإسكندرية - منذ القرن السادس قبل الميلاد، وقد ذكر المؤرخ الروماني بلوتارخ أن بطليموس طلب من مانيتون الكاهن المصري، تنظيم طقوس العبادة في السرابيوم على الطريقة الفرعونية.
2- قام بعد ذلك بطليموس الثاني (فيلاديلفوس) بتكوين المكتبة داخل معبد السرابيوم، وكلف الملك مانيتون بإعداد المجموعة الأولى من الكتب التي يجب وضعها بالمكتبة، وقام مانيتون بترجمة ما وجده في مكتبات المعابد الفرعونية وعمل نسخة يونانية لها، خصوصاً لمكتبات معابد عين شمس ومنف، ولديها شاهد معاصر رأى المكتبة في معبد السرابيوم قبل حرقها 391 م. بفترة وجيزة.
إذا كانت مكتبة الإسكندرية قد أنشئت في معبد السرابيوم الفرعوني القائم في حي راقودة المصري، وقام بتكوينها مانيتون الكاهن المصري الذي أقامها على كتابات من المعابد المصرية، يصبح من المستحيل على أتباع درويسون الادعاء بأنها كانت هيلينية؛ لهذا قرر الكلاسيكيون تغيير علامات الطريق، حتى يجعلوا الشخص الذي كان مسؤولاً عن تكوين المكتبة يونانياً، ثم غيروا موقعها فجعلوه خارج معبد السرابيوم الموجود بالحي المصري للمدينة.
وجد الكلاسيكيون فرصتهم في خطاب لشخص يدعى أريستس، يقول فيه إن ديميتريوس اليوناني - وليس مانيتون المصري - هو الذي كون المكتبة، ورد ذكر هذا الخطاب أولاً في كتابات المؤرخ اليهودي يوسيفوس خلال القرن الميلادي الأول Antiqities)، XII، ii)، بمناسبة الحديث عن الترجمة اليونانية للتوراة. هذا الخطاب وجهه المدعو أريستيس إلى أخيه، يدعي فيه أنه عمل مسؤولاً في بلاط بطليموس الثاني خلال القرن الثالث قبل الميلاد، ويتحدث عن ظروف ترجمة التوراة العبرية، يبدأ الخطاب بالحديث عن كيف أن ديميتريوس (الذي حسب قوله عينه بطليموس الثاني مديراً للمكتبة) نصح الملك بترجمة التوراة، وهو الذي كان مسؤولاً عن جمع الكتب من كل أنحاء العالم لترجمتها ووضعها في مكتبة الإسكندرية، فبعث الملك بخطاب إلى الكاهن الأكبر في القدس، يطلب منه موافاته بنسخ من كتب توراة موسى الخمس. وسافر أريستيس للقاء الكاهن إليعازر في القدس، طالباً منه إرسال مجموعة من الكتبة اليهود إلى الإسكندرية للقيام بعمل الترجمة.