eKtab
EN ع
هدنة
اقرأ عينة مجانية

هدنة

بقلم إيال أرليخ

صفحة 1

بسم الله الرحمن الرحيم

اسمي إيال أرليخ، يهودي ومواطن إسرائيلي، وأنا لست سياسيا ولا جنرالا، بل أنا رجل اعمال ومواطن من عامة الشعب أناهز الحادية والخمسين، وقد عملت في غضون السنوات القليلة الماضية بجد من أجل دفع مسيرة سلمية شجاعة وطموحة باتجاه المصالحة بين الشعبين، وأنا سعيد حقا وشديد التأثر وأنا أقدم نفسي والمبادرة السياسية التي أحاول دفعها إلى الأمام للقارئ العربي.

لم يكن صدفة أنني فضلت أن أستهل الطبعة العربية من كتابي بالآية الكريمة "بسم الله الرحمن الرحيم"، وهي الآية التي يفتتح بها القرآن سوره، والتي تبدو في رأس كل سورة (باستثناء سورة واحدة(، الآية التي يكررها كل مسلم مؤمن ثماني وعشرين مرة يوميا على الأقل خلال صلواته الخمسة.

وأنا أعتبر أن هذه الآية هي بمثابة جملة لا يوجد أهم منها، ففي المرة الأولى التي يوصف الله فيها في القرآن لم يوصف بالرحمن فقط بل يوصف بأنه الرحمن الرحيم، وهناك مغزى هائل للتأكيد المزدوج على طابع الغفران المليء بالرحمة لله، ولا شك أن الأمر لم يأت هنا صدفة، إن إلهنا، إله أبناء إبراهيم مسلمين ويهود هو قبل كل شيء رحمن ورحيم, ونظرا لأن هذه هي صفات الله فإننا نخرج بخلاصتين على الأقل :الأولى هي أنه لا يوجد ولايمكن أن يوجد أي تبرير للمساس بالأبرياء، فمثل هذا العمل يتعارض وإرادة الله، والثانية : أنه يتوجب التطلع من أجل التوصل إلى حل بالطرق السلمية لأي نزاع ينشب بين الجانبين- هذا من وجهة نظري- الأمر العلوي الناجم عن كون الله هو الرحمن الرحيم، لا تبرير أبدا لأية عملية قتل لا لزوم لها وللمساس بالأبرياء ثم الإدعاء بأن الأمر تم باسم الله.

أنا أؤمن بأن بالإمكان التوصل إلى مصالحة تاريخية بين إسرائيل وبين جيرانها: وعلى رأسهم الفسطينيون، وأيضا مع باقي شعوب المنطقة الأخرى. لقد حاولت طيلة السنوات التسع الماضية دفع فكرة أساسية لمعت في عقلي عام 2001، أي بعد أشهر معدودة من بداية الحوادث الدموية لانتفاضة الأقصى.

وتقوم الفكرة على أستخدام آلية المصالحة التقليدية في النزاعات الدموية في المجتمع العربي، وتطبيقها على النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، وأقصد الآلية التي ترمي لوقف عملية الانتقام والتي تبدأ بإرسال وفد من الوجهاء ووفد مصالحة إلى بيت الضحية لاقتراح فترة هدنة متفق عليها مسبقا، ومن المألوف أن عائلة الضحية تقبل الهدنة، وتقبل مبلغا مقدما تحت حساب التعويضات المسماة – العطوة، وقبل انتهاء الهدنة، تقوم لجنة المصالحة بتنظيم مراسيم الصلحة، والتي تقوم خلالها عائلة الضحية بتلقي باقي مبلغ التعويض، ثم تجري مراسيم رمزية يتم خلالها الإعلان عن انهاء النزاع.

وعندما لمعت الفكرة في رأسي توجهت إلى صديقي القديم عبد الوهاب دراوشة- أبو باسل- والذي عمل عضو كنيست في إسرائيل طيلة خمس عشرة سنة (1984- 1999) وسألته عن وجهة نظره في الفكرة فأثنى على الفكرة ، وقال أن بالإمكان أن تنجح، وأنها ستتيح الفرصة للمتطرفين من المعسكرين لوضع السلاح لفترة متواصلة، وقررنا العمل معا لدفع الفكرة إلى الأمام.

نجحنا في نهاية عام 2001 في إقناع رئيس دولة إسرائيل آنذاك موشيه قصاب بتأييد المسيرة وترؤس وفد وجهاء إسرائيليين للتوجه إلى المجلس التشريعي في رام الله لاقتراح هدنة متواصلة، وقد طلب منا رئيس الدولة أن نتفحص موقف الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وهكذا تحولت أنا وأبو باسل إلى رسل غير رسميين لرئيس الدولة، اجتمعنا بياسر عرفات في منتصف شهر كانون الأول2001 وسعدنا حينما اكتشفنا أنه متحمس جدا للمبادرة، وأعلمنا أنه يعتزم عقد اجتماع للمجلس الوزاري الفلسطيني لهذا الغرض، ولم تكد تمضي بضعة أيام حتى تلقينا ردا رسميا لتوجهنا: الزعامة الفلسطينية تدعو وفد الوجهاء الإسرائيليين للمجلس التشريعي في رام الله، وهي ملتزمة بالاستجابة لمبادرة الهدنة لمدة سنة، والتي سيكون بالإمكان تمديدها فيما بعد.

ولإسفي البالغ، قرر رئيس حكومة إسرائيل آنذاك أرئيل شارون - بعد أسبوعين من جس النبض الذي قمنا به- رفض الفكرة، وقد أصدر مكتب رئيس الحكومة شارون بيانا جاء فيه أن رئيس الدولة اقترح مبادرة غبية لهدنة لمدة سنة، وقد رفض مكتب رئيس الحكومة المبادرة.

كانت تلك هي المرة الأولى التي تدخل فيها كلمة "الهدنة" القاموس السياسي فيما يتعلق بالنزاع الشرق أوسطي، ومنذ ذلك الوقت بقيت فكرة الهدنة المتواصلة على جداول الأعمال بين الطرفين المتنازعين، على أية حال لم تكن هناك اقتراحات مجدية لحل النزاع المتواصل بين الشعبين.

وطيلة أربع سنوات عكفت بصورة دؤوبة على القيام بمحاولات متواصلة من أجل إحلال المصالحة بين الشعبين، لقد كانت هذه المحاولة بالنسبة لي رائعة ، ويمكنني القول أنني انجذبت إلى أتون المغامرة، لقد تطرقت في مرحلة متقدمة جدا إلى تدخلي في المجال السياسي كمغامرة مثيرة، وقد أجريت خلال المسيرة لقاءات رائعة مع عرفات، بل وكنت في مرحلة معينة شاهدا على الخلافات التي قامت بين زعامة حماس وزعامة حركة فتح.

وعندما قررت كتابة كتاب حول القضية قررت أن أسميّه "هدنه.. مغامرة سياسية" وقد صدر الكتاب عام 2005 وأصدرته دار أرييه نير، وقد وقعت منذ ذلك الحين أحداث كثيرة جدا، لقد حرص شرقنا الأوسط المجنون على إثارة كم هائل من التطورات الدرامية والتي أثرت على حياة ملايين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما ولد شرخ بين حركتي حماس وفتح، والذي وصل إلى ذروته بسيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007.

وفي مرحلة لاحقة شهدنا عملية تشديد الحصار الإسرائيلي على غزة، وإطلاق الصواريخ وقنابل الهاون بصورة دائمة من غزة باتجاه مدن وقرى في جنوب إسرائيل، ووصلت أعمال العنف إلى ذروتها في كانون الأول 2008 عندما اندلعت حرب الرصاص المصبوب، هذا إضافة إلى العديد من الأمور الأخرى، مثل نجاح بنيامين نتنياهو في الوصول إلى السلطة في إسرائيل، وانتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة.

ولا زلت أواصل جهودي من أجل إحلال الهدنة بالتعاون مع حفنة من الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يعتقدون – مثلي- أن هدنة لمدة ثلاثين سنة هي أكبر إنجاز وأكبر المسائل الواقعية التي يمكن أن نستقيها من الشرق الأوسط في هذه الآونة.

وأعتقد أنا وأصدقائي أن من واجب الأطراف أن تعد لنفسها بوليصة تأمين قبل أن تتخذ قرار الدخول في مفاوضات حول التسوية الدائمة، وأقصد التوصل إلى اتفاق مفصل يكفل لسكان المنطقة حياة عادية لفترة متواصلة إلى أبعد قدر ممكن، حتى لو فشلت المحادثات حول التسوية الدائمة.

وبناء على التقاليد العربية العريقة فإن آلية المصالحة تبدأ بأن تقوم لجنة المصالحة المؤلفة من أناس محترمين، مستقيمين، عقلاء وليسوا طرفا في النزاع، بالعمل على إحراز هدنة بين طرفي النزاع.

أنني وأصدقائي نحلم بوفد وجهاء يقوده أناس رفيعو المستوى من أنحاء العالم ويأتي إلى منطقتنا ويجتمع مع جميع أطراف النزاع- بما فيها زعامة حماس وفتح والزعامة الإسرائيلية- ويحاول أن يحل الهدنة لمدة ثلاثين سنة، ونحن نعتقد أن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن ندفع خلالها حركتي فتح وحماس إلى الموافقة على أسلوب مشترك لصالح الشعب الفلسطيني يجب أن تأتي في الإطار الواسع للتوصل إلى حل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

وخلال الهدنة المتواصلة – ربما سنة أو سنتان بعد بداية المسيرة- ستقام في نهاية المطاف الدولة الفلسطينية داخل حدود مؤقتة.

إن أحد العوامل المركزية في مبادرتنا هو جمع عشرة مليارات دولار على الأقل مسبقا من الدول المانحة، وإرسال هذا المبلغ فورا ودون أدنى تأجيل لبناء دولة فلسطينية عصرية. إن الاستثمار المكثف في البنى التحتية سيخلق عشرات آلاف أماكن العمل، وسيحسن الواقع الاجتماعي والاقتصادي في غزة والضفة الغربية إلى حد كبير جدا.

ورغم جميع العوائق والموانع القائمة إلا أني لا أعتزم التسليم، بل إنني عازم على بذل قصارى جهدي من أجل دفع مسيرة تفضي إلى ثلاثين سنة من الهدوء في الشرق الأوسط، وأعكف أنا وزملائي في هذه الأيام على بناء موقع انترنت باللغات الثلاث – العربية والعبرية والإنجليزية- والذي سيحاول دفع مبادرتنا للمصالحة إلى الأمام والوصول إلى أكبر عدد من الأشخاص عبر الانترنت. هذه المهمة مثيرة وتثير التحديات، وأنا أدعو القراء للدخول إلى الموقع والذي عنوانه www.hudna.org نحن في حاجة لأوسع دعم ممكن، وأنا على قناعة بأن غالبية الإسرائيليين وغالبية الفلسطينيين سيسرون جدا إذا ما استيقظوا على واقع يضمن لهم ثلاثين سنة من الهدوء، سيكون ذلك اليوم يوما كبيرا إذا ما تمكنا من الوصول إليه، وأنا على قناعة من أنه إذا ما عززنا نحن الناس البسطاء تكاثفنا وتآزرنا، فسوف نتمكن من تحقيق هذا الحلم.

وفي الختام أشكر دار الجليل وأشكر الناشر غازي السعدي على العمل الجيد والدعم والجهد.

إيال أرليخ

عمان- شباط 2010

صفحة 2

وجهة نظر

نادرا ما تتوثق علاقات صداقة بين عربي فلسطيني من جهة وبين يهودي إسرائيلي من جهة أخرى.

علاقة مبنية على فهم مشترك لعلاقات الشعبين في البلاد والمنطقة، علاقة مبنية على الإيمان بالعدالة الاجتماعية والمساواة بين جميع المواطنين في إسرائيل والرغبة الحقيقية في تحقيق السلام العادل المبني على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة ومعارضة الاستيطان بكل أنواعه والإيمان بضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس العربية.

عرفت الصديق ايال ايرليخ صيف 1984 حيث اتصل بي هاتفياً في أعقاب انتخابات الكنيست التي جرت في تموز من ذلك العام واقترح أن نلتقي قبل الجلسة الأولى للكنيست.

أطلعته على مسودة خطابي الأول كعضو كنيست وطلبت أن أسمع تعليقه على الخطاب، أضاف ملاحظة شديدة تستهدف عضو الكنيست العنصري كهانا الذي انتخب في نفس السنة ليمثل تيار العنصريين الذين يريدون ترحيل العرب من البلاد.

قبلت اقتراحه وأضفت ما يجب متحدياً العنصري المأفون كهانا.

نشأ ايال ايرليخ لعائلة يهودية مقدسية، درس المحاماة وتخرج محامياً من الجامعة العبرية في القدس.

لم يعمل بالمحاماة بل عمل لسنوات طويلة صحفياً في جريدة معاريف وهآرتس ومجلة "كوتيرت رشيت" ثم انتقل للأعمال الحرة حيث تاجر باستيراد اللحوم من أستراليا والأرجنتين وهنغاريا وبيعها في إسرائيل والأراضي الفلسطينية.

استمرت علاقتنا طوال السنوات التي كنت فيها عضواً في الكنيست أي منذ عام 1984 حتى 1999. وبعد أن تقاعدت من عملي البرلماني استمرت علاقتنا وصداقتنا بل قويت مع الأيام.

اقترح عليّ ايال ايرليخ أن نقيم شركة مشتركة للتطوير والإنشاء وسجلنا الشركة باسم الشرق الأوسط الجديد على أمل أن يكون حقاً شرق أوسط جديد به تعايش وسلام. بدأنا نعمل ونخطط.

ومن المشاريع التي خططنا لها إقامة جسر يربط قطاع غزة مع الضفة الغربية وإقامة محطة لتوليد الكهرباء في قطاع غزة تعمل بالغاز الذي يتم استيراده من جمهورية مصر العربية وكذلك إقامة مصنع للثلاجات في مدينة نابلس ومشاريع لسكن العائلات الفلسطينية في القدس ورام الله.

ومن المشاريع التي عملنا لإنجازها مشروع علاج المياه العادمة في قطاع غزة ومشاريع أخرى كثيرة.

خططنا وتنقلنا بين العواصم العربية والأجنبية لضمان التمويل المناسب لهذه المشاريع وحصلنا على التأييد الكامل للرئيس الراحل ياسر عرفات وحصلنا على مباركة جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية وموافقة ضمنية من ايهود باراك رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت.

وجاءت الانتفاضة الثانية عام 2000 لتنسف كل مشاريعنا وكل أحلامنا بشرق أوسط جديد لقد تعطلت المشاريع وانتهت الشركة التي أقمناها من اجل تنفيذ تلك المشاريع.

بعد بدء الانتفاضة الثانية طرح ايال ارليخ فكرة تحقيق هدنة بين إسرائيل والفلسطينيين.

وقد رحب بذلك الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس دولة إسرائيل بذلك الوقت موشيه كتساف وحصلنا على مباركة من حكومات مصر والأردن.

وجاءت انتخابات عام 2001 بأريك شارون رئيساً لوزراء إسرائيل وقد عارض أي نوعه من الهدنة مع الجانب الفلسطيني حيث اعتقد ان بإمكانه قمع الانتفاضة بدل الهدنة مع الفلسطينيين.

وقد تقاعس موشيه كتساف رئيس دولة إسرائيل ولم يجرؤ على قبول اقتراحنا بالسفر لرام الله وإلقاء خطاب أمام المجلس التشريعي الفلسطيني والإعلان عن هدنة مشتركة مع الرئيس ياسر عرفات.

التقينا مراراً وتكراراً مع القيادة الفلسطينية في رام الله وغزة كان هناك استعداد فلسطيني كامل لتحقيق الهدنة لكن الرفض الإسرائيلي كان واضحاً شاركت فيه القيادة السياسية والأمنية الإسرائيلية وعلى الرغم من ترحيب رئيس الدولة موشيه كتساف إلا أن الموقف الرسمي الإسرائيلي كان الرفض المطلق.

أصبت بالإحباط من موقف إسرائيل الرسمي وكذلك كان نصيب صديقي ايال ايرليخ لكنه ظل يحلم بالهدنة وبالسلام وأنا وصلت لقناعة أن القيادة الإسرائيلية مدعومة بالصهيونية الدولية لا تريد الهدنة ولا تريد السلام وأنها تريد مواصلة الاستيطان والاحتلال.

يظل ايال ايرليخ يحلم ويخطط ومشغول البال بكيفية تحقيق الهدنة وإبرام اتفاقية السلام.

وأظل أحلم بضرورة إنهاء الاحتلال وإنهاء الاستيطان وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس العربية.

ونظل انا وايال ايرليخ أصدقاء صداقة حقيقية متينة تقوى مع الأيام.

عبد الوهاب دراوشة

رئيس الحزب الديمقراطي العربي

الناصرة

25/1/2010

صفحة 3

مقال حول الكتاب

بعد نشر المقال في صحيفة القدس وبدافع الوصول إلى عدد أكبر من قراء لغة الضاد توجهت إلى صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في لندن والتي توزع في معظم الأقطار العربية، وبعد أخذ وعطاء وافقت الصحيفة وبصورة استثنائية على نشر المقال بالصورة التي نشر فيها في صحيفة القدس.

وإليكم نص المقال:

الأخوة والأخوات الفلسطينيون الأعزاء

في الأيام الأخيرة، شهدنا خلافاً في المعسكر الفلسطيني، فقيادة السلطة الفلسطينية، ويمثلها أبو مازن، تساند بقوة المبادرة المصرية لعقد هدنة أحادية الجانب من قبل الشعب الفلسطيني لمدة عام واحد، ومن جانب آخر، فإن المنظمات الأخرى الأكثر تسلحاً، ما زالت ترفض قبول الهدنة، وتصر على استمرار سفك الدماء.

بشكل أساسي هناك معسكران في داخل مجتمعينا الإسرائيلي والفلسطيني أولئك الراغبون في العيش بسلام جنباً إلى جنب مع الآخرين، وهم على استعداد لتقديم تنازلات مؤلمة، وأولئك الذين ليس لديهم استعداد لتقديم أي تنازلات، وهم مصممون على القتل والدمار إلى أن يتم تحطيم وذبح الآخرين.

وعادة فإن هؤلاء المسلحين يجدون المبررات لمواقفهم في الكتب المقدسة ، هؤلاء المتطرفون لا يترددون في قتل وإيذاء الأشخاص الأبرياء بإسم الله، وهؤلاء ليس لديهم رحمة ولا يظهرون أي نوع من الشفقة وهم قساة لا يعرفون قيمة للحياة.

هذه هي دعوتي للشعب الفلسطيني إن الحل موجود وهو حل واضح وساطع وجميل، عليكم فقط أن تفتحوا عيونكم وأن تفتحوا عقولكم، توجهوا إلى القرآن الكريم، وافتحوا الصفحة الأولى، هذا هو الجواب بسم الله الرحمن الرحيم.

إن الاتجاه واضح جداً، فإن الله رحيم وعطوف، فليس من المستغرب إذن أن القرآن يبدأ بهذه الكلمات، يجب أن يكون لهذا معنى عميق، فالكلمة الأولى في وصف الله هي الرحمن، ولكي يكون المعنى أكثر قوة كانت الكلمة الثانية هي الرحيم، هذه هي الوصية الأولى لكل إنسان مسلماً كان أم يهودياً، لتكن لديك صفة الرحمة، وحافظ على حياة الآخرين، ولا تؤذ الأشخاص الأبرياء، أبداً، عش ودع الآخرين يعيشون، ابحث دائماً عن الحل السلمي، ولهذا فإنه ليس من المستغرب أن هناك ثماني إشارات أخرى من القرآن الكريم، تحرم بوضوح قتل البشر.

إن جميع سور القرآن الكريم تبدأ بالتذكير نفسه بأن الله رحمن رحيم، ويجب أن يكون لهذا معنى عميق ومقدس، إن السهام المؤشرة واضحة جداً وبارزة، ليس هناك مبرر لإيذاء الأشخاص الأبرياء، ليس هناك مبرر لتنفيذ حروب دموية غير ضرورية، كبديل لطريق التسوية المحترم، إن هذه روح الدين وأوامره.

إنني كمواطن إسرائيلي، أحاول فعل أي شيء ضمن إطار قدرتي المحدودة، من أجل مساعدتنا، نحن الإسرائيليين والفلسطينيين، على فتح صفحة جديدة من تاريخنا، من أجل الوصول في النهاية إلى عهد الاحترام المتبادل والأمن للجميع، الأمن الجسدي والأمن الاقتصادي.

أنا لست ممثلاً عن أي شخص سوى نفسي، وأنا لست الحكومة الإسرائيلية ولم يقم أحد بتعييني من أجل الترويج للسلام، إن الأدوات الوحيدة التي أملكها هي قلبي وعقلي وقدرتي على التعبير عن نفسي.

إنني أعتقد أن هناك فرصة جيدة إن مبادرة السلام المصرية سوف تطبق مع شارون أو دونه، وعلينا نحن كأشخاص بسطاء أن نتحمل المسؤولية وأن نفعل كل ما بوسعنا للترويج لهذه المبادرة.

في الأيام القليلة القادمة، سيقوم رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون بزيارة إلى القاهرة للمرة الأولى للاجتماع مع الرئيس المصري حسني مبارك، وأحد القضايا الرئيسية التي ستبحث هي مبادرة الهدنة، وسيدفع الرئيس مبارك، شارون إلى القبول بها.

إن هذه لحظة حاسمة يجدر بالشعب الفلسطيني أن يدعم هذه المبادرة لإجبار شارون على وضع أسلحته جانباً، وإلى الدخول في الطريق الذي لا يمكن تجنبه وهو طريق إقامة الدولة الفلسطينية، سيكون من الرائع أن نرى ضغطاً شعبياً على القادة الفلسطينيين المختلفين لقبول الهدنة، وأنا أصلي من أجل أن يقوم كل فلسطيني مسؤول بإيجاد طريقة لدعم هذه المبادرة، لأنها هي السبيل الوحيد للخروج من الوضع المأساوي.

صفحة 4

أريد أن أنتهز هذه الفرصة، لأوجه دعوة عامة إلى جميع القادة الفلسطينيين، كونوا رحماء حافظوا على حياتنا وحياة أطفالنا، وأنا أقترح عليكم أن تقوموا وبصورة علنية بشجب استخدام العنف ضد الأشخاص الأبرياء وبشجب أولئك الذين يرفضون تقديم أي تنازلات للتوصل لحل معقول للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

إن مثل هذه الدعوات من جانب القادة الفلسطينيين، ستساعد كثيراً في قضية إقامة دولة فلسطين المستقلة، ويمكنكم أن تعيدوا تشكيل الرأي العام في جميع أنحاء العالم، ويمكنكم أن تعيدوا للقيادة الفلسطينية أهميتها واعتبارها، ويمكنكم المساعدة كثيراً في إقامة دولة مستقلة وسلمية.

إنني أدعو جميع القادة الفلسطينيين إلى تذكير الفلسطينيين بأن الله هو الرحمن الرحيم، ولذلك فإن من الحرام قتل الأبرياء، فهذا أسوأ الخطايا، وكل من يعتقد أنه يقوم بتطبيق أوامر الله بقتله للأبرياء، فإن ذلك يعتبر تشويهاً رهيباً وإساءة للفهم.

وجهوا الدعوة إلى جميع الفلسطينيين الشباب والشجعان الذين يشاركون في معركة الاستقلال، أرجوكم ألا تقوموا بهذا الخطأ، أرجوكم ألا تقوموا بإيذاء الأبرياء، إن هذا يعارض مصلحة الشعب الفلسطيني، وهذا يعتبر جريمة ضد الإنسانية ويخالف مشيئة الله.

أرجوكم أن تقوموا بأي شيء لقبول مبادرة الهدنة المصرية، كما عرضها الرئيس المصري حسني مبارك.

إن هذا هو الوقت لمواجهة المتطرفين الذين يشدون الشرق الأوسط نحو الهاوية، ولا تنسوا أن أحمد ياسين كان قد أعلن عدة مرات أنه يمكن للفلسطينيين عقد هدنة مع إسرائيل.

الأخوة والأخوات الفلسطينيون الأعزاء إن أمامنا فرصة ذهبية، ويمكنكم أن تظهروا للعالم كله أن الشعب الفلسطيني يسعى للتوصل لحل سلمي للصراع، فأنتم لستم القاعدة، فاختاروا طريق السلام.

إن العالم كله سوف يقدر خطوة كهذه من قبل الفلسطينيين، فمن أجل المستقبل، لا تقوموا بتفويت هذه الفرصة.

صفحة 5

مدخل: دعوة إلى مغامرة

إن هذه الرواية التي أوردها هنا حقيقية، وقد شاركت فيها، وهي بمثابة مغامرة سياسية، لقد تم إعداد هذا الكتاب في خضم الأحداث المتتالية لذا لم أجد لها نهاية حتى الآن، بيد أن من المؤكد أن لها بداية ووسط ، وفيها الكثير من الحركة.

أنا مواطن إسرائيلي من عامة الشعب، لست زعيما، ولست سياسيا، ولا أزعم بأنني أمثل أحدا سوى نفسي، وذات يوم برقت في خاطري خاطرة وسؤال: كيف يمكنني أن أدفع الأمور باتجاه وقف النار في الحرب الدائرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ وقد عملت على تطوير الخاطرة، والتي سرعان ما تنامت في صورة مبادرة سياسية، مبادرة الهدنة، وعلى متن هذه المبادرة أبحرت وتوغلت في محيطات العالم السياسية، وسحبتني تياراتها العارمة.

هناك في المغامرة التي اجتزتها معايير خاصة ترتبط بها ارتباطا وثيقا: والمتمثلة في محاولة لإنقاذ حياة الكثير من الناس، محاولة للعمل على إقرار وقف نار متواصل ويحظى بالاحترام في النزاع مستعر الإوار بين الشعبين، وقف نار – قد – يصبح بمثابة الخطوة الأولى للمصالحة، ولا شك أن مثل هذا الهدف هو هدف سامي، هدف يغذي الشرايين بالكثير من الطاقة الحيوية، ويقدم هدية رائعة لملايين الأشخاص من الشعبين الذين يتضرعون من أجل نيلها، إنها شيء يستحق أن نبذل الغالي والرخيص من أجله.

والحقيقة هي أنني لم يسبق أن توليت قضية على هذا القدر من الأهمية، ولا شك لدي أن الأمر يبدو غريبا للغاية، فها هو مواطن من عامة الشعب يجرؤ على التفكير بأن لديه مقدرة على تحقيق وقف النار، ترى من يمكنه أن يطلق مثل هذا الاقتراح؟ إن الشخص الذي يطلق مثل هذا الاقتراح إما أنه ساذج، أو غير سوي، إن شخصا غرا أو "دون كيشوت" وحده يمكنه أن يقحم نفسه بكامل إرادته في حلبة الصراع بين الشعوب، زاعما أنه يحاول الفصل بين الصقور، وأنا لا أعتقد أنني شخص ساذج، بل أعتبر نفسي شخصا عمليا، وحسب اعتقادي، فإن المبادرة هي بمثابة تطلع عملي وبسيط وقابل للتطبيق، وأن بالإمكان أن نرى الثمار الناضجة على الأشجار ذات يوم.

ومن نافل القول الإشارة إلى أنني على علم بمزاعم الجنرالات والسياسيين وصانعي القرارات القائلة أن مبادرة الهدنة هي مبادرة خطرة بالنسبة لإسرائيل، وأن قيادة السلطة الفلسطينية حاولت وستحاول استغلال النوايا الحسنة والبريئة للمواطنين الراغبين في الأفضل، وتستخدم الهدنة بغية تعزيز المقاومة ضدنا، وأنه يتوجب على دولة إسرائيل أن تواصل توجيه الضربات للفلسطينيين حتى يدركوا أنهم ارتكبوا خطأ جسيما، ومن ثم يتخذون قرارا بالشروع في حرب أهلية بغية اجتثاث المسلحين من بينهم.

ومن الجائز أنهم على حق فيما يعتقدونه، وأنني ساذج حقا، هذا جائز بالتأكيد، بيد أن من الجائز أيضا أنهم على خطأ وخطأ جسيم، وإذا كان الأمر على هذا النحو حقا، فإنهم يعرضون مواطني الدولة دون أي داع للأخطار، ويلحقون أضرارا لا تقدر ولا لزوم لها البتة بملايين الفلسطينيين الذين يئنون تحت نير ما نسميه (الحرب ضد الإرهاب)، ويقوضون الأسس الأخلاقية التي قامت عليها دولة إسرائيل.

وإذا كان أولئك الجنرالات والسياسيون مخطئين حقا، فإنهم يقودون بذلك الدولة على منحدر شديد الخطورة، الأمر الذي يتطلب العمل على تغيير الاتجاه، وبسرعة كبير، قبل أن يفوت الأوان ويصبح الوقت متأخرا جدا.

صفحة 6

إنني أعتبر نفسي مواطنا إسرائيليا عاديا، اتخذ قرارا كأي مواطن عادي ذات يوم، بأن من المستحيل بعد الآن الجلوس في مجلس المتفرج، بل يجب أن نهب لنفعل شيئا ما يدفع بالأمور نحو الأفضل، ولا شك أن هناك العديد من المنظمات المدنية والسياسية والاجتماعية التي يهب من خلالها المواطنون من أجل تصحيح الواقع، فعلى سبيل المثال، اتخذت السيدة فيكي كنفو – وهي أم لابن بلا أب من متسبيه رمون – قرارا في تموز 2003 بعدم الجلوس مجلس المتفرج، وقامت طيلة أسابيع عديدة بقيادة نضال اجتماعي ضد سياسة وزارة المالية، وإذا ما كلفنا أنفسنا عناء إلقاء نظرة إلى الوراء، فسنجد أن النضال الذي خاضته لم ينجح في تحقيق النتائج التي وضعتها نصب عينيها.

إن أكثر المبادرات المدنية نجاحا في غضون السنوات القليلة الماضية هي تلك المبادرة التي انتظمت خلالها مجموعة من النسوة من المنطقة الشمالية في مطلع عام 1997 تحت عنوان (أربع أمهات)، والنساء المؤسسات لهذه المنظمة هن أمهات لجنود خدموا في لبنان، وقد قررن العمل بغية إخراج الجيش الإسرائيلي من لبنان، وقد جذبت النشاطات الأولية التي قمن بها - في صورة مظاهرات في مفترقات الطرق - الكثير من الاهتمام، والذي بدأ يتزايد رويدا رويدا حتى حظيت بتأييد جماهيري واسع.

وعندما تم اختيار أهود باراك رئيسا للحكومة، تعهد بأن يخرج الجيش الإسرائيلي من لبنان، وأشار إلى الضغوط الجماهيرية كسبب هام من بين الأسباب التي حدت به لاتخاذ هذا القرار، وفي الرابع والعشرين من آيار 2000 خرج الجيش الإسرائيلي حقا من لبنان.

ويمكننا القول: إن هذا العمل الشجاع والذكي أفضى إلى إنقاذ حياة مئات الجنود، وقد أصبحت منظمة (أربع أمهات) نموذجا يقتدى به بوصفها أبرز نماذج النجاح التي أفضت إلى خلق ضغط جماهيري على صانعي السياسات في إسرائيل.

ومن البديهي القول أن هناك العديد من المنظمات المدنية الأخرى، فقد تم تأسيس حركة حاجز (WATCH) في كانون الثاني 2001 في أعقاب التقارير التي تناقلتها وسائل الإعلام حول المساس بحقوق المواطنين الفلسطينيين الذين يجتازون الحواجز العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتعمل في هذه الحركة حوالي أربعمائة امرأة، وهن يقضين الكثير من وقتهن وجهدهن في الإشراف على مسلكيات جنود الجيش الإسرائيلي على الحواجز، وفي آذار 2004 حظيت هذه الحركة بوسام حقوق الإنسان الذي يحمل اسم (إميل جرينتسفيج) من رابطة حقوق المواطن في إسرائيل.

وفي كانون الثاني 2002 شكل خمسون ضابطا وجنديا - من الوحدات الميدانية والذين أعلنوا أنهم يرفضون الخدمة في المناطق المحتلة- حركة ( من الشجاعة أن نرفض)، وقد انضم بمرور الزمن إلى هذه الحركة بضع مئات من الجنود، ومن الجدير بالذكر أن الكثيرين منهم يدفعون حتى اليوم ثمنا شخصيا باهظا جراء هذا القرار.

وهناك مبادرة أخرى هي مبادرة (رسالة الطيارين)، التي نشرت في أيلول 2003، والتي قررت خلالها مجموعة من الطواقم الجوية بأن لا تلوذ بالصمت بعد الآن إزاء ما يبدو لهم كسرعة بالغة من قبل الطيارين في الضغط على الزناد وإلحاق الأضرار بالأبرياء، وقد قاموا بنشر رسالة علنية بهذا الخصوص، الأمر الذي أثار أصداء إعلامية هائلة.

صفحة 7

وأنا على قناعة تامة من أن العمل الذي قاموا به صعّد مستوى الحساسية تجاه هذه القضايا لدى قادة سلاح الجو وكذلك لدى الطيارين.

وهناك قطاع جماهيري شديد الاهتمام وعلى استعداد للالتحاق بالنضال بصورة حازمة وشديدة جدا من أجل تنفيذ مطالبه، وهذا القطاع الجماهيري يتألف من عشرات آلاف المستوطنين الذين يؤيدون استمرارية الاستيطان في المناطق المحتلة ويتجندون بحماس أيديولوجي متأجج لخوض النضال ضد إخلاء النقاط الاستيطانية والمستوطنات.

ويتجسد النضال الذي يخوضونه بادئ بدء بتمسكهم الشديد بمستوطناتهم، رغم أن هذه المستوطنات تحولت إلى هدف مركزي لنيران حركات التحرر الفلسطينية، أما أساليب النضال الأخرى التي انتهجوها فتمثلت في مهرجانات الاحتجاج والقيام بعمليات مختلفة بغية الدفاع عن مواقفهم.

هناك في دولة إسرائيل أناس كثيرون شديدو الاهتمام بما يجري هنا، وقد قرروا عدم الوقوف موقف المتفرج على الأحداث، وما أنا سوى واحد منهم، وها أنا أروي هنا قصة رحلتي.

لقد بدأت مغامرتي السياسية في أوج الحرب، حرب وحشية تركت وراءها أكواما من الجثث والعائلات المدمرة – رجالا، نساء، أطفالا، قتلى، مقاتلين مزقتهم العيارات النارية، وآلاف الجرحى، والآلام الإنسانية الطاغية.

وروايتي مصحوبة بالكثير من الأعمال المسلحة والعمليات، وأنا لا أشعر بالارتياح وأنا أتذكرها، لكن ما العمل؟ فمبادرتي تأتي في هذا المجال، مجال سفك الدماء ومحاولة وقفه.

إن الحرب ونتائجها المفزعة كانت السبب الرئيسي الذي جعلني أهب لخوض المغامرة، ولا زالت هذه الحرب بمثابة الخلفية التي تدفعني حتى الآن، والكتاب يتطرق لانتفاضة الأقصى من وجهة نظري، بوصفي مواطنا إسرائيليا يهوديا يتعاطف قبل كل شيء مع آلام أبناء شعبه. ولست أزعم أنني إنسان نزيه، وفي نفس الوقت فإنني أحاول، بل وأبذل قصارى جهدي من أجل أن أصبح مصغيا أيضا لآلام الفلسطينيين.

لقد دفعت هذا الكتاب في البداية إلى المطبعة في نهاية آب 2004، وفي الحادي عشر من تشرين الثاني 2004 في الساعة الثالثة والنصف صباحا حسب توقيت باريس أعلن عن وفاة ياسر عرفات، إن زوال عرفات عن الساحة البشرية هو حدث تاريخي ذو أهمية هائلة، وقد كان علي أن أتطرق لهذا الحدث التاريخي وأن أعدل كتابي بما يتوافق معه، لقد كتبت الفصل الذي جاء تحت عنوان: "لقائي الأخير مع عرفات" بعد بضعة أسابيع من وفاة عرفات، ويعتبر بمثابة المرحلة الأخيرة – في الآونة الحالية- في مغامرتي السياسية.

ونظرا لرغبتي في أن يصبح الكتاب مثيرا للاهتمام وسلسا، فقد حرصت على عدم الخوض في التفاصيل المعقدة والمملة، وحرصت أيضا على وجود بعض الملاحظات خلال السياق والتي وجهتها لأولئك القراء المعنيين بالمزيد من المعلومات التي يبدو قسم منها في نهاية الكتاب.

هذا الكتاب، هادف وذو اتجاه، وأنا آمل أن يتمكن من إضفاء ولو تحسن طفيف على فرص تجسيد مبادرة الهدنة، أما بالنسبة لي، فعندما ستدخل الهدنة حيز التنفيذ الفعلي ويمر عام على الأقل من الهدوء، فسوف تكون آنذاك قد حلت نهاية مغامرتي السياسية حقا.

أرجوكم أن تشدوا الأحزمة، فالمغامرة على وشك الإقلاع.

صفحة 8

الفصل الأول
عمان .. الرابع من أيلول 2000
بدا في صوت عصام الداود فزع كبير، ولم يسبق لي أن سمعته مذعورا إلى هذا الحد من قبل، فهذا الرجل هو رجل أعمال ثري، ويدير إحدى كبريات الشركات الأردنية، وهو رجل شديد الوثوق بنفسه، بيد أنه في صبيحة ذلك اليوم همس لي قائلا: "اعذرني، لا يبدو الأمر لطيفا بالنسبة لي أبدا، لكنني لا أستطيع حضور اللقاء".
الزمان: الرابع من أيلول 2000، المكان: عمان، لقد انتظرت هذا اللقاء زمنا طويلا، فعصام رجل أعمال جم المشاغل، وقبل شهر سافر إلى الصين، وعاد من هناك إلى الأردن بعد أسبوعين، وكان من المفروض أن نجتمع سوية، بيد أنه كان مضطرا للسفر إلى هولندا على وجه السرعة، وفي مطلع أيلول عاد إلى الأردن، وتم تحديد اللقاء بيننا في صباح الرابع من أيلول في مكتبه.
وكنت مساء اليوم السابق قد طرت من إسرائيل إلى عمان من أجل إتمام هذا اللقاء، ولا شك أن هذه السفرية بحد ذاتها كانت مزعجة، فعمان في الليل تبدو مدينة مثيرة للملل، حقا يوجد هناك عدة مطاعم رائعة، وبشكل خاص مطعم ريم البوادي في حي تلاع العلي بالقرب من دوار الواحة، وفخر الدين القائم خلف السفارة العراقية، لكنني كنت أعاني من سمنة زائدة بصورة مزمنة، وفي تلك الليلة وبصورة غير عادية فرضت على نفسي نظاما غذائيا متشددا، الأمر الذي لم يبق لي كي أتخلص من تأنيب الضمير سوى أن أدخن النرجيلة في أحد مقاهي جبل الحسين، لقد كانت لدي بعض الأفكار الأفضل حول قضاء الوقت والتمتع به، لكن لم يكن لدي حيلة في ذلك، وكنت أدرك أن على من يرغب القيام بعمل ما في عمان أن يدفع الثمن، وهكذا جلست في غرفة الفندق، وأصغيت لصوت عصام في الهاتف محاولا أن أخفي خيبة أملي المرة من إلغاء المقابلة.
كنت قد أنهيت لتوي وجبة الإفطار، وحلقت ذقني، وارتديت قميصا مكويا وربطة عنق، وأصبحت على أهبة الاستعداد، وانساب صوته في الهاتف قائلا: "أنا آسف، بيد أن أمرا فظيعا قد وقع، لدي شقيق سييء يدعى محمود، في الحقيقة هو نصف شقيق، لأنه شقيقي من والدي المتزوج من امرأتين، وقد أنجبت له المرأة الأولى عشرة أبناء وبنات وأنا الابن الأول، وقد أنجبت له المرأة الثانية أيضا عشرة أولاد وبنات، ومحمود هو الشقيق السادس من المرأة الثانية، هو شخص متعب لغاية، بل إنني لا أتكلم معه منذ سنوات طويلة، وقد تشاجر هذا المجنون أمس مع أحد التجار في سوق عمان، شجار أحمق حول خمسة آلاف دينار، فقام محمود باستلال مسدسه وقتل التاجر، ورغم أن الشرطة قامت باعتقاله، وهو الآن في السجن، إلا أنه يتوجب عليّ الاختباء، وقد أخذت زوجتي وأولادي ونحن الآن مختبئون، لأننا خائفون من أن تثأر عائلة القتيل منا لدم ابنها.
لم أصدق ما أسمع، لقد طرت إلى عمان وتعذبت وعانيت دون جدوى، وكل ذلك على أرضية هذه القصة التي تبدو وكأنها تأتي من العصور الوسطى، وقد قلت له بذهول: "ما الذي تعنيه بالثأر؟ نحن الآن في القرن الحادي والعشرين؟ ما علاقتك وعلاقة عائلتك بكل هذه القضية؟ أنت رجل أعمال محترم جدا في الأردن، هل ذنبك أن شقيقك مجنون؟ إن قوانين الثأر تتلاءم مع الواقع الذي كنا نعيشه قبل ألف سنة، ما دخلك بكل هذه الرواية؟
وقد رد على قائلا: "هذه حبيبي هي عقليتنا، فظاهرة الثأر لا زالت قائمة لدى جميع العرب، وقوانينها سارية المفعول سوية مع منظومة القوانين العادية فإذا ما قام شخص ما من عائلة بقتل شخص آخر من عائلة ثانية، سيتوجب على أهل القتيل قتل أحد أخوة القاتل على الأقل. هذه هي قوانين الثأر، يجب أن يفعلوا ذلك من أجل كرامة العائلة، وهناك أناس من أجل كرامة العائلة لا يكتفون بقتل شقيق واحد للقاتل، بل يقومون بقتل شقيقين، لأن مثل هذا الوضع يعتبر أكثر كرامة، إن قتل شقيق واحد هو الحد الأدنى، وبصورة عامة يقومون بقتل أفضل الأخوة، أو أكثرهم ثراء، ولأسفي البالغ فإن هذا الشقيق في حالة محمود هو أنا، أنظر إلى هذا الحظ الأحمق، أنا لم أفعل شيئا، وفجأة أجدني عرضة للاغتيال، أنا آسف، فأنا وعائلتي مختبئون الآن، ولا أستطيع القدوم إلى اللقاء".
رغم خيبة الأمل التي منيت بها جراء إلغاء اللقاء، والمفاجأة التي داهمتني جراء سماع هذه القصة الغريبة، إلا أنني حاولت الحفاظ على صورة المتعاطف، وقلت له: "أنا أدعوك للاختباء في بيتي، وإذا ما رغبت، فإنني على استعداد للتوجه إلى السفارة الإسرائيلية في عمان كي تصدر لك ولعائلتك تصاريح دخول لإسرائيل".
قال: "شكرا، حقا شكرا، أنا أقدر ذلك جدا، بيد أنني آمل أن أتمكن من حل هذه المشكلة والعودة إلى بيتي في غضون يومين أو ثلاثة".
 

صفحة 9

عدت إلى تل أبيب، وفي اليوم التالي اتصلت بالهاتف الخليوي الخاص بعصام، وعرفت أنه لا زال مختبئا، ولم أسأله أين يختبئ، بل تمنيت له السلامة، وعرضت عليه للمرة الثانية أن أمنحه مأوى في بيتي، فقال: " شكرا يا حبيبي، ألف شكر، وغدا إن شاء الله سيتم حل المشكلة بطريقتنا التقليدية"، وسألته: "ما الذي تتحدث عنه؟ ما هي طريقتكم التقليدية؟"، قال: "غدا إن شاء الله سأقوم بإعداد جاهة محترمة للتوجه إلى عائلة القتيل من أجل إزالة تهديد الثأر عنا، هذا هو المتبع لدينا، والجميع يعرفون ذلك، ونحن نسمي هذه الجاهة بالعربية "جاهة الصلحة"، ويشارك فيها كبار الوجهاء من الرجال، وهم يتوجهون إلى عائلة القتيل، ويعربون عن مشاركتهم في أحزانه، ويطلبون هدنة.

سألته: "ما الذي يطلبونه؟"،فقال: "هدنة، أي وقف نار مؤقت، وعندما تقبل عائلة القتيل الهدنة، فإنها تلتزم بتجميد مسألة الثأر طيلة الهامش الزمني الذي يتم الاتفاق عليه، هذا هو المتبع لدينا، والجميع يعرفونه، وبصورة عامة فإن جميع عائلة القتيل توافق على هدنة لمدة ثلاثة أو ستة أشهر أو سنة، وخلال هذه الفترة تجري مفاوضات فيما يتعلق بالتعويض عبر وساطة جاهة الصلحة، وأنت تعرف، ما إن تمضي بضعة أسابيع، حتى تهدأ النفوس، ولا يعود الدم يغلي في العروق، وتتواصل الحياة، وحينها يصبح بالإمكان الشروع بالمفاوضات، وعندما يتم التوصل إلى اتفاق حول التعويضات، ينتهي النزاع على الصعيد العملي وتتم الصلحة، ونقيم حفلة كبيرة يجري خلالها تقديم المناسف، وفي أحد أهم مراسيم الصلحة يتم ربط قطعة قماش بيضاء على عصاة وجعلها علما، علم الصلحة، ويقوم كل وجيه من وجهاء الصلحة بعقد عقدة في العلم أمام الجماهير والعشيرة، وآخر من يعقد عقدة هو أحد أبناء عائلة الضحية، وبذلك تتم الصلحة، ولا يعود هناك خوف من الثأر، هذا هو النظام المتبع لدينا، وهذا ما يحدث في كل مرة تقع فيها عملية قتل، حتى ولو لم تقع عملية القتل بصورة مقصودة، حتى ولو قام سائق بدهس شخص ما وقتله، فإن عائلته تقوم بإعداد جاهة صلحة وتتوجه إلى عائلة الضحية طلبا للهدنة، وبعد أن يتم التوصل إلى اتفاقية التعويص، تجري الصلحة، ليت أن عائلة الضحية توافق غدا على منحنا هدنة وحينها سأتمكن من العودة إلى بيتي".

سمعت ما قاله وشعرت بالذهول، لقد بدا لي الأمر غريبا إلى حد كبير،بيد أنني كنت في الحقيقة على إلمام طفيف بالثقافة العربية، حقا أنا أعقد صفقات تجارية مع العرب منذ سبع سنوات، تعلمت خلالها التحدث إلى حد ما بالعربية، لكنني لم أكن لأصدق أن مثل هذه الأمور لا زالت تحدث، لقد كنت أعرف أن مسألة الثأر شائعة لدى البدو، لكنني لم أكن أتخيل أن جيراننا العرب لا زالوا في الألف الثالثة للميلاد يعملون وفقا لقوانين الصحراء.

اتصل عصام بي في الليلة التالية، وقال: "الحمد لله، ها أنا في البيت، لقد وافقوا على الهدنة لمدة ثلاثة أشهر، أشكرك على دعوتك لي للاختباء في بيتك، لقد أصبحت جميع الأمور الآن على ما يرام.

سألته: " لست خائفا؟ ما الذي سيحدث إذا ما قرر أحد عائلة الضحية - رغم الصلحة - أن يغتالك؟

ضحك عصام وقال: "لا، ما داموا قد وافقوا على الهدنة فقد بات الأمر مقدسا، هكذا الأمور لدينا، وإذا ما خطط أحد أبناء عائلة القتيل لانتهاك الهدنة، فسوف يقوم أشقاؤه بقتله، حالما يقبلون الهدنة، تصبح هذه الكلمة أكبر كلمة شرف مقدسة، الحمد لله، لقد عدت إلى بيتي، وأنا أدعوك لزيارتي".

لقد علمت فيما بعد أن واجب الحفاظ على الهدنة بعد الالتزام بها هو واجب وارد في القرآن بصورة علنية، وبناء على الإسلام، فإن كل ما جاء في القرآن يجب الالتزام به، وقد ورد في القرآن فيما يتعلق بالحفاظ على الهدنة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)_ سورة البقرة

مضت عدة أيام، ونسيت القضية برمتها، وقد دفنت هذه القصة الغريبة في عقلي الباطن، وتواصلت الحياة، ودفعت إلى سطح الأحداث بروايات أخرى غريبة، إضافة إلى كومة طرية من المشاكل.

وبعد مضي وقت طويل علمت بتسلسل الأحداث في القضية التي شهدت شيئا منها في الأردن: فبعد ثلاثة أشهر، في شباط 2001، وفي ظل وساطة الجاهة المحترمة، توصلت العائلتان إلى اتفاقية تعويضات، وبعدها عقدت مراسيم الصلحة التقليدية، وانتهت المشكلة، حيث علمت أنه تم الاتفاق على دفع مبلغ خمسين ألف دينار، وعرفت شيئا آخر مثيرا للاهتمام: فقد أدانت المحكمة الأردنية شقيق عصام بالقتل، وحكمت عليه بالإعدام، وفي تشرين 2002 أعدم شنقا .

صفحة 10

الفصل الثاني
الانكشاف
جلست في مقهى في يافا، أدخن نرجيلة وارتشف الشاي بينما الأفكار تعتريني من كل مكان واتجاه، لقد كان يجب أن أكون قلقا ويائسا، والحقيقة هي أنني كنت قلقا ويائسا، لكنني كنت أشعر مع كل رشفة من النرجيلة بالمشاكل تتبدد وتتلاشى.
كان الجو جميلا خارج المقهى، السماء زرقاء، والطقس معتدل، وبمقدور المشاكل أن تنتظر، طلبت كأس شاي آخر، وحينما جاء العامل بالشاي، جاء معه بوعاء الفحم المتوهج، واستبدل الفحم المحروق على نرجيلتي.
كانت إحدى أكثر القضايا التي تقض مضجعي في مستهل آذار 2001 هي الوضع اليائس للمجتمع المشترك بيني وبين صديقي القديم عبد الوهاب دراوشه، فانتفاضة الأقصى التي اندلعت في الثامن والعشرين من أيلول 2000، دمرت آمالي في أن أصبح في نهاية المطاف ثريا، لقد كنت آنذاك قريبا تماما من هذا الوضع، بل لقد كان بمقدوري أن أشعر بالثراء، وبالمال الوفير الذي كان ينتظرنا على الطرف الآخر من الطريق.
كنت قبل سنة قد أنشأت بالشراكة مع دراوشة شركة هدفها تنفيذ المشروعات بين إسرائيل وجاراتها، ولسذاجتنا البالغة – كي لا أقول لغبائنا- أطلقنا عليها اسم "شركة الشرق الأوسط الجديدة محدودة الضمان"، لقد أنشأناها خلال الفترة التي تلت انتخاب أهود باراك رئيسا للحكومة، والتي خيل لنا حينها أن الشرق الأوسط يجتاز مرحلة زخم هائلة من المشروعات الاقتصادية المشتركة.
ومن الجدير بالذكر أن دراوشه كان قد استقال من الكنيست خلال عام 1999 بعد أن عمل عضو كنيست طيلة خمس عشرة سنة، واستجاب لاقتراحي لإنشاء شركة مشتركة، وكان من المفروض أن يدعمها عبر صلاته بالسلطة الفلسطينية وسمعته بوصفه عربيا إسرائيليا معروفا ومحبوبا. وكان من المفروض أن أقوم أنا بجلب أفكار المشروعات إلى الشركة وأكون مسؤولا عن إدارتها، وكنت قد اكتسبت الكثير من التجربة في مجال تحسين المشاريع.
قمنا باستئجار مكاتب في بيت جيبور في تل أبيب، وتعيين سكرتيرة ومدير، وشرعنا بالعمل، حيث كان المستقبل يبدو ورديا وواعدا، كنا نطرح عشرة مشروعات في آن واحد، وبدت جميعها جدية وكبيرة، فعلى سبيل المثال شرعنا في دفع فكرة مشروع إقامة جسر بين قطاع غزة والضفة الغربية، وهو جسر يبلغ طوله 45 كيلو مترا، وأقمنا صلة مع مستثمر مصري، والذي كان على استعداد لاستثمار خمسمائة مليون دولار في المشروع، وقد بدا لنا في تلك الآونة أن الجسر سيقام لا محالة.
وكان هناك أيضا مشروع كبير في بيت لحم، وكان يتطور بصورة جيدة، وقد أجرينا من أجله اتصالات مع مستثمرين إيطاليين، كانوا على استعداد لاستثمار مبلغ ثلاثين مليون دولار مقابل 50% من المشروع، كما حاولنا أيضا إقامة مصنع مكيفات مشترك بين شركة مكيفات إسرائيلية رئيسية وأكبر شركة استثمارات فلسطينية – شركة بديكو، كنا نتقدم بصورة جيدة، وكنا قريبين من تحقيق أرباح هائلة من عدة صفقات، بيد أن الانتفاضة جمدت كل شيء مرة واحدة.
لقد اندلعت الحوادث الدموية على خلفية الزيارة التي قام بها أرئيل شارون للمسجد الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول 2000، وقد أدت سلسلة العمليات اللانهائية والأحداث المسلحة والعقوبات التي مارستها إسرائيل إلى تغيير وجه الشرق الأوسط بصورة لم يسبق لها مثيل، وبدأ دخان أسود يحلق في سماء إسرائيل، وفي مطلع آذار بلغ عدد القتلى الإسرائيليين خمسة وثمانين قتيلا، وحوالي 370 قتيلا فلسطينيا، ووقعت مدينة نتانيا القريبة من خط التماس بين براثن عمليتين انتحاريتين.
وقد جرت حقا عدة محاولات للتوصل إلى وقف النار، بيد أنها باءت جميعا بالفشل، وبدأ مستوى حياة الإسرائيليين يتدهور، وقد شعرنا نحن أيضا بذلك جيدا، فالمكاتب التي كانت تغص بالحياة غرقت في الصمت المطبق، وتوقفت جميع الأعمال التي كنا نعكف عليها، ولم يكد يمضي شهر حتى اضطررنا لإقالة المدير الذي عيناه، وبعد شهر آخر أقلنا السكرتيرة.