صفحة 1
ـــ 1 ـــ
هل كان انتقال فايز الحلاق من مدينته – الناصرة -- هربا ً من حالة معيشية يرغب في الأبتعاد عنها ؟... أم خوفا ً من تهديدات زوجة ٍ خائنة ٍأذاقته الأمرين ؟ وما زالت تلاحقه عن طريق عشاقها , وتهديدهم المتواصل له , لدرجة الإعتداء الجسماني ؟ أم هو تغيير عالم ٍ فقد ثقته فيه , وفقد طعم الحياة وطعم السعادة ؟ إلى عالم يجد ِّد فيه حياته كلـِّيا ً , علـَّه يبتعد عن الأحلام المزعجة والكوابيس والخوف المتواصل ... ولكن كيف استطاع أن يترك مدينته العزيزة على قلبه ووجدانه ؟.. فالرمال لا تترك شواطئها , إلاّ إذا اغتصبها مقاولوا البناء ومكابس " البلوكات ".. وهوالذي ولد وعاش فيها.. حيث كان مرتبطا ً بها , كارتباط القمر بالكرة الأرضية ؟ فمهما دار ولف َّ حولها . قر ُب أو ابتعد عنها لا يستطيع الفكاك منها ... ومع ذلك استطاع فايز تركها , مع كل ِّ حبه لها , فهو بعد أن خرج من السجن , لم يعد لديه ما يخسره ..فقد خسر الزوجة والبيت وعمله وكل َّ ما كان لديه من نقود ,حتـَّى حياته .. فقد أحس أنه يعيش في فراغ ٍ ثقيل ٍ متواصل , كأن الغيوم السوداء تتراكم فوق رأسه , كتراكم الثلوج فوق جبال الألب, فتضغط على صدره وتعيق تنفسه , ورغم كل ِّ ذلك صارت طليقته تلاحقه عن طريق عشاقها .. اينما توجه وكيفما توجه , يراهم أمامه وخلفه , وكأنهم شياطين استدعتهم خصـِّيصاً ليلاحقوه و يعتدوا عليه بالضرب ...و بالضرب الموجع والمؤذي , ماذا تريد منه هذه المرأة .. أن يـُقتـَل ؟ .. أن يموت ؟ ..هل تريد أن ترتاح منه ؟ . حتى لا يعود يذكـِّرها بخيانتها؟ . أم تريد أن تنتقم ..لأنه كشفها وفضحها في المدينة كلـّها ؟ .. أم هي تحاول أن يعيش في خوف ٍ دائم ؟ أن يحيا بلا حياة ؟ وكيف يحيا بلا حياة ؟ بلا إحساس بلا شعور ٍ بإنسانيته ؟ إنه كهر ٍ تلاحقه الكلاب المسعورة .. كل ُّ ليلة ينام في مكان مختلف , في بيتهم القديم , في ركن معتم ٍ من بناء غير مكتمل , في باحة مسجد أو كنيسة , ومرة ينام عند أحد معارفه القدامى .. ولكن إلى متى ؟ حتـَّى عندما لاحقه جارهم أبو سليم , , لم يكن خوفه بهذا الحجم , كان يرافق أباه أو أحد أصدقائه , فيشعر بالأمان , وكان ينام في بيتهم وبأمان أيضا ً .. مع أن جارهم كان عنده إمكانيات وقدرات أكثر منها .. هي ممرضة , عملها مواساة المرضى وتمريضهم والتخفيف من آلامهم , , فكيف تنقلب إلى ذئبة ٍ متوحشة ٍ في معاملتها وتصرفها معه ؟ لم يعد يستطيع العيش هكذا و ولن يسمح لها بمسخه جرذا ً يتنقل من جحر لجحر , خوفا ً من زبانيتها , وهو لا يملك سوى هذا العمر الذي يشعر أن لديه رغبة ً لمواصلته بحرية وسعادة , حتى يقر ِّر الله أن يسترده ..ولديه ذكرياته التي هي مكسبه الوحيد في هذه الحياة , والتي لا يستطيع أحد ٌ سلبه إياها , ستبقى معه وترافقه إلى القبر ... لذلك لملم ذكرياته قبل أن تنبت حولها الأعشاب البرية , وتعربش عليها وتخنقها .. ولملم أيضا ً ما تبقى معه من نقود ٍ وبعض ملابس ,وأخذها معه وسافر إلى مدينة يافا , لكنه لم يستطع العيش هناك .. فتركها وسافر إلى القدس , حيث قر َّر أن يعيش هناك .. فهل سيرتاح في مدينة القدس ؟ أم سيبقى كالتائه في صحراء ٍ لا نهاية لها .... أم يعود ويصطدم بهذه الدنيا مرة ً أخرى , فإما أن تفجـِّره كما النيازك فيتطاير في آلاف الشظايا أو يصمد ويتابع طريقه....
صفحة 2
كان يسير الهوينا ويحادث نفسه , وهو عائد ٌ إلى غرفته العتيدة في المقبرة الكبيرة .....
هل أنا ما أنا ؟ أم ظـِل ٌ لما كنته ؟ أم غبارُ سفر ٍ علق على هامش الحياة وتتطابر مع هبات الريح العاتية ؟ هل بعت ُ الماضي ؟ أم هو الماضي الذي باعني , وأصبح علي َّ أن أبحث عن حقيقتي من جديد ؟ ولنفرض بأني ما زلت أنا فايز الحلاق ؟ هل يجب علي َّ وقد أصبحت ُ على أبواب الستين ,أن أواصل العمل الجسماني كي أستطيع العيش بكرامة ؟ وهل بقي َ عندي كرامة ؟, بعد ضياعها مع آخر عاصفة ٍ صحراوية ٍ هبت على حياتي , فأصبحت كريشة ٍ في مهب الريح .. لولا بعض عزيمة ٍ , وبعض تمسكٍ برغبة ِ الحياة, كتمسـُّكِ الغريق بقشة ِ النجاة .. وبما إني قد قرَّرَت ُ مواصلة الحياة فعلي َّ مواصلة النضال , كقائد ٍ عسكري ٍّأعطى أوامره الأخيرة ِ لجنوده ِ , بمواصلة المعركة ِ حتى َّ آخر طلقة ... علي ّ أن أواصل الحياة حتـَّى يقرَّرَ الله ُ نهايتي , كغيري من البشر . والحياة ُ تعني الكرامة ُ أولا ً , وأن تشعر بوجودك ثانيا ً , وثالثا ً إنه ما زال لديك بعض أعمال وبعض أقوال يجب أن تكملها وتنهيها , والأهم من هذا وذاك وأنه ما زال لديك الكثبر من الآمال لم تحققها بعد .. هذه الأمور تحتاج إلى المال لتحقيقها , هذا العنصر الذي اخترعوه ُ لإذلال البشر , وتقسيم الدول والعالم كلـُّه بين غني ٍّ وفقير , والغنى يعني القوة , والفقر يعني الضعف ...هز َّ رأسه قليلا ً وتابع الحوار مع ذاته المتململة .... يجب علي َّ تأمين هذا المال ُ , كي أستطيع العيش بأمان واحترام وكرامة .. عدنا إلى الدائرة ِ الأولى , كثور ِ "الحنانة " يدور ويدور ُ وهو َ ما يزال ُ لا يبرح ُ مكانه ُ , فما العمل ؟ مخصصات "النخوت " - النقص - من التأمين القومي ,بالكاد تكفي ... ولكن ألا تكفي السنوات التي عملت فيها ,كما تعمل النملة أو الدابة , دون كلل ٍ أو راحة, لتؤ مـِّن لي حياةً هادئة ً وكريمة ً ؟ هِه ْ ؛ لو كنت ُ أعمل موظفا ً في أحد البنوك , أو معلما ً أو أية ِ وظيفة ٍفي إحدى الشركات , وأنا جالس طول الوقت بتراخ ٍ وكسل , واضعا رجلا ً فوق رجل ٍ , لكان معاش التقاعد الذي سيضاف إلى مخصصات التأمين سيكفيني , حتـّى إني أستطيع أن أشتري سيارة ً صغيرة ً متواضعة ً ,تساعدني في تنقلاتي وفي نزهاتي أيضا ً , هِهْ ؛ ما هذه الأفكار التي تنتابني ؟ أيحق لي أن أفكر َفي مثل هذه الأمور وأنا بعيد ٌ عن مدينتي التي و ُلدت ُ وعشت ُ فيها ؟ غريب ٌ أنا في هذه المدينة ِ العظيمة ...كالسندباد , وتائه ٌ مثل عوليس .. لا ..لا ..لا يجب أن أكون متشائما ً كبوم , فها قد أصبح عندي بيت ,ـ إن كنت أستطيع أن أ سمّي المكان الذي أسكنه بيتا ً ـ كما إني صرت أعمل ــ غير مهم نوع العمل ــ بائع َ جواربٍ مستقل ,عمل ٌ محترم ٌ يقيني شر ّ العوز ...ألم يقل المثل إعمل في النفايات , ولا تكن نفاية ..
هكذا كان فايز الحلاق يكلم ُ نفسه ُ, وهو َعائد ٌ إلى ركنه المعهود , في المقبرة الكبيرة الواسعة الأرجاء , كساحة ِ الميدان ..
صفحة 3
أخذ يسير كالدراويش , يتمايل ببطء ٍ و يدندن ُ بلحنه الشعبي ّ المفضل "يا رايح عالشام سلم عالحبيب " وهي َأغنية ٌ من جملة الأغاني التي كان أبوه (رحمه الله) يرددها هي َ وغيرها من الأغاني الشعبية مع ( شلة ) أصحابه كل مساء ٍ تقريباً , بعد انتهاء العمل في محلقة ِ أبيه .. كانوا يشترون بضع حبات ٍ من "الخيار والبندورة " , مع "بطحة عرق".. يشربون العرق و"يمزون " على شرائح الخيار والبندورة , وفي بعض الأحيان ,يكون أبوه ُ قد جلب معه ُ من البيت قطعة ً من "الجبنة البلدية" أو"كدرة لبنة " تضاف إلى "المازة" فتحلو الجلسة أكثر , كان أبوه عازفا ً ماهرا ً على آلة ِ العود , يعزف ويغني في هذه الجلسات , والأصحاب يغنـُّون معه من الأغاني التراثية والشعبية , قلوب نظيفة بدون مشاكل ٍ أو تعقيدات , وحياة متواضعة بسيطة , كل ِّ واحد ٍ منهم هادئ ُ مرتاح , كانوا يتابعون جلساتهم حتـّى تفرغ "البطحة " فيتفرقون .. كل ٌ إلى بيته ِ ,كرهبان الدير ِ كل ّ ٌ إلى صومعته , وهم في أسعد حال , ويتابعون الغناء بأصوات ٍ منخفضة حتـّى يصلوا إلى منازلهم .
***
كانت الشمس قد أخذت تستعد للرحيل بعد تعب النهار الطويل ... كعامل ٍمتمرس ٍ أنهى ساعات عمله ِ , تـَعـِبا ً , ويرغب في الأسترخاء والراحة ...ِ حيث عَبَرَتْ(الشمس) سماءَ المدينة
من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب , وكانت بعض الخيوط الحمراء تتحرك مع زحف الشمس
نحو المغيب , كأنها ضربات فرشاة رسـّام ٍ ماهر , أو ربما خيوط ٌ من دماء الشمس نزفت منها , خـِلال رحلتها النهارية ــ يا لهذا الكون العظيم , ويا لهذا الخالق الأعظم ...كل شيء ٍيسيرُ ويتحرك بدقة متناهية ٍ لأن أقل خطأ في هذا النظام سيجعل الكون يتداخل بعضه ِفي بعض , فإما أن ينفجر , أو يتلاشى , وعلى كلا الحالتين لن يبقى هذا العالم , ولن تبقى هذه الملايين من البشر .. إنها نهاية ُ العالم كما هو مكتوب في الكتب السماوية ...هكذا بقي يتابع أفكاره و يحدث نفسه أيضا ً , و كانَ الناس ُ قد أخذوا يتأهبون للعودة ِ إلى بيوتهم بعد ساعات ٍ العمل الطويلة ,
مثل الشمس تماما ً ... دون أن يلتفت أو يهتم أحد به , وبأفكاره التي لا تنتهي ...
صفحة 4
لم يدر لماذا أحس َّ عندها ببعض الضيق ,أهوَ شعوره بالغربة ِ ؟ أم أحساسه بالضياع ؟ وكأنه ُمقطوع ٌ من شجرة.. لماذا هذا الشعور يفاجئه كرصاصة ٍ طائشة ٍ تصيبه ُ في صدره , أطلقها صياد ٌ وهو َ يلاحق ُ طيور الحجل , أو الغزلان البرية , مع أنه ُ أخذ يشعر في المدة ِ الأخيرة ِ , ببعض الراحةِ ,بعد أنتقاله ِ إلى القدس ,هربا ً من كثرة ِ المشاكل مع زوجته القاسية اللعوب , أو بالأصح العاهرة, بعد أن تطلـّقَ منها بعد جهد ٍوتعبٍ ومقابلاتٍ ومحاكمات ٍ كنسية ٍ ومدنية , ٍ وسجون . . ثلاثة أعوامٍ قضاها في السجون , وكأنه قاتل ٍ مأجور , بعد أن رمته ُ فيها ,لتعاشر َ من تشاء وتضاجع من تشاء . ورغم ذلك لاحقته ُ حتـّى هربَ أخيرا ًمنها ومن عشـّاقها إلى هنا . أخذ َ يهز ُّ رأسه ِ كخروف ٍ أرعن .. إنه إلى الآن لا يعرف ُ لماذا خانته ُ زوجته الثانية , وهل يجب أن يعرف ماذا في رؤوس الآخرين ؟ فمن الناحية ِ الأجتماعية ِ هو معروف ٌ كإنسان ٍ محترم ٍ مستقيم ٍ وحلاق ٍ ماهر , لا يعتدي على أحد , ومقبول ً أيضا ً من الناحية ِ الجسدية , فليس عنده أيـَّة ِ عاهة ٍ خلقية ٍ أو جسمانية , جميل الوجه ممشوق القوام , قوي البنية , نقطة ضعفه في أنفه الكبيرٌ بعض الشيء بفتحتيه العريضتين ,فقد كان يعكـِّرَ جمال هذا الوجه , واكتمال جمال رجولته .. أمـَّا من الناحية المالية ِ فكان لديها من المال أكثر منه , ومن الناحية الجنسية ِ , كان يضاجعها مرتين وربما ثلاث مرات أحيانا ً في الأسبوع ,كان يلاطفها ويقبلها ويضمها إلى صدره بحنان ٍ ولهفة , ويداعبها ويناغشها , وعندما كان يشعر أنها أ ُثيرت واستعدت للقائه يميل معها وبها ويمارسان الحب بكل قوة , كانت تجاريه في الجنس بدلال ٍ مع استمتاع ٍ كامل ٍ ,ولهفة وتشوّ ُق ٍ من كلا الجانبين , كان ينتبه في أغلب الأحيان إلى رغبتها القوية في ممارسة الجنس , ولكن ليس إلى درجة الأبتذال .. كانا في نهايات الأسبوع يسافران ِ إلى أماكن مختلفة ٍ في نزه ٍ تستغرق ُ النهار َ كله , ويأكلان في أفضل ِ المطاعم , وفي بعض الأحيان يعودان في المساء , وما كان في منظرها أو تصرفاتها ما يد ُّل ُ على أنها إنسانة ٌ شـَبـِقـَة , ومع كل ِّ هذا كانت تخونه ُ مع أكثر من شخص ٍ واحد , الشائعات وتلميحات المعارف والناس , لاحقته وعكرت عليه حياته لدرجة أنه صار يسير في شوارع المدينة ويحدث نفسه كالمجانين , وفي بعض الأحيان كان ينتبه إلى نفسه , فيلتفت يمينا ً ويسارا ً ليرى إذا انتبه أحد المارين عليه أو سمعه وهو يكلم نفسه , أحقا ً سيجن ُّ ؟ خصوصا ً أنه لم يلحظ منها أي تصرف ٍ مشين , ومع هذا ؟ .. أيستطيع الأنسان أن يخفي مشاعره ُ إلى هذا الحد ؟ أم يستطيع أن يعيش بوجهين ؟ أكانت مثل دكتور جيكل ومستر هايد؟ أم كان ساذجا ً وغبيا ً إلى حد ِّ العَبـَط ؟ أم كما يقول المثل "الزوج آخرَ من يعلم " ؟ كل هذه الأمورلم يعرفها أو يجد لها تفسيرا ً , حتـَّى بعد أن قر َّر أن يصارحها بشكوكه , ويطلب منها أن تعترف له بالحقيقة , قر َّر ان يحاول معها بطريقة المصارحة المياشرة , علـَّه ُ يستطيع أن يعرف شيئا ًكي يستريح .. ففي مساء احد الايام وهما يرتشفان القهوة فاجأها بسؤاله ..
ـــ هل أنت سعيدة ٌ معي يا ناديا ؟
صفحة 5
أجابته بسرعة وبسؤال ٍ عكسي ٍّ و دون أن تتأثر بسؤاله المفاجئ ..
ــــ لماذا هذا السؤال ؟
ـــ أريد أن أطمئن إلى وضعنا ..
ـــ حسنا ً ...أنا سعيدة ومرتاحة ٍ معك ..
فجاء سؤاله الثاني إستفزازيا ً أكثر ..
ـــ ألست نادمة على زواجنا ؟
ـــ ما هذه الأسئلة اليوم ؟ ماذا دهاك يا فايز ؟
ـــ أرجوك أجيبي بصراحة ..
ـــ كلا َّ لست نادمة ..
عندها فجـَّرَ الموقف قائلا ً بلهحة هجومية جافة ..
ـــ هل تعاشرين غيري ؟
لم تتأثر بسؤاله , ولم يرمش لها جفن .. أعصاب من حديد , وهدؤء قاتل ..
ـــ ها ..هآ , الآن عرفت غرضك من كل أسئلتك الملتوية , ولكن قل لي من أين عرفت الأمر ؟
جوابها فيه شبه إعتراف , لكنه يريد معرفة الحقيقة كاملة ..
ـــ إسمعي يا بنت الناس جئتك ِ بطريقة ٍ حضارِيـَّة , دون صراخ ٍ أو ضرب , فقولي الحقيقة ولن أؤذيك , لا تخافي ..
جاءت أجوبتها بلهجة جافة ٍ ومقتضبة.
صفحة 6
ــــ نعم .
ـــ ما دمت هكذا لماذا ارتبطت بي لماذا قبلت الزواج مني ؟ ما دمت تحبين غيري ؟
وهنا ارتفع صوته أكثر ..
ـــ لا تصرخ أنت طلبت مني أن أقول الحقيقة , وأنا سعيدة معك . ولا أحب غيرك
ـــ إذاً لماذا تعاشرين غيري ؟
ــــ لا أدري
ـــ لكن هذا يـُسمى دعارة ..
ـــ أنا لا أتقاضى نقودا ً من أحد .
ـــ أنت إمرأة زانية .
ـــ هذا جسدي وأنا حرة فيه .
ـــ لكنك حين وقـَّعت على قسيمة الزواج , أقسمت يأن تكوني لي وحدي .
ـــ لا أدري , شيء ٌ ما أقوى مني يدفعني إلى عمل ذلك .
ـــ أنت تمرغين كرامتي في الطين , وتدوسين على شرفي .
ردَّت عليه عندها بحد َّة .
ـــ شرفي ؛؛.... كرامتي ؛؛...أنتم الرجال تربطون شرفكم بأسفل ِ عضو ٍ عند المرأة .
ـــ لكنك تبيحين جسدك كلـَّه لكل من يضاجعك .
صفحة 7
ـــ لا أدري هكذا أنا , أشعر بحاجة قويـِّة ٍ إلى الرجل .
ـــ وأنا رجلك , وهل أقصـِّر معك بشيء ؟
ـــ وهل أقصـِّر أنا بشيء ٍ أيضا ً ؟
ـــ أنت تخونين الأمانة .
ـــ لاأستطبع غير ذلك .
ـــ لن أستطيع العيش معك بعد اليوم , غدا ً صباحا ً تأخذين ملابسك وأغراضك ِ وتعودين إلى بيت أهلك حتـَّى ننهي زواجنا بالطلاق .
ضحكت عندها ضحكة تهكمية وقالت له بلهجة التهديد .
ـــ هاذا البيت بيتي , أنت َ الذي سيتركه , غدا ً صباحا ً , ولماذا صباحا ً , الآن خذ ملابسك وعد إلى أمك العجوز .
عندها وقف واندفع نحوها ليضربها , لم تـَخـَف ْ من حركته , بل أجابته بكل ِّ وقاحة .
ـــ إذا لمستني سأشكوك للشرطة , وستنام الليلة في السجن , الأفضل لك أن تخرج َ بهدوء وسلام.
تجمـَّد في مكانه , لكنه لم يفكر مرتين , ابتعد عنها وأخذ بعض الملابس قائلا ً لها .
ـــ سآتي غدا ً لأخذ ما تبقى .
ـــ لا تعد إلى هنا , سأبعث لك بكل ما تبقـَّى لك , لا تخف لن آخذ شيئا ً منها .
وهكذا خسر بيته وخسر زوجته وخسر نفسه , وكان يتمتم ويتساءل وهو عائد ٌ إلى بيتهم القديم أهي حقا ً امرأة مستهترة ٌ أم مسكينة ؟
صفحة 8
بقيت ناديا جالسة ً لوحدها في غرفة الجلوس في بيتهم الصغير , تفكر كيف تطورت الأمور بينهما بهذه السرعة وإلى هذا الحد ...أيعودان إلى بعض , أم ان ما حدث لا رجعة فيه ؟ ..كلوح زجاج ٍ أنكسر ولن يعود إلى الإلتحام مرة ً أخرى ...كانت سعيدة معه هي لا تنكر ذلك ..وكانا يعيشان بسلام ٍ ووئام ... لماذا لم تكذب عليه ؟ لماذا لم تتهرب من الإجابة و بطريقة المراوغة النسائية؟ وحركات الدلال المعهودة ؟
كان سيعرف آجلا ً أم عاجلا ً ....وسألت نفسها بهدوء : لما ذا تحب الرجال إلى هذا الحد ..إنها لا تحبهم ..إنها تحب المضاجعة , فهي لا تحس بلهفة ٍ عاطفية مع أي ٍ منهم أو تشعر برغبة إلى إرتباط ٍ شبه دائم ٍ معهم , كل ما تحس به هو رغبتها الشديدة بالجماع , وفي بعض الايام , خصوصا ً قبل أن يحين موعد عادتها الشهرية بثلاثة أو أربعة أيام .. تصيبها حالة من الهيجان الجنسي فتحس أن جسمها كلـُّه يغلي بدماء الرغبة , واعصابها تنتفض كبراكين تحاول الأنفجار , وأن دقات قلبها تقرع كطبول ٍ إفريقبة , وأنها ستختنق إذا لم تنم مع أ يّ ِ رجل ٍ ٍليفجر براكينها من الداخل وان ثقل جسمه فوقها سيريح أعصابها , وأن ممارستها للجنس ستطفئ ُ النيران المشتعلة في شرايينها , ....تبقى هكذا حتـَّى تمارس الجنس , تستمتع وتستريح ... أنه نوع ُ من الإدمان , تماما ً كمن يتعاطى المخدرات .. لو عرف زوجها بحالتها , ربما غفر لها , لكنها الأنانية وحب التملك لدى الرجل , وممارسة سطوته هي التي تقرر في هذه الحالات ... كانت تتعرف على شخص معيـَّن , تعاشره أسبوعا ً أو أسبوعيَن على الأكثر , لتتركه وتتعرف على غيره ....
كانت ناديا البنت الوسطى لعائلة محافظة ٍ متوسطة الحال وكثيرة الأولاد , أدخلها أهلها لتعمل وتتعلم التمريض في أحد المستشفيات وأيضا ً تنام هناك في سكن ٍ معد ٍ لذلك لم تكن تتجاوز الخامسة عشرة , فتاة صغيرة ٌ لا بأس بجمالها ,وجهها مستديرأبيض كباقي جسمها , فمها صغير ٌ كذلك أذنيها ,لكن شفتيها ممتلئتين , شعرها مجعد بعض الشيء , فتاة نقية متواضعة تنقصها الخبرة ومعرفة الناس والحياة و تنقصها التجارب والثقة بالنفس , لاسند يعينها في هذا الجو الجديد , ولا أبٌ أو أم ُ يهتم بها ويحافظ عليها , كفراشة خرجت لتوها من شرنقتها .. وهناك وقعت في براثن مجموعة ٍ من الممرضين الأشقياء الذين كانوا قد كو َّنوا فيما بينهم فريقا ً مهمته اصطياد الممرضات الجديدات الصغيرات , واغتصابهن وإجبارهن على ممارسة الحب حين يحلو ذلك لأحد هؤلاء ِ الممرضين , وهكذا ولسوء حظ ناديا وقعت بين براثنهم ... مصيدة من إناء بلـُّوريٍّ شفاف مليء ٍ
صفحة 9
بالشموع المضيئة , التي تجذب إليها فراشة ً بريئة مثلها , لتحرقها الأضواء الخادعة التي تسطع من الإناء ... فلم يمضِ ِ أكثر من شهرين على دخولها حتـَّى أخذوا يتوددون إليها ويعاملونها بكل لطف وحنان , شعرت بعطفهم وباهتمامهم بها , وبهذه الطريقة تقربوا منها , وصاروا يدعونها لمشاركتهم جلساتهم وشرب الشاي أو القهوة معهم , لكنهم كانوا يحيكون خيوط العنكبوت حولها , وهي على صغرها وطيبة قلبها لم تنتبه لما بخبــِئونه لها ,... في إحدى الليالي الباردة , دعوها كعادتهم لشرب فنجان شاي في غرفة أحدهم , وضعوا فيه قليلا ً من المخدر , كيلا تفقد الوعي وتنام بل ترتخي وتبقى بين الحلم واليقظة , لا تستطيع المقاومة , بل تشعر كأنها في عالم الفنتازية , لتعرف ما يجري لها , بعد أن شربت الشاي أحست بثقل ٍ في رأسها وارتخاء ٍ تام في جسمها تمددت دون إرادتها على السرير , وفي ثوان ٍ قصيرة نزعوا عنها ثيابها وتناوبوا عليها الواحد بعد الآخر , والمسكينة ترى وتشعر ما يجري لها دون أن تستطيع فعل شيء , وبعد أن صحت ورأت حالها ورأت خيطا ً من الدماء يلطخ ساقيها وأطراف ملابسها السفلى , وأحست بالتعب والألم خصوصا ً بين فخذيها , فهمت الوضع على حقيقته ولكن بعد فوات الآوان ,نظرت إليهم بعينين حزينتين لكن غاضبتين تشع منهما نار حارقة من القرف والحقد والإتهام ,دون أن يرمش جفن واحد من أي واحد ٍ منهم , بل العكس كانوا يبتسمون في وجهها , وتجرأ أحدهم وسألها :أن كانت قد استمتعت معهم .... أخذت الدموع تنهمر من عينيها وهي تتساءل : لماذا.. لماذا فعلتم بي هذا ؟ ؛ الا توجد في قلوبكم رحمة ..أليس لديكم ولايا ؟ ؛ أجابها أحدهم بنبرة ٍ جافة ٍ وقاطعة : أنت رغبت في هذا , وإن حدثِت ِ أحدا بما جرى ستقعين على رأسك , نحن لم نستعمل القوة معك و وكل ُّ شيئ ٍ جرى بموافقتك , كما أننا نستطيع أن نؤذيك يا شاطرة ....وتابع آخر : عليك مجاراتنا سنعاشرك من الآن فصاعدا ً بمتعة أفضل لك ولنا , سيعاشرك واحد ٌ منـَّا فقط اسبوعا ً كاملا ً وينسحب ليأتي غيره في الأسبوع التالي ... ستتمتعين كثيرا ً بهذا الأمر , صد ِّقينا يا ناديا
لملمت ملابسها وتسللت إلى غرفتها , وهي تتساءل : أيوجد أناس في هذه الدنيا بهذه الوحشية والقذارة ؟ أهانت الضمائر والإنسانية على هؤلاء , فانقلبوا إلى شياطين ليفعلوا عملتهم المشينة ويمارسوا حقارتهم على البنات الصغيرات أمثالها ؟ ويقتلوا شعلة الحياة في قلوبهنَّ قبل أن تكتمل إشتعالها ؟ أخذت الدموع تتساقط كوابل من المطر من عينهبا اللتين خبا بريقهما مع احتراق عذريتها , لكن الذي أراحها , أنه ما أن وضعت جسدها على السرير حتـَّى نامت كأنها مضت عليها سنة دون نوم ....
صفحة 10
أخذت بعد ذلك تعاشر مرغمة الواحد منهم أسبوعا ً و تعاشر ألآآخر في الأسبوع الذي يليه ,, في أول الأمر كانت خائفة ومرغمة , لكن بعد مدة صارت تستمتع بالأمر , وصارت تطلبه , ولم تعد تستطيع الإستغناء عنه .. لقد نجحوا من أجل شهوتهم المحرمة , في جعلها مدمنة جنس , وفي سبيل تنفيذ نزواتهم , حطموا حياتها ومستقبلها .... بعد ذلك قررت أن تنجح في حياتها العملية , فصبـَّت كلّ جهدها وذكائها في دروسها وعملها محاولة إثبات أنها إ نسانة قوية وسوية , وأصبحت ممرضة ماهرة ومعروفة , وارتفع تبعا ً لذلك أجرها ومركزها المهني , وعـُيـِّنت مسؤولة على الممرضات في أحد أقسام المستشفى , إلى حين حدثوها عن رغبة فايز بالزواج منها ...فكرت بالأمر وبأنها ممكن أن تعيش كغيرها من النساء وأن يصبح عندها بيت ٌ وزوج ٌ وأبناء , وبعد أن عرفت عن العريس ما تريد معرفته , وتعرَّفت عليه شخصيا ً ,وافقت على الزواج منه ,لكنها لم تستطع التحرر من عاداتها السيئة , أو تتخلص من شبقها الجنسي .. وهكذا وجدت نفسها بلا زوج ٍ من جديد .....
***
تابع فايز سيره بعد أن صحا من أفكاره التي ما زالت تنغـَصُ عليه حياته , المـُشوَّشة ِ أصلا ً .. الجو يميل إلى البرودة رغم شهر حزيران الصيفيّ , لكنَّ المكان الذي يسكنه لا يوصف , لجماله وهدوئه , فالأشجار تحيط بالمقبرة في أغلب جوانبها ,والأعشاب والأشواك متناثرة ٌ هنا وهناك , وبعض الأزهار مختلفة الأنواع مشرقةٌ بألوانها الزاهية وأريجها المنعش , الذي ينعش النفس أو ربما يوهم الأنسان بالأنتعاش , كغيره من مباهج الحياة .. أما هوَ فقد سلبت منه زوجته الثانية أوهامه , كما سلبت ماله وبيته ُ ....
كانت الأزهار مرتبة ً ومهذبة ًٌ مما يدل على أن هناك من يرعاها ويهتم بها . والأهم من كلِّ هذا , سكان هذي الحديقة ِ( المقبرة) فالأموات لا يزعجون أحدا ً , لا يتخاصمون ولا يفتعلون المشاكل كالأحياء , ولا يحقدون على بعضهم البعض .. بل العكس هو الصحيح , فالأحياء يعتدون عليهم وعلى المقبرة أيضا ً,كما يعتدون على كل ِّ شيء , فهناك المدمنون على المخدرات , وهناك أيضا ً المدمنون على المشروبات الروحية والعاهرات والشواذ من الرجال , كان الله بعون هذا المكان المقدس وهذه المقبرة صاحبة التاريخ العريق . . والواقع أنها لم تعد تـُستـَعمل كمقبرة , ففيها قبورٌ هنا وهناك , كشجيرات الصحراء , وقد جار عليها الزمن .منذ أيام الأنتداب البريطاني , حيث اقتطعت السلطات البريطانية قطعة ً لابأس بها , بحجة بناء معسكر ٍ لجنودها , كما بنت في قطعة ٍ أخرى بعض البيوت لضباطها .. وبعد احتلال إسرائبل , لكل ِّ الأراضي الفلسطينية سنة ـ1967 ـ تابعت السلطات الأسرائيلية ,اقتطاع أجزاء ٍ أخرى بشتى الحجج ِ والقوانين ـ بل ربما كان الأنجليز قد بدأوا الأمر بترتيب مع اليهود ـ فتارة ً لشق شارع ٍ جديد ٍ, وتارة ً أخرى لأقامة حديقة ٍ عامة ,كأنها قطعة قماش يقطـِّعونها على مزاجهم . عدا عن إعتداءات الجيران اليهود , بتوسيع بيوتهم على حساب أرض المقبرة , حتـّى لم يتبق َّ منها سوى أربعة ِ أو خمسة ِ دونمات بعدما كانت تمتدّ ُ على مئآت الدونمات ...