تقديم
الفضاءات الشعرية تنفتح في ديوان
" حكاية تروي البحر"
لايتجاوز الوعي الابداعي الانساني الموجودات التي تحاكي ذاته، وتنشأ علاقة وطيدة مع سياقه الوجودي من جهة، وسياقة التاريخي من جهة اخرى، هذا ما يقدمه لنا ديوان " حكاية تروي البحر" المتضمن ل (35) نص شعري مميز، وذلك عبر حالة شعرية ذات خصوصية واضحة، وبراعة في ابتكار اللغة والصور بعيداً عن ما هو مألوف من خلال فضاءات شعرية متنوعة اثمرت نضجاً ووعياً متنامياً لدى الشاعر في ديوانه الرابع، من العنوان نلمس قيمة الوظيفة الاغوائية او التاثيرية التي انتهجها الشاعر وذلك بوصفها آلية ذات طابع تحريضي، تنطوي على فعل القراءة الذي يعد بشكل من الاشكال ممارسة تفكيكية من حيث هي قراءة في دوال النص وآلياته، ومن ثم نلاحظ تلك المساحة والفضاءات الشعرية التي اشتغل عليها سواء من حيث فضاءات النفس او الواقع او التاريخ.
وتعتبر فضاءات النفس هي من مرتكزات هذا الديوان باعتبار ان الذات الانسانية تقبع في خضم هذه التجربة بين معطيات تفصيلية منوعة منها تلازمية ومنها تفاعلية واخرى شعورية لايمكن حصرها في اتجاه محدد دون الاخذ بنظر الاعتبار الاتجاهات الاخرى حتى ان كانت مغايرة ومتضادة معها، وعلى هذا الاساس عاش شاعرنا فى مهمة لا تنقطع، يبحث باستمرار عن ذاته الحقيقية، ويسعى لتعريف العلاقة بينها وبين العالم، ومن هنا كان يقدم ذاته ويطرح نفسه كمشروع إنساني لا يقف وراء ستارة بل تجد ذاته حاضرة في اغلب ان لم نقل كل نصوصه " وانا حبل ممزق انتظر / حورية البحر" و " ماعدت ادرك لي ارادة/ طيف" و " لكنك لاتأمرين بسوء وانا لاادري/ تزواج القناديل" و " أتسحر والغراب يأكل من رأسي/ تجلت الاقمار" و" انا اسافر لوحدي/ انفاس المطر" و" انا ظلم لنفسي/ اعصار الحب" ووردت انا بصورها المختلفة في نصوص اخرى كنص شمس اخرى وغياهب الشوق ورحيل النوارس مما يشير وبوضوح الى تجلي الذات في التماساته الوجودية وترويه الصوفي.
على هذا الاساس نجد بأن فضاءات النفس اخذت حيزاً كبيراً في الديوان بل وكما اسلفنا القول شكلت احدى اهم مرتكزاته وهذا ليس بامر غريب على الشعر الحداثي الذي تعتبر فضاءات النفس هي الاقرب الى وجدان الشاعر والاعمق في تشكيل تجربته الشعرية والاصدق في التعبير عن معاناته وهمومه واماله والامه واحواله واندهاشاته وقلقه واغترابه وانكساره وانتصاره وقوته وضعفه كما يقول " د. احمد الزعبي" .
لقد تمخض عن فضاءات النفس جملة قيم تقويمية ذات علائقية واعية بالذات الشاعرة وشكلت من خلال مكوناتها وتراكيبها الدلالية معالم صورية مبتكرة منتمية بوجوديتها الى الذات، ومعبرة بنسقها التوظيفي عن مدى المؤثرات البرانية والتي تمثلت في الكثير من الاحيان بالبحر وماسواه في السياق الاجمالي للنصوص.
اما فضاءات الواقع فقد انبثق منها صور اغترابية اخرى تتناسب الانغماسات الذاتية في العمق الوجودي المنحاز هنا الى التشاؤمية او العدمية باعتبارها صورة مستنبطة من منطومات الواقع نفسه، سواء على المستوى الاجتماعي او العاطفي او الثقافي او غيره من المستويات التي ساهمت في تشكيل رؤية الشاعر وموقفه وفلسفته في الحياة والوجود، وكذلك في بلورة رسالته من خلال الشعر ففي قصيدة الدمع خارج المجاز تجلى هذا الاندماج الحتمي " كان العالم معطوباً وطال انتظاره للمعجزات.." لتعبر بوضوح عن رؤية الشاعر وعن فلسفته وموقفه من الواقع، الذي يمر بتحولات غير مسبوقة في منظومته القيمية على اغلب الاصعدة.
وفي سياق فضاءات التاريخ نجد توهجاً واضحاً في منظومة الشاعر الدلالية وتماهياً مع دوائر انتمائية موروثة واخرى انسانية تتناسب مع قراءة الشاعر للوجود لكون قراءته للتاريخ بلاشك ستختلف عن قراءة الاخرين فهو يقرأه من منظور وجداني تأملي ثم تخزن في اعماقه هذه التأملات والانفعالات حتى اذا ما جاءت لحظة ولادة القصيدة وجد هذا المخزون الوجداني المتراكم يتسرب الى عالم القصيدة ويشكل ارضية يبني الشاعر عليها رؤيته وموقفه واحلامه بل وتنفتح امامه افاق ومديات ربما لم يكن يتوقعها " تفتح كل بوابات التاريخ امامي، فانا من الاغريق، وظلي من مصر القديمة../كهرمان العقيق"، وفي قصيدة زجاج لايلين نراه يتقمص دور الصوفي الذي يرى في الذات الملهمة له بانها كل الوجود وكل الحضارات" انتِ الحضارة القديمة والجديدة..."، وبهذه المحاكاة وذاك التماهي نرى ان شاعرنا استغل تلك الفضاءات الشعرية بآليات وتقنيات حداثية موفقة.
كل تلك المرتكزات استطاعت ان تقدم لنا ديواناً شعرياً مميزاً ومتفرداً سواء من الناحية البنائية والتوظيفات الدلالية والصورية او من الناحية الشخصية حيث جعلتنا نلامس قوة شخصية الشاعر وموهبته التعبيرية التى تطرح ذاتا متفردة فى وجودها وعلاقتها مع الموجودات ضمن دائرة التشظى وكسر التابو.
جوتيار تمر
كوردستان العراق
الاهداء
إلي ذلك َالطيفُ الذي علمني الصبر
كي أنحـتُ شِعـري من الحـجـرِ الفرعونيِ في الليلِ
كي أميزُ الأزرقَ والأخضرَ والأسودَ في الليلِ
وأعشقُ المعاجمَ والمناجمَ والآثارَ
لتنبعثُ أميرة الشمس من قلب الليل
شَمْسٌ أُخْرَى تُهدي نفسي إليَّ
وتعطي قلبي إليَّ فأُبعثُ حيَّا
إلي كل أنثى تحترمُ أنوثتها وتعرف كيف يكون الحب
إلي كل من وقع تحت طائلة المعاناة
إلي كل من لا يعرف الاستسلام
إلي من تعلمت منه كيف يكون الحنان والحب والرجولة
والدي رحمه الله
توقيع
أنا مَحْذُوْفٌ مِنْ سِجِلاّتِ الْعَالَمِ الْرَسْمِيَّةِ
وَ مُثَبَّتٌ فِي نَيَاشِينِ حُرُوْفِي
تَرْمُقُنِي الشَّمْسُ بِنِصْفِ عَيْنٍ
أَقْبِضُ وَحْدِي عَلَى الْعَتْمَةِ
وَ أَصُدُّ قَوَافِلَ الْعَمَى
لَيْسَ مَعِي سِوَى ظِلِّي
فينيق نباليّ الانبثاق من تحت الرماد
محمد خالد النبالي
حُورَّيةُ البَحْرِ
حَتَّامَ يَبْقَى قَلْبِي مُتَدَحْرِجاً
وَرَاءَ قَمَرِكِ الْمُنْزلِقِ
فَوْقَ أَسْطُحِ الأَنْهارِ
وَ أَنَا أَسِيرُ خَلْفَكِ
كَشَجَرَةٍ بِلا أحْلامٍ
تَقْتَاتُنِي الْعَواصِفُ وَ الأَرْصِفَةُ
وَ تَثُورُ بِي شَهْوَةُ الجُذُورِ فِي بَاطِنِ الْأرْضِ
وَ سَفِينَتُكِ رَاسِخَةٌ بَيْنَ الْأَمْواجِ الْرَنَّانَةِ
وَ أنَا حَبْلٌ مُمَزَّقٌ أَنْتَظِرُ عَلَى الْمَرْسَى
لِأَقْبِضَ عَلَى رُسُوخِكِ بِتَمَزُّقِي؟!
وَرَثْتُ عَنْ آبَائِي لَيْلاً طَوِيلاً
وَ بَيْتَاً مِنَ الْجَحِيْمِ الْخَالِصِ
وَ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَقَارِبِي
سِوَى بَعضِ التَّمَاثِيلِ
وَ أَنَا اشْتِهَائِي لَكِ
شَاسِعٌ كَالْبَحْرِ
وَ أنَا الْمُرَاقَبُ
مِنْ شَرَاشِفِ السَّرِيْر وَ سَاعَةِ الْحَائِطِ
وَ بَعْضِ شَهادَاتِ التَّقْدِيْرِ
الَّتِي تُعْلِنُ حُسْنَ سَيْرِي
مَجْرَى الشَّرَايينِ ضِدّ شَهَادَةِ التَّقْدِيْرِ
جِدَارُكِ مَمْلُوءٌ بِالقَواقِعِ النَّيْئِةِ
وَ لَيْلِي جَائِعٌ لِلسَّهَرِ
فَمَتَى تُخْمِدِيْنَ جَذْوَةَ الْاِشْتِهَاءِ ؟!!
امْرَأةٌ مَطَاطِيَّةٌ
تُفَاجِئُنِي البَسَاتِينُ
إنْ تَدْلِف العَيْنُ عَبْرَ فَرَادِيسِها
عِقْدُ التُّفاحَةِ مِنْ مَطَاطٍ
هَلْ يُمْكنُهُ أَنْ يَتَوقَفَ قَليلاً ؟!
لأَسْألَهُ كيفَ يَرُجُّ الحَليبَ ولا يَخافُ ؟
مِنْ ثَقْبِ البَلُّورَاتِ
لَكنَّهُ دَائِماً عَلى صَوَابٍ
فَلا يُمْكنُ لإِيقَاعِ الصَّحْرَاءِ أَنْ يَتَوقَّفَ
وَ لا لِمَوْجِ البَحْرِ أَنْ يَخْرُجَ
مِنْ أَبَارِيقَ مِنْ فِضَّةٍ
فَلَمْ تَعُدُ آلاتُ الفَحْمِ تُدِيرُ
مَا بِكِ مِنْ تِكْنُولُوجَيا الأَبَدِيَّةِ
وَ لَا يُمْكِنُ لِطُيورِ الخَشَبِ
أَنْ تُقَلِّدَ تَغَارِيدَ حُضُورِكِ
فَأَنْتِ مَنْ تَمزِجين الرَّغْبَةَ بالمَعْرِفَةِ والسَّلامَ بالنَّدَى
وتُمْسِكِينَ بِسِلْسِلةِ مَفَاتِيحِكِ
تَفْتَحِينَ القُصُورَ والقِلاعَ
وتَدْفِنينَ البَوارجَ في قَاعِ المُحِيطِ
بَيْنَمَا الأَحْلامُ
تُطَارِدُنِي كالّلعْنة
لِمَاذا تَبْرُزينَ كَالمَلَاكِ ؟!
بَيْنَ الخَرَائِبِ المُعَقَّدَةِ
وَ أَنَا كَالمُفَاعِلِ النَّوويِّ
بِدَاخِلي نِسْبَةٌ شَاهِقَةٌ
مِنَ الْخَطَأِ والخَطَرِ
أُرَاقِبُ نَمْلَةً مَشْغُولَةً بِتَحْريكِ حَبَّةِ قَمْحٍ
وَ وَحْدِي أَرَاكِ مُعَلَّقَةً فِي الْفَضَاءِ كَالشَّمْسِ
فَأَنْتِ مَنْ فَكَّكّ عُرَى جَسَدِي
مِنْ تَحْتِ قَمِيصِيَ الوَاقِيِ
فَاخْتَلَطَتْ جَمِيعُ جِهَاتِي
وَ المَدُّ وَ الجَزْرُ وَ القَوْمُ جَمِيعَاً فِي البُيُوتِ
لَا يَحْفَلونَ بِأَيِّ لَاهِثٍ .!
مَنِ الْذَّي غَابَ .. ! ؟
أَنْفَاسُ الْمَطَرِ
جِيْدُكِ رَذَاذٌ عَفِيْفٌ
وَ عَيْنَاكِ عَالَمُ غَيْبٍ يُطِلُّ مِنْ خَلْفِ الضَّبَابِ
وَ سَوَائلُ الْلَّذَّةِ تَمْلأُ أوانٍ زُجَاجِيَّةٍ
وَ مَجَرَّاتُكِ فَوْقَ العَدِّ وَ الإدْرَاكِ
وَ أَنَا ذَرَّةٌ تَائِهَةٌ
تَشْتَهي أَنْ تَنَامَ في إِحْدَى قِلاعِكِ
وَ عُيُونِي تَزْرَعُ سَمَوَاتكِ جِيْئَةً وَ ذَهُوْبَاً
وَ الْأَوْقَاتُ تَهْرُبُ مِنِّي
وَ لَا تَتْرُكُ لِي سِوَى الدَّمَامِلِ وَ الْخَرَائِبِ وَ كِتَابِ الْمَوْتَى
وَ الْلَّيلُ يَشُدُّ يَدِي بِغِلْظَةٍ
والنَّهَارُ يُخْرِجُ لِي لِسَانَهُ ثُمَّ يَمْضِي وَ لَا يَلْتَفِتُ إلِي
وَ رَأْسِي كُرَةٌ صَغِيرةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي الْفَراغِ الضَّخْمِ
بَيْنَ الجنِّيَاتِ وَ مَرَاكِبِ الذَّهَبِ
وَ كُلُّ مَلَكُوتِي فِي ثُقْبِ إبْرَةٍ
بَيْنَمَا أنْتِ كَالسَّمَاءِ تَتَزَيَنِينَ بِالنُّجُومِ وَ الشَّفَقِ
وَ تَشْهَقِين كَالصُّبْحِ حِينَمَا يَتَنَفَّسُ
فَجِسْمُكِ طَاوُوسٌ أبَديٌّ
وَ أَنَا مِنْ قَشٍّ وَ رَمَادٍ
أُقَاتِلُ مِنْ أَجْلِ حَفْنَةٍ مِنَ الْهَواءِ
طُقوسٌ بربريّة
قَلْبِي بَيْنَ حَجَرَيّ الرَّحَى
وَ صَدْرِي مَمْلُوءٌ بِالصَّهِيلِ
وَ بِي رَغْبَةٌ كَبِيرةٌ لِلسَّفَرِ
عَبْرَ أشْجَارِ زَيْتُونِكِ الْلَزِجِ
وَ أَشْتَهِي أنْ تُعِيدِي تَرْتِيبَ خَارِطَةِ عَالَمِي
وَ تَدْفِنِي الْأَطْلَالَ
فِي عَيْنِي الْمَجْرُوحَةِ
الَّتِي لَا تَرَى
إلاّ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْيَوْمِ وَ الْلَّيْلَةِ
أَصْبَحْتُ مِثْلَ كُتِبِ التَّارِيخِ الْمَحْفُوظَةِ
فِي جَوّالاتٍ مِنَ الْخَيْشِ الْقَدِيمِ
انْفُضِي عَنْهَا الْغُبَارَ ثُمَّ أَحْرِقِيْهَا
اتْرُكِي لِجِسْمِي مَسَاحَةً
مِنْ وِجْهَةِ النَّظَرِ هُنَا
لَعَلَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَوْلِ لَا
وَ لَا يَبْقَى مَصْلُوبَاً
تَحْتَ أشْجَاركِ